الأحد, 21 أيار 2017 15:16

وقفات مع الآية "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن"

يقول سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن)، يقول الإمام الرازي -رحمه الله-: "في هذه الآية: (وقل) يا محمد (لعبادي) إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين، فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن، وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطا بالشتم والسب، ونظير هذه الآية قوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وقوله: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).

وذلك لأنّ ذكر الحجّة لو اختلط به شيء من السبّ والشتم لقابلوكم بمثله؛ كما قال: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود، أمّا إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجّة بالطريق الأحسن الخالي عن الشتم والإيذاء، أثّر في القلب تأثيرا شديدا، فهذا هو المراد من قوله: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) ثمّ إنّه -تعالى- نبّه على وجه المنفعة في هذا الطريق، فقال: (إنّ الشيطان ينزغ بينهم) جامعا للفريقين، أي: متى صارت الحجّة مرّة ممزوجة بالبذاءة، صارت سببا لثوران الفتنة"[مفاتيح الغيب (20/ 355)].

ويقول العلاّمة الشعراوي -رحمه الله-: "ف"الأحسن" إذن تَشيُع لتشمل كُلَّ حَسَن، في أيِّ مجال من مجالات الأقوال أو الأفعال، ولنأخذ مثلاً مجال الجدل، وخاصّة إذا كان في سبيل إعلاء كلمة الله، فلا شكّ أنّ المعارض كَارِهٌ لمبدئك العام، فإن قَسَوتَ عليه، وأغلظتَ له القول، أو اخترتَ العبارة السيّئة؛ فسوف ينتقل الخلاف بينكما من خلاف في مبدأ عام إلى عَدَاء شخصي.

وإذا تحوَّلَت هذه المسألة إلى قضية شخصية فقد أججَّتَ أُوَار غضبه؛ لأنّه في حاجة لأن تَرفُقَ به، فلا تجمع عليه مرارة أن تُخرِجه ممّا أَلِف إلى ما يكره، بل حاول أن تُخرِجه مما أَلِف إلى ما يحبّ، لتطفئ شراسته لعداوتك العامّة، وتُقرِّب من الهُوّة بينك وبينه فيقبل منك ما تقول، يقول -تعالى-: (وَلاَ تَستَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ادفع بالتي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الذي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)[تفسير الشعراوي (14/ 8611)].

إذن: فبيان الحقّ بالحكمة والموعظة الحسنة، والتمسّك بالخلق الحسن، والقول الليّن،... هذا هو الذي يتميّز به الحقّ عن الباطل، وينهض به المحقّ ولا يستطيعه المبطل،.. أمّا السبّ فإنّه مقدور للمحقّ وللمبطل فيظهران حينئذ بمظهر التساوي بينهما.

بل ربّما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحقّ.. ولنعلم أنّنا جهة إصلاح، لا جهة محاسبة.. وقد لاحظت أنّ بعض إخواني وأحبابي -بدافع الغضب، والحماسة الدينية- يتجاوزون الحدّ في الردّ على المخالف لهم، ويخرجون عن رزانتهم، ويخوضون في اتّهام النيّات، ويتلفّظون بألفاظ فيها طعن وتجريح، وعبارات تتضمّن السبّ و الشتم، والذمّ والتعيير، والإهانة والتحقير: "شيطان مريد، منافق، كذاّب، عدو الله، لعنة الله عليه، قبّحه الله، أخزاه الله، الخ...".

وسواء أكان ذلك بالحقّ أو بالباطل؛ فإنّ هذا الأسلوب أسلوب هدم لا أسلوب بناء، أسلوب ينفّر الناس ولا يبشّرهم، ويبعدهم ولا يقرّبهم، ويبغّضهم في الحقّ وأهله ولا يحبّبهم، وأين هذا الأسلوب من قول ربّ العزّة -جل وعلا-: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن)، (وقولوا للناس حسنا.. )، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم)، (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن)، (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم).

وهنا قد يقول قائل: "إنّ الغضب لله محمود، وهذا من باب الحزم في النقاش، والغلظة مع أمثال هؤلاء مطلوبة... الخ".

فيقال: ليس الكلام عن الغضب، وإنّما الكلام عن الأدب.. ومن يغضب لربّه، لا ينبغي أن يخالف ما أمره به. ولا يجوز أن نتّخذ من الغضب لله ذريعة لأقوال وأفعال تخالف شرع الله.

بل ينبغي أن نتخلّق بالحلم، ونمسك أنفسنا وألسنتنا عند الغضب، كيف ونبي الهدى -صلى الله عليه وسلم- يقول لنا: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)).

وها هو -عليه الصلاة وسلّم- أتقى الخلق، وأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية، كان يغضب لله، ولكنه كان عفّ اللسان في كلّ أحواله، يقول أنس -رضي الله عنه-: "لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشا، ولا لعّانا، ولا سبابا".

وتقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مهلا يا عائشة! إنّ الله يحب الرفق في الأمر كلّه)) فقلت: يا رسول الله! أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد قلت وعليكم)).

وقال: ((إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلاَّ زانه، ولا يُنزع عن شيء إلاَّ شانه)) أليس لنا فيه أسوة؟

هذا مع اليهود، الذين قال الله فيهم: (لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا...) فكيف بمن هو دونهم؟؟ فكيف إذا تعلّق الأمر بمسلم مهما بلغ جرمه وإثمه؟

ولو ذهبنا نستقصي النصوص القرآنية، والنبوية، وأخبار السلف في هذا الباب لطال بنا الأمر، ولعلّ ما ذكرته يكفي -إن شاء الله تعالى- لتوضيح المطلوب، وشرح المقصود، والعاقل تكفيه الإشارة، فأرجو أن تتّسع صدور إخواني لهذه النصيحة التي أذكّر بها نفسي أوّلا، قبل أن أتوجّه بها إليهم، فإنّ فيهم من يفوقني في العلم، ويسبقني في الفضل، ولكن قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، والحكمة ضالة المؤمن، والله أعلم، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

منقول (بتصرف)