Thursday, 25 May 2017 10:26

رمضان كيف تستعد له... كيف تستثمره؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين..

عندما يأتينا شهر رمضان يكون قد مضى أحد عشر شهرا على الذي قبله، ومعنى ذلك أنه يزورنا في كل عام مرة واحدة، فلا بد أن نتواصى هذه الأيام بما ينبغي أن نستقبل به هذا الزائر الكريم.

الدنيا مزرعة الآخرة

وأول ما علينا ذكره هو أن الدنيا مزرعة الآخرة، فما زرعناه في هذه الدار الأولى هو الذي نحصده في الدار الآخرة وهذا الشهر المبارك ينبت من الأجر والثواب عشرة أضعاف ما ينبته شهر آخر، وبعبارة أخرى إذا استوى عمل العبد في رمضان وفي شهر آخر فإن رمضان بعشرة أمثال هذا الشهر، فكيف لا نخص هذا الشهر بعناية زائدة ورعاية فائقة، ونحسن زراعته ولا ندع من بستانه شيئا يبقى فارغا أو تملؤه الأشواك والطفيليات، وإذا كان الوقت كله نعمة، فإن الأوقات تتفاضل وينبغي أن يتفاضل الاهتمام بها والغيرة عليها تبعا لذلك .

أياما معدودات

وإذا كان صيام رمضان كما قال الله تعالى }أياما معدودات{ إذا حسبته بالشهور فهو شهر واحد وإذا حسبته بالأيام فهو تسع وعشرون أو ثلاثون يوما، وإذا حسبته بالساعات فهو سبعمائة وعشرون ساعة، فهو زمن قليل، ويشبه الزائر السريع الذي يسلم ثم لا يلبث أن يودع، فإذا لم تقض حاجتك منه لم ينتظرك، فأي كلمة تحث على الاستفادة من زيارة هذا الشهر الكريم فهذا أوان استعمالها، فسارع وسابق ونافس وبادر واغتنم وترصد وتعرض ولا تؤخر ولا تسوف ولا تغفل ولا تكسل ولا تتهاون.

إن شهر رمضان شهر التطهر وهو شهر التزود، فيه يمكن أن تتخفف من الذنوب التي اجتمعت في سائر العام، وفيه يمكن التزود بالحسنات النافعة يوم المعاد وهو بهذا مثل موسم تجاري تباع فيه الأشياء بعشر ثمنها وافتتاحه مع ثبوت هلاله وإغلاقه مع ثبوت هلال الشهر الذي يليه .

للصائم فرحتان

والفرحتان كما جاء في الحديث الشريف إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة إذا أفطر فرح بذهاب العطش ورجاء ثبوت الأجر بعد إتمام الصوم، وإذا مات فرح بلقاء ربه وبثواب الصوم الذي قدم بين يديه.

فهل تتم الفرحتان إلا إذا كان صومنا صوما لائقا بمكانة هذا الركن ولائقا بجلال الله الذي نعبده ونمتثل لأمره .

إن المسلم لن يفرح بأي صوم كان بل يفرح بالصوم الذي يرضيه، وهو صوم المحسنين، الذين يصومون أحسن صوم يقدرون عليه، ولا يدخرون وسعا في الارتقاء بصومهم إلى أعلى درجات الجودة والإحسان.

«فمن شهد منكم الشهر فليصمه»

وها هو القرآن الكريم يفتح أبواب المنافسة بين الصائمين عندما يقول المولى عز وجل }فمن شهد منكم الشهر فليصمه{. ولا يخفى أن الصوم درجات بعضها فوق بعض، فقد يكون الرجلان في الظاهر صائمين وما بين صومهما كما بين السماء والأرض، بحسب ما تحقق به كل واحد من شروط الصوم وأخلاق الصائم. وقد بشر الله تعالى عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }أولائك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب{.

ترشيد التدين في رمضان

يمتلئ هذا الشهر بالعادات وليست جميعها حسنة ويدخل الشهر على المسلمين وهم على أحوال فيها الحسن والقبيح. ورمضان فرصة مناسبة لترشيد الفهم والتطبيق، وإعادة النظر في العوائد والأفكار والأقوال والأفعال بما يتفق مع الإسلام الصحيح. وقد اختارت «حركة التوحيد والإصلاح» ترشيد التدين شعارا مرحليا إدراكا منها لأهمية التجديد والتقويم المستمر للفهم والعمل، فالحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية للمسلم عرضة لأنواع من الانحرافات ورمضان هو الزمن المثالي لهذا الترشيد، فليكن شاملا وعميقا بشمول الإسلام وعمق معالجاته لانحرافات النفس الإنسانية.

صُم صيام مودع

وإذا كان ترشيد التدين وتجديده والارتقاء به مشغلة كل مسلم، فإن هذا الترشيد هو الذي يجعله قدوة عندما يراه الناس في زيادة من دينه كل وقت فيقتدوا به وأبناء الحركة الإسلامية شعروا أو لم يشعروا قدوة بين الناس فمكانهم في السباق هو المقدمة، ولا يقبل منهم التأخر والتخلف وإنما يقبل منهم التقدم المستمر حتى يكون كل رمضان جديد خيرا من الذي قبله، ويكون صومهم صوم المودع الذي إذا قيل له تموت الساعة لم يقدر أن يزيد في عمله شيئا .

فضائل رمضان

وإذا كان رمضان ربيع السنة وموسمها الرابح بلا منازع فإن حسن الانتفاع به يقتضي معرفة فضائله، وفضائل رمضان كثيرة:

شهر القرآن: فيه ابتدأ نزول القرآن الكريم إلى الأرض، ففي ليلة من لياليه نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق ثم تتابع نزول الآيات والسور على مدى ثلاث وعشرين سنة، وكان جبريل عليه السلام يدارس مع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان حتى إذا كانت السنة التي توفي فيها عليه الصلاة والسلام عرض معه جبريل القرآن مرتين، قال الله عز وجل: }شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان{.

شهر الصيام: وهو شهر الصيام اختاره الله تعالى ليكون الشهر الذي تؤدى فيه هذه العبادة العظيمة، وصار الركن الرابع من دين الإسلام وهو صيام رمضان، وهو شرط في إسلام المسلم وشرط في دخوله الجنة، ولو فوض الإسلام للناس اختيار شهر الصوم لاختلفوا في الاختيار، لكنه سبحانه وتعالى سماه وعينه، ومنذ ذلك الوقت صارت مزية من مزايا هذا الشهر على غيره من الشهور .

شهر التقوى: ليس لأن التقوى تختص به دون سواه، ولكن مقاصد الصيام تنتهي كلها إلى مقصد جامع وهو تقوى الله عز وجل وخشيته ومراقبته في السر والعلن، وأجواء رمضان تعين على هذا المقام وتقود إليه، لذا قال الله عز وجل : }يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون{.

فالصوم طريق من طرق التقوى والتقوى طريق إلى الجنة: }إن المتقين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر{.

شهر المغفرة: فقد اجتمعت في رمضان ثلاثة أسباب للمغفرة هي، صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر منه، ففي حديث ابي هريرة كما في البخاري «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».

فمن أدركه رمضان ولم يغفر له فهو محروم لأن موجباتها قد اجتمعت فيه كاملة .

شهر الإخلاص: فالصوم ليس من الأعمال التي يرائي بها المراؤون لأنه لا يظهر. فكان رمضان بذلك مدرسة في تعلم الإخلاص في سائر الأعمال والحرص على إخفائها واحتساب ثوابها عند الله. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي».

شهر العبادة: إن الأعمال الصالحة تضاعف في ثوابها، فإذا كان رمضان كانت مضاعفة أخرى. وبعبارة أخرى، فالحسنة بعشر أمثالها وفي رمضان تصير العشرة مئة، وهذا إغراء أن تكون كل لحظة في رمضان وعاء للعبادة، كما قال الله عز وجل لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : }فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب{. ومما يحسن الاشتغال به في رمضان اداء الصلوات الخمس في وقتها وأداء التراويح في المساجد، والاجتهاد في النوافل النهارية والليلية وتلاوة القرآن الكريم والإكثار من ذكر الله تعالى وحضور مجالس العلم والمكث في المساجد وإرشاد الناس وتعليمهم والنصح لهم وسيأتي ذكر ذلك لاحقا.

شهر الصبر: ففي رمضان أنواع الصبر كلها، فيصبر على الطاعات ويصبر عن المعاصي ويصبر على أقدار الله عز وجل ويصبر على أذى الناس، فإذا تكاسل عن طاعة شمر وقال «إني صائم»، وإذا تطلع إلى شهوة محرمة، قال «إني صائم»، وإذا سابه أحد أو شتمه قال «إني صائم»، وإذا نزلت به مصيبة قال «إني صائم» لا أجزع ولا أسخط، عزيمته وإرادته في يوم صومه أقوى وأشد، فالصوم نصف الصبر والصبر نصف الإيمان والله تعالى يقول: }إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب{، ويقول سبحانه: }إن المسلمين والمسلمات والمومنين والمومنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما{.

شهر الشكر: وكما كان رمضان شهر الصبر فهو شهر الشكر أيضا لأن وقته نعمة وصيامه وقيامه نعمة وما أعد الله للصائمين في عاجلتهم وآجلتهم نعمة، فهو بهذه الفضائل نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل التي تستوجب الشكر، لذلك قال سبحانه في آيات الصيام من سورة البقرة: }ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون{، فعندما يكمل الصائمون عدة رمضان ويستقبلون يوم العيد يجعلونه يوم الشكر. وبهذا اجتمع الصبر والشكر في شهر رمضان فكان ذلك من فضائله ومقام الصابرين والشاكرين مقام عظيم عند الله تعالى.

شهر التوبة: وإذا كان رمضان شهر الرحمة والمغفرة، فكيف لا يكون شهر التوبة، ففيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين، والواقع يشهد أن رمضان يعرف توبة العدد الغفير من المسلمين، بل ما من مسلم إلا وهو يتوب في هذا الشهر إلا قلة قليلة، غير أن موضوع التوبة يختلف ونادرا ما تجد مسلما لم ينتفع برمضان في رجوعه إلى الله تعالى وتوبته من الذنوب والمعاصي، وإن كان المسلمون في ذلك يتفاوتون.

شهر الدعوة: فالقلوب في هذا الشهر أقرب إلى الانتفاع بالموعظة والأجواء الربانية التي تسود فيه تجعل منه موسما للدعوة والبلاغ والترغيب والترهيب والموعظة والتذكير فهو فرصة الدعاة ليوقظوا القلوب ويرشدوا الحائرين ويثبثوا العائدين والسائرين، ولم يكن رمضان في يوم من الأيام شهرا للكسل والخمول، بل هو شهر العمل بمعناه الواسع الذي يشمل كل أنواع العمل الصالح ومنها الدعوة إلى الخير.

شهر الوقاية: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم جُنة» أي وقاية، وهو كذلك يقي المسلم من الأمراض البدنية والأمراض القلبية، كما يقيه النار يوم القيامة كما جاء في الحديث أن الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة.

وفي رمضان يتوازن غذاء الروح وغذاء البدن، وتظهر وسطية الإسلام في أجمل صورها، فالصوم بالنهار والفطر بالليل، وكل من الجسد والروح يأخذ غذاءه باعتدال.

شهر التضامن: في رمضان تعلو مشاعر الأخوة الإسلامية على أي مشاعر أخرى، ويتوحد المسلمون على صيام رمضان فيعلمون أنهم أمة واحدة.. دينهم الإسلام ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، في رمضان تذوب الخلافات الجانبية بين المسلمين وتتراجع الدعوات المفرقة ويصنع الصيام إحساسا بالوحدة، بل إن هذا الصيام يقيم الصلة بين الصائمين الأحياء وإخوانهم الذين سبقوهم من الأنبياء وأتباعهم، لأن الصيام من الدين المشترك بين الرسل، مصداقا لقوله تعالى: }يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقلون{.

هل نحن جاهزون؟

تلك بعض فضائل رمضان.. فهل نحن جاهزون للمنافسة عليها والمسابقة إليها؟

إن ما نحتاجه هو أن نصوم رمضان حق الصيام، وهذا يحتاج منا إلى فعل وترك، فنفعل الفرض والنفل ونترك الإثم واللغو.

لا نهتم بالفعل على حساب الترك ولا بالترك على حساب الفعل لأن الإسلام جمع بينهما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر». فإن كنتَ تبغي الخير فأقبل وإن كنت تبغي الشر فأمسك لأن رمضان ليس للتضييع ولا للتمييع، وخير وسيلة لصرف النفس عن الإثم هو شغلها بالبر وأبوابه كثيرة، فلنذكر أمثلة البر والإثم:

أنواع البر الذي ينبغي الإكثار منه

أ التفقه في أحكام الدين عامة وفي أحكام الصيام خاصة، فإن الله عز وجل يُعبد بالعلم، والذي يعبد على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، وفقه الصيام كغيره مر بأطوار. وخير ما يأخذ به المسلم هو فقه السلف الصالح فإنه يتسم بالتيسير وتضييق دائرة المفطرات وجبر الصوم ما أمكن. وقد ظهرت مؤلفات معاصرة ترفع الإصر والأغلال التي أثقلت بها بعض الاجتهادات كاهل الصائمين، ويمكن التمثيل لهذه المؤلفات بسلسلة تيسير الفقه للشيخ يوسف القرضاوي، وفيه جزء عن فقه الصيام.

ب الصلوات الخمس، فإنها أسبق من الصوم، ولا يستقيم أن يهتم المسلم بالصوم ويضيع الصلاة، وتضييعها يكون بتركها أو إخراجها عن وقتها أو الانتقاص من ركوعها وسجودها وخشوعها أو التهاون بالخروج إليها في المسجد، ورمضان مناسبة لتعود الصلاة إلى مكانتها ويزول هذا التفريق الظالم الذي يقع فيه الكثير من الناس حتى إن بعضهم يصوم ولا يصلي.

ج الإكثار من نوافل الصلاة، وخاصة التراويح التي تميز ليالي رمضان، وقد مضى العمل بها في مساجد المسلمين عبر القرون، وكثير من الأئمة يصلي بالختمة وهذا فضل لا ينبغي تفويته، غير أن التراويح ليست النافلة الوحيدة في رمضان، فإن الرواتب والفجر والضحى والشفع والوتر والنفل المطلق أنواع أخرى لصلاة التطوع، وكلما أكثر المسلم فالله تعالى أكثر، ولا يمل الله تعالى حتى يمل العبد.

د ملازمة المساجد والعكوف فيها للصلاة والذكر وتلاوة القرآن والتفكر وسماع الدروس، ففي الحديث: «صلاة الرجل في الجماعة تفضل صلاته ببيته وسوقه بسبع وعشرين درجة، ذلك أن أحدهم إذا توضأ وخرج من بيته لا يريد إلا الصلاة ولم يخط خطوة إلا كتبت له بها حسنة ومحيت عنه بها خطيئة، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه ما لم يؤذ فيه».

وذكر سبحانه الاعتكاف في المساجد في آيات الصيام فقال: }ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد{، والاعتكاف من العكوف وهو المكث والملازمة.

ه الاشتغال بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وإنصاتا وحفظا ومراجعة في المسجد وفي البيت والسوق والسيارة وغيرها، وإذا كنا نتفنن في ملء مائدة الإفطار ونتحلق حولها ونتناول منها، فإن مائدة القرآن الكريم أعظم نفعا وأبعد أثرا.

و الذكر الكثير، فإن الذكر حصن المسلم وهو دواء القلب، وبه يلين وتزول عنه القسوة وهو السلاح الذي يطرد الشيطان ويمنعه من الاستحواذ والسيطرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحواله والأذكار كثيرة منها المطلق ومنها المقيد بوقت أو بعدد ويمكن الرجوع إلى كتاب الأذكار أو غيره للوقوف عند ذلك تفصيلا.

ز الدعاء، ففي رمضان تجتمع أسباب كثيرة للإجابة أولها الصيام، ففي الحديث، ثلاث دعوات لا ترد منها دعوة الصائم وثانيها الجموع الغفيرة من المؤمنين الذين يؤمنون على الدعاء وثالثها هذا القيام الذي يكون بعد العشاء وقبل الفجر، فإنه وقت إجابة. ففي الحديث ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: «من يستغفرني فأغفر له، من يسألني فأعطيه، من يدعوني فأستجيب له»، إذا دعا المسلم فليدع لنفسه وأهله وإخوانه وعامة المسلمين.

ح الإنفاق في سبيل الله: بهذا تجتمع العبادة البدنية وهي الصوم مع العبادة المالية وهي الإنفاق. وقد شرع الإسلام زكاة الفطر في آخر الشهر لتأكيد هذا المعنى، غير أن الإنفاق أوسع من زكاة الفطر في آخر الشهر وهو إما واجب أو تطوع فيبدأ بالإنفاق الواجب ويزيد عليه التطوع، وفي الحديث: «من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئا».

ط العمرة في رمضان كحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف، ومن لم يقدر على نفقة العمرة وسفرها فهو مأجور بنيته، ومن قدم على العمرة أعمالا رآها أنفع له وللمسلمين فهو مأجور باجتهاده أيضا، وينبغي على من أنشأ نية العمرة أن يكون قصده خالصا لله عز وجل وأن يقوم بالحقوق قبل أن يسافر وأن يعرف لذلك المقام حرمته وقدره.

ي القيام بالمهنة: فالدراسة والحرفة والعمل المهني، كل ذلك داخل في مسمى العبادة، ويمكن أن يكون رمضان شهر الزيادة في الإنتاج وشهر النشاط والعمل وشهر الانتصارات في مختلف الميادين، بل إن الصيام نفسه انتصار على النفس وعلى الشيطان.

ك القيام بحق البدن: وذكرنا هذا النوع من العمل حتى لا يظن أحد أن الأعمال العادية ليست من العبادة، ففي الحديث نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح وفيه «إذا وضع الرجل شهوته في حلال كان له أجر». وفي التنزيل: }أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر{.

وتأخذ هذه الأعمال من أكل وشرب ونوم واستراحة ما تستحق بغير إسراف حتى تكون عونا على العبادة ولا تكون عائقا عنها.

ل القيام بحق الأسرة: ومن كانت له أسرة، فهذه فرصته للتوجيه والإرشاد بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة، فليغتنم اجتماع أهله على مائدة الإفطار والسحور لينصح لهم ويغتنم الصلاة والتراويح ليرافقهم، وإذا كان له ابن أو بنت وأطاق الصيام أن يأمره به، وإذا رأى ببيته عادات سيئة في رمضان أن يصلحها.

م الدعوة إلى الله تعالى، بين الأسرة والمعارف والأقارب والأصدقاء وعموم الناس. والدعوة إلى الله باب كبير من الوسائل والوسائط التي يمكن استعمالها في هذا الشهر الكريم، ومنها الدعوة الفردية، والدعوة العامة وتوزيع الكتب والأشرطة وعقد المجالس التربوية والندوات والأمسيات والمسابقات والأنشطة الرياضية والزيارات والمكالمات والحوارات عبر المواقع الالكترونية والمقالات الصحفية وكافة الوسائل التي يتواصل الناس بها، والله عز وجل يقول: }ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين{.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لأن يهدي الله بك رجلا واحد خير لك مما طلعت عليه الشمس». فكيف إذا كانت هدايته على يدك في شهر رمضان؟

أمثلة لما ينبغي اجتنابه في رمضان

تلك بعض الأعمال التي ينبغي الاشتغال بها في رمضان وما لم نذكره أكثر مما ذكرنا لأننا لا نستطيع أن نسمي كل أعمال البر، ففي الحديث «كل معروف صدقة». غير أن العبادة ليست فعلا فحسب، بل هي ترك أيضا، وفي رمضان ينبغي الاهتمام بترك ما نهى الله عنه، ولهذا نذكر أمورا من هذا الجانب:

إذا كان الحلال يصير في نهار رمضان حراما، وهو الأكل والشرب والجماع، فإن الحرام الذي نهى الله عنه يتأكد اجتنابه في رمضان لعل الله تعالى يوفق العبد فيستمر بعد رمضان على ما كان عليه أثناء الشهر الكريم.

وإذا كان أكثر الصائمين يتجنب المفطرات الحسية فلا يأكل ولا يشرب ولا يقرب زوجته حتى تغرب الشمس، فإن المفطرات المعنوية لا تلقى نفس الاهتمام، وهذا هو التحدي الذي ينبغي أن نواجهه وننتصر فيه، فالحرص على الصوم الحسي والتهاون مع المفطرات المعنوية هو الخطر الأكبر في رمضان. ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه التفرقة فقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، وقال: «كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش».

إن الفم والفرج جارحتان من الجوارح الإرادية للإنسان، لكنهما ليستا الوحيدتين، فللإنسان جوارح أخرى هي القلب واللسان والسمع والبصر واليدان والرجلان. وفي رمضان ينبغي مراقبة هذه الجوارح كلها وتجنيبها الإثم واللغو وكل ما ليس من سعي الآخرة وما لا أجر فيه ولا فائدة لأن السيئات تزاحم الحسنات في الميزان يوم القيامة وقد تعصف الآثام بالصوم فتذهب بثوابه أو تنقص منه وإن كان صحيحا مجزئا على شرط الفقهاء.

نحن لا نريد شروط الصحة فحسب، بل نريد معها شروط القبول، وقد يكون الصوم صحيحا في الظاهر ولا يكون بالضرورة مقبولا عند الله عز وجل، وإلا لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من الصائمين من ليس له من صومه إلا الجوع والعطش؟ وإذا تتبعنا كل جارحة وجدنا قائمة من الآثام التي يفعلها الناس بتلك الجارحة ورمضان فرصتهم لاجتنابها عسى الله تعالى أن يوفق للاستمرار على ذلك بعد رمضان.

من معاصي القلب: الشرك والرياء والحقد والحسد والكبر والخيلاء والعجب والغرور ..

ومن معاصي اللسان: الكذب والفحش والسب والشتم واللعن بغير حق وشهادة الزور وقذف الأبرياء والغيبة والنميمة والإفك والبهتان.

من معاصي الأذنين: سماع ما لا يحل من القول لأن النهي عن الكلام الباطل مقرون بالنهي عن سماعه.

من معاصي العينين: النظر إلى ما لا يحل النظر إليه من العورات والتجسس والتحسس ومشاهدة ما لا يحل من المناظر.

من معاصي اليدين: السرقة والنهب والسلب والقتل بغير وجه حق، والعدوان والبطش، ولمس من لا تحل من النساء وضرب من لا يحل ضربه.

ومن معاصي الرجلين: المشي بهما إلى أماكن الفجور ومجالس الفسق وأوكار الدعارة والفساد والسعي بهما إلى اقتراف الإثم ببقية جوارحه.

ومن معاصي الفم: الإفطار بنهار رمضان بغير عذر وتناول ما لا يحل من المطعومات والمشروبات.

ومن معاصي الفرج: الزنا في نهار أو ليل أو مجامعة الزوجة في النهار بغير عذر، ومن التناقض أن يرتكب الإنسان فاحشة الزنا في رمضان وهو شهر التعفف والتقوى، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الشباب إلى الصوم عندما يتعذر عليه الزواج.

وسائل الإعلام.. سيف ذو حدين

إننا لم نذكر الإعلام ضمن الفعل ولا ضمن الترك لأنه سيف ذو حدين، ففي برامجه ما يصلح سماعه ورؤيته وفيه ما لا يصلح، وكل إنسان بصيرة على نفسه ولو ألقى معاذيره.. فالحذر الحذر من التمادي مع البرامج الساقطة والاسترسال مع المنكرات التي تتسمى باسم السهرات وبرامج الترفيه فذاك رمضان آخر: }ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، أينما تكونوا يات بكم الله جميعا{.

على المسلم أن يتخير من برامج الإعلام ولا يكفي ان تسوق باسم رمضان فالفضائيات والمحطات الإذاعية ومواقع الانترنت مثل الجليس الصالح وجليس السوء، فالأول حامل المسك والثاني نافخ الكير وشتان بينهما.

وهذا التخير الراشد يحتاج إلى صبر، وقد قال الله تعالى: }واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر{.

الواجبات أكثر من الأوقات

إذا نظرنا إلى ما تقدم مما يجب فعله وتركه في رمضان نرى أن الواجبات كثيرة والأوقات قليلة، وقد سأل سيدنا معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال له: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبدُ الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا».

فليحسن العبد الظن بربه وليتمسك بالرجاء والدعاء وليمسك ورقة وقلما وليتوكل على الله وليكتب ما يملأ به كل يوم من الجمعة إلى الجمعة وليدون ما يكون من الإفاقة إلى الظهر ومن الظهر إلى المغرب ومن المغرب إلى النوم. وليعرض برنامجه على التطبيق وإذا رأى أن يصلح فيه شيئا أصلحه. ومن فوائد هذا التخطيط نيل الثواب إذا لم يحل دون التنفيذ مرض أو سفر أو شغل قاهر.

النجاح في الاختيار والأداء

إن النجاح في هذا السباق رهين بحسن الاختيار وحسن الأداء وفي الحديث : «المومن القوي خير وأحب إلى الله من المومن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك».

فالحرص ينبغي أن يقع في محله، إذ ليس كل حريص قد حرص على ما ينفعه... وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحة والمرض، وفي الحضر والسفر، خير الهدي.

}إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت{

وقد ذكر الله تعالى أمة قبلنا، وقال فيهم: }أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون واستعينوا بالصبر والصلاة{، وقال الله عز وجل عن نبيه شعيب: }وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله. عليه توكلت وإليه أنيب{..

فلنتعاون جميعا على فعل ما جاء في هذا التوجيه من البر والتقوى وترك ما حذر منه من الإثم والعدوان.

والله الموفق وهو المستعان.. والحمد لله رب العالمين.