السبت, 29 كانون1/ديسمبر 2012 09:33

التفرغ النقابي ومبدأ الشفافية

كشفت نقابة الاتحاد الوطني للشغل المعطيات الكاملة الخاصة بلائحة الأساتذة المستفيدين من التفرغ النقابي باسمها، وعللت الخطوة التي أقدمت عليها بكونها تندرج في إطار الالتزام بالمبدأ الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، وكذا تمكين المواطن من الحصول على المعلومة، و"دعم مفهوم الشفافية والمساءلة باعتبارهما من مقومات وأسس التدبير الشفاف والرشيد".

والواقع، أن هذه الخطوة التي قد ينظر إليها على أساس أنها استباق للائحة التي ستعلن عنها وزارة التربية الوطنية وشيكا، ليست شيئا كبيرا إذا ما تم قياسه إلى متطلبات واستحقاقات الوثيقة الدستورية التي تشترط أن تكون الشفافية نفسا عاما لا يقتصر فقط على المرفق العمومي، وإنما يشمل كل المؤسسات عامة كانت أو خاصة، حكومية كانت أم غير حكومية. ذلك أن الشفافية في جوهرها ليست قرارا فوقيا يفترض دائما صدوره بقرار سياسي ومقابلته بالاستجابة المجتمعية، وإنما هي ثقافة وتربية ونفس عام يفترض أن يعم المجتمع، وبشكل خاص مؤسساته المدنية التي تضطلع بمهمة تأطيره.

فالمفروض في المؤسسات غير الحكومية، أحزابا وجمعيات ونقابات وغيرها، ألا تنتظر الإشارات من القطاعات الحكومية بهذا الخصوص، ثم تبادر إلى تكييف مواقفها بحسبها، فوضعها الدستوري، والوظائف التي أنيطت بها لاسيما ما يرتبط بالتأطير وتعزيز المشاركة في الحياة السياسية، يفرض أن تبدأ الشفافية من مؤسساتها وهيآتها وأن تقدم المثال النموذجي في ذلك.

إنه من الخطورة أن تصير هذه المؤسسات التي يعول عليها دستوريا وقانونيا في أن تكون الأداة الأولى والحقيقية لتنمية ثقافة الشفافية في المجتمع، أن تصير موضوعا للنقد والمساءلة بهذا الخصوص، والأخطر من ذلك أن تضع نفسها في مواقع الدفاع عن الريع أو تبريره أو التغطية عليه.

إن القانون واضح بهذا الخصوص، فللنقابات حقها القانوني في الحصول على تفرغات لمنخرطيها لتفعيل أدائها وزيادة منسوب التأطير النقابي على أساس من المبادئ الدستورية.  والمسارعة إلى الإعلان عن لائحة المستفيدين من التفرغ من المنخرطين فيها، لا يمكن بحال أن يضر بالعمل النقابي ولا بحريته ما دامت النقابات تلتزم بالأطر الدستورية والقانونية. ولو  كشفت كل نقابة بشفافية عن هذه اللوائح لما كانت هناك حاجة إلى أن إقدام وزارة التربية الوطنية على هذه الخطوة، ولا أن تصير الحكومة إلى أداة لتحريك ثقافة الشفافية في الوقت الذي كان يطلب فيه من المؤسسات غير الحكومية أن تكون الأكثر إلحاحا في طلب الشفافية والنضال من أجل تفعيلها.

طبعا لا ينبغي بهذا الخصوص استباق الأمور والمبادرة إلى اتهام هذه النقابة أو تلك بالتواطؤ لتشجيع الريع النقابي، لكن في المقابل، لا ينبغي أن يترك موضوع التفرغ النقابي من غير ضابط قانوني يسيجه بما يكفي من الإجراءات التي تمنع السقوط في منظومة الريع، ومن ذلك، جعل التفرغ القانوني محكوما بدفتر تحمل تعاقدي بين النقابة والمتفرغ  والوزارة، يحدد معايير استحقاق التفرغ، وشروط استمراره، وشروط سحبه وفقا للحصيلة والأداء التي يقدمها المتفرغ النقابي.

لا شك أن الإعلان عن اللائحة النهائية من طرف الوزارة سيكشف معطيات دقيقة عن خريطة التفرغات، وسيفتح المجال لأخبار كثيرة عن المتفرغين وأدائهم، وسيمكن الرأي العام من التعرف على جملة أعطاب تحف هذا الملف، وسيسمح بفتح نقاش عمومي حول المعايير والضوابط التي ينبغي إحاطة ملف التفرغ بها.

نأمل، كما بادر الاتحاد الوطني للشغل بنشر لوائح متفرغيه، أن تبادر نقابات أخرى للكشف عن لوائحها، وألا يتوقف الأمر عند هذا الحد، وأن يتجه بشكل استباقي إلى المبادرة لفتح نقاش داخلي  بين النقابات لتحديد معايير وضوابط التفرغ النقابي قبل أن تكون مضطرة للتفاعل مع خطوة أخرى في هذا الصدد قد تقدم عليها الوزارة المعنية. 

بلال التليدي

الجمعة, 28 كانون1/ديسمبر 2012 12:03

الأبناء بين قوسين

يمر المرء في حياته بأحداث كثيرة تدفعه الواحدة تلو الأخرى لمزيد من التأمل والمراجعة، وهو في ذلك بلا شك يحتاج لمن يرجع إليه يسترشده ويستهديه وليس على الأرض أفضل من كتاب الله تعالى :" إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (الإسراء : 9) ولقد اتجه التفكير في بيان معنى قوله تعالى :" وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (الإسراء : 82) إلى علاج الأمراض المستعصية ومعلوم أن قراءة القرآن وتدبره وجب أن تتجه إلى معنى أوسع من ذلك...

ومن المعاناة التي للآباء مع أبنائهم درجة المتابعة والطاعة، فيخيل للأب أن الابن طوع أمره يفعل به ما يشاء،  ويخيل للابن أن لا سلطان لوالده عليه كيفما كان، وأن لا أحد يريد أن يعيش في جلباب أبيه أو أمه.

وبالعودة للقرآن وجدنا الطرفين معا ومن الجهتين ،أي الطرفان من جهة الأب والطرفان من جهة الأبناء، والذي يعنينا هنا هما الطرفان من جهة الأبناء

والقوس الأول هو جواب اسماعيل لوالده إبراهيم عليهما السلام  والأب يطلب من ابنه أمرا شاقا لا يطاق وذلك في قوله تعالى :" فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (الصافات : 102)

والآيات غنية بالدلالات والإشارات لكن يكفينا منها هذه الكلمات التي ختم بها سيد قطب حديثه عن ظلالها فقال : يا للأدب مع الله! ويالروعة الإيمان. ويالنبل الطاعة. ويالعظمة التسليم!"

القوس الثاني يمثل الطرف الآخر من الجهة الأخرى وهو جواب ابن نوح لأبيه  وهو إنما يعرض عليه ركوب السفينة، وهو ليس إيمانا ولا كفرا ولكن مع ذلك يمعن الابن في العقوق فلا يرضى الركوب ولا يستجيب للأب وهو يحاول معه في اللحظات الأخيرة قال تعالى :" وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ  قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

ونعود لسيد قطب رحمه الله الذي يقول :" إن الهول هنا هولان. هول في الطبيعة الصامته، وهول في النفس البشرية يلتقيان:}وهي تجري بهم في موج كالجبال{ .. وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد:}يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين{ ..ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل:}قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء{..ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير:} قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم{. وبقية القصة معلومة مشهورة ... وهكذا يرسم لنا القرآن مساحة حركة الأبناء ، ويكون المثال بأبناء أولي العزم من الرسل ليوقن من دونهم من الناس، وكلهم كذلك، أن الأمر يمتد للطرفين. والحقيقة المسلمة أن الناس كل الناس أبناء وآباء، رجال ونساء،لا يخرجون عن القوسين . وبين القوسين نجد في عالم الأبناء ما كان من صراع بين الإخوة سواء بين ابني آدم كما قال تعالى :" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين َ(المائدة :27)ومثله ما كان من أبناء يعقوب عليه السلام كما في قصة يوسف وصدق الله العظيم إذ يقول :" لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (يوسف : 7).

وهكذا لوتتبعنا آيات القرآن لوجدناها ترسم لنا خريطة بشرية فيها البر والفاجر،المؤمن والكافر،الصالح والطالح الأمين والخائن، البار والعاق ... وفيها أيضا التائب والمصر، وفيها من حسنت بدايته وخاتمته ،ومن ساءت بدايته وخاتمته. وفيها من حسنت بدايته وساءت خاتمته ومن ساءت بدايته وحسنت خاتمته. والسوء والحسن درجات ودركات ...نسأل الله حسن الخاتمة.

ومما له صلة بالموضوع دور الوالدين في رسم مسار الأبناء، فيتوهم بعضهم ويغالط نفسه بتحميل الوالدين المسؤولية كاملة وهذا محال وإلا لما وجدنا انحرافا في أبناء الأنبياء ولا وجدنا صلاحا في أبناء الآشقياء ، لقد ابتلى الله ابراهيم عليه السلام بما ابتلاه به فارتقى وقال الله تعالى في حقه: "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً" وهي إمامة نالها بعد جهده وجهاده وصبره وتحمله لم يرثها عن والده وقد مات على الكفر ولم يستطع ان يجعلها باقية في عقبه بدليل قوله تعالى :"  قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي " وعلم الله ما  سيكون من ذرية ابراهيم فقال تعالى :" لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"(البقرة : 124)

وفي ذات الموضوع يرشدنا القرآن إلى أن حكمة الله تعالى قد تقضي بوفاة الولد ولا يعلم الوالدان ما الذي كان سيكون منه من البر أو العقوق، والمهم في المسألة عدم تغييب ما يرشد إليه قوله تعالى في سورة الكهف :" وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (الكهف: 80)

ولهذا وجدنا حملة العرش يقيدون دعاءهم وهم يسبحون ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بان قال الله تعالى عنهم:" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ  رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (غافر : -7 8)فعلى الصلاح المدار ، وفي سبيله تصرف الجهود، والموفق من وفقه الله تعالى.

في الختام نقول إن عالم الأبناء هو حديث عن مرحلة من عمر الإنسان ليس إلا ، فآباء اليوم هم أبناء الأمس، وأبناء اليوم هم آباء الغد... ولله في خلقه شؤون.

 

ذكرتني طريقة إخواننا العلمانيين العرب في ممارسة السياسة بأيام الطفولة، حين كنا نلعب بعض الألعاب الجماعية التي كانت لها قوانين وأعراف، تحدد شروط وطرق ممارسة اللعب والفائز من الخاسر، وكان بعض الأطفال المشاغبين حين يخسرون في اللعب، وتحكم عليهم قواعد اللعبة بمغادرة الميدان، يلجأون إلى أساليب البلطجة وطرق الابتزاز، فيدخلون الميدان عنوة ويقولون: " إما أن نلعب وإما أن نحرّم اللعب"، فتنطلق موجة من المفاوضات والمناقشات والأخذ والرد لإقناعهم بالانضباط لقوانين اللعبة واحترام أعرافها، لكن كبرهم وعنجهيتهم تأبى عليهم الانصياع، فيتحول اللعب – في الغالب – إلى عراك وشجار، ويتحول ميدان اللعب إلى حلبة مصارعة وملاكمة، ويفسح المجال للأيدي والأرجل والعضلات لحسم الخلاف، وفي أحايين قليلة يتم التوصل إلى توافقات وحلول وسط، تسمح باستمرار اللعب، وتدمج المشاغبين فيه، عملا بقاعدة ارتكاب أخف الضررين.  

لم يعد يساور إخواننا العلمانيين شك، في أن رياح الربيع العربي تجري بما لا تشتهيه سفنهم، وبما لا يتوافق مع أهوائهم، ولا يخدم أهدافهم وتطلعاتهم. بل بات من المؤكد عندهم أن اتجاه الأحداث وتداعيات الثورات الشعبية العربية، لا تساير ميولهم الإيديولوجية، ولا تخدم مصالحهم الفئوية، ولا تسير حيث أرادوا لها أن تسير.

ومما زاد من مأساة علمانيينا المساكين، أنه حيثما أجري انتخاب أو استفتاء أو استشارة شعبية كلية أو جزئية، إلا وحملت خصومهم الإسلاميين إلى صدارة الأحداث، وإلى مواقع صنع القرار، وإلى مقدمة المشهد السياسي، وعادوا هم بخفي حنين، يحملون كثيرا من الألم والحسد والحسرة، و قليلا من  الإنصاف والموضوعية ونقد الذات.

يعلم العلمانيون قطعا، لو كان لهم مسكة من حكمة وبقية من شجاعة أدبية، أن زمانهم وزمان شعاراتهم المحنطة وأفكارهم اللقيطة، قد ولى إلى غير رجعة، وأن الجماهير المسلمة الحرة قد كنستهم وترهاتهم إلى مزبلة التاريخ.

 يعلمون قطعا أن الأمة تريد من يعكس هويتها، ويكلمها بلسانها، ويعبر عن آمالها وآلامها وتطلعاتها، ولذلك اختارت الإسلاميين لتمثيلها وأعطتهم ثقتها ومساندتها، وبدلا من مراجعة الذات، وتصحيح المسار، وإعلان توبة فكرية نصوح، والعودة إلى خندق الأمة وصف الجماهير، فضل العلمانيون التولي يوم الزحف، والهروب إلى الأمام، فاعتصموا بمعاقلهم المتآكلة وحصونهم المهترئة، واستمسكوا بنفس مقولاتهم المتهالكة وشعاراتهم القديمة، وجعلوا يرمون الأمة بحجارة السفه وقلة الوعي، وخصومهم الإسلاميين بحجارة الرجعية والظلامية، وهم الذين ما فتئوا يتشدقون بالديموقراطية واحترام الإرادة الشعبية، ويدعون إلى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وينعتون الأنظمة المستبدة باللاشعبية واللاوطنية واللاديموقراطية. فلما قالت الجماهير المسلمة كلمتها، وفرضت إرادتها، واختارت خصومهم الإسلاميين، انقلبوا عليها شر انقلاب، وكالوا لها أقبح النعوت وأشنع الصفات، واتهموها بالخفة والسذاجة وعدم النضج.

ولأن إخواننا العلمانيين، قد صاروا – مثل أسلافهم المستبدين – لا شعبيين ولا وطنيين ولا ديموقراطيين، حين انقلبوا حتى على أبسط مقولاتهم وأبجدياتهم التي بنوا عليها بنيانهم الشاهق الهزيل، الذي أتته الجماهير من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم، مثل: " العقلانية" و" الموضوعية" و" العلمية"، فإنهم لم يستطيعوا القيام بالنقد الذاتي الضروري لمسارهم الفكري ومسيرتهم السياسية،  ولم يمتلكوا شجاعة محاسبة النفس، ولا فضيلة الاعتراف بالخطأ. ولذلك، لم يتبق أمامهم من خيار، سوى المشاغبة على خصومهم الإسلاميين، وتشويه صورتهم في أعين الشعوب ولو بالكذب والزور، وركوب الصعب والذلول لعرقلة تجاربهم الواعدة في الإصلاح والتنمية والديمواقراطية، حتى لو كان ذلك ضدا على إرادة الأمة، وعلى حساب الأمن والاستقرار والمصالح الوطنية العليا.

لأجل ذلك، قاد العلمانيون التونسيون إضراباتهم المسيسة، ودعوا – في مغامرة غير مسبوقة – إلى الإضراب العام، لشل الحركة الاقتصادية، وتأزيم الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، بهدف إسقاط الحكومة الانتقالية المنتخبة.

ولأجل ذلك، يصر العلمانيون المصريون على المضي قدما في ما يسمونه بمعركة إسقاط الدستور، مع أن حوالي ثلثي الشعب المصري قد أقرته بالقبول.

ولأجل ذلك أيضا، يصر إخواننا العلمانيون المغاربة على افتعال المعارك والأزمات، وعلى إحصاء أنفاس الحكومة نصف الملتحية ونصب الفخاخ في طريقها، وعلى استغلال الإعلام لرميها بأكبر عدد من الطلقات الفارغة.

بكلمة، فإن الذين تربوا – لعقود من الزمان – على مقولات " ديكتاتورية البروليتاريا"،     و" العنف الثوري"، و" الصراع الطبقي"، و" الحزب الوحيد"، و" تأزيم الأوضاع من أجل الثورة"، وغيرها من المقولات الصدامية، وعبوا منها حتى الثمالة، وتربوا على رمي خصومهم ب " الرجعيين" و" الظلاميين" و" الماضويين" وهلم جرا، يصعب عليهم ممارسة الديموقراطية والقبول بنتائجها، ولكنهم – مع كل ذلك – إخواننا في الدين والهوية والوطن، ولا نملك من خيار سوى الصبر عليهم، وتحمل سفاهاتهم، وأخذهم بمبدأ التدرج حتى يألفوا الديموقراطية، ويقبلوا بالتعددية، ويعتادوا التداول السلمي على السلطة، وعسى حينها أن يصبحوا أكثر تعقلا وتأدبا ووطنية، وما ذلك على الله بعزيز.

الجمعة, 28 كانون1/ديسمبر 2012 10:16

المجتمع المغربي وثقافة الإيجابية

من خلال التربية التقليدية التي تلاقاها أغلب أفراد المجتمع المغربي من طرف أسرهم أو النوافذ المؤثرة الأخرى في حياتهم، نلاحظ أن هذه التربية تتسم بالكثير من السلبية والقليل من الإيجابية، وكلنا يحفظ العديد من الأمثال الشعيبة المشكّلة للخارطة الثقافة الموجهة للفكر والسلوك الإجتماعي المغربي، ومن أشهرها (سبّق الميم ترتاح) و (دير حسنة مايطرى باس) و (والله ماقفلتي لفورتي) و (خوك في الحرفة عدوك) وغيرها كثير ...

فهذه الأمثال للأسف تشكل عائق ومانعا أمام تقدم ثقافة المشاركة والتعاون والتسامح والفاعلية والإيجابية داخل المجتمع، وتكرس ثقافة الأنانية والحرص على الذات والاحتياط من الآخر وسوء الظن به، مما يؤدي إلى شيوع نمط سلبي يمحق خيوط التواصل والتنمية وتحقيق المصلحة للناس.

 

المجتمع المغربي وثقافة السلبية والعدمية:

وإن من الملاحظ أن مجتمعنا المغربي تطغى عليه النظر السلبية في العديد من مناحي الحياة في السياسة والثقافة والأعراف والعلاقات وحتى في النظرة إلى أحكام الدين وتعاليمه، ففي الأسرة- مثلا - نلاحظ كثرة قطع الأرحام وانقطاع التواصل بين العائلات والأسر والأفراد بسبب أمور بسيطة، الأخ يقطع أخاه نهائيا بسبب كلمة قالها في حقه، أو عدم دعوته إلى عرس ابنه أو ابنته، أو غيابه عن عزومة مهمة لديه، أو يقابل الحسنة بالحسنة أو السيئة بالسئية، فلم يعد أفراد المجتمع يستحضرون ثقافة الواجب والأجر في صلة الأرحام، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ]. رواه البخاري " بمعنى أن الوصل فعلا يكون في حالة الإنقطاع "أن تصل من قطعك" وليس أن تصل من وصلك.

ونرى في المدرسة أن الأستاذ المجدّ الجاد الذي يحرص على تدريس التلاميذ الدرس ويفرض سياسة الحزم والمتابعة والمراقبة والموضوعية في الامتحانات ووضع النقط، هذا النوع من الأساتذة  في نظر التلاميذ لا يصلح لأداء هذه المهمة لأنه لا يرحم من في القسم ولا يضع النقط ويصنع المعروف في حق الكسالى والضعفاء، فالتلاميذ لا ينتبهون إلى الجانب الإيجابي المشرق في هؤلاء الأساتذة الفضلاء لأنهم متشبعون بروح المسؤولية والورع والمواطنة الجادة في أداء واجبهم المهني. والأمثلة لا حصر لها.

ففي واقعنا الذي نعيش فيه نرى المتمدرسين ينقطعون عن الدراسة لأن المستقبل معدوم وحجر الدراسة زنازن مفتوحة والشهادة لا قيمة لها، وترى العامل لا يتن عمله لأن أجره زهيد وصاحب الشركة أو المؤسسة لا يلبي له حاجياته الماية ولم يسوّي له الوضعية، ترى الطلبة والتلاميذ يدمنون على الغش في الامتحان بحجة أن المجتمع كله فاسد ومبني على الغـش و"إذا عمت هانت" كل شيء غير مستقيم وغير واضح فالظلام أسود والنور أسود، وإذا لاح شعاع النور من وسط الظلام، يعتقد الكثيرون أن أنه السراب في صحراء لا ماء فيها ولا سبيل للنجاة والهلاك أمر محتوم.

 

الإسلام وثقافة الإيجابية في الفكر والممارسة:

وقد عالج الإسلام قيمة السلبية عبر إعادة بناء مجموعة من المفاهيم وبيان فضل وأثر الإيجابية على الفرد والمجتمع معا، حيث أن الرسول الكريم  أكد أن مهمته الأساسية تتجلى في إتمام مكارم الأخلاق واستكمال إصلاح منظومة القيم الإنسانية فقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم لأخلاق" رواه الترمذي وصححه الألباني

وكما هو معلوم أن النبي الكريم أقر مجموعة من الأخلاق التي كانت سائدة في الجاهلية من مثل مقولة "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" فقد تركها على حالتها من حيث الرسم واللفظ، وأعاد بناء وصياغة مضمونها بما يوافق التصور الإسلامي مؤسسا مبدأ الإبداع والتجديد في التغيير والإصلاح الثقافي والعقدي للأمة، فالنصرة الأولى "انصر أخاك ظالما" تقع بمقام الأخد على يد الظالم منعه من ارتكاب الظلم ونهيه عنه، والنصرة الثانية "انصر أخاك مظلوما" تأتي في واجب الإعانة في الاستنصار والدفاع عن الحقوق والمطالب المشروعة.

وقد سطر القرآن الكريم منهجا فريدا في منهج التعامل مع الآخر التدافع معه قال عز وجل: "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم"(فصلت:34) فحرف "الفاء" هنا للفورية والمبادرة والسرعة لأن منهج التدافع في الإسلام يقوم على أساس الإيجابية والميل إلى خير، واختيار الطريق الذي يقود إلى الصلح والهدنة وتجاوز الحرب والدّم والإنقطاع وقال تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم){الأنفال/61}

وقد حارب النبي العظيم السلبية حتى على مستوى التواصل اللفظي لأن اللفظ يعبر عن الصورة الذهنية التي يحملها الإنسان، فأرشدنا النبي الجميل إلى أن نتلفظ بالقول الجميل وأن نبتعد عن القول الخشن، فقال صلى الله عليه وسلم:"لا يقولن أحدكم خبثث نفسى وليقل لقست نفسي" والمعنى من الناحية اللغوية متقارب أو متطابق ولكن اللفز الأول خشن وله وقع قوي على الأذن والنفس، يوحي إلى السلبية ولا يؤدي وظيفة الإصلاح والتنمية الذاتية.

 

مميزات الإيجايية وأثرها في حياة المواطن:

فالإيجابية ثقافة بدونها لا يمكن أن نحقق التقدم لهذا المجتمع، وهي أسلوب راق في التفكير، بحيث يصبح المواطن ينظر إلى الأشياء في أجمل تجلياتها ويبحث عن مكامن القوة والخير فيها ويحولها إلى طاقة روحية ومبادرات راقية تحقق النفع للمجتمع، وتعتبر الإيجابية أيضا من بين القيم الأساسية التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها ويطبع بها أفعاله وأقواله وأحواله، لأنها تعبر عن الخصال الطيبة الكامنة في نفس المؤمن وتعبر عن حالته الثقافية والوجدانية.

وإن مجتمعنا في حاجة ماسة إلى قيمة الإيجابية وأخلاق الإيجابية للحفاظ على تماسك روابط الاتصال والتواصل بين أفراد المجتمع، وبناء الثقة والعرى الضامنة للإيمان بالمستقبل والمصير المشترك للأمة، وإذاكانت الإيجابية قيمية أساسية في طبيعة العلاقة بين أفراد ومؤسسات المجتمع، فإنه سيكون أقرب إلى الوحدة وأبعد عن الفرقة والتجزئة والتنازع، وأقرب إلى المشاركة وأبعد عن العزوف والإنكماش، وأقرب إلى الاجتهاد والإبداع وأبعد عن التواكل والغش والجمود، وأقرب إلى الصذق ونكران الذات والرغبة في العمل والعطاء بلا حدود وأبعد عن عن الكذب والنفاق والبطالة والعديد من الأخلاق الخبيثة..

 

خلاصة القول:

إن مسلسل التنمية والتقدم واللحاق بالركب الحضاري العالمي في شتى المجالات لايمكنه أن يحقق النجاح المنشود والاستمرار والاستقرار بدون قيمة الإيجابية وتبعاتها الحضارية المثالية، التي ينبغي أن تغدو نسقا عاما ونفَسًا طاغيا يدفع المجتمع بكل مكوناته إلى المشاركة والمبادرة في صناعة المستقبل للبلاد. لأن السلبية وباء قاتل للإيمان بالمستقبل، قاتل لقيمة العمل والإبداع وحسن الظن، والمجتمع الذي استشرى فيه هذا الوباء مجتمع مهدد بأزمات أخلاقية متتالية هادمة للفعل الحضاري، بدون نظرة إيجابية مشاركة مواطنة مخلصة لا مستقبل للبلاد ونجاح للتنمية.

الجمعة, 28 كانون1/ديسمبر 2012 09:52

القناعة كنز لا يفنى ومفتاح إلى حياة سعيدة

أظهرت دراسة جديدة نشرتها صحيفة "ديلي اكسبريس" أن القناعة هي المفتاح إلى حياة طويلة وسعيدة. ووجدت الدراسة أن الناس القانعين بحياتهم هم أقل احتمالاً للإصابة بأمراض القلب، والناس الأكثر سعادة يحمون أنفسهم أكثر من الأمراض المهلكة.

وأضافت الدراسة التي أجرتها جامعة بريطانية إن القناعة في مجالات معينة من الحياة، وخاصة الوظيفة والأسرة والحياة الجنسية، هي أصول صحية إيجابية.

القناعة في الإسلام هي الرضى بما قسم الله، ولو كان قليلا، وهي عدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين وهي علامة على صدق الإيمان.يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه) (مسلم)

والقناعة كنز لا ينفد وقد أخبرنا الرسول أنه أفضل الغنى، فقال: (ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس) (متفق عليه). فالمسلم عندما يشعر بالقناعة والرضا بما قسمه الله له يكون غنيا عن الناس، عزيزًا بينهم، لا يذل لأحد منهم.

أما طمع المرء، ورغبته في الزيادة يجعله ذليلاً إلى الناس، فاقدًا لعزته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وارْضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) (الترمذي وأحمد).

والقناعة تجعل صاحبها حرًّا فلا يتسلط عليه الآخرون، أما الطمع فيجعل صاحبه عبدًا للآخرين.

وكثير من السلف الصالح وعظوا الناس بالتزام القناعة منهم الحسن البصري الذي قال قولته المشهورة: "من أراد مؤنسا فالله يكفيه ومن أراد الغنى فالقناعة تكفيه ومن أراد واعظا فالموت يكفيه ومن لم يكفه شيء من هذا فالنار تكفيه". فما هي القناعة وما هي آثارها؟

 

قصص في القناعة

يحكى أن ثلاثة رجال ساروا في طريق فعثروا على كنز، واتفقوا على تقسيمه بينهم بالتساوي، وقبل أن يقوموا بذلك أحسوا بالجوع الشديد، فأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعامًا، وتواصوا بالكتمان، حتى لا يطمع فيه غيرهم، وفي أثناء ذهاب الرجل لإحضار الطعام حدثته نفسه بالتخلص من صاحبيه، وينفرد هو بالكنز وحده، فاشترى سمًّا ووضعه في الطعام، وفي الوقت نفسه، اتفق صاحباه على قتله عند عودته؛ ليقتسما الكنز فيما بينهما فقط، ولما عاد الرجل بالطعام المسموم قتله صاحباه، ثم جلسا يأكلان الطعام؛ فماتا من أثر السم.. وهكذا تكون نهاية الطامعين وعاقبة الطمع.

وجاء في حكم وقصص الصين القديمة أن ملكا أراد أن يكافئ أحد مواطنيه فقال له: امتلك من الأرض كل المساحات التي تستطيع أن تقطعها سيرا على قدميك.

فرح الرجل وشرع يزرع الأرض مسرعا ومهرولا في جنون.

سار مسافة طويلة فتعب وفكر أن يعود للملك ليمنحه المساحة التي قطعها.. ولكنه غير رأيه وقرر مواصلة السير ليحصل علي المزيد. سار مسافات أطول وأطول وفكر في أن يعود للملك مكتفيا بما وصل إليه.. لكنه تردد مرة أخرى وقرر مواصلة السير ليحصل علي المزيد والمزيد.. ظل الرجل يسير ويسير ولم يعد أبداً.

فقد ضل طريقه وضاع في الحياة. ويقال إنه وقع صريعا من جراء الإنهاك الشديد.. لم يمتلك شيئا ولم يشعر بالاكتفاء والسعادة، لأنه لم يعرف حد الكفاية أو  (القناعة).

وأراد رجل أن يبيع بيته لينتقل إلى بيت أفضل..فذهب إلى أحد أصدقائه وهو رجل أعمال وخبير في أعمال التسويق... وطلب منه أن يساعده في كتابه إعلان لبيع البيت وكان الخبير يعرف البيت جيداً فكتب وصفاً مفصلاً له أشاد فيه بالموقع الجميل والمساحة الكبيرة، ووصف التصميم الهندسي الرائع ثم تحدث عن الحديقة وحمام السباحة.....الخ.... وقرأ كلمات الإعلان على صاحب المنزل الذي أصغى إليه في اهتمام شديد وقال..."أرجوك أعد قراءه الإعلان"... وحين أعاد الكاتب

القراءة صاح الرجل يا له من بيت رائع... لقد ظللت طول عمري أحلم باقتناء مثل هذا البيت ولم أكن أعلم أنني أعيش فيه إلي أن سمعتك تصفه ثم أبتسم قائلاً من فضلك لا تنشر الإعلان فبيتي غير معروض للبيع!!

 

الحث على القناعة

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على خلق القناعة لما لها من آثار إيجابية على حياة الفرد أولا، ففي كتاب "كتاب مكاشفة القلوب المقرب من علام الغيوب" جاء أن أبا هريرة قال: قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "كُن ورعاً تكن أعبد الناس و كن قنعاً تكن أشكر الناس واحبّ للناس ما تحبّ لنفسك تكن مؤمناً". و قال صلى الله عليه و سلم:"ليس الغنى عن كثرة العَرَض إنما الغنى غنى النفس". وقيل لبعض الحكماء:ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك.

وقال أحد الحكماء: من أراد أن يعيش حرًّا أيام حياته؛ فلا يسكن قلبَه الطمعُ. وقيل: عز من قنع، وذل من طمع. وقال الحسن البصري: "علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأنت نفسي".

ومن الأسباب المؤدية للقناعة: تقوية الإيمان بالله تعالى ، وترويض القلب على القناعة والغنى. والاستعانة بالله والتوكل عليه والتسليم لقضائه وقدره. وتدبر آيات القرآن العظيم لا سيما ما تتحدث عن الرزق والاكتساب. واليقين بأن الرزق مكتوب والإنسان في رحم أمه. ومعرفة نعم الله تعالى والتفكر فيها.

أما عن آثار القناعة فمنها أن القَنوع يحبه الله ويحبه الناس، وأن القَناعة تشَيع الألفة والمحبة بين الناس، وتحقيق شكر المنعم سبحانه وتعالى، والفَلاح والبشرى لمن قنع.

 

حبيبة أوغانيم

نظمت يوم السبت الماضي 22/12/2012 ندوة صحافية للإعلان عن الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية وذلك بمبادرة من العديد من الأساتذة والشخصيات العلمية والمدنية والجمعيات والمؤسسات المهتمة بالشأن اللغوي عموما وبالعربية على وجه الخصوص. وقد عرف اللقاء في مجمله جملة من النقاشات الهادفة لضبط مسار المقترح وتحيينه بغية تنزيله على أصفى وأنقى الصور، مما يستوجب توضيح جملة من المواقف والمقترحات.

    بعيدا عن المزايدات الشخصية طرح بعض الفضلاء أفكارا تتعلق بتدبير الورقة المقدمة والتي هندست على شكل بيان يبرز مواقف الائتلاف التي يمكن التوافق عليها كأرضية للعمل المستقبلي.

 وقد تأسس المشروع على مبدأين أساسيين: التكتل والتوافق. فالائتلاف باعتباره مشروعا أهليا يروم تشكيل جبهة موحدة تجمع كل الغيورين على لغة الضاد من باحثين وأكاديميين وجمعويين وعلماء وسياسيين وحقوقيين...كيفما كانت انتماءاتهم الإيديولوجية والسياسية والفكرية. لكن الجديد في رؤية المشروع هو تقديم تصور جديد للسؤال اللغوي والمساهمة في التنزيل السليم للدستور وفق مقتضياته الجديدة بعيدا عن المزايدات والاصطفافات الإيديولوجية التي أنهكت الساحة الفكرية والاجتماعية، والتي ستؤدي لو تركت على حالها إلى تجزئ الانتماء والبحث عن انتماءات بديلة. وكما قلنا دوما فالانفصال يبدأ هوياتيا وجدانيا قبل أن يغدو سياسيا جغرافيا.

    لقد أتى الائتلاف المغربي من أجل اللغة العربية تعبيرا عن حاجة أكاديمية ومجتمعية ترمي إلى النهوض بواقع العربية علما وتعليما وممارسة.

وقد تأسس الائتلاف ليس في وجه لغات أخرى أو لمحاربة استعمالات لغوية معينة بل لإعادة الاعتبار للغة الضاد وتنفيذا للمقتضيات الدستورية الجديدة والمساهمة الفعالة في أجرأتها وتنزيلها وفق رؤية شمولية للمسألة اللغوية. لذا أتى المشروع وفق مستويات الصياغة الدستورية التي ضمنت للغة الضاد: الحماية والتنمية والتطوير. ففي مجال الحماية سيعمل الائتلاف على رصد التجاوزات والخروقات للطابع الرسمي في الإدارة والتعليم والاقتصاد والإعلام ومختلف مجالات الحياة العامة وتفعيل التدابير القانونية لإنهائها؛ ووضع آليات لمراقبة التزامات الدولة بحماية اللغة العربية باعتبارها لغة رسمية.

وفي مجال التطوير وتنمية الاستعمال سيهتم بإبراز مكانة اللغة العربية في المجتمع المغربي ونشر الوعي بأهميتها وإعادة الاعتبار لها باعتبارها مقوما وجوديا وهوياتيا والحث على استخدام اللغة العربية في كافة الإدارات والمرافق العامة والقطاعات الإنتاجية.

    لكن الجديد الذي صعب على البعض القبول بالائتلاف هو تصوره الجديد للسؤال اللغوي الذي يستحضر هم الوطن قبل هم الذات، والمحافظة على لحمة المجتمع وقيمه الحضارية وتعدديته الهوياتية واستشرافا لمستقبل المغرب التنموي والثقافي.

ولذا فإن إقرار الدستور الجديد عبر آلية التوافق بين مكونات المجتمع المدنية والسياسية بضرورة سن سياسة لغوية تحمي اللغات الوطنية وتنميها، يجعلنا أمام واقع لغوي يفترض منا جملة من الأفكار المبدئية حول السياسة اللغوية التي ترمي إلى معالجة الوضع اللغوي وتقديم حل نهائي للإشكال اللغوي الذي عاق لعقود مشاريع التنمية والمعرفة. لذا فإقرار الدستور بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية باعتباره هيئة مشرفة على الشأن اللغوي والثقافي في الوطن، وإشارة التصريح الحكومي لأكاديمية محمد السادس للغة العربية وضرورة إخراجها إلى الوجود يجعلنا ندافع عن فتح حوار لغوي شامل يشارك فيه كل الأطراف العلمية والسياسية والاجتماعية من أجل أجرأة سليمة لهذه المؤسسات. لأن النقاش اللغوي لم يعد نقاشا هامشيا بل غدا جزءا من التفاعلات الاجتماعية والهوياتية لمغرب اليوم.

 لذا فالموقف من الأمازيغية أو اللهجات المحلية أو اللغات الأجنبية ينبغي أن تحكمه رؤية التوافق والبناء المجتمعي بدل التجاذب الهوياتي.

    وخلاصة القول، إن الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية جواب عن أسئلة المرحلة التي تفترض لم شمل كل فئات المجتمع ونخبه المتنوعة وتياراته المتعددة في إطار يدافع عن العربية باعتبارها لغة هوية وتنمية وعمق استراتيجي. 

الأربعاء, 26 كانون1/ديسمبر 2012 12:11

بين الثقة في النفس والغرور

الإنسان الواثق بنفسه يرى فيها الكفاءة والموهبة التي وهبها الله له الشعور بالفشل وعدم الأمان والاحباط الدائم علامات لضعف الثقة بالنفس الثقة بالنفس ليست شيئاً مكتسباً فقط وإنما يمكن اكتسابها أيضاً كثير من الناس يخلط عن عمد أو دون عمد حين لا يستطيعون تحديد الفرق بين الغرور – وهو آفة وخلق مذموم – وبين الثقة المطلوبة بالنفس – وهي من الخصال الشخصية المحمودة -. وقد جمعني لقاء بأحد أصدقائي فسألته: هل تثق بنفسك؟ قال دون تفكير وبلا تردد: طبعاً.. ثقتي بنفسي ليس لها حدود! قلت: كيف ذلك؟ فمن المعروف أن لكل شيء حدوداً! قال: أقصد ثقتي بنفسي كبيرة جداً! قلت: وما دليلك على ذلك.. أو كيف حددت هذه الدرجة الكبيرة جداً؟ قال: لا أعبأ برأي الآخرين، فأنا أثق برأيي، وقدراتي، وبعقلي، وتفكيري. قلت: وما علاقة ثقتك بكل ما ذكرت، برفضك وعدم اهتمامك بآراء الآخرين؟ قال: لأن رأيي أفضل من رأيهم. قلت: هذا غرور، وليست ثقة، وهناك فارق كبير بين الثقة والغرور. قال: كيف ذلك؟ قلت: إن الثقة بالنفس لا تمنع صاحبها الأخذ بآراء الآخرين لو كانت أصوب من رأيه، وليس معنى هذا أن تهتز ثقته بنفسه، لا.. بل تزداد ثقته بنفسه، ويؤصل فيها أن رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب – كما قال الإمام الشافعي –.

 فالحكمة ليست مقصورة على إنسان بعينه، وقد دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحرى الحكمة في أي مكان، فنحن أحق الناس بها.  وأردفت قائلاً: إن الثقة بالنفس تزيد من الروح المعنوية، وتدفع صاحبها إلى الأعمال الإيجابية دوماً، وتجنبه القعود عن تحقيق أهدافه وآماله، وتجنبه أيضاً الفوضى، والركون.

إن الثقة بالنفس: تعني إيمان الإنسان بنفسه، وإيمانه بقدراته ومهاراته، وكفاءاته، وخبراته، التي حصل عليهم عن طريق العلم والعمل، وتبادل الخبرات مع الآخرين. والثقة بالنفس تقي صاحبها تبعات الغرور المدمرة؛ فالثقة بالنفس ما هي إلاّ اطمئنان يزرعه الإنسان في نفسه، يستطيع من خلاله – إن شاء الله - أن يحقق النجاح المنشود في دراسته، أو عمله، أو في أي شيء يقوم به، بعد تحديد واضح لرسالته، ورؤيته، وأهدافه، والوسائل التنفيذية التي سوف يأخذ بها لتحقيق هذه الأهداف.

إن الإنسان الواثق بنفسه يرى فيها القدرة، والكفاءة، والموهبة التي وهبها الله له، فيقدرها حق قدرها، في توازن تام، ويضع هذه الرؤية في حجمها الحقيقي، فلا يعتقد في نفسه أنه أفضل الناس فيـغتر ويهلك، ولا أقلهم فيفقد الثقة بنفسه ويحبط. فالواثق من نفسه يقف دائماً بين الغرور وعدم الثقة بالنفس.

أما عدم الثقة بالنفس (وهي رذيلة من الرذائل) تدفع صاحبها إلى رؤية نفسه في خانة القصور وعدم الكفاءة، والنظرة الدونية لذاته حين يقارنها بالآخرين، فهو دائم التقليل من قدراته، وكل ذلك يدفعه إلى الإحباط، ومن ثم إلى الركون والقعود، واللجوء إلى السلبية كمنهج حياة، وفي هذا الخسران الكبير.

وقد ذهب كثير من علماء النفس إلى تحديد أنواع الثقة بالنفس، ومن أهم هذه الأنواع:

1 - الثقة الكاملة بالنفس:  وهي ثقة تدفع الإنسان – الشاب والرجل والمرأة الذي يمتلكها إلى مواجهة الصعوبات الحياتية بكل شجاعة، وصبر وإقدام، فهو متوكل على الله حق التوكل، واثق من أفعاله وتصرفاته المبنية على أسس علمية مدروسة، تدفعه ليس فقط لمواجهة الصعوبات الحياتية، وإنما إلى السير في طريق النجاح بهمة عالية، وعزيمة قوية. فالإنسان الواثق في نفسه ثقة كاملة هو الذي تعرف على مكامن قوته الذاتية، من قدرات ومهارات وكفاءات، وعمل على استغلالها الاستغلال الأمثل، فقادته إلى النجاح والتميّز. 2 - الثقة المحدودة بالنفس: وهي درجة أقل من الثقة الكاملة بالنفس، ويتمتع بها الإنسان الذي لم يكتشف كامل قدراته، ومواهبه، ولم يتعرف على إمكانياته، وكفاءاته، بالشكل الذي يمكنه من مواجهة كل الصعوبات التي تعترض طريقه، ويتعامل معها بالشكل المناسب، فنراه واثقاً من نفسه تارة أو في موقف ما، وعديم الثقة تارة أخرى أو في موقف آخر، ونراه أيضاً مقداماً متفوقاً في علم أو عمل أو موقف ما – حين تصل ثقته بنفسه إلى درجات عالية-، وعلى النقيض من ذلك حين تتدنى أو تنعدم درجات الثقة في النفس لديه.

هناك العديد من المؤشرات الدالة على عدم الثقة بالنفس، من أهمها:

 1 - الشعور الدائم بالإحباط: عندما يلازمك شعور دائم بالإحباط، تتأثر ثقتك بنفسك، وتتجه بك بسرعة شديدة نحو فقدان الثقة بنفسك؛ فالإحباط من أهم العوامل المعينة على الوصول إلى مرحلة انعدام الثقة في النفس. فالإحباط يوجهك دائماً إلى التفكير السلبي غير المفيد، وغير المنتج، وعندما تشعر بأنك لا تؤدي عملاً مفيداً، أو تساهم في عملية إنتاجية غير مثمرة، سرعان ما يؤدي بك هذا الشعور إلى فقدان ثقتك بنفسك.

 2 - الشعور المتزايد بالخوف وعدم الأمان: يُعدّ القلق أحد الروافد المغذية للشعور بالخوف وعدم الأمان، فإن سيطر عليك القلق في كثير من أمورك، فاعلم أنك تسير في طريق فقدان الثقة بنفسك؛ فالقلق يصيبك بعدم القدرة على التركيز، وذلك من شأنه أن يؤثر على قراراتك، ومن ثم تشعر بالخوف عند اتخاذ قرار، الأمر الذي يؤدي بك إلى اتخاذ قرارات غير مدروسة في كثير من الأحوال.

3 - الشعور المستمر بالفشل: إذا سيطر عليك شعور بالفشل عند إقدامك على البدء في تنفيذ مشروع ما، أو دراسة ما، فإن ذلك سيفقدك بالتأكيد الثقة بنفسك، ولن تحصد من هذا المشروع أو تلك الدراسة إلاّ الفشل فعلاً.

 

عوامل تكسبك ثقتك بنفسك:

 1 - كن من المتوكلين على الله في كل أمورك: التوكل على الله حق توكله، والثقة فيما عند الله، وحسن الظن بالله سبحانه، كل ذلك يكسبك ثقة قوية كاملة بنفسك.

 2 - حارب الفشل في مهده: لا تدع لكلمة الفشل سبيلاً إلى عقلك، امنعها من الورود على ذهنك، وذلك باللجوء إلى التفكير الإيجابي المحفز لك.

 3 - ضع التميّز نصب عينيك: فكّرْ بالنجاح والتميز، واجعل نصب عينك أن الناجحين ما هم إلاّ أناس قد يستوون معك في القدرات الذهنية والبدنية، والخبرات، والمهارات، وقد يكونون أقل منك، فلماذا تفرط في حقك في المساواة بهم أو التفوق عليهم؟

 4 - واجه مسؤولياتك بشجاعة: إذا تعرضت لتحمل مسؤولية عمل ما لا تفكر أبداً في الهروب من تحمل مسؤولياته، ولكن ردّد في نفسـك دائماً: إني سأتحمل المسؤولية، وسوف أنجح.

 5 - فَعِّل جانب المشاركة لديك: شارك الآخرين نقاشهم، واطرح وجهة نظرك بثقة وثبات، وتقبّل آراء الآخرين.

 

محمود حسين (الإسلام اليوم)

الأربعاء, 26 كانون1/ديسمبر 2012 11:58

كيـــف يدبر الآبـــاء صداقــات أبنائهـــم؟

يؤكد علماء النفس أن تنمية مهارات الصداقة لدى الأبناء ضرورة تربوية مهمة ومسؤولية عظيمة لايدرك أهميتها إلا الأسرة الواعية، الأكثر حرصا على صحة أبنائها النفسية فهذه المهارات تتمثل فى دمج الأبناء منذ مرحلة مبكرة مع أقرانهم من أبناء الجيران والأقارب وزملاء المدرسة وما شابه ذلك فهو أمر من شأنه أن يخلص الأبناء من أمراض نفسية خطيرة مثل العزلة والانطواء اللذين يحولان الطفل إلى شخصية هشة وضعيفة حيث تسهم الصداقة والعلاقات الاجتماعية بصفة عامة فى نموه الحركى والاجتماعى والنفسى بشكل كبير. وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

ويبقى السؤال المطروح هو كيف يدبر الآباء أمر صداقات أبنائهم، وفي حالة فشل أبنائهم في الاختيار كيف يتدخل الآباء؟ أسئلة تحاول هذه الأسطر الإجابة عنها قدر الإمكان.

 

إهمال فاغتصاب

ريم طفلة في الخامسة عشر من عمرها صرحت لـ "التجديد" وهي تعتصر ألما أن إهمال والديها كان سببا في ما أصبحت عليه بعد تعرضها لاغتصاب من قبل أخ صديقتها.

تقول ريم: "لم يهتم أبي كما أمي بحالي وبحال إخوتي بل كل همهما مشاكلهما التي فرقت بينهما، وفي الوقت الذي كنت أبحث عن الحنان من والدي ولم أجده خرجت أبحث عنه في الخارج حتى سقطت ضحية، كنت أذهب عند صديقة لي وبدأ أخوها يتقرب مني شيئا فشيئا، ووجدت عنده من الحنان ما لم أجده عند والدي مما سهل علي الوقوع بين يديه والخضوع لرغباته، وكانت النتيجة أنه اغتصبني في بيت أسرته والكل غائب، وأنا الآن نادمة لكن بعد فوات الأوان، لو وجدت الحنان من والدي ما ذهبت أبحث عنه في الخارج".

إن هذه الصرخة وإن كانت بعد فوات الأوان بالنسبة لريم التي فارقت دراستها بعد ما وقع لها، لكنها ناقوس خطر يدق على مسامع الآباء الذين يهملون حاجات أبنائهم العاطفية ظانين أن المأكل والملبس هما غاية الغايات.رسالة ريم واضحة أن الآباء عليهم أن لا يهملوا أمر صداقات أبنائهم لكن دون المغالاة فى فرض سلطتهم على الأبناء فى اختيار أصدقائهم أو إعطائهم الحرية دون وضع الضوابط فى الاختيار؛ فلابد أن يتخذوا بين ذلك سبيلا.

 

تدخل مرفوض

يرى عمر (17 عامًا) أن تدخل الآباء فى اختيار أصدقاء الأبناء أمر يسبب ضيقًا شديدًا للأبناء حيث يشعرهم دائما بأنهم صغار لا يقدرون على تحمل مسؤولية أى اختيار مشيرا إلى أن علاقة الصداقة بالتحديد لابد أن تكون بمحض إرادة الأبناء لأن الأصل فيها الراحة النفسية والشعور بالارتياح ويرى أن كثيرا من الآباء يرفضون صداقات أبنائهم لأسباب غير مقنعة كالحكم على الصديق مثلا من خلال مظهره الخارجى مثل قصة شعره أو طريقة ملابسه أو مستواه الدراسى أو الاجتماعى وكلها مبررات غير مقنعة مادام هو شخصا صاحب خلق طيب ومن ثم لابد أن يحكم الآباء على أصدقاء أبنائهم من خلال المعاشرة لهم وتقييم سلوكهم ومن ثم يكون القبول أو الرفض.

 

الرفق والمرافقة

(ن. ك) أم لثلاثة بنات أكبرهن عمرها 19 سنة، تقول إنها لن تنسى جميل الجمعية التي أعانتها على تربية بناتها بما في ذلك اختيار صديقاتهن، فهذه الأم لا تتوانى في مرافقة بناتها إلى الجمعية في العطل وفي مختلف المناسبات، مما جعلهن يخترن صديقاتهن من الجمعية، وبالتالي فهي إلى حد ما مطمئنة ما دامت تعرف صديقات بناتها، بل وترافقهن إلى الأسواق وتستضيفهن في بيتها وتشارهن في بعض أمورهن حتى أصبحت هي الأخرى صديقة لهن.

وترى (ن. ك) أن الآباء إذا رعوا صداقات أبنائهم فإنهم يتقون شرورا كثيرة قد تأتي من صداقات اختيرت عشوائيا.وتؤكد (ن. ك) أن العمل الجمعوي له دور مهم في موضوع صداقات الأبناء خصوصا إذا كان عملا هادفا ويسعى لنشر أخلاق حميدة بين المستفيدين منه.

 

اجتهاد الآباء

ترى صالحة بولقجام مستشارة في قضايا التربية والأسرة من خلال حديثها لـ «التجديد» أن: «من الأدوار التربوية التي ينبغي للآباء أن يولوها عناية خاصة جدا تدبير صداقات الأبناء لأن كثيرا من الأبناء يتأثرون بالأصدقاء تأثيرا هاما خصوصا في مرحلة المراهقة حيث يسمع الابن للأصدقاء أكثر من والديه، وبالتالي ينبغي تدبير هذه الأمر قبل مرحلة المراهقة أي في مرحلة الطفولة الوسطى والطفولة المبكرة.

وعلى الآباء أن يجتهدوا في ربط علاقات لأبنائهم وهم في أربع أو خمس سنوات مع أطفال أبناء أسر تكون حريصة على أمر التربية والتنشئة السليمة، عبر ربط العلاقات مع هذه الأسر، ويمكن تشجيع الأطفال على ربط علاقاتهم عبر تنظيم أسفار وخرجات جماعية، أو حضور مناسبات بعضهم البعض أو المناسبات الدينية، وعبر التهادي بينهم في مختلف المناسبات، حتى تنسج بينهم علاقات بتوجيه منالآباء بشكل غير مباشر، حتى إذا بلغوا مرحلة المراهقة تكون هذه العلاقات قد بنيت ونسجت من قبل، ومن هنا يسهل على الآباء تفادي مجموعة من المشاكل التي يمكن أن تأتي من صداقات أبنائهم التي تكون خارج رعاية وتوجيه الآباء».

وأضافت بولقجام أنه: «في الحالات التي تنسج علاقات صداقة الأبناء خارج رعاية الآباء يجدر بهؤلاء أن يتقصوا عن الوضع التربوي والأخلاقي والتعليمي لأصدقاء أبنائهم، فإن كان بالشكل المطلوب، فليشجعوا على هذه الصداقات وعلى استمرارها وإن لم يكن كذلك فليحاولوا بشكل غير مباشر أن يبعدوا أبناءهم عن هذه الصداقات لأن التوجيه المباشر يؤدي إلى العناد من قبل المراهق والتشبث بهذه الصداقات وتحدي الآباء والمضي فيها، مما سيترتب عنه إشكالات كثيرة جدا يصعب على الأبناء والآباء معالجتها معا».

وفي ما يخص دور الآباء مع المؤسسات التعليمية ما دامت الصداقات في أغلبها تأتي عبر هذه المؤسسات، تقول صالحة بولقجام: «الآباء يلاحظون ويسمعون عن أصدقائهم من خلال أبنائهم، وإذا كانت لهذه الصداقات تأثيرات سلبية يجب مناقشة الأمر مع المؤسسة التعليمية ومحاولة إبعاد الابن عن هذه الصداقات، بل وحاولة إصلاح هؤلاء الأصدقاء حتى لا يكون تأثيرهم سيء على أبناء المدرسة».

 

العمل الجمعوي

تؤكد صالحة بولقجام على أهمية المجتمع المدني، والجمعيات العاملة في مجال تأطير الأبناء وتنشئتهم تنشئة سوية، خاصة في هذه الظروف التي نعيشها الآن حيث أصبحت مؤثرات كثيرة سواء على المستوى الإعلامي أو الشارع، التي تؤثر على أخلاق أبنائنا وسلوكياتهم بشكل سلبي، ولذلك تقول المستشارة التربوية: "نهيب بالمجتمع المدني أن يمارس دورأ اكبر من الذي يمارسه، خصوصا في تربية الأبناء، فلابد للجمعيات الطفولية والجمعيات المهتمة بالشباب واليافعين أن تقوم بمجهودات أكبر، وكذلك لابد للمواطنين الذين يطمحون أن يكون المجتمع في وضع أحسن مستقبلا أن يدعموا هذه الجمعيات بأي شكل من أشكال الدعم لكي تتمكن من أداء مهامها التربوية لمساعدة الأسر، وللمساهمة في بناء مجتمع راشد، وكذا المساهمة في تخريج جيل فاعل معطاء قادر على تحمل المسؤولية.

ولكي نحقق الأهداف الكبرى لابد أن يكثف المجتمع المدني من مجهوداته لأن الأمر يتعلق بمستقبل المجتمع".

 

الاستشارة التربوية

تقول صالحة بولقجام في حديثها لـ "التجديد" :  "إذا تم ربط صداقات بين الأبناء واصدقائهم وتبين أن هذه الصداقات تترتب عنها مشاكل ينبغي بداية عدم التعامل مع المشكل بانفعال، بل نضع المشكل فوق الطاولة الأأسرية ليناقش الأب والأم حيثيات الموضوع من أجل البحث عن حلول بشكل هادئ وإذا عجزا عن احتواء المشكل، هنا لابد من طلب استشارة المستشارين المختصين في الموضوع أو يلجِؤوا إلى مراكز الإرشاد الأسري حيث يوجد أخصائيون نفسيون وتربويون من أجل معالجة المشكل معالجة صحيحة لأن أي تصرف انفعالي وبدون توجيه وحسابات دقيقة قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية، ونحن بصفتنا نمارس عملية الاستشارة نلمس ذلك إذ يزداد المشكل سوءا عند عدم حسن التدبير.

ومن خلال الممارسة يتم التعامل حسب طبيعة المشكل المطروح، ففي بعض الأحيان تتم محاورة الابن وحده والآباء وحدهم وفي أحيان أخرى تتم محاورة الطرفين في آن واحد، وفي بعض الأحيان تتم محاورة طرف دون آخر، وأذكر هنا أنه في بعض الحالات يجب معالجة المشكل لدى الآباء وليس لدى الابن إذا كان الخطأ من الآباء في سوء تقديرهم لأمر معين وإساءة التصرف مع الابن في شأن اختيار الصداقات.

وأؤكد أن الحوار مع الآباء والأبناء وتوجيههم يعطي ثمارا طيبة، فقط الأمر يحتاج إلى ترتيب وتهييء الفضاء المساعد على إجراء حوار مناسب لطبيعة المشكل دون إثارة حساسية المراهق بالخصوص، وهذا الأمر كفيل بتفادي الكثير من المشاكل في الحاضر والمستقبل".

 

توجيهي للأبناء

لا تتردد صالحة بولقجام في توجيه الأبناء إزاء آبائهم قائلة: "لابد أن نعرف أن العلاقة مع الوالدين ينبغي أن تحكمها مجموعة من الأمور، على رأسها أن الله تعالى قدس هذه العلاقة كي يطبعها الاحترام والود والثقة، وكلما توفر ذلك توفر للمراهق هامش من الحرية والاستقلالية، ولابد له لكي ينال تلك الحرية أن يكون صادقا مع والديه، وعلى الأبناء أن يعلموا يقينا أنه ما من أحد يحب الخير لأحد ويريد له التفوق والتألق في حياته أكثر مما يحب الآباء لأبنائهم".

 

حبيبة أوغانيم

الثلاثاء, 25 كانون1/ديسمبر 2012 10:55

لا تُزَكوا أنفسكم

 

قال الله تعالى: }أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا{،( النساء ، 49)

المشهورُ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ الكريمةِ أنها نزلتْ في الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِين قَالُوا: }نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ{، وَفِي قَوْلهمْ: }لَنْ يَدْخُل الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى{، وكَانُوايَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لا ذُنُوب لَهُمْ، وقولهم: "آباؤنا سَيشفعونَ لنا ويُزكّوننا"، وقد ذكرَ أهلُ العلمِ أنها نزلت في ذَمّ التَّمَادُح، وَالتَّزْكِيَة، وأنَّ لفظ الآيةِ عَامّ فِي ظَاهِره، وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ الْمِقْدَادِ بْن الأسْوَد قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَحْثُو فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب.

 وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– رأى رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُل؛ فَقَالَ: "وَيْحكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبك"، ثُمَّ قَالَ: "إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا صَاحِبه لا مَحَالَة؛ فَلْيَقُلْ: أَحْسَبهُ كَذَا، وَلا يُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا"، ولذلك قال الرَّبُّ–  جَلَّ ثَناؤه }بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ{، وقال في آيةِ النَّجْمِ }فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اِتَّقَى{، فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ مِنْ اللَّهِ للْمُزَكِّينَ أَنْفُسهمْ مِنْ الْيَهُود، وَالنَّصَارَى، وغيرهم؛ أَيْ الْمَرْجِع فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، لأنَّهُ أَعْلَم بِحَقَائِق الأمور، وَغَوَامِضهَا، فَلْيَحْذرِ المسلمُ مِن تزكيةِ نفسه، أو الاغترار بعمله، أو مَدحِ الناسِ وتزكيتهم دونَ حاجةٍ، أو مَقصدٍ شرعيّ، والقَصْدُ والتوسط في الأمور خير. اللهمَّ زكِّ نفوسنا، وطَهِّر قلوبنا، ولا تؤاخذنا بما يقولُ الناسُ عنّا، واجعلنا عندكَ خيراً ممّا يقولون. 

الثلاثاء, 25 كانون1/ديسمبر 2012 10:17

الأساطير المُؤسسة للدولة الدينية

خلال النقاش الدائر في مصر في موضوع الدستور، ركزت المعارضة على ورقة التخويف من "الدولة الدينية"، وهو نموذج لا يوجد إلا في أذهان جزء من النخبة، ظلت تُغذيه أساطير الإعلام الرسمي طيلة حكم الأنظمة المستبدة قبل انتفاضة الياسمين وهبوب نسائم الربيع الديمقراطي على الوطن العربي.  و من بين الشعارات الأسطورية التي رفعت "لا لحكم المرشد"، مستدعية في خطابها كل النماذج التاريخية المُخيفة (طالبان، إيران) لتنفير الشارع من مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء الشعبي، وهو دستور حديث، لدولة مدنية –و ليست دينية- قائمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام حريته وكرامته، وليس فيه قطع يد السارق ولا رجم المُرتد ولا ولاية الفقيه و لا الولاء لأي مُرشد. و في نفس الوقت يتم غض الطرف عن النماذج المُشرقة في دول إسلامية مثل التجربة التركية.

 هذا النقاش "الحداثي" رجع بنا إلى سنوات الثمانينات من القرن الماضي، حين كانت الأنظمة المستبدة تقمع الحركات المُحافظة وتزج بأطرها وقيادييها في السجون، بدعوى أنهم يهددون الدولة المدنية الحديثة ويستهدفون المرأة والسياحة والأمن والاستقرار في أوطانهم. و كان هذا الحراك مناسبة لحزب الحرية والعدالة المصري لإبراز كوادر رفيعة المستوى استطاعت من موقع التسيير أن تتجاوز الأزمة بحنكة سياسية كبيرة، مما فوت الفرصة على المتباكين على الديمقراطية، الرافضين لنتائجها، رفضا من أجل الرفض.

فزاعة الدولة الدينية المنغلقة والمتطرفة هي نفسها الورقة التي تحاول المعارضة في المغرب توظيفها لإسقاط الحكومة المحسوبة على التيار الإسلامي، رغم أن بن كيران ما فتئ يُؤكد على استبعاد، بل استحالة خيار الانقلاب على مؤسسة إمارة المؤمنين، وحصر القضية في الإسهام في الإصلاح ومحاربة الفساد والتنافس في ذلك، مع الاحتكام لصناديق الاقتراع. فقد أوردت "أخبار اليوم المغربية" أن إلياس العماري، الرجل القوي في حزب الأصالة والمعاصرة المعارض، قد اتهم رئيس الحكومة، عبد الإله بن كيران، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الجهوي لل"بام" بمراكش، بمحاولة إقامة إمارة إسلامية يكون فيها أميرا.. مضيفا أن المغرب لم يعد مسرحا للصراع على المصالح والمواقع فقط، بل هناك من يريد امتلاك البلد وينصب نفسه خليفة لله في أرضه. كما أوضح أن خطاب رئيس الحكومة ممنهج ويسعى من خلاله إلى بناء إمارة يتوج فيها أميرا !! و كان القيادي الآخر في نفس الحزب حكيم بنشماس قد حذر رئيس الحكومة من "الخونجة" و جر البلد نحو التيار الإخواني أو الوهابي. وخلال حواره مع إذاعة "ميد راديو" يوم 21 دجنبر 2012،  قال المختار الغزيوي، رئيس تحرير "الأحداث المغربية" إن الإسلاميين سرقوا الثورة في مصر، وإنهم في المغرب يتواجدون في التسيير وعلى التيار الحداثي أن يحتاط منهم، لأنهم لا يختلفون عن الإخوان في مصر ولا عن "جبهة الإنقاذ" سابقا في الجزائر، معتبرا ما يحدث من تحولات مجرد "ردة دينية" وفكر دخيل من المشرق مثل زحف النقاب، مضيفا أن الإسلاميين يستغلون الإسلام لأغراض سياسية وبالتالي "ليس في القنافذ أملس".

و في نفس الوقت، أكد من جديد أن الإسلام يعطي للمرأة الحق في أن تمارس حريتها الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج، وهذا لا يتناقض مع الإسلام الحق، إسلام كل المغاربة وليس إسلام الإسلاميين حسب تعبيره، مضيفا أن أخطر ما يهدد المغرب هو الخلط بين الدين والسياسة، و لم يفوت الفرصة للعزف على أسطورة ربط العنف بالجامعة بالطلبة الإسلاميين وتبرئة الفصائل اليسارية والتقدمية !

إلى ذلك تذهب العديد من الكتابات المعارضة لتجربة "العدالة والتنمية"، مُحذرة باستمرار من احتمال زحف بن كيران على إمارة المؤمنين واستغلاله ل "الريع الديني" بسبب ارتفاع نسبة الأمية في المغرب، وهو المسؤول عنها لأنه يؤمن بمقولة "أطعم ولا تعلم"  كما يدعي مصباح رمضان الإدريسي في مقاله عن "صراع الفيلة".

 هي إذن نفس المعزوفة عند المعارضة، في المغرب كما في المشرق، التخويف والتشويه والتشويش، باستعمال الأساطير المُؤسسة للدولة الدينية، والاختباء وراء خطاب المزايدة والعودة بنا إلى نقاش زمن الصحوة وقضايا أصبحت متجاوزة من قبيل الموقف من الديمقراطية ومن الحداثة ومن عمل المرأة خارج البيت والحجاب بين الرفض والقبول وحكم الشرع في الخل والخميرة والحلزون.