أطلق المئات من أهالي النقب المحتل، جنوب الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، تكبيرات العيد من ساحة مسجد بئر السبع الكبير المُحتل، والذي حولته بلدية بئر السبع الاحتلالية إلى متحف ومكان لإقامة الاحتفالات، وحرمت المسلمين من أداء الصلاة فيه، وذلك لأول مرة منذ احتلال فلسطين قبل أكثر من ستة عقود.

وأفاد موقع "فلسطينيو 48" الإلكتروني أن الحركة الإسلامية في النقب نظمت عصر أمس الجمعة (26-10)، الذي صادف أول أيام عيد الأضحى، معايدة في ساحة بئر السبع الكبير، حيث لبى المئات من أهالي النقب الدعوة.

وأشار إلى تجمهر جموع من المسلمين في ساحة المسجد وتبادلهم التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، فيما صدعت الحناجر بتكبيرات العيد لأول مرة منذ عام النكبة سنة 1948، حينما سقطت مدينة بئر السبع.

بدوره؛ قال الشيخ يوسف أبو جامع مسؤول الحركة الإسلامية في بلدة رهط "نحن ماضون في تحرير مسجد بئر السبع الكبير، هذا قرارنا ولن يطمئن لنا حال، حتى يرتفع من على مئذنة المسجد الأذان، ويتم تحريره من الأصنام بداخله".

المركز الفلسطيني للإعلام

استشهد مساء الثلاثاء ، أربع مقاومين من كتائب القسام وأصيب سبعة آخرين في قصف إسرائيلي في غارتين منفصلتين على بيت لاهيا شمال القطاع .

وجاء رد المقاومة قويا حيث أعلن الجيش الإسرائيلي عن سقوط نحو 70 صاروخا وقذيفة منذ مساء الثلاثاء انطلاقا من قطاع غزة على المغتصبات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، في مقدمتها منطقتي النقب وعسقلان.

كما اعترف الاحتلال بإصابة خمسة أشخاص، بينهم اثنين بحالة حرجة، وتدمير منزل تدميرا متوسطا، صباح الأربعاء بجروح وهلع جراء صاروخ أطلقته المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة باتجاه النقب الغربي المحتل.

حيث أطلقت المقاومة دفعات متتالية وبصورة متزامنة من مختلف أنواع الصواريخ وأبرزها "الجراد"، و"107"، وقذائف الهاون، والتي تبنتها كل من كتائب الشهيد عز الدين القسام وألوية الناصر صلاح الدين إطلاق الصواريخ بصورة مشتركة ردا على استمرار التصعيد الإسرائيلي.

من جهته هدد وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك بشن عملية عسكرية برية في قطاع غزة إن استدعى الأمر لاستعادة الهدوء إلى مغتصبات جنوب (اسرائيل), مؤكداً أن العمل يجري لوقف دوامة العنف الحالية وزيادة نجاعة التعامل العسكري معها .

من جهتها أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن جرائم الاحتلال "لن تمر دون أن يدفع الثمن وأن يتجرع من نفس الكأس المرّة التي يحاول أن يسقيها لأطفال فلسطين، وأنها ستظل تحمل البندقية مع كل قوى شعبها المقاومة الحرّة حتى تحرير فلسطين ودحر الاحتلال وقطعانه"، حيث اعتبرت التصعيد, تعبير من الاحتلال عن سخطه وغضبه وانتقامه بسبب الزيارة الناجحة التي قام بها سمو أمير قطر وما صاحبها من كسر للحصار السياسي والاقتصادي والمشاريع الحيوية التي تم افتتاحها.

 


Wednesday, 24 October 2012 12:10

أحكام وآداب عيد الأضحى

يأتي عيد الأضحى في أيام عشر ذي الحجة التي هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق لما أخرجه البزار رحمه الله وصححه الألباني في صحيح الجامع[1] عن جابر رضي الله عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {أفضل أيام الدنيا أيام العشر}.وهذا العيد هو العيد الثاني من أعياد المسلمين بعد عيد الفطر المبارك .

ويعد يوم عيد الأضحى أفضل الأيام عند الله ويدل على ذلك مارواه أهل السنن وفيه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القَرّ}- ويوم القر: هو يوم الحادي عشر لأن الحجاج يستقرون في منى- وفي الحديث الآخر الذي رواه أهل السنن ً وصححه الإمام الترمذي {يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب وذكر لله} وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم { أفضل الأيام يوم الجمعة }[2]فإن الأفضلية هنا بالنسبة لأيام الأسبوع فيكون يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع وأما يوم النحر فأفضل أيام العام .

ولعيد الأضحى المبارك العديد من الأحكام والآداب من أهمها:

1- التكبير: فإن التكبير من السنن ليلة العيد ومن فجر يومه في أدبار الصلوات إلى نهاية أيام التشريق وينتهي بغروب شمس يوم الرابع عشر من ذي الحجة لقول الله تعالى {واذكروا الله في أيام معدودات....سورة البقرة: 203} قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى {: أما التكبير فإنه مشروع في عيد الأضحى بالاتفاق ثم قال وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات وأنه متفق عليه وأن عيد النحر يجتمع فيه المكان والزمان وعيد النحر أفضل من عيد الفطر ولهذا كانت العبادة فيه (النحر مع الصلاة) }وقال رحمه الله {وأما النسك فإنه مشروع في اليوم نفسه عبادة مستقلة ولهذا يشرع بعد الصلاة كما قال تعالى: { فصل لربك وانحر . إن شانئك هو الأبتر }. فصلاة الناس في الأمصار بمنزلة رمي الحجاج جمرة العقبة وذبحهم في الأمصار بمنزلة ذبح الحجاج هديهم ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الأمصار يكبرون من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق لهذا الحديث ولحديث آخر رواه الدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولأنه إجماع من أكابر الصحابة والله أعلم}وصفة التكبير هي أن يقال:الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

2- صلاة العيد: وقد اختلف العلماء في حكم صلاة العيد فيرى الحنابلة رحمهم الله أنها فرض كفاية بينما يرى الإمامان مالك والشافعي أنها سنة ويرى ــ أبو حنيفة رحمه الله والعديد من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وبعض العلماء المعاصرين كابن سعدي وابن باز وابن عثيمين رحمهم الله جميعا ــ وجوب صلاة العيد لفعل النبي صلى الله عليه وسلم لها ولأنه أمر بها النساء والعواتق وذوات الخدور كما في حديث أم عطية رضي الله عنها حيث قالت:{أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق والحيَّض وذوات الخدور فأما الحيَّض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين.قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال:لتلبسها أختها من جلبابها } متفق عليه. والأقرب والله أعلم أنها فرض كفاية والسبب أن الصلوات الواجبة هي الصلوات الخمس بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث الأعرابي المشهور وعندما قال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص قال له النبي صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق . وأما الاستدلال بهذا الحديث فإنه ليس بصريح في الوجوب بدليل الأمر بإخراج الحيض وهن لاتجب عليهن الصلاة وإنما كان ذلك من أجل أن يشهدن الخير ودعاء المسلمين ,وفي هذا يقول ابن حجر رحمه الله : { واستدل به - أي بحديث أم عطية السابق -على وجوب صلاة العيد وفيه نظر لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف فظهر أن القصد منه إظهار شعار الإسلام بالمبالغة في الاجتماع ولتعم الجميع البركة والله أعلم }[3]. ويصلي الإمام بالناس صلاة العيد في المصلى ركعتين ثم يخطب بهم خطبتين ويسن أن يبكر بالصلاة إذا ارتفعت الشمس لما روا أبو داود وأحمد عن يزيد بن خميَّر قال (خرج عبدالله بن بسر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال:إن كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد فرغنا ساعتنا هذه).

3- صيام يوم عيد الأضحى: يحرم على المسلمين صيام يوم عيد الأضحى ويحرم كذلك صيام أيام التشريق بعده:أما تحريم صيام يوم العيد فللحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يومين:يوم الفطر ويوم النحر }متفق عليه.وأما تحريم صيام أيام التشريق فلما رواه نُبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل } رواه مسلم.وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا:لم يُرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي }رواه البخاري.

4- أفضل الأعمال في يوم العيد : إن أفضل الأعمال يوم عيد الأضحى هو صلاة العيد ثم نحر الأضحية فيبدأ المسلم بالصلاة قبل أي عمل آخر ثم ينحر بعد ذلك أضحيته وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله بقوله: (باب سُنَّةِ العيدين لأهل الإسلام) ثم ساق حديث البراء رضي الله عنه قال: سمعت رسول النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال:{ إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نُصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل فقد أصاب سُنَّتنا}روا البخاري.

5- التجمل يوم العيد: فإن من السنة في يوم العيد أن يتجمل المسلم ويلبس أحسن الثياب وأما المرأة فتخرج لصلاة العيد غير متجملة ولا متطيبة ولا متبرجة ولا سافرة لأنها مأمورة بالتستُّر منهية عن التبرج بالزينة وعن التطيب حال الخروج.وقد روى البخاري رحمه الله عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أخذ عمر جُبَّة من إستبرق – حرير- تباع في السوق فأخذها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ابتع هذه تجمّل بها للعيد والوفود فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هذه لباس من لا خلاق له.فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج فأقبل بها عمر فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك قلت: إنما هذه لباس من لا خلاق له وأرسلت إليَّ بهذه الجبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيعها أو تصيب بها حاجتك} ومنع النبي صلى الله عليه وسلم لعمر عندما أحضر الجبة الأولى فبسبب أنها كانت حريراً والحرير محرم على الرجال.قال ابن حجر رحمه الله[4] :{توجيه الترجمة أنها مأخوذة من تقريره صلى الله عليه وسلم على أصل التجمل وإنما زجره عن الجبة لكونها كانت حريرا}.

6- نحر الأضحية : فإنها من السنن المؤكدة يوم العيد ويشترط لها أربعة شروط:

أ- أن تكون من بهيمة الأنعام : وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم. وتجزئ الواحدة من الإبل أو البقر عن سبعة أشخاص. ومما و تجزئ الشاة عن الواحد وأهل بيته ، لقول أبي أيوب رضي الله عنه لما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ؟ فقال: " كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته " [5] . ويدل على أن البدنة أوالبقرة تجزئ عن سبعةٍ وأهلِ بيوتهم ؛ حديث جابر رضي الله عنه قال: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة " [6]

ب – أن تبلغ السن المعتبر شرعاً: والسن المعتبر شرعا هو خمس سنين في الإبل وسنتان في البقر وسنة في المعز وستة أشهر في الضأن. فقد دل الحديث على أن السن المعتبر في الإبل والبقر والمعز هو المُسنَّة ؛ ( وهي من المعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنوات ) لحديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يَعْسر عليكم ، فتذبحوا جذعه من الضأن "[7] أما أقل ما يجزئ من الضأن فقد دل الحديث على أنه ما كان جذعاً والجذع: هو ما له نصف سنة ؛ لقول عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : " ضحينا مع رسول الله بجذع من الضأن "[8] .

ب- أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء وهي أربعة عيوب:فلا تجزئ العرجاء البين ضلعها والمريضة البين مرضها والعوراء البين عورها والعجفاء وهي الهزيلة التي لا مخ فيها حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظَلْعُها ( أي: عرجها ) ، والكسيرة( أي: المنكسرة ) ، وفي لفظ: والعجفاء ( أي: المهزولة) التي لا تنقي ( أي: لا مخ لها لضعفها وهزالها ) " [9]. ويلحق بها ما كان أسوأ منها كمقطوعة الرجل والعمياء ولا الهتماء التي ذهبت ثناياها من أصلها ولا الجدّاء التي نشف ضرعها من اللبن بسبب كبر سنها [10].

ج- أن تقع الأضحية في الوقت المحدد للإضحية شرعاً وهو من الفراغ من صلاة العيد والأفضل أن ينتهي الإمام من الخطبتين وينتهي وقت الذبح بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق.

ويسن لصاحب الأضحية أن يأكل منها لقوله تعالى { فكلوا منها وأطعموا ....سورة الحج : 28} ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ,وإن شاء طبخها وإن شاء تصدق بها وإن شاء أهدى منها والأمر في ذلك واسع.

7- اللعب والفرح يوم العيد : فمن السنن يوم العيد إظهار الفرح والسرور ولا بأس باللعب المباح لما روته عائشة رضي الله عنها قالت:دخل علي َّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث فاضطجع في الفراش وحول وجهه.ودخل أبو بكر فانتهرني وقال:مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم!فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:دعهما.فلما غَفَل غمزتُهما فخرجتا } وقالت{وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدَّرِق والحراب فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم وإما قال أتشتهين تنظرين؟ فقلت نعم.فأقامني وراءه خدّي على خدّه وهو يقول دونكم يا بني أرْفِدة.حتى إذا مللت قال:حَسْبُك؟قلت:نعم.قال:فاذهبي }[11].قال ابن حجر رحمه الله :{ وفي هذا الحديث من الفوائد : مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة وأن الإعراض عن ذلك أولى.وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين}[12].

8- مخالفة الطريق : فإن من السنن يوم العيد أن يخالف المسلم بين طريقه ذهابا وإيابا لما رواه جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق }[13]قال ابن حجر: وفي رواية الإسماعيلي { كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه}[14].

9- صلاة ركعتين قبل صلاة العيد : ليس من السنة صلاة ركعتين قبل صلاة العيد ولا بعدها إذا كانت الصلاة في مصلى العيد وأما إذا كانت في مسجد من المساجد فلا بأس بصلاة تحية المسجد ركعتين قبل الصلاة ويدل على ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال :{ إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم العيد ركعتين لم يصلي قبلهما ولا بعدهما } [15].وأما من فاتته صلاة العيد فمن أوجب صلاة العيد أوجب عليه قضاءها واختلفوا في عدد ركعاتها فقال الإمام البخاري رحمه الله ومن وافقه تقضى ركعتين وقال الإمام أحمد ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله إنها تقضى أربعاً وتوسط إسحاق رحمه الله فقال:إن صلاها في الجماعة فركعتين وإلا أربعا والذي يظهر والله أعلم عدم قضائها لأنها سنة وليت بواجب على مارجحته سابقاً والله أعلم .

9- التهنئة يوم العيد :فإن من السنة التهنئة في يوم العيد وذلك بأن يقول المسلم لأخيه تقبل الله منا ومنكم أو عيدكم مبارك أو أعاده الله علينا وعليكم ونحو ذلك من الكلمات.قال ابن حجر وروينا بإسناد حسن عن جبير بن نفير قال:{ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض:تقبل الله منا ومنك}[16].

أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومن أخواني المسلمين وأن يجعل عيدنا سعيداً وأن يكشف عن إخواننا المسلمين في كل مكان ما هم فيه من الهم والضيق والبلاء إنه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

د.نهار العتيبي

 

 

 

[1] صحيح الجامع الصغير حديث رقم 1133

[2] حديث صحيح أخرجه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 1098

[3] فتح الباري 2/606

[4] فتح الباري 2/567

[5] أخرجه مالك والترمذي وابن ماجة بسند صحيح

[6] رواه مسلم

[7] رواه مسلم

[8] أخرجه النسائي بسند جيد

[9] رواه أصحاب السنن والإمام أحمد بسند صحيح

[10] انظر الملخص الفقهي للعلامة الشيخ صالح الفوزان 1/450 وأحكام الأضحية للعلامة ابن عثيمين رحمه الله

[11] رواه البخاري

Wednesday, 24 October 2012 11:14

ذكر الناس بما يكرهون

عن عائشة  -رضي الله عنها-: قالت: قلتُ: يا رسول الله حسْبُك من صفية قِصرها، قال: "لقد قلتِ كلمة لو مُزِج بها البحر لمزجتْهُ" قالت:  وحكيتُ له إِنسانا، فقال: "ما أحب أني حكيتُ إنسانا وأن لي كذا وكذا". أخرجه الترمذي، وأبو داود

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما عُرِج بي مررتُ بقوم لهم أظْفار من نُحاس يخْمِشُون بها وجوههم وصُدورهم فقلت: مَن هؤلاءِ يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم". أخرجه أبو داود.  وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه-: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: "إِن من أرْبى الربا: الاستطالةُ في عِرْضِ المسلم بغير حق". أخرجه أبو داود  في صحيح الجامع.

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما : أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم  قال: "مَنْ قال في مُؤمِنٍ ما ليس فيه أسكنهُ الله ردغة الخبالِ حتى يخْرُج مِما قال". أخرجه أبوداود

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم.

ومنهم من يُخرج الغيبة في قوالب شتى:

تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة، ولا الكذب؛ وإنما أخبركم بأحواله. ويقول:  والله إنه مسكين أو رجل جيد؛ ولكن فيه كيت وكيت.

وربما يقول: دعونا منه الله يغفر لنا وله؛ وإنما قصده استنقاصه وهضم لجانبه.

ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا؛ وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه.

ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت وكيت ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده.

أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم؛ وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وأنه أفضل منه. ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد.

ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.

ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت، وكيف فعل كيت وكيت، فيخرج اسمه في معرض تعجبه.

ومنهم من يخرج الاغتمام فيقول مسكين فلان غمني ما جرى له، وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطوي على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به وربما يذكره عند أعدائه ليتشفوا به. وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه، ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصده غير ما أظهر.


Wednesday, 24 October 2012 10:32

من معاني العيد

العيد مظهرٌ من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره المعظمة التي تنطوي على حكم عظيمة، ومعانٍ جليلة، وأسرار بديعة لا تعرفها الأمم في شتى أعيادها.فالعيد في معناه الديني شكر لله على تمام العبادة، لا يقولها المؤمن بلسانه فحسب، ولكنها تعتلج في سرائره رضاً واطمئناناً، وتنبلج في علانيته فرحاً وابتهاجاً، وتُسفر بين نفوس المؤمنين بالبشر والأنس والطلاقة، وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة.

والعيد في معناه الإنساني يومٌ تلتقي فيه قوة الغني، وضعف الفقير على محبة ورحمة وعدالةٍ من وحي السماء، عُنوانُها الزكاةُ، والإحسانُ، والتوسعة.  يتجلى العيد على الغني المُترف فينسى تعلقه بالمال، وينزل من عليائِه متواضعاً للحق وللخلق، ويذكرُ أن كل من حوله إخوانه وأعوانه، فيمحو إساءة عام بإحسان يوم.

ويتجلى العيد على الفقير المُترب فيطرح همومه، ويسمو من أفق كانت تصوره له أحلامهُ، وينسى مكاره العام ومتاعبه، وتمحو بشاشةُ العيد آثار الحقد والتبرم من نفسه، وتنهرم لديه دواعي اليأس على حين تنتصر بواعث الرجاء.

والعيد في معناه النفسي حدٌّ فاصلٌ بين تقييدٍ تخضع له النفسُ، وتَسكُنُ إليه الجوارح، وبين انطلاق تنفتح له اللهواتُ، وتتنبّه له الشهوات.

والعيد في معناه الزمني قطعةٌ من الزمن خُصصَت لنسيان الهموم، واطراح الكُلف، واستجمام القوى الجاهدة في الحياة.

والعيد في معناه الاجتماعي يومُ الأطفال يفيض عليهم بالفرح والمرح، ويوم الفقراء يلقاهم باليسر والسعة، ويوم الأرحام يجمعها على البر والصلة، ويوم المسلمين يجمعهم على التسامح والتزاور، ويوم الأصدقاء يجدد فيهم أواصر الحب ودواعي القرب، ويوم النفوس الكريمة تتناسى أضغانها، فتجتمع بعد افتراق، وتتصافى بعد كدر، وتتصافح بعد انقباض.

وفي هذا كله تجديدٌ للرابطة الاجتماعية على أقوى ما تكون من الحب، والوفاء، والإخاء. وفيه أروعُ ما يُضفي على القلوب من الأنس، وعلى النفوس من البهجة، وعلى الأجسام من الراحة. وفيه من المغزى الاجتماعي - أيضاً - تذكير لأنباء المجتمع بحق الضعفاء والعاجزين؛ حتى تشملَ الفرحةُ بالعيد كل بيتٍ، وتعمَّ النعمةُ كلَّ أسرة.

وإلى هذا المعنى الاجتماعي يرمُزُ تشريعُ صدقة الفطر في عيد الفطر، أو في أيامه إطلاقاً للأيدي الخيِّرة في مجال الخير؛ فلا تشرق شمسُ العيد إلا والبسمة تعلو كل شفاهٍ، والبهجةُ تغمرُ كل قلبٍ.

في العيد يستروح الأشقياء ريح السعادة، ويتنفس المختنقون في جو من السعة، وفيه يذوق المُعدمون طيبات الرزق، ويتنعم الواجدون بأطايبه.

في العيد تسلس النفوس الجامحة قيادها إلى الخير، وتهش النفوس الكزة إلى الإحسان.

في العيد أحكام تقمع الهوى، من ورائها حكمٌ تُغَذي العقل، ومن تحتها أسرارٌ تُصَفي النفس، ومن بين يديها ذكرياتٌ تثمر التأسي في الحق والخير، وفي طيَّها عِبرٌ تُجلي الحقائق، وموازينُ تقيم العدل بين الأصناف المتفاوتة بين البشر، ومقاصدُ سديدةٌ في حفظ الوحدة، وإصلاح الشأن، ودروسٌ تطبيقيةٌ عالية في التضحية، والإيثار، والمحبة.

في العيد تظهر فضيلةُ الإخلاص مُستعلنة للجميع، ويُهدي الناسُ بعضُهم إلى بعض هدايا القلوب المُخلصةِ المُحِبة، وكأنما العيد روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها.

في العيد تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلدُ العظيم وكأنه لأهله دارٌ واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي.

في العيد تنطلق السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول على حقيقتها.

العيد في الإسلام سكينةٌ ووقارٌ، وتعظيمٌ للواحد القهار، وبعدٌ عن أسباب الهلكة ودخول النار.والعيد مع ذلك كله ميدان استباق إلى الخيرات، ومجال منافسة في المكرمات.

ومما يدل على عظم شأن العيد أن الإسلام قرن كلَّ واحدٍ من عيديه العظيمين بشعيرة من شعائره العامة التي لها جلالُها الخطير في الروحانيات، ولها خَطَرُها الجليل في الاجتماعات، ولها ريحُها الهابَّةُ بالخير والإحسان والبر والرحمة، ولها أثرها العميق في التربية الفردية والجماعية التي لا تكون الأمةُ صالحة للوجود، نافعة في الوجود إلا بها.

هاتان الشعيرتان هما شهر رمضان الذي جاء عيدُ الفطر مِسك ختامِه، وكلمة الشكر على تمامه، والحجُ الذي كان عيدُ الأضحى بعض أيامه، والظرف الموعي لمعظم أحكامه.

فهذا الربط الإلهي بين العيدين. وبين هاتين الشعيرتين كاف في الحكم عليهما، وكاشفٌ عن وجه الحقيقة فيهما، وأنهما عيدان دينيان بكل ما شُرع فيهما من سنن، بل حتى ما ندب إليه الدينُ فيهما من أمور ظاهرُها أنها دنيوية كالتجمل، والتحلي، والتطيب، والتوسعة على العيال، وإلطاف الضيوف، والمرح، واختيار المناعم والأطايب، واللهو مما لا يخرج إلى حدِّ السرف، والتغالي، والتفاخر المذموم؛ فهذه الأمور المباحة داخلة في الطاعات إذا حسنت النية؛ فمن محاسن الإسلام أن المباحات إذا حسنت فيها النيةُ، وأُريد بها تحقُقُ حكمةِ الله، أو شُكرُ نعمته انقلبت قرباتٍ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: { حتى اللقمة تضعها في في امرأتك }.

كلا طرفي العيد في معناه الإسلامي جمال، وجلال، وتمام وكمال، وربط واتصال، وبشاشة تخالط القلوب، واطمئنان يلازم الجنوب، وبسط وانشراح، وهجر للهموم واطراح، وكأنه شبابٌ وخَطَتُه النُضرة، أو غُصنٌ عاوده الربيع، فوخَزًتهُ الخُضرةُ.

وليس السرُّ في العيد يومَهُ الذي يبتدى بطلوع الشمس وينتهي بغروبها، وإنما السرُّ فيما يعمر ذلك اليوم من أعمال، وما يغمره من إحسان وأفضال، وما يغشى النفوس المستعدة للخير فيه من سمو وكمال؛ فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في العيد لا اليومُ نفسهُ.

هذه بعض معاني العيد كما نفهمها من الإسلام، وكما يحقُقُها المسلمون الصادقون؛ فأين نحن اليوم من هذه الأعياد؟ وأين هذه الأعياد منا؟ وما نصيبنا من هذه المعاني؟ وأين آثار العبادة من آثار العادة في أعيادنا؟

أيها المسلم المستبشر بالعيد: لا شك أن تستعد أو قد استعددت للعيد أياً كنت أو أماً أو شاباً، أو فتاة، ولا ريب أنك قد أخذت أهبتك لكل ما يستلزمه العيد من لباس، وطعام ونحوه؛ فأضف إلى ذلك استعداداً تنال به شُكوراً، وتزداد به صحيفتك نوراً، استعداداً هو أكرم عند الله، وأجدر في نظر الأُخوَّة والمروءة.ألا وهو استعدادك للتفريج عن كربة من حولك من البؤساء، والمعدمين، من جيران، أو أقربين أو نحوهم؛ فتِّش عن هؤلاء، وسَل عن حاجاتهم، وبادر في إدخال السرور إلى قلوبهم. وإن لم يُسعِدك المال فلا أقل من أن يسعدك المقالُ بالكلمة الطيبة، والابتسامة الحانية، والخفقة الطاهرة.

لعلنا وصلنا إلى زمن ضرورة تجديد معاني الدين والحديث في البديهيات الأولية والأصلية، وبسط مقاصد كل شيء يمت بصلة بديننا، وذلك لما نبتت عندنا نابتة قليل عددها يراد النفخ فيها لتبدو أقلية تفرض التنوع و"الاحترام" بل يراد بزعم وجودها تغيير بنية النظام الذي يحكمنا والمبادئ التي تجمعنا حتى نغدو بغير طعم ولا لون ولا رائحة وحتى نعبر بحق عن التعددية والحداثة والديمقراطية الحقة،

ولئن كان الأمل ضعيفا في أولئك المشوشين فلا أقل من تحصين الناشئة وبعض الفئات الهشة في تصوراتها وقناعاتها حتى تثبت ويجدد عندها الحماس لأصولها وثوابتها وسننها الحضارية العريقة، لأن كثيرا من المعاني قد تذبل مع مرور الزمن وتغيب فيها المقاصد ويتشبث الناس بالأشكال، ولعل هذه الأضاحي والأكباش مما حدث في شأنها شيء من ذلك حتى أصبحنا نرى العجائب من مثل الاقتراض بالربا لأداء هذه "العبادة".

ولعل أول تساؤل قد يثار بهذه الكلمة "المستفزة" العبادة، هو ما علاقة الأضاحي بالعبادة؟ أليست مجرد عادة اجتماعية توارثتها الأجيال؟ أليست مجرد مناسبة سنوية يتم فيها "الانتقام" من فتات الجزار لمن يقدر عليه مرة في الأسبوع أو مرتين عند فئات عريضة من ذوي الدخل المحدود، فتتاح لهم فرصة الشي والقلي ودخان الشحوم التي تملأ الغرف والأفنية وتخرج من النوافذ والأبواب وفرصة للقديد والكباب الذي "يفتح للصحة ألف باب".

إن رجوعنا للمعاني الشرعية لهذا الفعل أو اسم الأضحية نجدها لحسن حظنا لا تزال مضمرة في الإسم ذاته فضحى بالشاة: ذبحها ضحى يوم النحر أي يوم العيد، والضُّحى: حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَصْفو ضَوْءُها. والأضحية شرعا اسم لما يذبح من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم) يوم النحر من بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق ( وهو الثالث عشر من ذي الحجة) تقرباً إلى الله تعالى، فكما يتقرب العبد إلى ربه بالصلاة والصيام والحج والزكاة والدعاء والذكر ونحو ذلك يتقرب أيضا بذبح هذه الأنعام.

ولهذا لا يجوز أبدا أن يكون الذبح لغير الله سواء كان على بئر أو عتبة دار أو ضيعة جديدة أو "ولي" أو قبر وما في حكم هذه الأشياء، ويحرم ما ذكر عليه اسم غير الله يضاف إلى المحرمات الأخرى"مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ" وكما قال تعالى أيضا:" وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ" فالأصل كما نتقدم بين يدي الله بالصلاة نتقدم بالنحر أيضا بين يديه.

قال الله تعالى : (فصلّ لربك وانحر) (الكوثر) وقال سبحانه : (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ )(الحج:67) وقال عز من قائل:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) ) (الحج) . وقال تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)) (الأنعام:162-163) ، قوله (ونسكي ) أي ذبحي .وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر .

فهذه الأضاحي سنة مؤكدة كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء. قال البخاري في صحيحه في كتاب الأضاحي : باب سنة الأضحية فقال الحافظ ابن حجر في الشرح وكأنه ترجم بالسنة إشارة إلى مخالفة من قال بوجوبها، وقال الحافظ أيضاً ، قال ابن حزم : لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة وصح أنها غير واجبة عند الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين، وهي عند المالكية والشافعية والجمهور سنة مؤكدة، وعن أبي حنيفة : تجب على المقيم والموسر . وروى الترمذي أن رجلاً سأل ابن عمر رضي الله عنهما عن الأضحية أهي واجبة ؟ فقال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده، قال ابن رشد:( ومذهب ابن عباس أن لا وجوب  قال عكرمة بعثني ابن عباس بدرهمين أشتري بهما لحما وقال من لقيت فقل له هذه أضحية ابن عباس  وروي عن بلال أنه ضحى بديك)(بداية المجتهد ج1 ص314) ودعما لمذهب السنية قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة، وقال الشيخ ابن عثيمين من المعاصرين بعد أن ذكر أدلة القائلين بالوجوب والقائلين بعدمه : والأدلة تكاد تكون متكافئة، وسلوك سبيل الاحتياط أن لا يدعها المسلم مع القدرة عليها لما فيها من تعظيم الله وذكره وبراءة الذمة بيقين .

وقد أطلت القول قليلا في بيان الحكم حتى يفهم أن التكلف لهذه العبادة ليس مقصودا بل وحتى على فرض الوجوب على رأي البعض لا يجوز إتيان الطاعات والتقرب إلى الله تعالى بالمال الحرام، فمن يلجأ إلى الاقتراض بالربا يبتعد من مولاه عوض أن يتقرب إليه، فالله تعالى طيب لا يقبل غير الطيب، ولعل صاحب هذا الفعل يهمه الضغط الاجتماعي أكثر ما يعنيه أمر النسك والعبادة، وإلا فالربا من الكبائر العظيمة ومن السبع الموبقات التي يفر منها المومن فرارا.

قال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) البقرة. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اجتنبوا السبعَ الموبقاتِ . قالوا : يا رسولَ اللهِ ، وما هن ؟ قال : الشركُ باللهِ ، والسحرُ ، وقتلُ النفسِ التي حرّم اللهُ إلا بالحقِّ ، وأكلُ الربا ، وأكلُ مالِ اليتيمِ ، والتولي يومَ الزحفِ ، وقذفُ المحصناتِ المؤمناتِ الغافلاتِ" وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهديه ، وقال : هم سواء ."

ولعل البعض يشير إلى أن الزيادات في تلك القروض الخاصة بالأضاحي يسيرة وقد لا تتعدى "ثمن الملف" وهنا نستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث روى الترمذي وغيره وصححه الألباني عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الربا ثلاثة و سبعون بابا، و أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، و إن أربى الربا عرض الرجل المسلم" وجاء في الترغيب للمنذري وصححه الألباني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم ."

وفي صحيح البخاري رواية عن احتياط السلف في أمر الربا عن أبي موسى الأشعري قال:أتَيتُ المدينةَ، فلَقيتُ عبدَ اللهِ بنَ سلامٍ رضي اللهُ عنه، فقال : ألا تَجيءُ فأطعمَك سَويقًا وتمرًا وتدخُلَ في بيتٍ، ثم قال : إنك بأرضٍ الرِّبا بها فاشٍ، إذا كان لك على رجلٍ حقٌّ، فأهدَى إليك حِملَ تِبنٍ، أو حِملَ شَعيرٍ، أو حِملَ قَتٍّ، فلا تأخذْه فإنه رِبا. أي قدر ما يحمله الحمار ونحوه وخص الهدية بما تعلف به الدواب من تبن وشعير مبالغة في الامتناع عن شبهة الربا.

وليس ثمة من ضرورة في الأضحية كشأن الضروريات التي قد تلجئ للحرام، ولا شك أن ولوج هذه المسلكيات ينبئ عن ضعف في استحضار مقاصد هذه العبادة إما جهلا أو غفلة، والحال أن الله تعالى شرع لعباده هذه السنة لحكم وفوائد كثيرة منها: التحقق بتقوى الله عز وجل قال تعالى: (لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ) [الحج:37: " فإن الخالق الله تعالى الرازق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، لأنه تعالى هو الغني عما سواه، إنما هي للعبد ابتلاء واختبار وقربة وتضحية ببعض ماله ابتغاء وجه ربه ومناسبة لذكر الله على ما وهب من بهيمة الأنعام، فالمضحي يذكر الله تعالى على أضحيته عند ذبحها كما قال تعالى (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام..) (الحج:28) وتعبير من العبد على دخوله في الدين كله بجميع كيانه وسلوكه وأعماله (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) (الأنعام:162).

من ذلك شكر الله تعالى بتذكر نعمه التي أغدق علينا وأحلها لنا، وإيجاد الفرص للعباد للشعور بها وتلمسها عن قرب ولو تركوا لحالهم لما فكر البعض في التوسيع على أنفسهم وعيالهم ولشغلهم التكاثر وجمع المال عن مثل هذه السنة السنوية،  قال تعالى : (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)) (الحج) أي: وجعلنا لكم نَحْرَ البُدْن من شعائر الدين وأعلامه؛ لتتقربوا بها إلى الله، لكم فيها- أيها المتقربون -خير في منافعها من الأكل والصدقة والثواب والأجر، فقولوا عند ذبحها: بسم الله.  فإذا سقطت على الأرض جنوبها فقد حلَّ أكلها، فليأكل منها مقربوها تعبدًا ويُطْعِمُوا منها القانع -وهو الفقير الذي لم يسأل تعففًا- والمعترَّ الذي يسأل لحاجته, هكذا سخَّر الله البُدْن لكم، لعلكم تشكرون الله على تسخيرها لكم.

ثم من مقاصدها  التوسعة على الناس خاصة الفقراء والمساكين في هذه الأيام المباركة، حيث جاء في الحديث : "إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله" ، فيشارك الفقراء والمحتاجون الأغنياء والقادرين في أكل اللحم في هذه الأيام المباركة. قال سبحانه : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) (الحج:28) أي الفقير الذي اشتد فقره، ومن ذلك الرواج الاقتصادي وانتفاع الفلاحين وازدهار العديد من المناشط الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالمناسبة. وتوثيق الروابط الاجتماعية بصلة الرحم والتزاور السهل والضيافة الميسرة والمرغوب فيها مع توفر لحم العيد.

ومن أعظم مقاصد الأضحية  إحياء ذكرى نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام حيث فدى الله إسماعيل من الذبح بالكبش العظيم، وفي هذه القصة من العبر الشيء الكثير، منها طاعة الله تعالى مهما كان الأمر الذي كلفنا به ، وشكره لله تعالى على هذا الفداء والتخفيف على نبيه إبراهيم وابنه إسماعيل وعلى الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة، وطاعة الولد والديه في المعروف وما يرضي الله تعالى، والتضحية بكل غال ونفيس في سبيل الدين الحق وإعلاء كلمة الله، فقصة إبراهيم عليه السلام تعطي النموذج والقدوة في اليقين والبذل والتضحية، وهل الدين إلا اليقين والثقة في رب العالمين والتضحية بالوقت والجهد والمال بل وحتى النفس في سبيل الله وفي سبيل مرضاته؟

لو كنا نستحضر فقط بمناسبة عيد الأضحى هذه القصة وما فيها من أبعاد إيمانية ومقاصد تربوية وما فيها من تزكية للنفوس والعقول والقلوب، لكفاها فائدة ونعمة عظيمة، كلما اشتدت بنا لذة النوم عن صلاة الفجر قلنا أين التضحية بهذا النوم من قصة إقدام إبراهيم عن التضحية بابنه وفلذة كبده؟ وكلما استبد بنا حب المال عن إخراج الزكاة وحق الفقراء في أموالنا قلنا أين هذا المال من قصة إبراهيم؟ وكلما تحركت فينا شهوة الرغبة في الحرام قلنا أين التضحية بهذه الشهوة العابرة من هم أبي الأنبياء بذبح ابنه؟ وكلما نادى منادي الواجب الديني والوطني وواجب نصرة قضايا الأمة قلنا أين هذه التضحيات المطلوبة من تضحية خليل الرحمن وابنه البار إسماعيل عليهما وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأزكى التسليم؟ حينها سيكون العيد أعيادا في الصلاح والإصلاح وخير البلاد والعباد.

محمد بولوز

Tuesday, 23 October 2012 13:21

هلمّوا نحب الجمال

لا شك أن قضية الجمال أصبحت تحتل المقام الأول في عقول الشباب وقلوبهم. ولعل الأمر يبدو طبيعيًّا وعاديًّا بعد التغيرات التي تحصل في الجسم والفكر والروح في مراحل الشباب الأولى، إلا أن التركيز على الجمال الخارجي والجسدي لدى الإنسان المعاصر، يكاد يصبح هوساً وجنوناً واستعباداً -إن لم يكن أصبح كذلك فعلا- بشكل يفتح المجال للقول: إنه ردة حضارية مهولة لعصور عفا عليها الزمن.

ونعلم أن العرب قبل الإسلام كانوا يقدرون الجمال تقديراً كبيراً، لكنهم كانوا يرونه في الأشياء المادية الحسية، مثل جمال المرأة والفرس والطلل وغير ذلك من المظاهر المادية، ويعبرون عنه ضمن مشاعر عاطفية لا تتجاوز الحس في أغلب الأحيان. ولما جاء الإسلام ارتقى الإحساس بالجمال، وتعمق حين زاوج بين جمال الظاهر والباطن، وتمثل في نصوص قرآنية وحديثية عدة؛ أبرزت قيمة الجمال وأضفت عليه معاني ودلالات جديدة. وكل هذه النصوص تبرز أن الله سبحانه وتعالى مصدر كل جمال في هذا الكون، وكل ما في هذا الكون من حسن وجمال هو من الله سبحانه وتعالى الذي صنعه وحسّنه. فهو سبحانه "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ"(السجدة:7) وأتقنه: "صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"(النمل:88)، بل إن الجميل اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته العليا.

وحين نستقرئ كل الآيات القرآنية التي تعلقت بالجمال ومفرداته المرتبطة به، ندرك عمق الدلالات التي يحيل عليها الحديث الذي يرويه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى جميل يحب الجمال" (رواه البخاري)، كما نشعر بمدى بعدنا عن هذه الدلالات التي لا شك في كونها كانت ستفتح لنا آفاقاً واسعة من السعادة والحب لو ارتبطت بحياتنا وممارساتنا وعلاقاتنا، ولم نقنع بالجمال الظاهري.

وأول ما يستوقفنا في مجال الجمال الإنساني في النصوص القرآنية قوله تعالى: "لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"(التين:4)، "وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ"(غافر:64)، "الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ"(الانفطار:7-8). فمثل هذه الآيات تصب في التكوين الجسماني كما تصب في التكوين الروحي، ولذلك كان التحسين والتسوية والتقويم دليلاً على هذا التوازن الجمالي بين الروح والجسد.

أما الناظر في الآيات التي تبرز الجمال في الكون، فإنه لا شك سيقف مشدوهاً أمام طبيعة هذا الجمال وعمقه الذي نحاربه في كل حياتنا بوسائل مختلفة؛ ابتداءً من رمي الأوساخ في الطرقات والأحياء، إلى إشاعة الشر والفاحشة والظلم، وكل أنواع القبح. ونتأكد أننا أبعد الناس عن تذوق الجمال الذي هو من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى، الأمر الذي يجعل الطباع خشنة وقاسية، والحياة فارغة من معانيها الجميلة التي بثها الله سبحانه وتعالى للتمتع بها.

يقول تعالى: "وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ"(النمل:60)، ويقول في آية أخرى: "أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ"(ق:6-7).

ولذلك نلاحظ أننا أينما مددنا أبصارنا نجد قبحا منتشراً، بشكل يجعلنا نكاد نجزم باختلال علاقة الإنسان بالجمال في الحياة التي نعيشها. وبالتالي فقد الإنسان عنصراً مهمًّا من مقومات الحياة الطيبة، وانهارت قيمة عليا من القيم التي تحكم العلاقة بين الإنسان والإنسان، والأحياء والأشياء والكون كله. وهذا لا يعني أننا لا نتذوق الجمال الشكلي، أو ندعو إلى نبذه ورفضه. فجمال الشكل مرغوب كما ذكره لنا الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف عند اختيار الزوجة: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (متفق عليه).

وإنما الذي نعنيه هو التشويه المهول للجمال أو اختصاره على أقل تقدير، والرغبة التي تدفعنا في هذه اللحظات الحرجة التي تعيشها الأمة في جميع الميادين ومختلف المستويات، إلى افتقاد التربية الجمالية التي تسمو بمشاعرنا وعلاقاتنا إلى آفاق الحب والتسامح، والعزة المؤدية إلى السعادة والخير، ليس للأمة وحدها وإنما للبشرية جمعاء التي جفت مياه الجمال من أشكالها، وانغمست -ونحن وراءها- في مستنقعات من القبح، إلا من بصيص من الجمال الذي لا يروي الروح وإن شبع منه الجسد.

وفقدان هذه التربية الجمالية هي التي تجعلنا لا نكاد نحس حتى بجمال تديننا؛ ولنأخذ الصلاة كمثال؛ كم مصلٍّ منا يتذوق جمالها، جمال الشكل: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"(الأعراف:31) مع جمال الاستقامة وجلال الخشوع لله سبحانه وتعالى، جمال انتظام أجسام المؤمنين في الصفوف إذا انتظمت مع جمال وحدة قلوبهم، وصفاء أرواحهم عندما تسمو في معارجها إلى الله سبحانه وتعالى، كلما ركعت لله أو سجدت رغبة أو رهبة أو محبة وتذللاً، أو استمعت إلى القرآن يتلى متدفقاً في معانيه الراقية، وأسلوبه الجمالي الآسر الذي يفيض حسناً ويشع بهاء..

ألسنا في أمسّ الحاجة إلى إعادة النظر في مفهومنا للجمال، وإلى تربية أذواقنا تربية جمالية مستمدة من القرآن الكريم، تعيد لنا التوازن الذي نفتقده في حياتنا.

د. سعاد الناصر - مجلة حراء

Tuesday, 23 October 2012 10:43

عرفات الله ..تجربة روحية

 

كانت تجربة الحج, ولازالت, ملهمة لعدد من المفكرين والأدباء والعلماء الذين تكشفت لهم أسرار ومعان لا يستشفها عادة من يقف عند حدود الأداء المجرد للمناسك ! فالحج كما يقول أبو حامد الغزالي " أوله الفهم أي فهم مواقعه في الدين, ثم الشوق إليه, ثم العزم عليه, ثم قطع العلائق المانعة منه, ثم شراء ثوب الإحرام, ثم شراء الزاد, ثم اكتراء الراحلة, ثم الخروج, ثم المسير في البادية, ثم الإحرام من الميقات بالتلبية, ثم دخول مكة بالتلبية " (1).

وحرص الغزالي على تقديم الفهم والشوق والعزم تأكيد لما يخالج كل نفس هامت بتنسم الحقيقة العليا  من مشاعر وانطباعات, واستيقاظ للعاطفة الروحية التي كادت أن تتوارى خلف ستار المادة .

وإذا كانت لمناسك الحج آثارها البليغة في دعم مسيرة العبد نحو ربه, وتجديد إيمانه و مبايعته له, إلا أن مشهد الوقوف بعرفات, والتئام الحجاج حول مركز واحد, يُخلف في النفوس إجلالا واهتزازا وجدانيا تعجز عن وصفه الألسنة, وتكل الأقلام في سعيها لالتقاط أبعاده ودلالاته, وما يبثه للعالم أجمع من رسائل وإشارات !

يعرض المفكر الهندي (وحيد الدين خان) في كتابه الشهير " حقيقة الحج" خلاصة تجربته الروحية, وانطباعاته غداة حلوله بأرض الحجاز لأداء مناسك الحج, في رحلة غريبة لم يكن الركن الخامس مدرجا فيها ! ولعل أبلغ هذه الانطباعات التي ساقها الكاتب بأسلوب رائع هو وقفته العميقة والهادئة عند مشهد عرفات وما يثيره من حقائق وعظات.

يصف الكاتب هذا المشهد بقوله " يقدم ميدان عرفات في أيام الحج منظرا تمثيليا لميدان الحشر, فنشاهد أفواجا بعد أفواج من عباد الله يأتونه من كل حدب وصوب في يوم معين. وما أغربه من منظر.. فعلى كل الأجساد لباس بسيط من نوع واحد, لقد فقد الكل صفاته المميزة, وكل الألسنة تردد كلمة واحدة : لبيك اللهم لبيك .. فحضور عرفات يهدف إلى تذكير العبد بمثوله أمام الله يوم الحشر, لكي يجري على نفسه بصورة رمزية وتصورية ما سيجري عليه غدا " (2).

ويمتد الأثر حسب الكاتب إلى إعلان عهد جماعي بالسير على خطى السلف الصالح الذي اختار العبودية وأداها بصورتها المعيارية : " هنا يجتمع كل الحجاج في ميدان واحد مفتوح, فيعاهدون ربهم عهدا جماعيا بأنهم سيظلون ينفذون في حياتهم القادمة ما تعلموه خلال الحج, وأنهم سيعيشون مقلدين حياة أولئك الأبرار الذين يُؤدى الحج تذكارا لهم " (3) .

ويمضي الكاتب في وقفته المتأنية لرصد المعنى التاريخي والرسالي لهذا المشهد الجليل, قبل أن يصوغ بيانه الختامي الذي يحث فيه المسلمين على اتخاذ هذا المؤتمر السنوي العالمي فرصة لتقوية الوحدة , وتجديد  السير على خطى إبراهيم عليه السلام في تنفيذ الخطة الإلهية الدعوية !

أما الشيخ متولي الشعراوي في كتابه الماتع " الحج المبرور" فيكشف ما ينطوي عليه التئام الحجيج بعرفات من معان إنسانية جمة, تتهاوى أمامها كل الاعتبارات الاجتماعية الأخرى : " إنك لن تجد إنسانا في عرفة يقول أنا فلان, أو يحاول أن يُباهي بمكانته الدنيوية, بل الكل في ذلة وخضوع لله تبارك وتعالى, يتسابق كل منهم ليعلن خضوعه لله وخشيته منه .. في هذا اليوم الذي ننفض عن أنفسنا الاستعلاء وطغيان النفس, يتجلى الله سبحانه وتعالى علينا بالمغفرة, لأن الذي يجعل بيننا وبين الله حجاب هو اللجج الذي يحدث, واللجج معناه أن نكون في مجتمع واحد وكل واحد منا يرى نفسه أحسن من غيره, يرى ميزاته ولا يرى عيوبه ! في هذا اليوم العظيم نعرف أن ما تميزنا به ليس من عندنا ولكنه من عند خالقنا, فيحدث استطراق العبودية " (4).

يقول الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله " ليس البلاغ اليوم في المسلمين بلاغ خبر هذا الدين, فذلك أمر قام به الأولون, وما بقي اليوم صقع في الأرض لم تبلغه قصة الرسالة الإسلامية على الجملة .. إنما المسلمون اليوم في حاجة إلى إبصار, إبصار الحقائق القرآنية التي تتلى عليهم صباح مساء, وهم عنها عمون " (5).

وحري بمن يشهد عرفات ألا يقف عند حدود  المنسك, أو يستفرغ الجهد في الأداء الظاهر المتماسك لهذا الركن الجليل فحسب, بل يجب أن يرى في عرفات كذلك تجربة إنسانية حية يستعيد فيها المسلم عمق التماثل بين لحظة ميلاده الأولى, ونزوله من غيب الرحم إلى عالم الشهادة, وبين ميلاده الثاني  في عرفات. هذا الميلاد الذي يخلصه من حجب المادة وصوارف الحياة الدنيا ليجدد الإيمان والعقد بينه وبين خالقه على الثبات.

إن مناسك الحج وشعائره في وعي المسلم المعاصر, تكاد لا تفارق الإطار الفقهي بقواعده و شروطه ومستلزمات إنجاح هذه التجربة الفذة. لكن ما تخلفه تحديات العيش في عالم متقلب من استلاب وغربة ورضوض نفسية مؤلمة يٌلزمنا اليوم بالكشف عما في ثنايا العبادات من دلالات روحية و اهتزازات وجدانية تسهم, ولا شك, في تحقيق عمران الإنسان !

 

حميد بن خيبش

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أبو حامد الغزالي : أسرار الحج . دار التحرير للطباعة و النشر . القاهرة 1992 . ص 113

(2) وحيد الدين خان : حقيقة الحج . دارالصحوة للنشر . ط 1 . 1987 . ص8 بتصرف

(3) المرجع السابق . ص 27-28

(4) الشيخ محمد متولي الشعراوي : الحج المبرور . مكتبة الشعراوي الإسلامية . القاهرة 1990 . ص 54

(5) د. فريد الأنصاري : بلاغ الرسالة القرآنية .دار السلام للطباعة و النشر .ط1 . 2009.ص 172

نظمت حركة التوحيد والإصلاح، منطقة تازة، يوم الأحد 21أكتوبر2012 بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بتازة، الجمع العام المنطقي النصف مرحلي تحت شعار قوله تعالى "فلا اقتحم العقبة"، حضره أعضاء الحركة بإقليم تازة وأطره كل من المسؤول المنطقي ذ.محمد زرعي والمسؤول الجهوي التربوي د.محمد السايح وسير وقائع الجمع ذ.حسن عشاب.

حيث ألقى الكاتب العام للمنطقة ذ.ادريس اليعقوبي عرضا للحصيلة وعرض نائب المسؤول المنطقي ذ.محمد بنعواد عرضا للمخطط السنوي.

ومن خلال كلمته التوجيهية، أوضح المسؤول المنطقي الهدف من الملتقى الذي لخصه في مدارسة السبل التي تجعل من فعل منخرطي حركة التوحيد والإصلاح الإصلاحي فعلا ناجحا ذا أثر في الفرد والمجتمع والأمة.

ولبلوغ الهدف المسطر ركز المتحدث على ثلاث محاور اعتبرها "محركات" أساسية للأعمال المستقبلية وهي "الانفتاح" الذي يتطلب من العضو، حسب المتحدث، تأكيد ثقته في المشروع والعمل على التواصل والتحاور والتقارب والتصاحب والتلاقي.

وفي محور"التحصين"، أشار المسؤول المنطقي إلى ضمان صيانة المكتسبات وتسييج الموارد وحفظها من التلف والاقتناص.

و في محور "التوريث" ركز المصدر ذاته على ضرورة ضمان استمرار المشروع في شباب الأمة، واعتبره خير ما يمكن توريثه للأجيال (تركة الأنبياء والصالحين).

كما نوه المسؤول الجهوي التربوي د.محمد السايح من خلال مداخلته بالذين انخرطوا في بداية العمل قبل التمكين والنصر فبين فضل السابقين في العمل على اللاحقين، وأكد على ضرورة وضوح الرؤية والرسالة المؤطرتين للعمل والتمسك بهما لبلوغ الأهداف المحددة.

نورالدين لقليعي

من بين اثني عشرة كلية متعددة التخصصات، تم إحداثها خلال العشر سنوات الأخيرة، بعدد من المدن المغربية، لا وجود لمسلك الدراسات الإسلامية سوى بكلية يتيمة منها، هي الكلية المتعددة التخصصات بالناظور. هل الأمر مجرد مصادفة غير مقصودة أو مجرد نسيان غير متعمد ؟ وهل معنى ذلك أن مسلك الدراسات الإسلامية قد استنفد أغراضه ولم يعد هنالك من حاجة قائمة إليه؟ وهل يعني ذلك أنه لا حاجة في مغرب اليوم إلى أطر وباحثين وعلماء يحققون كفاية الأمة من العلم الشرعي والأمن الروحي؟. وما علاقة ذلك بلون القرار السياسي في عهد الحكومات التي تحملت المسؤولية خلال عقد 2000 – 2010؟.

احتمال الصدفة والنسيان غير وارد وغير مقبول، لأن الأمر يتعلق بتدبير حكومي مسؤول للشأن التربوي التكويني بالبلد، الذي يرهن مستقبل المغرب والمغاربة لعقود من الزمان، تدبير يفترض فيه أنه من جهات رسمية مسؤولة، وأنه خلاصة نقاش موسع، ينطلق من مجالس الجامعات، ويمر باللجان المختصة على مستوى الوزارة الوصية، وينتهي بيد الحكومة من أجل المصادقة والإمضاء. ولذلك، فإن نظرية الصدفة هذه ضعيفة ومتهافتة، خاصة وأن إقصاء مسلك الدراسات الإسلامية، كان في عهد حكومة بلون إيديولوجي معروف، وبهوى يساري معلن، وبخطاب لم يكن يخفي توجهاته العلمانية، باسم " الحداثة" و " التنوير" و " العصرنة" و محاربة " الإرهاب" و" التطرف"، وغيرها من الشعارات المؤدلجة الجوفاء، ولذلك فإن نظرية المؤامرة تبدو الأقرب إلى القبول والتصديق في هذا الموضوع، للأسباب والاعتبارات الآتية:

أولا: أن إقصاء مسلك الدراسات الإسلامية من الكليات المتعددة التخصصات، حصل في ظل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي يمثل الدستور المباشر للمنظومة المغربية في التربية والتكوين، والذي ساهمت فيه كل النخب والحساسيات، والذي ينص في اختياراته ودعاماته الكبرى على ضرورة تعزيز مقومات الهوية المغربية وفي مقدمتها الإسلام.

ثانيا: أن هذا الإقصاء الصامت وغير المبرر، حصل في ظل الدفتر البيداغوجي الوطني، الذي يمثل أجرأة للميثاق الوطني للتربية والتكوين على مستوى الجامعة، والذي يحدد نوع وطبيعة المسالك والتكوينات الجامعية، ومن ضمنها مسلك الدراسات الإسلامية اللصيق بهوية الأمة، والخادم للأمن الروحي والأخلاقي والاجتماعي لعموم المغاربة.

ثالثا: أن إقصاء مسلك الدراسات الإسلامية، جاء في مرحلة غاية في الحساسية، واجهت وتواجه فيها الهوية الوطنية تحديات شتى، مثل: التطرف، والتنصير، والتشيع، والعلمانية، و الإباحية، وعبدة الشيطان، والعنصرية، وهلم جرا من الأفكار الهدامة، والتوجهات المنحرفة.

رابعا: أن مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني، الذي تبنته الدولة، خلال العقد الأخير، من أجل تأهيل المؤسسة الدينية الرسمية، لمواجهة التحديات سابقة الذكر، يحتاج إلى طاقم بشري بقدر غير يسير من الكفاءة والأهلية والتخصص، وإنما يكون ذلك باستقطاب الأطر الجامعية المتفوقة والمؤهلة الجامعة بين فقه الدين وفقه الواقع وفقه تنزيل الدين على الواقع، والمتسمة بالحكمة والاعتدال وسعة الأفق، وكل ذلك لا ينسجم في شيء مع إقصاء مسلك الدراسات الإسلامية من الكليات المتعددة التخصصات، من قبل حكومات ما قبل الربيع المغربي.

خامسا: أنه كان لقرار الإقصاء هذا نتائج وتداعيات سلبية كثيرة، حيث أساء إلى صورة الكليات المتعددة التخصصات، باعتبارها مؤسسات للتكوين والبحث العلمي الشامل، في مختلف المسالك والتخصصات. ووضع الكثير من طلبة المغرب أمام خيارين كلاهما مر: إما السفر بعيدا نحو الجامعات التي يتوفر بها مسلك الدراسات الإسلامية مع ما يتبع ذلك من صعوبات ومشاكل، وإما اختيار مسلك متوفر قد لا يتلاءم مع ميول وتكوين الطالب. ( نموذج: يضطر ابن ورزازات إلى السفر إلى مراكش أو أكادير من أجل الدراسات الإسلامية، ويضطر ابن الرشيدية إلى السفر إلى مكناس أو فاس، مع وجود كليتين متعددتي التخصصات بكل من ورزازات والرشيدية).

إن قرار إقصاء مسلك الدراسات الإسلامية من الكليات المتعددة التخصصات، من قبل حكومات ما قبل الربيع المغربي، هو قرار إيديولوجي سيء وليس له من مبرر، سوى أن تلك الحكومات لم تكن تمثل المغاربة في شيء، وإنما فرضت عليهم فرضا، ولم تكن تعبر عن إرادتهم ولا عن هويتهم.

اليوم وفي ظل أول حكومة أفرزتها صناديق الاقتراع، مطلوب أن يراجع هذا القرار الخاطئ عاجلا غير آجل، وأن يرفع الحظر الصامت عن مسلك الدراسات الإسلامية بالكليات المتعددة التخصصات، حتى تكون هذه الكليات اسما على مسمى، وحتى يحظى أبناء المغرب بنفس الفرص في التكوين والتعليم، وحتى لا يشعر أبناء كثير من المدن والجهات أنهم لا زالوا يصنفون ضمن مناطق " المغرب غير النافع".