Thursday, 31 August 2017 17:47

فضائل يوم عرفة

يوم من الأيام التي اقسم الله بها في كتابه الخالد، هذا اليوم شرفه الله وفضله بفضائل عظيمة، اليوم الذي خصه الله بالأجر الكبير والثواب العظيم عن كل أيام السنة، اليوم الذي يعم الله عباده بالرحمات، ويكفر عنهم السيئات ويمحو عنهم الخطايا والزلات ويعتقهم من النار... اليوم الذي يرى فيه إبليس صاغرًا حقيرًا... اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم النعم على المسلمين.. إنه يوم عرفة... يوم التجليات والنفحات الإلهية، يوم العطاء والبذل والسخاء، اليوم الذي يقف فيه الناس على صعيد واحد مجردين من كل آصرة ورابطة إلا رابطة الإيمان والعقيدة، ينشدون لرب واحد ويناجون إلهاً واحداً، إله البشرية جميعاً.

الفضيلة الأولى:

في يوم عرفة نزل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾[المائدة: 2].

هذه الآية العظيمة التي قال عنها اليهود وقد فهموا معناها.. قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنكم معشر المسلمين تقرءون في كتابكم آية لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا.. فقال عمر لهم: وما تلك؟ قالوا هي قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ ؛ فقال عمر رضي الله عنه: والله إني لأعلم في أي يوم أنزلت وفي أي ساعة أنزلت وأين أنزلت وأين كان رسول الله- - صلى الله عليه وسلم - - حين أنزلت: أنزلت ورسول الله فينا يخطب ونحن وقوف بعرفة.. هكذا قال عمر.

وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل لأن المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام من قبل فكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها، ولان الله أعاد الحج على قواعد إبراهيم - عليه السلام - ونفى الشرك وأهله فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد.

وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة فلا تتم النعمة بدونها كما قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ ليَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [الفتح: 2].

الفضيلة الثانية:

أن يوم عرفة يوم أقسم الله به، والعظيم لا يقسم إلاّ بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ [البروج: 3].

قال أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ..."؛ رواه الترمذي وحسنه الألباني.

ويوم عرفة هو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر ﴾ [الفجر: 3]، قال ابن عباس: "الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة".

الفضيلة الثالثة:

أن يوم عرفة هو من أفضل الأيام عند الله... أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف، وهذا ما اخبر عنه الصادق المصدوق سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  - صلى الله عليه وسلم - : ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُنَّ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: هُنَّ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ))؛ صحيح ابن حبان.

عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - - صلى الله عليه وسلم - – قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ))؛ رواه مسلم.

نعم؛ هكذا يباهي الله بأهل عرفة ملائكة السماء، ويقول لهم بكل حب وفخر: ((انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي)).

الفضيلة الرابعة:

أن يوم عرفة صيامه يكفر ذنوب سنتين، وهذا ما أخبرنا به نبينا العظيم - صلى الله عليه وسلم - بأن صيامه فيه الأجر العظيم والثواب الكبير، هذا الأجر وهذا الثواب هو مغفرة ذنوب سنتين، ولنسمع سويا إليه - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: ((صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ))؛ رواه مسلم.

وهذا إنّما يستحب لغير الحاج، أمّا الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك صومه، وروي عنه أنّه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة؛ فليحرص المسلم على صيامه، وليأمر كل منا أهله، ولنجعله يوما رمضانيًّا من أجل أن ننال مغفرة الله تعالى.

الفضيلة الخامسة:

إن يوم عرفة يوم يغيظ الشيطان، يوم يعم الله عباده بالرحمات ويكفر عنهم السيئات، ويمحو عنهم الخطايا والزلات، مما يجعل إبليس يندحر صاغرا؛ يقول حبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو يصف الشيطان وحاله في ذلك الموقف يقول: ((مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ))؛ رواه مالك والبيهقي وعبدالرزاق وابن عبدالبر.

فأين المسلم الذي يدحر الشيطان ويجعله يتصاغر وذلك بتقديم الطاعات لله تبارك وتعالى في يوم عرفة؟..أين المسلم الذي يحفظ جوارحه من المعاصي في هذا اليوم المبارك كي يغيظ الشيطان؟

الفضيلة السادسة:

إن يوم عرفة يوم يرجى إجابة الدعاء فيه، وهذا اخبرنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))؛ رواه الترمذي وحسنه الألباني، فعلى المسلم أن يتفرغ للذكر والدعاء والاستغفار في هذا اليوم العظيم، وليدع لنفسه ولِوالديْه ولأهله وللمسلمين...

في مثل هذا اليوم 31 غشت من سنة 1996 تأسست حركة التوحيد والاصلاح إثر وحدة اندماجية بين حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي، وقد تعاقب على رئاستها ثلاث قيادات إسلامية : الدكتور أحمد الريسوني والمهندس محمد الحمداوي والمهندس عبد الرحيم شيخي.

وفيما يلي تعريف بالحركة ورسالتها ورؤيتها وأهم مرتكزاتها :

هي جمعية مغربية مفتوحة في وجه كل من يريد أن يتعاون على التفقه في دينه والعمل به والدعوة إليه، وهي منفتحة على مجتمعها وعصرها. وهي حركة دعوية تربوية على منهاج أهل السنة والجماعة، تعمل في

مجال الدعوة الإسلامية عقيدة وشريعة وقيما وآدابا، من أجل الالتزام بمقتضيات الإسلام وإقامة أركانه وأحكامه على صعيد الأفراد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة

وتقوم تجربة الحركة في تنظيم مؤسستها على سعي مستمر لترسيخ قيم الشورى والمسؤولية والحرية من جهة، والاستفادة المتفاعلة من الخبرات الحديثة في مجال التنظيم والإدارة والتخطيط من جهة أخرى، بما يضمن انتخاب المسؤولين وتكوين الهيئات وتحديد مهامها واختصاصاتها، ومتابعة عملها ومراقبته وفق قواعد الشورى والمرونة والوضوح، كما يحقق شروط الصياغة السليمة للقرارات والتنزيل المحكم لها

وقد عرفت تجربة الحركة في مجال بلورة تصوراتها التنظيمية وبناء مؤسساتها وأجهزتها تحولات كبرى انتقلت أثنائها من مراحل متعددة، لتصل إلى اعتماد  منهج التنظيم الرسالي المفتوح على المجتمع، وقدمت بذلك نموذجا في القيادة الجماعية والتداول على المسؤولية والانفتاح على المحيط.

ولقد شكل الحرص على الالتزام بمبادئ الأخوة والثقة والفعالية الذاتية والمبادرة المسؤولة والمحاسبة الشفافة عناصر أساسية في جعل هياكل الحركة ومؤسساتها ولوائحها التنظيمية تحقق أعلى درجات المردودية في تنزيل اختيارات الحركة وبرامجها.

وتقوم هيكلة الحركة على فلسفة التخصص الوظيفي، التي تجعل التنظيم العام للحركة   يركز على ثلاثة وظائف أساسية هي الدعوة والتربية والتكوين، مع توجيه   الأعضاء والمتعاطفين للإسهام في مجالات الإصلاح المختلفة عبر المشاركة الفاعلة والإيجابية في عدد من الهيئات التخصصية العامة، في إطار قواعد   التكامل والتعاون الاستراتيجي والاحترام المتبادل لاستقلالية القرار  والمؤسسات.

وأبرز هيئات الحركة تتمثل في  :

الجمع العام الوطني، والذي ينعقد بصفة عادية كل أربع سنوات وينتخب رئيس الحركة وباقي أعضاء الهيئة المسيرة ويقوم أعمال الحركة في المرحلة المنتهية، كما يحدد توجهات وأولويات الحركة في المرحلة المقبلة، ويعد الجمع العام الوطني أعلى هيئة تقريرية.

مجلس الشورى، والذي يعد ثاني هيئة تقوم مقام الجمع العام، ويجتمع سنويا لمتابعة عمل الحركة وأداء المكتب التنفيذي والمصادقة على البرامج السنوية.

المكتب التنفيذي وهو يمثل قيادة الحركة التي تضمن تنزيل مخططاتها وفق الأولويات المحددة، وتمثيل الحركة لدى مختلف الجهات، وتحقيق التفاعل الإيجابي مع المستجدات، فضلا عن متابعة عمل الهيئات الأخرى للحركة

والتوحيد والإصلاح ثمرة جهود وحدوية اندمجت فيها عدة جماعات إسلامية سابقة، توجت بالوحدة التي تمت بين (حركة الإصلاح والتجديد) و(رابطة المستقبل الإسلامي) في 31 غشت 1996م.

ورؤيتها  هي: "عمل إسلامي تجديدي لإقامة الدين وإصلاح المجتمع"

ورسالتها هي: "الإسهام في إقامة الدين وتجديد فهمه والعمل به. على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة وبناء نهضة إسلامية رائدة وحضارة إنسانية راشدة. من خلال حركة دعوية تربوية وإصلاحية معتدلة، وشورية وديمقراطية، تعمل وفق الكتاب والسنة، وتعتمد الحركة أساسا إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحا مصلحا في محيطه وبيئته. كما تلتزم منهج التدرج والحكمة والموعظة الحسنة. والتدافع السلمي. والمشاركة الإيجابية والتعاون على الخير مع غيرها من الأفراد والهيئات".

مبادئ الحركة ومنطلقاتها :

1 ـ ابتغاء وجه الله والدار الآخرة

2 ـ متابعة السنة في الاعتقاد والقول والعمل

3 ـ الإسلام هو الهدى

4 ـ الدعوة إلى الله تعالى

5 ـ الأخوة والموالاة

6 ـ العمل الجماعي المنظم

7 ـ الحرية والشورى

8 ـ الطاعة والانضباط

9 ـ التدرج

10 ـ المخالطة الإيجابية

11 ـ التعاون على الخير مع الغير

الإصلاح

شارك عشرات آلاف المواطنين الأتراك، اليوم ، في مظاهرة  بمدينة إسطنبول؛ تنديدًا بالانتهاكات في بورما بحق مسلمي الاراكان، وتضامنًا معهم، في ميدان "سارجحان"، بدعوة من حزب "السعادة" التركي.

وقد اتهم المتظاهرون العالم بغض الطرف عما يجري من "مجازر" في أراكان، مؤكدين أنهم لن يصمتوا حيال هجمات جيش ميانمار والمتطرفين البوذيين على المسلمين.

IMG 20170831 WA0003

يذكر أنه منذ 25 أغسطس/آب الجاري، يرتكب جيش ميانمار انتهاكات جسيمة ضد حقوق الإنسان، شمالي إقليم أراكان، تتمثل باستخدام القوة المفرطة ضد مسلمي الروهنغيا، حسب تقارير إعلامية.

الإصلاح

ما من شك أن الحج من أعظم شعائر الإسلام، فهو الركن الخامس في الدين، وهو العبادة الوحيدة التي تجب على المسلم مرة في العمر إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، ولقد كُتب حول هذه العبادة الكثير والكثير، سواء تعلق الأمر بالجانب الفقهي أو التشريعي، أو الجانب الفكري والثقافي، او الجاني الشعري والأدبي، أو الجانب التاريخي والجغرافي، أو الاقتصادي والسياسي، وغيرها من الجوانب.

سنحاول في هذا المقالة المقتضبة مقاربة عبادة الحج من منظور قيمي، نظرا للإقبال الكبير من طرف المسلمين على أداء هذه الشعيرة في السنوات الأخيرة، فالتقارير تؤكد أن نسبة المقبلين على الحج والعمرة في ارتفاع مستمر، ونظرا لما نجده من آثارا طيبة ومباركة في تدين ضيوف الرحمن، بل في بعض الأحيان تُشكل هذه الرحلة الروحية التعبدية انقلابا فكريا ووجدانيا في مسيرة الكثير من الشخصيات العلمية والسياسية والإعلامية...

ولنؤطر علميا ومنهجيا المقاربة القيمية لعبادة الحج، نورد تعريفيْن لمصطلح القيم ، يتكاملان فيما بينهما، الأول للفيلسوف المغربي د. طه عبد الرحمن، حيث يعرف القيمة بقوله: «المعنى الخُلقي الذي يستحق أن يتطلع إليه المرء بكليته، ويجتهد في الإتيان بأفعاله، على مقتضاه، وبذلك يجمع المعنى بين استحقاقين اثنين، هما استحقاق التوجيه إليه، واستحقاق التطبيق له"  ، أما التعريف الثاني فللخبير التربوي د. خالد الصمدي، حيث عرف القيم  بأنها:" معايير عقلية ووجدانية، تستند إلى مرجعية حضارية، تمكن صاحبها من الاختيار بإرادة حرة واعية، وبصورة متكررة نشاطا  إنسانيا-يتَّسق فيه الفكر والقول والفعل- يرجحه على ما عداه  من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل من أجله أكثر مما يحتمل  من غيره، دون انتظار لمنفعة ذاتية .

من خلال التعريفين نقول بأن القيم هي: مجموع المعايير أو المبادئ التي تحكم تصورات الإنسان الجوانية وقناعاته الداخلية، وتؤطر تصرفاته البرانية وسلوكاته الخارجية، سواء الفردية أو الجماعية، فماهي القيم التي ترسخها مدرسة الحج؟.

1 -    قيمة التوحيد:

إن الغاية من كل العبادات في الإسلام هو إفراد الله تعالى بالتوحيد إيمانا وتنزيها وتفويضا، وعبادة الحج تُذكر بهذا القيمة المركزية من خلال النشيد الخالد والشعار الواحد الذي يردده عباد الرحمن:" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك الملك، لبيك لا شريك لبيك"، وهكذا كل مناسك الحج ابتداء بالإحرام، وانتهاء بطواف الوداع، يقول الشهيد راجي إسماعيل الفاروقي:" ولا يمكن أن يكون هناك توحيد دون تحقق ذلك المراد الإلهي. ذلك أن معنى الشهادة لله تعالى بالوحدانية هو الإقرار بوجوب طاعة مراد الله تعالى وأمره باعتبارها مناط الخير والغاية بالنسبة للإنسان. ومقتضى الإقرار بالتوحيد هو النظر إلى أمر الله التكليفي على أنه فريضة ملزمة، مما يستتبع بدوره السعي لإيجاد المواد التي بها تتجسد القيم الكامنة في تلك الأوامر. فكل هذه الأمور مرتبطة ببعضها منطقيا، ولا يمكن التفريق بينها، ولا تحقيق بعضها دون البعض الآخر. والواقع أن الله تعالى لم يأمر الإنسان بتجسيد تلك القيم في أرض الواقع فحسب، بل شفع ذلك ببيان وسيلة تحقيقها، وضوابط ولوازم الوفاء بها " .

ولعل العديد من علل التدين ناجمة عن خلل في استيعاب قيمة التوحيد وتمثل مقتضياتها على أرض الواقع، ولذلك  أفرد  القرآن الكريم مساحات تعبيرية كبيرة في عموم قصص القرآن الكريم- وغيره-، وخاصة في قصة إبراهيم  عليه السلام ،  الذي طُلب منه تأسيس هذه العبادة التوحيدية، ومناداة البشرية إلى إحيائها وتلبية ندائها، يقول الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ .وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) .

2 -    قيمة التعارف:

تُعتبر قيمة التعارف من أهم القيم القرآنية الناظمة لسلوك الامة الإسلامية، فمن خلالها تُؤسس شبكة من العلاقات الاجتماعية المتينة، مضمونها التعاون والتواصل والتقاسم والتشارك، يقول الله تعالى) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  (، هذا نداء رحماني لعموم الناس ببيان العلة من خلقهم، والأصل من تعدد القبائل وتنوع الشعوب، إنما هو التعارف والتعاون على الخير. فكيف بأهل الإيمان؟.

إن ضيوف الرحمن وهم في أبهى حلل التسليم للواحد الديان، إنما يجسدون قيمة التعارف، من خلال تمثل معنى الأخوة) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)  ، فرغم اختلاف اللغات والأعراق والأجناس والألوان والأوطان والمذاهب، تجد سهولة ويسرا في التواصل والتعارف بين هؤلاء الحجاج، لأن آصرة الدين والعقيدة تفتح القلوب وتجمع الأرواح، فتجد الألفة والمحبة والتراحم، يقول الشيخ سعيد حوى: "فالحج مظهر عملي لكثير من قواعد الإسلام: فهو المظهر العملي للأخوة الإسلامية، حيث يحس الإنسان بشكل عملي أنه أخ لكل مسلم في العالم" .

3 -    قيمة الانتساب الايماني:

" الانتساب الإيماني" هذا المفهوم صاغه الأستاذ المجدد بديع الزمان سعيد النورسي، إبان حركته الإصلاحية التي كان عنوانها إنقاذ الإيمان بالقرآن، ويُعتبر – الانتساب الايماني- من أرفع الأواني التعبيرية ، على حد تعبير العلامة فريد الأنصاري، فالمسلم لم يعد -باعتباره عبدا لله- مجرد اسم علَم، ينادى، أي: "عبد الله" أو "عبد الرحمان" وإنما صاحب وظيفة مستنبطة من التفكر الخفي، والتدبر المِلِّي، يقول بديع الزمان النورسي:"إنك تنتسب بهوية الانتساب الايماني إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة" .

إن الحج بهذا المعنى انخراط واجدني واع و إيجابي في مسيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالمؤمن ينظر إلى هذه الجموع الملبية، فيمتلئ وجدانه خضوعا لله وتضرعا له، ويشده الحنين إلى مؤسس هـذا المشروع العظيم؛ يـتـذكــر إبراهيم الخـلـيـل عليه السلام وهـو يقف وحيداً، فوق جبال مكة الجرداء، ويؤذن بالحج كما أمــره الله تعالى «نادِ وعلـيـنا البلاغ":) وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) . فتكون النتيجة هذه المشاهد التي تسر الناظرين، على مر الأعوام والسنين، يقول الأستاذ محمد فتح الله كولن:" يتوجه في كل عام مئات الآلاف من الناس إلى هذا المكان السامي لكي يؤدوا وظيفة العبودية لله تعالى ويزدادوا قرباً منه في هذا الشريط المبارك من الزمن بالعبادات التي يؤدونها، حيث يتنفسون مشاعرهم وأفكارهم من خلال منافذ هذه العبادات، ويجددون عهود إيمانهم، ويتطهرون من أدران آثامهم، ويتذكر كل واحد منهم واجبه نحو الآخر ومسؤوليته تجاهه. ويؤدون جميع أمورهم الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والسياسية ضمن خلفية وعلى أرضية من العبادة المتوجهة لله تعالى ومن الشعور بالعبودية له، حيث ترقّ القلوب، وتتسع المشاعر حتى تبلغ طور مدّها وتصاعدها، فيعودون إلى بلدانهم بعزم جديد وبقوة جديدة وشوق نضر.." .

4 -    قيمة النظام:

الفوضى ضد النظام، والعبادات في الإسلام أساسها النظام والانتظام، وأمة المسلمين اليوم أحوج ما تكون إلى النظام في كل مناشط حياتها، لأن النظام والتنظيم بكل بساطة يسهم في حل المشكلات واستثمار الأوقات وترشيد الطاقات، والحج  بهذا البعد  الوظيفي في حياة المسلم ،  يعلمه ويربيه على النظام  والانضباط رغم الاكتظاظ والزحام، وضيق الأوقات وكثرة الواجبات، وحتى لا تنخرم قيمة النظام في أداء مناسك الحج بسب الزحام فقد سيجها الإسلام  بسياج أخلاقي رفيع ومتين،  قال تعالى: ) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَـــجِّ ) .

والتنظيم المحكم بما هو تنسيق للجهود وترتيب للفقرات والواجبات والتزام بالأخلاق الجماعية، وضع قواعده الأولى الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، التي شارك فيها أكثر من مئة ألف حاج، وسار على نهج المسلمون إلى يوم الناس هذا.

إن العبادات في الإسلام عموما، ومناسك الحج خصوصا تنمي لدى المؤمن روح النظام والجـنـديـــة والانضباط، ففي ـشـعـيـرة الـحج نستشف معنى إيمانيا ببعد تربوي ألا وهــــو تعود المؤمن دائما أن لكل عمل أو عبادة أو أمر حدوداً معينة لا يجوز التفريط فيها، سواء تعلق الأمر بالمكان أو الزمان أو الحال أو الإنسان، فالحج مثلا له ميقات مكاني  يحرم منه حسب الجهة التي حَجَّ منها، لا يجوز عدم الانضباط له.

غير أن الملاحظ أن بعض الحجاج لا يلتفتون إلى هذه المعاني السامية، فينجرون وراء أنانيتهم، فيؤذون ويفسدون من حيث لا يشعرون، وما حالات الاختناق والموت – نتيجة التدافع والتسابق- عنا ببعيد، نسأل الله السلامة للجميع.

5 -    قيمة المساواة:

في وسط أيام التَّشريق خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسط جموع الحجاج: (إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)،

 مُذكرا أن لا تفاضل بين بني آدم، إلا بالتقوى، والتقوى لا يعلمها إلا رب العالمين، فيصبح عندئذ الكل سواسية كأسنان المشْط، ولذلك فقيمة المساواة تتجلى بشكل واضح وجلي في مدرسة الحج حيث يجتمع المسلمون من كل الاجناس والألوان  واللغات  والأوطان والأشكال والمذاهب، في صعيد واحد، لباسهم واحد ونشيدهم واحد، وأعمالهم واحدة، وهدفهم واحد: سعي مشكور وذنب مغفور وحج مبرور.

إن المساواة التي يؤصل لها الحج، منبثقة من عقيدة التوحيد التي تجعل الناس عبادا لله باختيارهم، فمن نداء (لبيك اللهم لبيك)، إلى قوله تعالى:( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، ولذلك لا يشعر المسلم من أي طبقة كان بتلك الفروق التي يصنعها بعض البشر المنحرفين عن فطرتهم السوية، لأنه عبد لله الواحد القهار.

ما أجملها من صورة !،الحجاج بلباسهم الأبيض يحرمون ويلبون، يبيتون ويقفون، يطوفون ويسعون، يذبحون ويرجمون، يركعون ويسجدون، يدعون ويبكون، يتعارفون ويتعاونون، يأكلون ويشربون، ثم يتحللون، كل ذلك في تواضع وبساطة وتجرد من مختلف أشكال الترفع والتمايز، رجاؤهم القبول والولادة الجديدة.

6 -    قيمة التيسير:

ذُكر اليُسْر في القرآن الكريم 36 مرة، بينما ذُكر العُسْر في القرآن الكريم 12 مرة، أي أن اليسر ذكر ثلاثة أضعاف العسر، معنى ذلك أن الشريعة سمحة ميسَّرة ميسِّرة.

ولذلك كان شعاره صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع: "افعل ولا حرج"، فنجد في مناسك الحج التطبيق العملي لهذه القيمة التربوية والقاعدة الفقهية، فمنذ بداية الإحرام يقول الحاج الذي يخشى الإحصار أو الفوات:" لبيك اللهم حجة، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني"، وكذلك الصلاة بعد الطواف يجوز أن يصليها في أي مكان من المسجد الحرام، إن لم يتمكن من أدائها خلف مقام إبراهيم عليه السلام، وقس على ذلك من الأمثلة التي تترجم القاعدة: «المشقة تجلب التيسير» و «الحرج مرفوع» و «الضرورات تبيح المحظورات»، والله تعالى يقول( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر).

خاتمة:

انطلاقا الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) .  فإن الحج مدرسة للتربية على المبادئ النبيلة والأخلاق الأصيلة، فيه تتجلى القيم الإنسانية الكبرى، ويتذوق هذه المعاني كل من كابد هذه التجربة الروحية والوجدانية الفريدة.

إن ما تعيشه مجتمعات المسلمين اليوم، أحوج ما تكون إلى هذه القيم السامية، ولكن لا بد من إتقان عبادة الحج وصناعة الحج، فقد صدق الشيخ سعيد حوى عندما قال:" ولا شك أن علماء المسلمين، لو أحسنوا للحج وفي الحج، لكان الحج حلا لمشاكل المسلمين"  ،

والحمد لله رب العالمين

توجّه نحو مليوني حاج إلى صعيد عرفات مع إشراق شمس اليوم الخميس 31 غشت 2017 / 9 ذي الحجة 1438 لأداء ركن الحج الأعظم على أن ينفروا إلى مُزدلفة مع غروب الشمس. وكان ضيوف الرحمن قد توافدوا أمس الأربعاء على مشعر منى حيث قضوا يوم التروية.

وقد أكد متحدث باسم وزارة الداخلية السعودية أن أكثر من مئة ألف من أفراد الأمن يعملون على تأمين الشعائر في مختلف مراحلها ومواقعها.

ويؤدي الحجاج اليوم صلاتي الظهر والعصر جمعا وقصرا اقتداءً بسنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد أن يستمعوا لخطبة عرفة من مسجد نمرة.

ويقف الحاج على صعيد عرفات الطاهر ويعتبر يومه "أفضل يوم طلعت عليه الشمس"، ومع غروب شمس هذا اليوم تبدأ جموع الحجيج نفرتها إلى مزدلفة، حيث يصلون المغرب والعشاء ويقفون بها حتى فجر غد العاشر من شهر ذي الحجة، لأن المبيت بمزدلفة واجب حيث بات الرسول صلى الله عليه وسلم وصلّى بها الفجر.

ويعود الحجاج إلى منى صبيحة اليوم العاشر من ذي الحجة (غدا الجمعة) لرمي جمرة العقبة (أقرب الجمرات إلى مكة) والنحر (للحاج المتمتع والمقرن فقط) ثم الحلق والتقصير والتوجه إلى مكة لأداء طواف الإفاضة.

ويقضي الحجاج في منى أيام التشريق الثلاثة (11 و12 و13 من ذي الحجة) لرمي الجمرات الثلاث، مبتدئين بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة (الكبرى)، ويمكن للمتعجل من الحجاج اختصارها إلى يومين فقط، حيث يتوجه إلى مكة لأداء طواف الوداع، وهو آخر مناسك الحج.

وكالات

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى من استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

بعد طلوع شمس التاسع من ذي الحجة يترك الحجاج مِنًى متجهين إلى الله تعالى في رحلة روحية إلى عرفات استجابة لأمره تعالى واقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. في هذه الرحلة تسمو الروح لترتبط بالسماء، ولولا جاذبية الأرض لعرجت ذات الإنسان مع الروح إلى الله تعالى. وها هي روح الإنسان المؤمن ترقى فتسمو معها الذات في جو تغشاه رحمة الله تعالى ورضوانه، فتتنافس في سباق للظفر بدُنُوِّ الرحمن، وليفوز كل واحد برضا الله تعالى والعتق من النار. وكلما علت الروح تمنت لو توقفت عقارب الساعة لتناجي الخالق وتعيش لذة الأنس والمناجاة. وإذا أدرك الإنسان معنى الرحلة ربح الصفقة، فيُلبس حياته بتقوى الله تعالى.

مشهد عرفات مشهد عطايا الرحمن، يوم أقسم الله تعالى به في كتابه العزيز، وهو اليوم المشهود في قول الله تعالى: "وشَاهِدٍ ومَشْهُود"[1]. عن أبي هريرة عن النبي قال: "اليوم الموعود: يوم القيامة، واليوم المشهود: يوم عرفة،  وقيل الشاهد: يوم الجمعة". كما ذكره الله تعالى في سورة الفجر: ”والشَّفْعِ وَالْوَتْر"[2]. فالشفع: يوم الأضحى، والوَتَر: يوم عرفة"[3].

ويريد الله تعالى بالقسم بالشيء؛ سواء بذاته المقدسة أو بالقرآن الكريم أو ببعض مخلوقاته، أو بالأزمنة، وله أن يقسم بما يشاء( ولا يجوز للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى) أن يلفت أنظارنا إلى أهمية القسم، ودرجة التفاعل معه. وهذا المشهود الذي أقسم الله تعالى به كما جاء في بعض التفاسير بأنه يوم عرفة، وجاء في بعضها أنه يوم القيامة لقول الله تعالى:" ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ"[4].

والناظر في مشهد عرفة ومشهد يوم القيامة يجد التلازم والترابط بين المشهدين من حيث وحدة الغاية في تحصيل الفوز بالجنة والعتق من النار. ويوم عرفة وموقفها يوم مشهود، بشهادة أهل الموقف وأهل الإيمان الموقنون بجلال الله تعالى وعظمته ومعيته لهم، موقنون بأنه لا قيمة لوجود الإنسان إلا بحقيقة التوحيد، كلمة لا إله إلا الله، كلمة الحق، ودعوة الرسل والأنبياء، من أجلها خلق الله الجن والإنس، ومن حققها سعد في الدنيا والآخرة، ومن حاد عنها خسر  خسرانا مبينا.

والذي يقول لا إله إلا الله، والله أكبر "في مشهد عرفات يشنف بها لسانه ويروي بها ظمأ روحه وفؤاده، وهو بين مقام المراقبة الإلهية والمشاهدة، وبين مقام الخوف والرجاء" يعلم أنه يوم تجديد الميثاق الذي أخذه الله تعالى على عباده في عالم الذر" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا"[5]. ثم إن المؤمن في موقف عرفات يستوعب كلمة التوحيد التي بها خلاصه ونجاته،  فيُلزم نفسه بها لأنها أساس الفعل الإنساني وقيمته. وبدونها يعيش الإنسان كريشة في محب الريح، يقول الله تعالى : "وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ"[6].

في موقف عرفة يفر الإنسان إلى الله بكلمة التوحيد، ويعلم أنها مصدر الخير كله، فيمتثل بين يدي الله تعالى ويقر بذنوبه ويعترف بتقصيره، فيتذكر بعرفة يوم يقف الناس بين يدي الله تعالى في يوم كان مقداره ألف سنة، فيجزى كل إنسان بعمله، "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ"[7].

في يوم عرفة يتذكر الإنسان موقف تطاير الصحف يوم القيامة، فيُؤتى هذا كتابه بيمينه "فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه"[8]، فيسعد سعادة أبدية، وهذا يُؤتى كتابه وراء ظهره أو بشماله، "فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه"[9]، يتمنى لو لم يعط هذا الكتاب، لأنه أحصى عليه كل أفعاله المذمومة، فيخسر خسارة  أبدية لا تنفع فيها التوبة.

لمثل هذا اليوم وهذا الموقف فليعمل العاملون ويجتهد المجتهدون، لمثل هذا اليوم يتقبل الله من المتقين المخلصين، والويل كل الويل  لمن رد الله سؤاله وأغلق بابه في وجهه ففي هذا قال ابن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

يعيش المؤمن على صعيد عرفة أجواء ربانية يعجز اللسان عن التعبير عنها وتعجز الأقلام عن وصفها، كما يتعرض المسلم الذي لم يكتب له الحج أو لم يستطع الرحلة إلى الديار المقدسة لسبب من الأسباب، في أيام العشر من ذي الحجة في طاعة الله تعالى والأنس به، وهو يعلم أنه باجتهاده في أعمال البر من الصلاة والصيام والصدقة وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكف الأذى عن الناس إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة يرقى بها درجة عالية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"[10].

يتعرض الإنسان المؤمن للنفحات الإلهية من أجل أن يعقد مع الله تعالى صفقة رابحة مربحة يكسب به لذةً الإيمان في قلبه يجده نورا، ويزكي نفسَه ويطهرَها من الأدران ، ويرقى بروحه ويحلق بها من مكانه إلى حيث موقف عرفة، يقول الله أكبر كبيرا والحمد كثيرا على توفيق الله له بتعلقه بشعائر الله وتعظيمها، "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"[11]. فيعيش حياته نقيا تقيا صادقا ورعا ملتزما بأمر الله ونهيه.

ولا يكفي أن يقوم الإنسان بركن من أركان الدين من الصلاة أو أن يحج بيت الله الحرام أو يتعرض في أي موسم من مواسم الطاعة للنفحات الربانية، ثم بعد ذلك يقوم بأعمال توجب غضب الله وسخطه. فالغاية من العبادة أن يصل الإنسان إلى القمة ويمكث فيها، لا أن يصل إلى القمة ثم يهوي بعدها ليكون عمله هباء منثورا.

ولا ينبغي لعاقل يترك وراءه الديار والأهل والأحباب ليشهد عرفات، ابتغاء رئاء الناس أو سمعة، بل يُلبس روحه رداء الإيمان وتقوى الله تعالى، فيرجو من الله توبة يغفر الله له بها ما تقدم من سالف الذنوب، ويرجو منه الثبات على دينه.

إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر، يوم عظم الله أمره ورفع على الأيام قدره، يذكرنا بأعظم المواثيق الخالدة التي أعلنها الذي لا ينطق عن الهوى "رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث خطب خطبة جامعة مانعة شاملة، من تأملها يجدها الأصلح لحياة الإنسان وسعادته وأمنه واستقراره.

الميثاق الأول: يحرم فيه الرسول صلى الله عليه وسلم سفك الدماء وعدم الاعتداء على أموال الناس بدون حق، فقال عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا". فلا يحق لمسلم أن يعتدي على أخيه المسلم ليَسْلُبَه دمه أو ماله أو عرضه. فالظلم  ظلمات يوم القيامة، وليعلم الظالم أن الله يمهل ولا يهمل، كان الظلم صغيرا أو كبيرا. والظلم حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرما.

وليعلم المؤمن أن حقوق العباد مبنية على المشاححة، فما بينك وبين العباد يجب رد المظالم إلى أهلها قبل الوقوف بين يدي الله تعالى العادل العدل، وأما حقوق الله تعالى فهي مبنية على المسامحة.

إن الاعتداء على الأبرياء وقتلهم وسفك الدماء من أجل متاع الدنيا الفاني، دماؤهم يتحملها القاتل، ولقد استوعب عمر بن الخطاب الدرس من  رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله(رجل) لقتلتهم أجمعين"[12]. وللقتل الخطأ في شرع الله مخارج، أما القتل العمد فقال الله تعالى: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"[13]، وقال الله تعالى: "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"[14].

ويأتي الميثاق الثاني مدويا ليُعلن عن "الأخوة بين الناس في الدين، ويقول صلى الله عليسه وسلم: "تعْلَمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِخْوَةٌ" ما أجملها من كلمة، عاشها الإنسان المسلم في ظل عقيدة التوحيد سلوكا ومعاملة، لكننا في هذا العصر نعيشها شعارا تردده ألسنتنا، وواقعنا يشهد على روابط تمزقت وعرى تخلخلت، ومفاهيم للدين تبخرت. نعيش العصبية وإثارتها، حقد دفين وكراهية مشتعلة.

ثم يأتي الميثاق الثالث ليبطل كل دعوى جاهلية في المعتقد والعبادات أو المعاملات والأخلاق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتِنَة"[15]. فحارب القرآن الكريم خصال الجاهلية، وبين أن التفاضل بين الناس يرجع إلى تقوى الله تعالى، وأن الأصل في الناس الأخوة البشرية "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"[16]، ووقف عليه الصلاة والسلام خطيبا في الناس يوم فتح مكة قائلا: "أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَة الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله والناس بنو آدم وخلق الله آدم من التراب"[17].

أما الميثاق الرابع، الذي ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة ويجعلها شقيقة له في الأحكام والتشريف والتكليف، ويحفظ كرمتها وعفتها، بل يأمر القرآن الكريم الرجال للتعامل معهن بما يليق من المعروف، فقال صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء خيرا"، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "أكرموا النساء فما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم"، ثم يقول:" رِفقًا بالقَوَارِيرِ"[18]. أما ما نرى من أحوال النساء في عالمنا، هو نتيجة تصدع الأفكار المنحرفة التي دجنت المرأة وجعلتها بضاعة مزجاة في أيادي تجار الإعلام والاقتصاد والسياسة.

ويأتي الميثاق الخامس: "الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنته صلى الله عليه وسلم وكان عليه الصحابة الكرام، هذا الميثاق يؤسس لجميع المواثيق التي تربط الإنسان وخالقه، وتربط الإنسان بذاته، ثم الإنسان بمحيطه. إلى غير ذلك من الوصايا.

أين نحن من هذه الوصايا في ظل التلاعب بشعارات واهية، والمناداة بالديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، وأراضي المسلمين تُقَطَّع، ودماء الأبرياء في كل مكان تهرق من المسلمين وغير المسلمين، بالإضافة إلى تفقير الشعوب باستغلال ثرواتها وخيراتها، وخلق الحروب هنا وهناك لكسب المال وتجارة السلاح، وخلق الملشيات والمنظمات الإرهابية في ظل التعتيم الإعلامي، وكسب رهان القوة والهيمنة.

نحن بحاجة إلى إعادة النظر في تَدَيُّنِنا وفي انتماءنا إلى الدين، وفقه كتاب ربنا، لا مجرد التلاوة أو التدبر، بل نرقى به عملا في وجودنا فردا وجماعة وأمة، لنسعد به في الدارين، وأن نرفع  شعارا "إن أ ريد إلا الإصلاح ما استطعت".

عرفة يوم تجاب فيه الدعوات، وتقال العثرات، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات. هو يومُ إكمالِ الدين وإتمام النعمة، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران. ويُسن صيامه لقول النبي(ص): "يكفر السنة الماضية والسنة القابلة"[19]، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه "يعني الله" ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟[20].

 وينبغي  للحاج وغير الحاج أن يكثر من الدعاء فيه ومن قول لا إله إلا الله، وأن يقول الله أكبر تعظيما وإجلالا وخضوعا وانقيادا، واتباعا لأمره ونهيه، والمؤمن على يقين من أن الله يستجيب دعاءَه، وأما الذي يقول الله أكبر وهو لا يأتمر بأمر ولا ينتهي بنهي؛ هذا ما قال الله أكبر ولو كررها بعدد نجوم السماء أو بعدد رمال الكون. لذا يجب أن نقول الله أكبر فتمتلأ بها  قلوبُنا وحواسنا وحياتُنا وتصدُقُ بها أعمالُنا.

يوم عرفة يوم مذلة للشيطان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  "مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ.

فاللهم وفقنا لما تحب وترضى أمين والحمد لله رب العالمين..  

---------------------------------------

[1]  سورة البروج الآية 3

[2]  سورة الفجر الآية 3

[3]  تفسير  ابن كثير ج6 انظر سورة الفجر

[4]  سورة هود  الآية 103

[5] سورة الأعراف الآية 172

[6]  سورة الحج   الآية 31

[7]  سورة عبس الآية 34-37

[8]  سورة الحاقة الآية 19

[9]  سورة الحاقة  الآية 25

[10] البخاري عن بن عباس رضى الله عنهما

[11] سورة الحج   الآية 32

[12]  الحديث رواه مالك عن يحيى بن  سعيد عن سعيد بن المسيب

[13]  سورة النساء الآية 93

[14]  سورة المائدة الآية 32

[15]  فتح الباري في صحيح البخاري لأحمد  بن علي بن حجر العسقلاني، كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية ، الحديث 3330.

[16]  سورة الحجرات الآية 13

[17] عارضة الأحوذي لابن عربي 6/337

[18]  البخاري ومسلم

[19] رواه مسلم

[20] صحيح مسلم من حديث عائشة رضى الله عنها

مع حلول شهر ذي الحجة، وفي هذا الشهر الحرام: الأيام المعلومات والأيام المعدودات. فالأيام المعلومات هي العشر الأولى منه والأيام المعدودات هي أيام العيد من اليوم العاشر إلى الثالث عشر. قريب من نصف هذا الشهر أيام مباركة مفضلة على غيرها، والمسلم إذا اقترب منه موسم من مواسم الخير يتهيأ له حتى يغتنم ما فيه من فضل وحتى لا نغفل عن فضل هذه الأيام المقبلة كان هذا التوجيه.

فضل العشر من ذي الحجة :

ا – أقسم الله تعالى بهذه العشر في قوله عز من قائل : " والفجر وليال عشر " وجمهور المفسرين من السلف وغيرهم أنها العشر الأولى من ذي الحجة ، وإقسام الحق سبحانه وتعالى بها تنويه بقدرها وفضلها ولفت النظر إليها .

ب _ سماها سبحانه وتعالى بالأيام المعلومات :في قوله جل ذكره ، " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " سورة (ص) ، وجمهور العلماء أنها العشر الأولى من ذي الحجة وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس .

ج _ أن فيها يومين عظيمين هما يوم التاسع والعاشر: يوم عرفة ويوم النحر ، فيوم عرفة يوم المغفرة والدعاء، ويوم النحر: يوم الحج الأكبر ويوم عيد الأضحى وهو أفضل أيام السنة عند طائفة من العلماء .

ولأن هذه الأيام بهذه المكانة فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح فيها دون أن يسمي نوعا منه دون آخر ، ولا شك أن في هذه العشر، تجتمع الصلاة والصيام والحج والصدقة وغيرها ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني الأيام العشر : قالوا يا رسول الله و لا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : و لا الجهاد في سبيل الله ، الا رجل خرج بنفسه و ماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء " رواه البخاري

ومن الأعمال التي يستحب القيام بها في هذه العشر :

  • الصيام: و هو من أفضل الأعمال الصالحة ، و في الحديث المتفق عليه يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه تعالى : " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي و أنا اجزي به و الحسنة بعشر أمثالها ، يدع طعامه و شرابه و شهوته من أجلي " و في الحديث الآخر : " من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا " و من أيام العشر: يوم عرفة و هو التاسع، و قد جاء في صيامه فضل خاص ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :: " صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله و التي بعده " رواه مسلم.

فمن قدر على صيام العشر كلها فهو الأفضل و من لم يصمها كاملة فليصم منها ثلاثة أيام أو يوم عرفة ، فقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم عبد الله بن عمرو أن يصوم من الشهر ثلاثة أيام تكون عند المداومة عليها كصيام الدهر .

ومع الصيام أنواع الطاعات الأخرى مثل تلاوة القرآن وحفظه و تفسيره ، والذكر الكثير وإطعام الطعام و الإحسان إلى الوالدين و الأقارب و الزوجة و الأبناء و الجيران ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غيرها ، فان الصوم ترك و هذه الأعمال فعل

  • الصلاة: بالمحافظة عليها في مواقيتها و شهودها مع جماعة المسلمين في المساجد و الاجتهاد بعد أداء الفرائض في الإكثار من النوافل نهارا و ليلا ، فان الصلاة فريضة الله على عباده كل يوم خمس مرات ، و ما تقرب العبد إلى ربه بأفضل مما فرض عليه ، و لا يزال يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه كما جاء في الحديث الصحيح .
  • الذكر بأنواعه : من التكبير و التهليل و التحميد و التسبيح و الاستغفار و الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و إن من أعظم الذكر: تلاوة القرآن الكريم، و حضور مجالس العلم التي يتلى فيها كتاب الله عز و جل، و تتلى فيها أحاديث رسوله صلى الله عليه و سلم و تبين فيها أحكام الحلال و الحرام ، و تذكر فيها أسماء الله الحسنى و صفاته و آياته و بيناته

و قد جاء فضل ذلك كله ، فكيف إذا كان في الأوقات الفاضلة مثل هذه العشر التي تقارن بالعشر الأخيرة من رمضان.

روى الإمام احمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما من أيام أعظم عند الله و لا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن التهليل و التكبير و التحميد ، و كان ابن عمر و أبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران و يكبر الناس بتكبيرهما ، رواه البخاري و قال : و كان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، و يكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا ، و كان ابن عمر يكبر بمنى في تلك الأيام و خلف الصلوات و على فراشه و في فسطاطه و مجلسه و ممشاه تلك الأيام جميعا .

4 - الدعاء : و من الذكر: الدعاء ، فهو العبادة ، و هذه الأيام أيام دعاء . إذا كان فيها المسلم صائما قائما ذاكرا متصدقا فليكثر من الدعاء و خاصة في يوم عرفة ، ففي الحديث "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" – و لم يخصه بالحجاج وحدهم – و تتمة الحديث " وأفضل ما قلته أنا و النبيئون قبلي لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير "

5 -  الحج والعمرة لمن قدر عليهما : فإن الحج لا يكون إلا في الأيام المعلومات والمعدودات وهي في هذا الشهر من الثامن إلى الثالث عشر والعمرة للمتمتع تسبق الحج ويمكن أن يفرد العمرة وحدها في هذه الأيام

ويشارك المسلمون الحجاج في نسك الذبح ، ومن أراد أن يضحي فليمسك عن شعره و أظفاره من أول الشهر إلى أن يذبح أضحيته فإنها سنة لكنه لا يشارك الحجاج بقية محظورات الإحرام الأخرى .

وغني عن البيان أن هذه الأيام الفاضلة ليست لفعل شيء من المنكرات ، فإذا أقبل المسلم على الطاعات فليكن مقرونا بالبعد عن المعاصي والذنوب ، باطنها وظاهرها ، علانيتها وسرها ، وليراقب قلبه ولسانه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وفمه وفرجه ، حتى لا يخدش الإثم ما قدم من البر ، وفي الحديث " إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " ، وشهر ذي الحجة معدود في الأشهر الحرم ، فله حرمة الشهر الحرام كما قال تعالى : " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم" وشهر ذي الحجة منها، فهو شهر حرام لا يحل فيه الظلم سواء كان ظلما للنفس أو ظلما للغير . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في خطبة الوداع : " إن دمائكم و أعراضكم و أموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا "

وإن الحسنات لتضيع من صاحبها يوم القيامة إذا جاء وقد ضرب هذا وشتم هذا وأكل مال هذا ، فالواجب عليه أن يعمل الصالحات ويصون ثوابها كي لا يضيع منه .

6 - إطعام الطعام وإنفاق المال : فهما من العمل الصالح ، وفعل ذلك في الأوقات الفاضلة أعظم أجرا وثوابا ، فإذا صلى وصام وذكر الله تعالى ودعا ثم أطعم الطعام وأنفق المال فقد جمع بين عبادة البدن وعبادة المال ، وإذا تقرب إلى الله تعالى بالفرض والنفل وعمل البر واجتنب الإثم فقد حاز الخير من جميع جوانبه إن شاء الله تعالى .

روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أهدي عمر رضي الله عنه نجيبا، فأعطي بها ثلاث مائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاث مائة دينار، أ فأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: "لا انحرها إياها".

طبعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يضِنُّ بثمن هذه الناقة النجيب، ولكنه كان يود شراء نوق وبقر بثمنها، قد تكون من ناحية كمية اللحوم أكثر، لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم شاء أن يضحي بالنجيب ذاتها لنفاستها وعظم قيمتها.

فالمقصد ليس كثرة اللحوم ف "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها" و لكن المقصد هو القيمة المعنوية، والأثر على مستوى الشعور لهذا الهدي النفيس " ولكن يناله التقوى منكم".

أورد الشهيد سيد قطب رحمه الله هذا الحديث في ظلاله في سياق تفسير الآية 32 من سورة الحج، قال تعالى: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".  وفسر تعظيم الشعائر بتعظيم ذبائح الحج باستسمانها، وغلاء أثمنتها.

وقال العلامة الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: "شعائر الله هي معالم الحج: الكعبة، الصفا، المروة، عرفة، المشعر الحرام و نحوها من معالم الحج، الهدي..."

أما ابن كثير فقد فسر شعائر الله: بأوامره، وزاد تفصيلا فقال: "ومن ذلك تعظيم الهدايا و البدن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، تعظيمها يعني استسمانها واستحسانها."

والملاحظ في تفاسير العلماء أن هناك من فسر شعائر الله بمشاعر الحج فقط من النسك، الصفا والمروة، والبدن.  ومنهم من فسر شعائر الله بأوامره وفرائضه، ومعنى ذلك أنه كل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، وما تعبدنا به فهو شعائره.

و الراجح أن شعائر الله هي المعالم الظاهرة من دينه التي جعل بعضها زمانيا وبعضها مكانيا، ومعنى معالم: حدود الله.

و من الشعائر الزمانية: شهر رمضان، الأشهر الحرم: ذو الحجة ، ذو القعدة، محرم، ورجب...

أما الشعائر المكانية: الصفا والمروة، مزدلفة، منى، الثلاثة مساجد التي قال فيها صلى الله عليه و سلم:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه و سلم، ومسجد الأقصى." رواه الشيخان.

ومن شعائر الله التي يجب أن تُعظَّم: أضحية العيد، لأن من مقاصدها مشاركة أهل الأمصار أهل الموسم. أهل الموسم لهم الحج و الهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية.

ولقد كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا ذبائحهم وضعوا على آلهتهم من لحومها ونضحوا عليها من دمائها، فأبطل الله أعمالهم، وبين أن المقصود من الأضحية هو تقديم الأفضل لله تعالى: ثمنا، حسنا وسمنا، ليس من أجل المباهاة وحب الظهور بل إمعانا في تعظيم الله، وتعميقا للتقوى في القلوب.

وإذا تأملنا أحوالنا أفرادا وجماعات، حُقَّ لنا أن نتساءل عن تقديمنا بين يدي الله تعالى، عن شعائرنا و مشاعرنا، هل اكتست لباس التعظيم؟ أم هي أعمال عادية،  مجرد رسوم و أوضاع فارغة من كل مضمون.

هل فعلا نقدم لله الغالي والعزيز من أوقاتنا، صدقاتنا، مبادراتنا وعباداتنا؟

يقول الإمام الشعراوي في خواطره:" إن تعظيم الشيء أبلغ و أشمل من فعله أو أدائه أو عمله، عظًّم الشعائر: أداها بحب وعشق وإخلاص، وجاء بها على الوجه الأكمل، بل وربما زاد على ما طلب منه."

إن تعظيم الشعائر أداء لها بشغف وانشراح، بإحسان وإتقان، بديمومة (لا موسمية) وبشمولية (لا انتقائية) .

ولقد ضرب القرآن مثالا لتعظيم الشعائر : إبراهيم عليه السلام الذي نعته الله بوصف جميل" الذي وفَّى". لقد عشق التكليف، وعظًّم المكلِّف، لم يقف عند المطلوب منه: بناء البيت كيفما اتفق ،لكنه بذل جهده كاملا لتشييد بناء جميل، وجعل يقف على الحجر تلو الحجر حتى أتم البناء.

 وختاما، إن أعمق رسالة توصلها هذه الأيام المباركات من ذي الحجة هي رسالة تعظيم شعائر وحرمات الله، بهذا سنصل للجائزة الكبرى: التقوى.

Wednesday, 30 August 2017 18:33

ما هو يوم التروية؟؟

تسمية يوم التروية

يوم التروية هو يوم الثامن من شهر ذي الحجة، يذهب الحاج في هذا اليوم إلى منى للمبيت فيها، وقد سمي يوم التروية بهذا الاسم؛ لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ذبح ابنه في تلك الليلة، وأصبح يروي ويقول أهو أمر من الله تعالى أم حلم؟ وقد قيل أيضاً إنّ سبب تسميته بهذا الاسم، لأن حجاج بيت الله كانوا يرتوون من الماء فيه.

أعمال يوم التروية

يبيت الحاج بمنى في هذا اليوم، ويكون ذلك من وقت غروب الشمس يوم الثامن من ذي الحجة حتى طلوع فجر يوم عرفة. يحرم الحاج بالحج ظهراً أو ضحى، إذا كان متمتعاً، ويستحب له أيضاً الطيب والغسل، وارتداء ملابس الإحرام البيضاء، ثم ينوي الحج ويقول: ( لبيك حجاً)، ثم "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". يتوجه الحاج إلى منى ويصلي فيها الظهر والمغرب والعصر والعشاء، حيث تجعل الصلاة الرباعية ركعتين، والصلاة تكون في وقتها من غير جمع. ثم يؤدي الحاج فيها صلاة الفجر لليوم التاسع من ذي الحجة. يسير الحاج إلى عرفة، وذلك عند طلوع الشمس في يوم التاسع من ذي الحجة. يجب على الحاج أن يحافظ فيه على الصلاة الجماعية وراء الإمام، وألا يفوّت تكبيرة الإحرام. يجب على الحاج ألا يفوّت صلاة الوتر سواء قبل النوم، أو بعد العشاء، أو آخر الليل.

فضل يوم التروية

يوم التروية من أعظم أيام الحج، حيث إنّه يعتبر أول أيام الحج، كما أنه يحتوي على أحكام أساسية تتعلق بالحج، أولها قصد منى اقتداءً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. والعمل في هذا اليوم أفضل من العمل في غيره، كما ويستعدّ فيه الحجاج ليوم عرفة الذي فيه مغفرة للذنوب والمعاصي، وتطهير لقلب المؤمن، وعتق من النار.

منقول

«يوم عرفة»، وهو اليوم الذي يوافق يوم التاسع من شهر ذي الحجة، واتفق العلماء والسلف الصالح على أن أفضل أيام العشر من شهر ذي الحجة بل أفضل أيام العام هو يوم التاسع منها أي «يوم عرفة»، ففي هذا اليوم تتنزل البركات، وتهبط الرحمات، ويضاعف الأجر، وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران، وهو يوم عظَّم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، فإن الله سبحانه وتبارك يباهي الملائكة فيه بأهل عرفات،  وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، إذ نَزَلَتْ عَلَى الرَّسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ وقد كان يَوْمَ جُمُعَةٍ. [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] {الآية 3 من سورة المائدة}.

أبرز الدكتور عز الدين ، أن يوم عرفة يوم عظيم لأجل ذلك المشهد المهيب الذي يعرفه جبل عرفة شرق بيت الله الحرام بمكة المكرمة، عندما يقف فيها الحجاج بالملايين شعثا غبرا خافضي رؤوسهم يدعون الله سبحانه ويتضرعون إليه، فلا يكون الشيطان في يوم أطعن ولا أحقر ولا أخزى من هذا اليوم، وإن الله سبحانه وتعالى يباهي بالحجاج ملائكته الكرام، وقد روى ابن حبان من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى السَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ" وفي رواية: "إنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي، اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي، قَدْ أَتَوْنِي شُعْثا غُبْرا ضَاحِينَ."

وأضاف فضيلته أنه منذ بداية شهر ذي الحجة فنحن في أيام طاهرة هي الأيام المعلومات والأيام المعدودات، ويم عرفة وعيد الأضحى من الأيام المعلومات التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز في قوله تعالى (ليذكروا الله في أيام معلومات) وأقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأيام في سورة الفجر {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [الفجر: 1، 2]، ويوم عرفة من هذه الأيام العشر، وبين أن مناسك الحج تأخذ من الأيام المعلومات ثلاثة أيام ومن المعدودات ثلاثة أخرى، فمناسك الحج تبدأ في اليوم الثامن وتستمر في اليوم التاسع والعاشر، ثم في أيام التشريق الثلاثة، فنصف هذا الشهر الكريم أيام فاضلة وعظيمة، ومنها يوم عرفة يوم الدعاء والذكر وهو لغير الحجاج يوم صيام ودعاء أيضا.

يوم عرفة واحد !

يسود اعتقاد خاطئ عند بعض أفراد المجتمع المغربي حول يوم عرفة، فيتحدثون عن "عرفة كبرى" ويقصدون بها اليوم الذي يقف فيه الحجيج في جبل عرفات، يوم الثامن من ذي الحجة بحسب التقويم الشهري القمري المغربي (عند اختلاف الرؤية)، و"عرفة صغرى" بعدها بيوم بحسب نفس التقويم أي اليوم التاسع إذا اختلف مطلع الشهر بين المغرب والمشرق، وفي هذا الصدد أكد أستاذ الدراسات الإسلامية والواعظ بالمجلس العلمي لعمالة الدار البيضاء، أن يوم عرفة هو يوم واحد، وهو يوم التاسع من ذي الحجة الذي يصادف وقوف حجاج بيت الله الحرام على جبل عرفة، حيث يؤدون الركن الأعظم من شعيرة الحج، وأنكر التوفيق الحديث عن عرفة صغرى وعرفة كبرى، لأن عرفة يوم واحد لا غير ويتعلق بالمكان (جبل عرفة) والزمان (اليوم التاسع من شهر ذي الحجة) ويليه يوم العيد.

عرفة يوم الدعاء

حث فضيلة الدكتور على الأعمال الصالحة في هذا اليوم وقال إن من أفضل الأعمال المستحبة في هذا اليوم الأغر هو الدعاء فمن رحمة الله بعباده أنه جل وعلا طلب منهم الدعاء: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر:60]، وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة:186]، وطريق إجابة الدعاء: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي } أي: لأمر الله عز وجل، مسارعة إلى الواجبات، ومسابقة إلى الخيرات، واجتناباً للمعاصي وبعداً عن السيئات، وأشار التوفيق لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في سنن الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ). "رواه الترمذي وحسنه الألباني". وقال الله عز وجل في محكم تنزيله، (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات) البقرة: 203].

عرفة يوم الصيام

ودعا عامة المسلمين من غير حجاج بيت الله الحرام في هذا اليوم، صيام هذا اليوم الفضيل وكأنه تعويض لهم عن ما سبق به الحجيج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (صيام يوم عرفة يكفر الله به ذنوب السنة الماضية وسنة قابلة)، وهذا اليوم معدود في مكفرات الزمان، وصيامه معدود في الأيام التي بدأ صيامها ي غير رمضان، ويقول الله تعالى: [وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ] {الفجر:1-2-3} وأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابنِ عَبّاسٍ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أيّامٍ الْعَمَلُ الصّالِحُ فيهَا أحَبُّ إلَى الله مِنْ هَذِهِ الأيّامِ يَعْني أيّامَ الْعَشْرِ قالُوا: يَا رَسُولَ الله وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قالَ وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله إلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".

 عرفة يوم الحرب على المعاصي

جاء في حديث مرسل عند الإمام مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله سبحانه وتعالى عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل وهو يزع الملائكة ). ويحث العلماء على اغتنام هذا اليوم لتنمية الرصيد الإيماني وتقوية وازع التقوى والحرب على المعاصي، وهذا  يقتضي إعلان العداء للشيطان، وهذا هو المقصد الأعزم من نسك رمي الجمرات التي يقوم بها الحجاج بعد الانصراف من جبل عرفة يوم التاسع من ذي الحجة ويتوجهون يوم الحادي عشر من ذي الحجة في أول أيام التشريق ليرموا الجمار على الشيطان، ليؤكدوا أنهم قد أعلنوا التوبة لله، وبدأوا صفحة جديدة مع الله، فكلما عرضت لهه شهوة آثمة، وكلما عرضت لهم شبهة مشككة استعاذوا بالله عز وجل من الشيطان الرجيم.

الإصلاح