صرح رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، اليوم الأحد، أنه لا يمكن أبدا استعمال الدارجة في التعليم، أولا ، لأن اللغتين العربية والأمازيغية ، دستوريا، هما اللغتان الرسميتان، وثانيا لأن القانون الإطار الذي يؤطر العملية كلها، والذي يعرض حاليا أمام البرلمان، ينص في الفقرة 29 على “ضرورة التقيد باللغة المقررة في التدريس دون غيرها من الاستعمالات اللغوية، وذلك لقطع الطريق على استعمال الدارجة، وبالتالي لا يسمح بوجود تعابير أو جمل أو فقرات بالدارجة ضمن المقرر”، مشددا على أن هذا القرار نهائي، والحكومة على وعي به.

وقال السيد العثماني، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء بخصوص النقاش الذي أثاره إدخال بعض المصطلحات بالدارجة في برامج تعليم اللغة العربية، “فعلا هناك بعض المقررات تتضمن بضع كلمات فيها نقاش”. وشدد على أن “هذا النقاش يجب عرضه على المتخصصين وإيجاد الحلول، ونحن لا مشكلة لدينا للتراجع عن هذه المقررات، والطلب من الوزارة التي أصدرتها بأن تتراجع عنها إذا كان المربون واللغويون واللجان المعنية، بعد استشارة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، يرون ذلك”.

وأكد رئيس الحكومة في الآن نفسه، أن هذه المسألة ليست جزءا أساسيا في الإصلاح ولا تشمل كل المستويات وجميع الكتب المدرسية، مشددا على أن ذلك ” لا يعني التساهل في مسألة إدخال الدارجة في المناهج والبرامج التعليمية”.

وأضاف أنه طلب من وزير التربية الوطنية أن يقدم توضيحات للرأي العام حول هذا الموضوع باعتباره القطاع المعني بالأمر.

ومن جهة أخرى، أشار رئيس الحكومة إلى أن كثيرا من الصفحات التي يتم ترويجها وتتضمن عبارات أو جملا بالدارجة هي ليست من مقررات مغربية وأغلبها لم يتم طبعه في المغرب، وبعض هذه الصفحات قديم”، داعيا المواطنات والمواطنين إلى الامتناع عن ترويج كل ما يتم تداوله بهذا الخصوص، والتأكد من صحته.

وبعدما أكد الاستعداد “لتصحيح كل الأخطاء ولكن بعد التأكد منها”، أوضح السيد العثماني أن ترويج هذه الأمور يؤدي إلى تغليط الأمهات والآباء والرأي العام، وإلى خلق حالة من السلبية، مبرزا أن المغرب بصدد مرحلة من الإصلاح الشامل لمنظومة التربية والتكوين، انطلاقا من الرؤية التي وضعها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ضمن خطة طموحة وإصلاح مستقبلي يمتد لغاية 2030 .

وقال في هذا الصدد “نحن منكبون حاليا على العديد من الأوراش الأساسية، من قبيل تعميم ورفع مستوى التعليم الأولي والإجازة المهنية في التربية، والتي تعد أوراشا عميقة للمساهمة في رفع جودة التعليم، وأيضا دعمنا التعليم السنة الماضية بدعم مالي مهم وبأطر التعليم، إذ رفعنا عدد الأساتذة إلى مستوى غير مسبوق، طيلة العقود الماضية”، مشددا على أن ” هناك جهودا نقوم بها لا يجب التشويش عليها عبر أمور غير صحيحة”.

الإصلاح

أعلن عبد الرحيم شيخي رئيس حركة التوحيد والإصلاح عن تضامنه مع الشيخ سلمان بن فهد العودة، فيما يتعرض له من اعتقال وتقديم للمحاكمة هو وعدد من العلماء والدعاة، بدل الإفراج عنه وتكريمه  على ما قدمه من جهود لترشيد تدين المسلمين في العالم.

وأكد شيخي خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للجمع العام الجهوي لجهة الشمال الغربي يوم السبت 8 سبتمبر 2018، على موقف الحركة الذي تعتبر فيه أن أي اعتقال لمَن لم يرتكب عملا يُجَرِّمه الشرع أو القانون، هو ظلم واعتداء وتعسّف؛ كما جدد مطلب الحركة للمبادرة الفورية إلى إخلاء سبيل العلماء والدعاة والمفكرين المعتقلين، وكذا كافة دعاة الإصلاح السلميين، المعتقلين بسبب الرأي وإسداء النصح.

الإصلاح

أوضح الأستاذ محمد اعليلو رئيس جهة الشمال الغربي أن دور الجهة هو الوسيط بين المكتب التنفيذي والمناطق المحلية التي تشرف عليها الحركة، حيث تقوم بتحويل البرامج التي يسطرها المكتب التنفيذي الوطني إلى مجالات عمل، وهكذا أعطت جهة الشمال الغربي أهمية للعمل الشبابي والانفتاح على المحيط والقيام بالعمل الإشعاعي والدعوي من خلال القضايا التي تعتمدها الجهة في إطار التوجه العام الذي ترسمه الحركة.

وأضاف عليلو خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للجمع العام الجهوي لجهة الشمال الغربي اليوم 08 شتنبر 2018، أن الحركة خلال المرحلة السابقة تبنت توجه "التعاون على ترشيد التدين وترسيخ قيم الإصلاح"، مما يدل على أن الحركة واعية بوجود اختلالات في التدين فكانت أعمالها تهدف إلى القيام بالدور الترشيدي للعمل الإسلامي وطرح قضايا لم تكن مثار اهتمام وتناول من طرف العاملين في سلك الدعوة، فكانت أهم قضية اشتغلت عليها خلال هذه المرحلة  "ترشيد الاستهلاك" في المجتمع ثم ترشيد التدين في معالجة فكر التطرف والغلو، أما البعد الإصلاحي في توجه الحركة فكان واضحا من خلال تبنيها لخيار الإصلاح في ظل الاستقرار وهو الخيار الذي لازالت تدعمه الحركة من أجل تحقيق مغرب العدالة والحرية والكرامة، والتي أصبحت اليوم مطالب لقطاعات عريضة من فئات المجتمع وخاصة الشباب.

س.ز / الإصلاح

انطلقت صباح اليوم السبت 08 سبتمبر 2018 بمدينة سلا، أشغال الجلسة الافتتاحية للجمع العام الجهوي لجهة الشمال الغربي، بحضور رئيس حركة التوحيد وافصلاح الاستاذ عبد الرحيم شيخي ونائبه الدكتور أوس رمال، والدكتور أحمد الريسوني، وأعضاء من المكتب التنفيذي الوطني والجهوي.

افتتحت الجلسة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، تلتها كلمة رئيس جهة الشمال الغربي الأستاذ محمد اعليلو، ثم كلمة رئيس حركة التوحيد والإصلاح الأستاذ عبد الرحيم شيخي.

كما عرفت الجلسة الافتتاحية كلمة للأخ عزيز هناوي الكاتب العام لمرصد المغربي لمناهضة التطبيع حول القضية الفلسطينية، تأكيدا على مركزية هذه القضية لدى حركة التوحيد والإصلاح، ثم كلمة المرأة القتها الأستاذة مليكة الشهيبي عضو المكتب التنفيذي الجهوي لجهة الشمال الغربي، ثم كلمة الشباب.

وستتواصل أشغال الجمع العام الجهوي بمناقشة وتقويم أعمال الحركة بالجهة خلال المرحلة السابقة كما يقوم أعضاء الجمع العام بانتخاب مسؤول الجهة والمصادقة على نائبه وباقي أعضاء المكتب التنفيذي الجهوي.

41430950 2206561529371306 3896331332350902272 n

وينتخب أعضاء الجمع العام الجهوي ممثلي الجهة لعضوية مجلس الشورى الوطني ومجلس الشورى الجهوي، من بين أعضاء الجهة بالجمع العام، بالإضافة إلى إبداء الرأي أو البث في القضايا ومشاريع القرارات المحالة عليه من المكتب التنفيذي أو المكتب التنفيذي الجهوي.

يذكر أن الجموع العامة الجهوية ستعقد أشغالها نهاية هذا الأسبوع، ويتعلق الأمر بكل من جهة الشمال الغربي التي سيشرف عليها الأستاذ عبد الرحيم شيخي رئيس حركة التوحيد والإصلاح، وجهة الوسط التي سيشرف عليها الدكتور أوس رمّال نائب رئيس الحركة، وجهة الجنوب التي سيشرف عليها المهندس خالد الحرشي الكاتب العام للحركة، فيما سيعقد الجمع العام الجهوي للجهة الكبرى للقرويين خلال أواخر شهر شتنبر.

الإصلاح

الجمعة, 07 أيلول/سبتمبر 2018 11:34

الدعوة إلى العامية.. المسار والأهداف

شغلت الساحة الفكرية المغربية مؤخرا بتداعيات الدعوة إلى إحلال الدارجة المغربية محل الفصحى في التعليم والقراءة، وما تلاها من سجالات حادة لا يسمع معها صوت للمعرفة. الآن وقد بدأت حدة النقاش بالتراجع، فقد أمكن الإسهام في النقاش بهذه الأفكار.

تحينت الدعوة إلى إحلال الدارجة المغربية محل الفصحى في التعليم وقوع حدث وطني تصحيحي، هو دعوة جلالة الملك محمد السادس إلى إصلاح الأعطاب والاختلالات التي شابت نظامنا التعليمي جراء تعريضه لموجات متتالية من التجارب والمحاولات التي لم يكن أكثرها مهنيا ولا قاصدا إلى بناء منظومة تربوية سليمة وقادرة على أن ترتفع بالإنسان إلى المستوى المعرفي اللائق.

لقد تحدث جلالة الملك بصراحة متناهية عن المستوى الذي تردى إليه تعليمنا العمومي، ثم دعا إلى وضع تصور وطني شامل تسهم فيه كل الفعاليات المتمرسة بالعملية التعليمية والقادرة على الإسهام في بناء تصور تعليمي جديد.

لكن بعض من كانوا يبطنون روح العداء للفصحى، رأوا أن الفرصة مواتية جدا للانقضاض عليها في غمرة البحث والسؤال عن العوامل التي سببت ضعف المستوى التعليمي، فاقترحت اعتماد العامية بدلا عن الفصحى، لتكون لغة للتعليم في إيحاء واضح إلى كون الفصحى علة الضعف وسببه، وقد فات هؤلاء أن ضعف المستوى المعرفي ليس خاصا بالمواد التي تدرس بالعربية الفصحى، وإنما هو ضعف عام يشمل كل المواد الدراسية، بما فيها تلك التي تدرس بلغات أخرى غير العربية كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وهذه المواد يعرف القائمون على العملية التعليمية أن مستوى التلاميذ فيها أشد ضعفا وهزالا.

وحينما يغتنم البعض مناسبة البحث عن إصلاح جذري لتعليمنا، فيمرر أفكارا لا صلة لها بموضوع التعليم، فإن هذا الاستغلال للظرف وللحالة لا يمثل اعتداء على الفصحى، ومحاولة للإجهاز عليها فحسب، وإنما يتضمن أيضا تضليلا وتفويتا لفرصة السير في الطريق المؤدية إلى الغاية.

وحين يضلل من يبحث عن مطلوبه في أول الطريق، ويشار عليه بسلوك طريق أخرى غير مؤدية إلى القصد، فإن ذلك لا يكون إلا تطويلا لزمن البحث وإبعادا عن المطلوب من أن يدرك في الزمن المناسب.

وحينما يتم فحص الدعوة إلى استعمال العامية في التدريس، فإنه لا ضرورة لشخصنتها وقصرها على من دعا إليها راهنا، لأنها دعوة هي أقدم في زمنها من وجود الداعين إليها حاليا، وهي أيضا أكبر وأثقل من أحجام دعاتها ومن مستوياتهم العلمية، وقد عرفت هذه الدعوة حالات عديدة من الخفاء والتجلي عبر زمن طويل، لكن سوء التقدير سول إسنادها إلى من لا تتوفر فيهم شروط علمية تؤهلهم لأن يؤدوا دورهم بكفاءة، ولعلهم قد وضعوا أنفسهم بين أن يحققوا شيئا من النجاح، أو تحترق أسماؤهم ويعودوا من جديد إلى الظل وإلى الخفاء، وهم مستبشرون بأنهم لم يخسروا شيئا، لأنهم لم يكن لهم شيء يخافون خسرانه أصلا، ومهما يكن فإن هذه الدعوة تتطلب أن تواجه علميا بما تستحقه من البحث من أجل إيضاحها في أعين المواطنين بخلاف من يدعو إليها لأن صاحب الحاجة أرعن كما يقال، وسأعالج قضية الدعوة إلى العامية على مستويين:

  • مستوى عرض مسارها والإشارة إلى روادها وأقطابها.
  • مستوى تحليل الدعوة في جوهرها، وإمكانات تنفيذها، وتداعياتها على الهوية والمعرفة معا.

مسار الدعوة إلى العامية

تقترن بدايات الدعوة إلى اعتماد العامية في التعليم وفي الكتابة بالفترة التي سبقت استيلاء القوى الاستعمارية على البلاد العربية والإسلامية، وقد كان الاهتمام بالعامية وبجمع نصوصها وبالتنظير لها خطوة تمهيدية وإسهاما معرفيا ودعما ثقافيا قدمته النخب المثقفة للمشروع التجزيئي الاستعماري، وقد كانت تلك النخب بحكم موقعها على وعي كامل بأهمية اللغة وقدرتها على الحفاظ على هوية الأمة من خلال ما تحمله الكلمة من بصمات حضارية وثقافية تصوغ الوعي وتحمي الخصوصية.

لقد أنجزت دراسات عديدة عن منشأ الدعوة إلى العامية في الشرق العربي، وكان من أهمها أطروحة قيمة تقدمت بها د. نفوسة زكرياء سعيد إلى جامعة الإسكندرية سنة 1964 وعنونتها بتاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر، وقد كان هذا العمل من الاستيعاب والتقصي على المستوى الذي جعله متفردا في حينه، فأثنى عليه العلامة محمود محمد شاكر وقال عنه: لا أظنني قرأت منذ سنوات طوال كتابا يتناول المسائل العامة في حياتنا الحديثة بذل فيه صاحبه من الوقت والجهد والأناة ما بذلت د. نفوسة في كتابها هذا. ( أباطيل وأسمار محمود شاكر ص 154).

وفي هذا العمل العلمي الرصين رصدت د. نفوسة ببدايات اهتمام أوروبا بالعامية، فأرجعتها إلى أوليات القرن 18 حينما أسست معاهد لدراسة العامية في دول أوربية كثيرة، فكان منها مدرسة نابولي المؤسسة عام 1727 ومدرسة فينا 1854، ومدرسة باريز 1959 ومدرسة روسيا 1814، ومدرسة المجر 1891، ثم أنشأت جامعة لندن فرعا لدراسة العامية والفصحى، واشتغل الألمان بالعامية كذلك.( تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر ص 9).

وبعد تتبع طويل واستعراض لجهود كثير ممن حملوا الدعوة إلى العامية، وفحص ما كان لهم من ارتباط وثيق بالدوائر الاستعمارية وبالمؤسسات التنصيرية، انتهت د. نفوسة إلى استخلاص أن غاية هؤلاء قد كانت هي الرغبة في إحداث القطيعة بين أفراد الأمة وكتابها الذي ظلت تستمد منه قيمها ومبادئها ورؤيتها للحياة وللوجود، وقد أيدت د. نفوسة ما ذهبت إليه، بما ذكره مصطفى صادق الرافعي من أن صحيفة أمريكية دعته إلى ترك استعمال الجملة القرآنية والحديثية، فامتنع وقال: إن القرآن هو قمة البيان بالنسبة للعربية، وقد صدر مثل هذا الموقف عن رجل مسيحي هو إبراهيم اليازجي لما طلب منه أن يصحح ترجمة عامية للإنجيل ، فاقترح أن يعيد ترجمته إلى العربية الفصحى فرفض له ذلك. ( تاريخ الدعوة إلى العامية ص 65).

من المتابعات الجيدة لمسار الدعوة إلى العامية ما كتبته أستاذتنا د. عائشة عبد الرحمن في كتابها لغتنا والحياة ابتداء من ص 95، وقد وسعت فيه من زاوية الرؤية فتحدثت عن مواجهة العربية في الجزائر خصوصا.

وقد أرخت د. بنت الشاطئ لبداية الدعوة في مصر بسنة 1880 لما نشر وِلْهلم سْبِيتا مدير دار الكتب المصرية كتابا بالألمانية تنبأ فيه بموت الفصحى مثلما ماتت اللاتينية. وقد أسس هذا المستشرق تحليله وتوقعه على واقع الثنائية اللغوية في مصر، وهي تتمثل في استعمال فئة عريضة من المصريين للعامية بينما تظل الفصحى لغة النخبة العلمية.

وقد صور سبيتا هذه الظاهرة على أنها تمثل عائقا دون تمكن المصريين من الانخراط في التعلم بسبب عجزهم عن استيعاب الفصحى.

وبعد محاولة سبيتا، وفي سنة 1893 حاضر مهندس الري الإنجليزي ويلكوكس الذي كان يخفي أنه منصر في نادي الأزبكية، ودعا إلى إحلال العامية محل الفصحى في الكتابة والتأليف، وكان حجته أن المصريين لا يمتلكون قوة الاختراع لأنهم يستعملون الفصحى، وقد حرص ويلكوكس على تثبيت مقالته وترسيخها في البيئة الثقافية، فدعا إليها في العدد الأول من مجلة الأزهر التي آلت إليه بعد أن تخلى محرراها عنها. وقد دعا العلماء إلى الكتابة في مجلة الأزهر بالعامية، لكن هؤلاء بعثوا إليه بمقالات عربية فصيحة ، وأصدرت جماعة منهم مجلة علمية مضادة هي مجلة المهندس، ونشروا فيها بحوثا علمية ورياضية بالفصحى التي زعم ويلكوكس أنها ليست لغة علم، وبعد إعراض شامل اضطر ويلكوكس إلى إيقاف مجلته بعدما أصدر عشرة أعداد منها، وذلك سنة 1893 وفي هذه الفترة أصدر عبد الله النديم صحيفة الأستاذ سنة 1892. وقد رد النديم على ويلكوكس قائلا: إننا نعلم علم اليقين أنه لو ظهر ألف داع بل مئات الألوف من دعاة أوروبا لاستعمال لغة تميت لغة القرآن ما وجدوا آذانا سامعة .( لغتنا والحياة 109)

وبعد تلمظ ويلكوكس لعاب الحسرة والإحساس بخيبة المسعى، وبعد صمت دام ثلاثين سنة عاد ليكشف عن مكنونات صدره وعن حقيقة انتمائه وعن الباعث على دعوته، فترجم الإنجيل إلى العامية، وأصدره سنة 1925، وألف كتابا رديفا دعاه الأكل والإيمان، فتبين من خلال هذا أن الرجل كله لم يكن إلا منصرا يتستر بدعاوى الإصلاح والنهوض ، وهو لا يقصد إلا إلى إحداث القطيعة بين الأمة والقرآن الكريم.

وفي الربع الثاني من القرن العشرين لم يوجد للفصحى خصم أشد لدادة من سلامة موسى، وكان هو أيضا مسيحيا يغيظه تواصل الناس مع القرآن ومع الحديث والعلوم الإسلامية، ففوق الكثير من سهامه إلى الفصحى متذرعا بالحجج التي سبقه إليها سبيتا وويلكوكس وغيرهما.

إن قراءة عابرة في مشروع الدعوة إلى العامية وإلى الذرائع التي قام عليها يتبين منها أنها مجرد ذرائع واهية وأنها ليست إلا واجهة لعدوان مبيت ضد الفصحى.

ذلك بأن قياس العربية على اللاتينية وتوقع أن يكون لها المصير نفسه، هو قياس مع وجود الفارق الكبير والبون الشاسع، لأن ميزة العربية أنها استوعبت النص القرآني وأدت معانيه، وقد تميز هذا النص بأنه النص الوحيد الذي حافظ على اللغة كما تنزل بها، بينما كتبت نصوص الكتب الدينية السابقة بلغات مغايرة للغات التنزيل، فبالنسبة لإنجيل متى وهو أقدم الأناجيل، فإنه مترجم إلى اللاتينية عن الآرامية المحدثة التي تكلم بها عيسى عليه السلام، ولم يتبق في النص اللاتيني من اللغة الآرامية القديمة إلا ست عشرة كلمة. (الأسفار المقدسة د. علي عبد الواحد وافي ص 87)

بينما حفظ النص القرآني العربي متواترا وأحصيت حروفه وآياته وسوره وضبط المعجم والمهمل من حروفه، ورصدت معاني كلماته، وفسرت جمله واستنبطت بلاغته، وبذلت في خدمته جهود لم يحظ بمثلها كتاب آخر, وأخيرا فقد ضمن الله تعالى حفظ هذا النص لما قال: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [ الحجر 9] ومن المنطقي أن تظل الفصحى محفوظة بحفظ القرآن، وان يستمر بقاؤها ببقائه ولا يكون لها مصير اللاتينية أو غيرها، ويتأكد هذا بمعرفة أن هذه الفصحى هي الأطول عمرا، إذ أن الكثير من كلماتها تعود إلى العصر الجاهلي الموغل في القدم، وإلى الزمن الذي تلا تنزيل القرآن وإلى الآن، وهي تتلى في المحاريب وتلقى بها الخطب في جميع بقاع العالم. هي التي تخاطب بها جماهير الأمة فتلهب المشاعر فتنتفض مدافعة عن حريتها وعن قيمها واختياراتها المشتركة.

أما عن شبهة وجود العامية إلى جانب الفصحى، فتلك ظاهرة لغوية عرفتها كل اللغات منذ زمن سحيق. فقد وجد إلى جانب العربية الفصحى التي مثلتها لغة قريش لهجات أخرى وثقتها المصادر، ومع ذلك فقد كان العرب يلتقون في معارض الشعر في عكاظ ومجنة وذي المجاز، ويتذوقون جيده ويكتبونه بماء الذهب، لم يمنعهم من ذلك وجود لهجات تخالف الفصحى.

وفي جميع البيئات اللغوية تتعايش لغات العلم والأدب مع لغات عامية يتداولها الناس، وما تعرفه الفصحى من مجاورة العامية لها هو ما تعرفه العاميات نفسها، إذ تنبثق إلى جانبها هي أيضا عاميات أخرى هي لغات فئات من الشباب ومن الحرفيين ومن بعض الفئات الاجتماعية الفنية والإشهارية وغيرها، وهذا كله يجري على طبيعة اللغة التي هي كائن حي ومتطور دوما.

ومن بين كل المتابعات التي تناولت قضية الدعوة إلى العامية يتبوأ ما كتبه العلامة محمود محمد شاكر موقع الصدارة والتميز. وقد نشر ضمن كتابه أباطيل وأسمار مقالات تتبع فيها موضوع الدعوة إلى العامية، ومن أهمها مقالته التي عنونها بـ: هذا هو تاريخنا. ( أباطيل وأسمار محمود شاكر 151 ) ومقالته الموالية التي عنونها ب : وهذه هي آثارها.( أباطيل وأسمار 172).

لقد ذهب محمود شاكر أبعد من غيره في البحث عن جذور الاهتمام الأوربي بالعامية، وأرجع ذلك إلى سنة 1664 حين دعا البارون دي ويتز إلى تأسيس مدرسة جامعية تكون قاعدة لتعليم التبشير المسيحي، تعلم فيها لغات الشرق التي يناط بها أمر التبشير. ( أباطيل وأسمار 184).

وقد استعرض محمود شاكر أسماء الكثير من الدعاة إلى العامية ومنهم ولهلم سبيتا الذي انتقد ازدواجية الاستعمال اللغوي، فاقترح تعميم العامية بدل أن يقترح تعميم تعليم جيد. وقد عاب سبيتا طريقة الكتابة العربية، وحاول أن يطمئن مستعملي الفصحى بأن ما يدعو إليه لا يجور على اللغة الفصيحة التي تستعمل في العبادات، وكأن هذا ليس هو أيضا نوعا آخر من الازدواجية اللغوية التي انتقدها.

لقد أوهم سبيتا ومن جاء بعده أن الفصحى بكتابتها هي أشد تعقيدا من لغات أخرى كالصينية التي تكتب بحروف عديدة، ومع ذلك يحقق أهلها بها إنجازات علمية باهرة.

وقد تبنت جريدة المقتطف الموالية للإنجليز دعوة سبيتا وروجت لها.

وقد كان من دعاة العامية الذين تحدث عنهم محمود شاكر كارل فولرس الألماني، والمبشر الإنجليزي ويلكوكس الذي ترجم الإنجيل إلى العامية، وسلك طريقة المبشرين في الإغراء بالمال، فأعلن في جريدة الأزهر أنه يمنح من كتب مقالا بالعامية أربع جنيهات إفرنكية. ( أباطيل وأسمار ص 165)

ومن دعاة العامية الذين تحدث عنهم شاكر المستشرق سلدن ويلمور الذي ألف سنة 1901 كتابا سماه العربية المحلية في مصر. وقد زعم أن عالما لغويا أمريكيا يشاطره آراءه في ضرورة التخلي عن الفصحى، وإن كان لم يذكر اسمه، ولا إن كان هو من يوحي إليه بهذه الأفكار.

ومن الناقمين على العربية الذين تحدث عنهم محمود شاكر طويلا لويس عوض المسيحي.

لقد شخص محمود شاكر الباعث على هذه الحملة الضارية ضد الفصحى فقال: فمنذ استيقظ العالم الأوروبي لنهضته الحديثة، وهو يرى عجبا من حوله، أمم مختلفة الأجناس والألسنة من قلب روسيا، إلى الصين، إلى الهند، إلى جزائر الهند، إلى فارس، إلى تركيا، إلى بلاد العرب، إلى شمال إفريقيا، إلى القارة الإفريقية وسواحلها، إلى قلب أوروبا نفسها، تتلو كتابا واحدا يجمعها، يقرؤه من لسانه العربية، ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، عرفت لغة العرب أم لم تعرفها، ومن لم يحفظ جميعه حفظ بعضه، ليقيم به صلاته، وتداخلت لغته في اللغات، وتحولت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب كالهند وجزائر الهند، وفارس وسائر من دان بالإسلام، فكان عجبا أن يكون في الأرض كتاب له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متسق على اختلاف الأجناس والألوان والألسنة ( أباطيل وأسمار ص 158).

الاهتمام بالعامية والدعوة إليها في الغرب الإسلامي

كثيرا ما يقتصر الباحثون في تاريخ الدعوة إلى العامية على إيراد وقائع تمت في الشرق العربي، ويفوتهم أن الاهتمام بالعامية قد بدأ مبكرا في الغرب الإسلامي بحكم التماس والاتصال بين المسلمين والمسيحيين على أرض الأندلس، وبحكم تنامي الرغبة لدى المنصرين في تنفيذ مشروع الاسترداد وتنصير المسلمين وإلحاقهم بالعالم المسيحي.

وفيما قرأت لم أجد أن باحثا تقصى الموضوع مثلما فعل أستاذنا د. محمد بنشريفة الذي أسعفه اطلاعه الواسع على التاريخ الثقافي للغرب الإسلامي، واتصاله الوثيق بمصادر المعرفة الإسلامية بمادة علمية تمكن بها من معالجة الموضوع معالجة رصينة، فكتب بحثا بعنوان: حول معاجم اللغة العامية المغربية عرض تاريخي، وقدمه إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورتها الخامسة والستين مارس 1999. وقد نشرت مجلة المجمع هذا البحث في عددها 89.

ويذكر د. بنشريفة أن بدايات الاهتمام بالعامية في الأندلس تعود إلى القرن السابع الهجري، لما وضع الراهب الكطلاني ريموند مرتين الذي وضع معجما عربيا لاتينيا وآخر لاتينيا عربيا، اعتمد فيه عامية شرق الأندلس، ويبدو أن هذا الراهب كان مطلعا على الفصحى وعلى بعض العلوم الإسلامية، وقد بلغ من غروره ادعاؤه القدرة على معارضة القرآن.( بحث حول معاجم اللغة العامية المغربية مجمع مجلة اللغة العربية بالقاهرة عدد 89 ص 135)

وقد أثبت الونشريسي في المعيار مناظرة طويلة بين هذا الراهب - وإن كان لم يصرح باسمه - وبين أبي علي الحسين بن رشيق كما أفاد ذلك د. بنشريفة، وقد حاول الراهب دحض تحدي القرآن للناس بأن ياتوا بمثله واستمرار ذلك في الزمن، وقرنه بما روي من أن الحريري ساق بيتين تحدى الناس بأن ياتوا بثالث لهما، وقد حسم ابن رشيق الموقف بأن أضاف إليهما على البديهة بيتا ثالثا، فسقط تحدي الحريري وبطل مستند دعوة الراهب. (المعيار المعرب والجامع المغرب للونشريسي ج 11ص 155).

من المهتمين بالعامية الراهب بيدرو دي ألكالا الذي نشر في غرناطة عام 1505 معجما قاصدا إلى الإعانة به على تنصير المسلمين الذين بقوا تحت الذمة، وقد أعاد الراهب الطليطلي PATRICIO DE LATORE الذي عاش في المغرب وسكن طنجة الاشتغال بمعجم بيدرو، وكتب كلماته بالحروف اللاتينية، وأضاف إليه وسماه: سراج في اللغة المعجمية المنقولة من اللغة الإسبانيولية إلى العربية، وقد طبع هذا المعجم بمدريد سنة 1805.( بحث بنشريفة ص 144)

وبعد هذه المرحلة جاء رهبان آخرون دونوا ألفاظ العامية ومنهم: الراهب ليرشوندي الذي أكمل سنة 1892 معجمه الإسباني العربي وعنوانهvecabulario espanol arabico وقد ذكر د. بنشريفة أن هذا القاموس طبع عدة مرات وكان مرجعا للإسبان العاملين في مصالح الحامية بشمال المغرب، وكذلك لدى البعثة الكاثوليكية الإسبانية بطنجة. ( بحث بنشريفة ص 145)

ومن المهتمين بعاميات الأندلس ألونصو دال كاستيليو وقد عرف به الباحث حسين بوزينب وقدم بحثا عنه إلى أكاديمية المملكة المغربية التي نشرته ضمن أعمال ندوة أمثال العامية بالمغرب 2001. وقد ولد ألونصو بين سنتي 1520 و1530 ومات قبل طرد المورسكيين من إسبانيا.

وقد اشتغل بالترجمة وترجم على الخصوص كثيرا من النقوش التي وجدت على جدران قصر الحمراء، وترجم المكاتبات بين أحمد منصور السعدي والملك فيليب الثاني، ومن اثر اشتغاله بالعاميات الأندلسية أنه جمع مجموعة من الأمثال العامية الأندلسية. ( مقال حسين بوزينب ص 371 منشورات أكاديمية المغربية 2001)

الاهتمام بالعامية في المغرب العربي

إن سمة الدعوة إلى العامية أنها مشروع ثقافي هو جناح من مشروع استعماري أشمل، فكان لزاما أن يكون لكل بلد عربي وإسلامي حظ من هذه الدعوة.

لقد دخل الاستعمار الفرنسي الجزائر فوجد بها شعبا يتحدث بالعربية، فكان أن فرض تعليم لغته، ولم يبق للعربية إلا حصة ساعتين في كل أسبوع. ولما كان الاستعمار مضطرا إلى مخاطبة الجزائريين وإلى إيصال تعليماته وإلى بث ثقافة الاستسلام والاستكانة، فقد أحدث سنة 1847 جريدة سماها المبشر، وقد ظلت إلى سنة 1927 تعمل على إفساد السليقة العربية وإلى نشر لغة هجينة ركيكة التراكيب، من مثل قولها في عددها الأول: ( اعلموا يا مسلمين أرشدكم الله العظيم، سلطان إفرنصة نصره الله، اتفق له برأيه وقوع هذا المبشر مختص لفائدتكم يرض لكم ما يرضا لنفسه). ( لغتنا والحياة ص 173).

والواضح أن لغة هذا النص لا صلة لها بالأسلوب العربي، لأنها ليست إلا عامية سقيمة، ومع تطاول الزمن واشتداد الاستعمار الفرنسي في فرنسة الجزائر تواكبت المقاومة العسكرية مع المقاومة اللغوية حماية للهوية، فكان من أكثر الأناشيد التي يرددها الناس قول ابن باديس:

شعب الجزائر مسلــــم *** وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله *** أو قال مات فقد كذب

وبعد جهود تدميرية كثيرة ومع قرب توقيع استقلال الجزائر 1962 عمد بعض الاستعماريين إلى إضرام النار في مكتبة الجزائر بالعاصمة فالتهمت كتبها وطمست مياه الإطفاء الكتابة المتبقية. فدل هذا الحقد الإجرامي على ثقافة الأمة.

الدعوة إلى العامية في المغرب

سبق الحديث عن السياسة اللغوية التي اعتمدتها فرنسا في الجزائر، وقد تمثلت في التقليص من عدد ساعات دراسات اللغة العربية إلى حدود ساعتين أسبوعيا في مقابل التمكين للفرنسية في التعليم وفي دواليب الإدارة، مع الاستعانة في التخاطب.

وبالنسبة للمغرب فإنه لما تمكن الاستعمار الفرنسي من إحكام قبضته ونفوذه عليه، فقد اعتمد سياسة لغوية وثقافية كانت ذراعا لمشروعه الاستعماري الكبير.

وقد كانت رغبة الاستبدال اللغوي وفرض لغته ثابتا من ثوابت سياسته اللغوية، ولم تكن الإجراءات التعليمية والإدارية إلا وسائل إلى تحقيق هذه الغاية.

وقد استند الاستعمار الفرنسي إلى تاريخ طويل من المقايضة اللغوية والثقافية بدأ مع حملة نابليون وتنامى وتعزز في سياساته في الجزائر على الخصوص.

وقد أرست السلطات الفرنسية لتنفيذ مشروعها في المغرب خطة تقوم على دعامتين أساسيتين هما: تعطيل الموجود من مؤسسات التعليم وإنتاج المعرفة وهي التي حفظت اللغة وطورتها، ثم التمكين لمؤسسات يستند إليها المشروع الفرنسي في تحقيق غاياته.

وقد عهدت السلطات الفرنسية إلى خبيرين من نخبتها المثقفة هما ألفريد بِل وغاستون لوث، وقد كان لكل منهما أسلوبه الخاص في القضاء على مؤسسات التعليم، وعلى القرويين وابن يوسف تحديدا، وقد كان من رأي ألفريد بِل أن يتم القضاء على مؤسسة القرويين بتركها تموت موتا بطيئا، بينما كان غاستون لوث يرى تطبيق النموذج الذي طبق بالمدارس الجزائرية، فيتم الاقتصار على تدريس العربية في الإعدادية الإسلامية.

وبالإمكان الوقوف على تفاصيل السياسة الفرنسية إزاء مؤسسات التعليم الأصيلة فيما كتب عن تاريخ القرويين، وما كتبه المستشرق إكلمان في كتابه المعرفة والسلطة الذي تناول فيه على الخصوص سياسة فرنسا نحو كلية ابن يوسف بمراكش.

ومن قبيل ما توجهت به السلطات الفرنسية لإنهاء التعليم العربي، أنها أجهضت مشروعا قويا   شأنهه المولى يوسف ظهيرا سنة 1914 وشكل له لجنة برآسة محمد بن الحسن الحجوي وعضوية عدد من العلماء، ولما أنهت اللجنة مشروعها الذي تكون من 16 فصلا و 102 من المواد، تدخل ليوطي لينهيه بدعوى عدم توفر المواد المالية الكافية لتمويله. ( الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي؛ والمغرب في عهد السلطان مولاي يوسف زين العابدين العلمي ج 2 ص 38)

ومن أجل تجفيف المنابع فقد أنهت السلطات الفرنسية وجود الكثير من المدارس التي كانت موجودة بكل مدن المغرب، وقد حولت بعضها إلى إسطبلات كما وقع مع إحدى مدارس سلا التي حولت إلى فندق كان يعرف بفندق أسكور ثم تحول إلى إسطبل، وقد استعرض محمد المكي الناصري أسماء الكثير من هذه المدارس ومواقعها. ( الأحباس الإسلامية للملكة المغربية الشيخ محمد مكي الناصري ص 63)

وبالموازاة مع مشروع إنهاء وجود مؤسسات التعليم العربي، فقد أنشأت فرنسا في بلادها معهدا للغات الشرقية الحية ثم أنشأت سنة 1915 معهد الأبحاث العليا المغربية، وهي السنة التي شهدت إجهاض مشروع إصلاح القرويين، وقد نشر هذا المعهد من سنة 1915 إلى نهايته سنة 1959 عددا كبيرا جدا من نصوص اللهجات العامية، واستمر مشروع دعم العامية وخدمتها على ما كان عليه إلى أن كلف الاستعمار جورج كولان الذي كان مرجعا ومستشارا في نشر العامية بالمغرب بإتمام المهمة في صيغة جديدة.

وقد بدأ الأسلوب الجديد في الدعوة إلى العامية في التدريس وفي الكتابة بما كتبه المستشرق الفرنسي جورج سيرابان كولان (1893ـ1977) حينما نشر في الأربعينات في العدد 550 من مجلة الصباح المصرية مقالا بعنوان بحث إصلاحي أعاد فيه ما قاله سلفه من قدماء دعاة العامية عن وجود ازدواج لغوي رأى كولان أنه لا يمكن تجاوزه إلا باعتماد إحدى طرق ثلاث، وهي: أن يتولى الشباب المتعلم تيسير الفصحى وتقريبها للناس، وهذه عملية تبدو مستحيلة، أو تعمم الدارجة التي يفهمها الجميع أو يتم الاستغناء عنهما معا لتعتمد الفرنسية بدلا منهما.

وفور نشر كولان لمقالته تصدى لها العلامة عبد الله كنون في العدد الموالي من مجلة الصباح نفسها وهو العدد 551، وقد أعاد كنون نشر نصه في كتابه التعاشيب. (التعاشيب ص 96 ط 2).

لقد أكد كنون أن الازدواجية اللغوية ليست ظاهرة خاصة بمستعملي العربية، كما أنها ليست طارئة أيضا، ففي جميع البيئات توجد لغات معيارية فصيحة تنشأ إلى جانبها لغات تستمد منها وتنمو على هامشها متخففة من كثير من ضوابطها المعيارية الصارمة، وقد تمتح من أي لغة أخرى، تجد فيها كلمات صالحة لأن تعبر بها فتضمها إلى متنها العامي، و بهذا تكون الفصحى بما فيها من دقة في التعبير ودقة في دلالات الألفاظ هي لغة العلم والمعرفة والآداب، وتكون العامية لغة الناس في الأسواق، وفي المنتديات التي يتساهل الناس فيها في التعابير.

وبعد جولة عبد الله كنون ورده على كولان، برزت طفرة أخرى تحدث عنها عبد الله العروي في كتابه من "ديوان السياسة".

وقد ذكر أنه علم من طريق هنري لاوست أن إدارة الحماية الفرنسية كانت تنوي أن تجعل الدارجة لغة رسمية بالمغرب، واستدعت لذلك الغرض عددا من المختصين في اللسانيات ومن دارسي اللهجات، فأجمعوا على أن المشروع فاشل. ( من ديوان السياسة عبد الله العروي ص 56)

وذكر العروي أنه بعد الاستقلال حاول بعض المتفرنسين إحياء فكرة تعميم الدارجة، لكنهم كانوا لا يطبقون ما يقولون، فاستمرت العربية في أداء وظيفة ما هو فكري فحصي تأملي رمزي ، سواء كان أدبا أو فلسفة أو علما أو تقنية. ( من ديوان السياسة ص 53)

وفي مرحلتنا هذه عادت الدعوة إلى العامية إلى أداء دور التجلي بعد الخفاء والبروز بعد الكُمون وإلى لملمة بعض من يسهل جمعهم على أي مشروع يمكن أن يوفر لهم فرصة للبروز الاجتماعي ولتداول أسمائهم في المنابر الإعلامية، ولو عن طريق توجيه النقد إليهم لأن ذلك يكفي في الإشارة إلى وجودهم.

إن سمة الدعوة في صيغتها المغربية الجديدة أن من تبناها حاليا ليس على المستوى المعرفي الذي كان للمستشرقين الذين دعوا إليها، ولعل الاستهانة بالقضية وسوء تقدير ما تمثله بالنسبة للضمير الجمعي هو الذي سوغ إسنادها هذه المرة إلى من لا صلة له معرفيا بالموضوع.

الدعوة إلى العامية قراءة في الدلالات والغايات

إذا نحن حاولنا أن نفصل الدعوة على العامية حاليا عن مسارها التاريخي، واستبعدنا كل تأثير خارجي عليها فلم نر فيها إلا أنها بوح عادي بأفكار عرضت لأصحابها، فإن ذلك مما يحتم التركيز على حقيقة الدعوة مباشرة ومناقشتها مناقشة علمية محايدة. فنقول:

- إن الدعوة إلى اعتماد العامية بدلا عن الفصحى وإحلالها محلها، تتأسس على خطأ معرفي كبير هو توهم تكافؤ العامية مع الفصحى، واستوائها معها في الإفصاح عن كل المعاني من غير إخلال بشيء منها ولا تضحية بأكثرها، والحقيقة هي أن نسبة العامية إلى الفصحى هي نسبة اللهجة المحلية المحدودة في مكان التداول وفي الأغراض المعبر عنها إلى لغة واسعة في مادتها دقيقة في معانيها، تقيم الفروق بين الكلمات، ولا تسمح باستعمال كلمة بدلا عن غيرها غالبا، وبذلك كانت قادرة على استيعاب النص القرآني الذي يتميز بكونه رسالة عالمية تؤدي معاني محددة إلى كل الناس.

إن مما لا شك فيه أنه لا تصح المقارنة بين الفصحى والعاميات الكثيرة المستلة منها أساسا، لأن أي لغة لم تخدم ولم يشتغل عليها بمثل ما حظيت به العربية، ولم تجمع مادتها مثلما جمعت مادة الفصحى. وقد أحصى محمد الشرقاوي إقبال في كتابه معجم المعاجم 1500 من معاجم العربية.

ولم يكتب عن نحو أي لغة وعن تركيبها مثل ما كتبه النحاة عن ضبط تراكيب العربية ابتداء مما كتبه سيبويه، فتقصى به التراكيب الصحيحة وضبط حروف العربية وتتبع أوزان الأسماء فيها، وتعقبه أبو بكر الزبيدي بكتابه الاستدراك على سيبويه في كتاب الأبنية والزيادات، وهو كتاب نشره المستشرق أغناطيوس كويدي عام 1890 واشتغل الناس بكتاب سيبويه واختص بعضهم في شرح شواهده الشعرية فقط، فكانت حصيلة أعمالهم ثمانية عشر شرحا.

ونشأت عن دراسات النحو العربي مدارس واسعة منها المدرسة البصرية ومن روادها سيبويه، ومدرسة الكوفة، ومن روادها الكسائي، ثم المدرسة البغدادية ومن روادها أبو علي الفارسي وابن جني، والمدرسة المغربية ومن روادها أبو الحسين بن الطراوة، وابن مضاء القرطبي، ومحمد بن طلحة، وأبو موسى الجزولي، وأبو علي الشلوبين.

وتقصى اللغويون مصادر العربية فاستبعدوا ما ليس منها، فقالوا مثلا: لا يوجد في كل العربية اسم على فِعُل بكسر الفاء وضم العين، وما جاء من مثل حِبُك فإنما هو من تداخل اللغات، وليس وزنا في العربية.( المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءة لابن جني ج 2ص 387)

وألف بن خالويه كتابا ضخما هو كتاب "ليس من كلام العرب" فتحدث عن الصيغ والأوزان التي لا تصح في العربية، وذكر مثلا أنه لا وجود لكلمة كل حروفها من جنس واحد إلا كلمة بَبَّة . ( كتاب ليس ابن خالويه ص 26).

وتتبع الصرفيون أفعال العربية ووضعوا فيها معاجم خاصة بالأفعال من أبرزها كتاب الأفعال لابن القوطية ثم كتاب الأفعال لابن القطاع السعدي، وقد هذب كتاب ابن القوطية، ومنها كتاب الأفعال لأبي عثمان السرقسطي. ويضاف إلى هذا كله نشوء علم خاص هو علم الصرف الذي اعتنى بأوزان الأفعال والأسماء وما هو مقيس منها وما هو شاذ، وكانت لامية ابن مالك مادة تعليمية أساسية في بابها.

وألف اللغويون والأصوليون وعلماء القرآن كتبا خاصة بحثوا فيها حروف المعاني وهي أخص من حروف المباني، وهي كتب عديدة منها كتاب الحروف للقزاز القيرواني وكتاب الأزهية في الحروف للهروي، وكتاب منازل الحروف للرماني وكتاب رصف المباني في حروف المعاني لأحمد بن عبد النور المالقي وكتاب مغني اللبيب لابن هشام وكتاب الجنى الداني في حروف المعاني لابن أم قاسم المرادي.

وقد أوسع الأصوليون والمفسرون أحرف المباني بحثا لما يترتب عنها من أحكام تكليفية.

ومن غير هذا وذاك كتب البلاغيون الكثير عن الأسلوب العربي وعن أسرار الجمال والفصاحة فيه.

وإذا كان أمر العربية على هذا النحو من الشساعة والدقة والضبط، فإن توهم إمكان تفريغ معانيها ودلالات ألفاظها في لهجة عامية يكون أشبه بمحاولة تفريغ بحر محيط في كأس صغيرة، إن لم نقل إنه محاولة قاصدة وغير معلنة للتضحية بكل المعاني والمضامين الدينية والحضارية التي تحملها الكلمة العربية مثلما تحمل البصمة الوراثية كل خصائص صاحبها.

  • إن من الحقائق التي تغيب عمن لم يتمرس بالعربية ولم يعرف أسرارها هو أن الكلمة ذات دلالة دقيقة محددة، وإذا تحدث الناس عما يسمونه المترادفات، فإن ذلك غالبا ما يعبر عن جهل بالفروق بين كلمة وأخرى، فكلمة قعد وجلس مثلا لا تستويان عند بعض اللغويين، فالجلوس يكون عن تمدد على الأرض، بينما يكون القعود بعد الوقوف وهكذا.( تاج العروس للزبيدي مادة ق ع د. 5 / 194 ط. دار الفكر 1994 ) ( ومادة ج ل س 8/227).
  • إن من سمات النص القرآني الذي يرى دعاة العامية أن بإمكانها أن تتحمله أنه نص تحتل فيه الكلمة مكانها، ولا يمكن أن تزحزح أو يستبدل بها غيرها من العربية نفسها، وأذكر أن الأستاذة د. عائشة عبد الرحمن كانت تلقي علينا دروسها في البيان القرآني، وكانت كثيرا ما تسأل عن الكلمات التي يمكن أن تعوض ألفاظا في مثل قول الله تعالى:" ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر" [ التكاثر 01] وكانت تسأل عن فعل يؤدي معنى ألهاكم، فيقول الطلبة شغلكم، فكانت تجيب إذا صح أن تكون ألهى بمعنى شغل؟ فإنه يصح أن يغير اسم وزارة الشغل إلى وزارة اللهو مثلا، وكانت تسأل عن فعل يعوض فعل زرتم المقابر، فيقال لها سكنتم، فتجيب: إذن يصح أن يقول شخص عمن زاره إنه سكن عنده؟ والأمثلة من هذا كثيرة وهي تعم القرآن كله.

وعلى هذا فإنه يجب الخلوص إلى أن النص القرآني يستحيل نقله إلى العامية أو إلى لغة أخرى غيرها أيضا، والذين ينقلون الكلمة القرآنية إلى لغة أخرى إنما ينقلون ما فهموه هم منها، وكثيرا ما تكون دلالات الكلمة القرآنية كثيرة ومتعددة كما في قوله تعالى :"ولا يضار كاتب ولا شهيد" [ البقرة 281 ] وفعل يضار يحتمل أن يضر الكاتب بالغير، كما يحتمل أن يلحق الضرر به، وكما في قوله تعالى: "أنا آتيك به".[ النمل 40 ] وهي تحتمل أن تكون فعل مضارع أو اسم فاعل من أتى. وبهذا لا يكون اختيار أحد معاني الكلمة دون غيره إلا تحكما وإلغاء لما سواها من معاني كثيرة.

  • من خصوصيات العربية الفصيحة التي تميزها عن غيرها من اللغات التي قيست عليها في توقع انتهائها وسحبها من التداول، أن للفصحى صلة عضوية بالهوية وبالإسلام، لأن العربية هي التي قدمت الإسلام إلى الناس، وتحملت كلماتها وحيه، وامتزجت به لما كانت هي معجزة الإسلام الأولى والكبرى فكان إعجاز القرآن الأول هو لغته وبيانه.

وبعد التقاء العربية بالإسلام، وتحملها لنصه المعجز، فإنه أغناها بما أغدق عليها من المضامين والدلالات التي لم يكن لها به عهد، ثم نشأت عن دراسة القرآن والسنة بعد ذلك علوم كثيرة منحت العربية دلالات جديدة، وأصبح لكثير من الكلمات العربية دلالات ثلاثية، دلالة لغوية أصلية، ثم دلالة شرعية دينية، ودلالة اصطلاحية معرفية. وبهذه المستويات لا زالت الكلمة العربية تفحص وتدرس.

وتأسيسا على هذه المعطيات، فإن الدعوة إلى التحول من الفصحى إلى العامية تبدو غير وجيهة ولا ممكنة معرفيا، إلا إذا كان إهدار كل المضامين غير اللغوية العادية التي تتضمنها الكلمة العربية هو المراد بهذه الدعوة.

وإلا فبالإمكان طرح أسئلة عن وجود ألفاظ عامية بإمكانها أن تؤدي مضامين كلمات فصيحة تنتمي إلى حقول معرفية عديدة مثل كلمات الإرسال والإعضال والتخريج والتدبيج والإعلال من مصطلحات علوم الحديث.

كما يمكن التساؤل عن ألفاظ عامية بإمكانها أن تنوب مناب كلمات من مثل الذمة والأهلية والسبر والتقسيم وتنقيح المناط وغيرها من كلمات المعجم الأصولي.

كما يمكن التساؤل أيضا عن مقابلات لكلمات من مثل الطاهر والطهور والأوقاص والمزابنة والعِينة والحجب والمناسخة والعول والرد من ألفاظ الفقه الإسلامي.

إن الأكيد هو أن هذه الكلمات مشحونة بدلالاتها الدقيقة التي لا مقابل لها في أي لغة من اللغات العالمية فضلا عن العامية، فلذلك لا تكون الاستعاضة عن الفصحى إلا تضحية بجميع تلك المضامين.

حينما يدعو الداعي إلى اعتماد العامية في التدريس وفي التعلم رغم ما هي عليه من قصور وعجز وعدم دقة، فإن هذه الدعوة توهم للوهلة الأولى بأن هناك فعلا عامية مشتركة يمكن الرجوع إليها جماعيا لتكون لغة وطنية جامعة.

لكن الواقع بالنسبة للحالة المغربية هو أن هناك عاميات تتقارب وتتباعد وتتسامح فيها الألفاظ بالدرجة التي تغيب معها دقة الأداء ويتعذر معها الوفاء بكل المعاني والمضامين. وإن من المماحكة أن ينكر أحدهم مقدار الاختلاف بين عاميات كالعامية الحسانية في جنوب المغرب إن هي قورنت بعامية الشمال، أو بعامية ساكنة النجود الشرقية، وكثيرا ما لا يقع التفاهم إلا بشيء غير قليل من الحدس والتقدير ومن العودة إلى سياقات الجمل.

فإذا كان الأمر كذلك، فإن الدعوة إلى لهجات تصطبغ كل منها بالمحلية والمحدودية في مجال التداول، وبقابلية إضاعة المعنى لا يمكن أن تساعد على أن تكون العامية لغة علمية ووطنية موحدة.

لقد مر بعض الباحثين المهتمين بالعاميات من التنظير إلى التفعيل فأنجزوا فعلا معاجم للعاميات، وكانت عناوين تلك المعاجم مشيرة إلى محدودية المجالات المكانية للتداول، ومع ذلك لم يستطع أي معجم منها أن يكون مستوعبا للعامية التي تخصص فيها، وكان الناظر فيها يتبين أن العامية المرصودة ليست لهجة لكثير ممن ليسوا من أهلها.

ويمكن أن نأخذ من هذه المعاجم نماذج منها معجم الألفاظ العامية ذات الأصول العربية لعبد المنعم عبد العال، وهو يقوم على أساس الإيهام بوجود عامية واحدة ركز عليها في درسه والأمر ليس كذلك، ومنها معجم كولان الذي دعاه مؤلفه معجم العامية المغربية، وإن كان هو أيضا لم يستوعب كل عاميات المغرب، ومنها معجم لهجة شمال المغرب تطوان وما حولها لعبد المنعم عبد العال.

ومن خلال دراسة هذه المعاجم الثلاثة، يتكشف أنها لا تستوعب ألفاظ أي عامية فضلا عن أن تحيط بالعاميات كلها، وقد تورد كلمات وأساليب لا تستعمل في أقرب الجهات المجاورة لأماكن تداولها، ومن أمثلة هذا جملة ساقها معجم لهجة شمال المغرب ونصها: قال شحال من ساع؟ قال ل تسعود، قال ل تسعود و يا ش؟ قال ل تسعود ساكت ( معجم لهجة شما ل المغرب ص 151 ).

ومعناها: قال له كم الساعة؟ قال التاسعة، قال له وأي شيء؟ قال التاسعة تماما. إن هذا الأسلوب يوشك أن يكون خاصا بمنطقة معينة ولا يتداول في غيرها وإن كان بالإمكان فهمه داخل المغرب من خلال تحكيم القرائن اللفظية المرافقة.

وإذا عدنا إلى معجم كولان وهو يقع في سبعة مجلدات وقد أراد له صاحبه أن يكون شاملا يضم عاميات المغرب، فإننا نلاحظ أن منهج انتقاء العينات التي رجع إليها كولان كان قاصرا إذ لم يمثل كل جهات المغرب، لأن أكبر اعتماده كان على أشخاص محددين هم أحمد كوتا المراكشي، وأحمد بن داود الرباطي وأحمد الشرقي من طنجة والصديق الفاسي من فاس Le Dictionnaire COLIN d, Arabe Dialectal Marocain وهؤلاء المذكورون بأسمائهم في مقدمة المعجم لا يمثلون المغرب في شساعته وفي تعدد لهجاته، لذلك فقد خلا معجم كولان من الكثير من الألفاظ العامية الرائجة في مناطق أخرى وضم كلمات لا تكاد تعرف في مناطق أخرى من مثل كلمة أعيوع وهو نشيد نسائي جبلي تعرفه بعض مناطق المغرب. ( معجم كولان 1/18 )

إن الميزة الأساس لأي لغة هي قدرتها على التمكين من التواصل بكل دقة، وأداؤها المعنى إلى أكبر عدد من الناس، وهذا هو ما يجعل اللغة عالمية، لكن اللهجات المحلية تظل موسومة بمحدودية مجالات تداولها، يستعملها الناس في علاقاتهم البينية الحميمية بغض النظر عن فهم الآخرين أو عدم فهمهم لها.

وإذا اعتمدت اللهجة المحلية على ما هي عليه من محدودية، فإن الأثر المباشر لذلك هو أن يصير المتعلم بها سجين محيط تتداول فيه تلك اللهجة، ولو دعي المتعلم بها إلى أن يغادر بيئته إلى بلاد أخرى في الشرق العربي مثلا، لكان شبه عاجزا عن المتابعة وعن التواصل مع لهجات أخرى، وستطول معاناته مع دلالات الكلمات، وباعتماد العاميات على مستوى الوطن العربي والبلاد التي تستعمل العربية، فإن تلك البلاد ستعيش حالة من التجزئة الثقافية تضاف إلى حالة التجزئة السياسية الواقعة فعلا.

- وعلى نحو ما ينقطع المتعلم بالعامية عن غيره في المكان، فإنه ينقطع بكيفية أفظع في الزمان، ويتعذر عليه أن يقرأ شيئا مما دُون بعربية فصيحة، فيمتنع عليه أن يقرأ القرآن والحديث وهما مصدرا الاستقاء والاستمداد، وينقطع عن تراث أمته فلا يقرأ منه فكرها أو أدبها أو قيمها، فيفقد بهذا معنى الانتماء إليها، وينحجر في شرنقة لهجته التي عزلته عن محيطه الثقافي والحضاري القديم والحديث.

لهذه الاعتبارات التي أسلفت فإن الدعوة إلى العامية لا يمكن أن تكون دعوة بريئة ولا نتيجة بحث نزيه غير مغرض، وإنما هي محاولة لاقتلاع الإنسان المسلم من ثقافة أمته وعزله ثقافيا وشعوريا ليسهل تشكيله وإلحاقه بأي نموذج ثقافي آخر.

على أنه لا يجوز استخلاص أن الاهتمام بالعامية في صورة موازية للاعتناء بالفصحى أمر غير حميد، فذلك ما لا يقال به، لأن كثيرا ممن اهتموا بالعامية علميا كانوا من رجال الفصحى المجيدين في الكتابة بها والدفاع عنها، فقد كتب عبد الله كنون بحثا بعنوان "عاميتنا والمعجمية" سرد فيه طائفة من ألفاظ العامية المغربية، وقدمه إلى مجمع اللغة العربية، واشتغل عبد العزيز الأهواني بأمثال عوام الأندلس ونشر عنها مقالا ضمن تكريمية عميد الأدب العربي، ودرس عبد الحميد يونس الأدب الشعبي، وقد أصغيت إليه بفاس ولم يكن في خطابه ما يصرف عن الفصحى، وأنجز د. محمد بنشريفة أطروحته عن أمثال العوام في الأندلس، فكان بحثا مرجعيا، وأنجز د.عباس الجراري أطروحته في الشعر الملحون المغربي، ومن اليسير ملاحظة أن العامية كونت رصيدها المعرفي مما استقته من آداب العربية وعلومها، وفي شعر الملحون قصائد جياد، تحدثت عن أسماء الله الحسنى ونظمت السيرة النبوية، وعرفت بأخلاق الإسلام وقيمه، وكان منها قصائد مفعمة بأدب الحكمة والتوجيه.

وبهذا النوع من الاهتمام يتبين الفرق بين توظيف العامية لنقل القيم إلى أفراد الأمة، وبين استدعائها لأن تكون معولا تهدم به الفصحى فتقطع الطرق المؤدية إلى مصادر الهداية والرشاد

يمثل العمل الخيري قيمة إنسانية كبرى تتمثل في العطاء والبذل بكل أشكاله، فهو سلوك حضاري حي لا يمكنه النمو سوى في المجتمعات التي تنعم بمستويات متقدمة من الثقافة والوعي والمسؤولية، فهو يلعب دورا مهما وإيجابيا في تطوير المجتمعات وتنميتها فمن خلال المؤسسات التطوعية الخيرية يتاح لكافة الأفراد الفرصة للمساهمة في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي اللازمة كما يساعد العمل الخيري على تنمية الإحساس بالمسؤولية لدى المشاركين ويشعرهم بقدرتهم على العطاء وتقديم الخبرة والنصيحة في المجال الذي يتميزون فيه.

ويمكن أن يؤدَى العمل الخيري التطوعي بشكلٍ فردي، لكنَّ الأغلب أن يؤدَى في عصرنا عن طريق كيانات منظمة (غير حكومية أو شبه حكومية)، تسمى جمعياتٍ خيريةً، أو منظمات مدنيةً غير ربحية، والتي تمثل في مجموعها ما يطلق عليه المجتمع المدني أو الأهلي، وقد شرعت لها قوانين وأنظمة تنظم عملها وعلاقتها بالدولة، وبالكيانات الأخرى في المجتمع.

ولقد قامت الخدمات التطوعية الخيرية بلعب دور كبير في نهضة الكثير من الحضارات والمجتمعات ونشر الأفكار عبر العصور بصفتها عملا خاليا من الربح العائد وليست مهنة ، بل هي عمل يقوم به الأفراد لصالح المجتمع ككل تأخذ أشكالا متعددة بدءا من الأعراف التقليدية للمساعدة الذاتية إلى التجاوب الاجتماعي في أوقات الشدة ومجهودات الإغاثة إلى حل النزاعات وتخفيف آثار الفقر ويشتمل المفهوم على المجهودات التطوعية المحلية والقومية وأيضا تلك التي توجه إلى خارج الحدود.

إن العمل التطوعي في مجتمعنا يستمد جذوره من تعاليم الإسلام الحنيف التي حضت على التواد والتراحم، والتعاون والتكافل، والتناصرِ والتآزر، والمناصرة والمروءةِ، والبذل والعطاء، والإنفاق والمسارعة إلى الخيرات، والتي أُجملت وفصلت في كثيرٍ من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وقد اتَّخذ التطُّوع والصدقةُ في الإسلام والدولة الإسلامية صورة مؤسسيةً في شكل الأوقاف التي ينفق ريعها على المساجدِ، والخلاوي، والمستشفيات، والأسبلة، ودور العلم، وتجهيز الجيوشِ، وإغاثة المنكوبين والمحتاجين.

ولقد حفل التراث الإسلامي ابتداء بتأصيل العمل الخيري عقائديا بما ورد من آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة شواهد تعزز من قيمة العمل الخيري ومنها قوله تعالى : (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة (177) وفي هذه الآية تأكيد على اقتران العمل التطوعي بالعبادة ورضى الله سبحانه وتعالى كما أكدت ذلك الأحاديث الو رادة في فضل العمل الخيري وهي كثيرة أيضا ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله عبادا اختصهم لقضاء حوائج الناس حببهم للخير وحبب الخير إليهم أولئك الناجون من عذاب يوم القيامة ) .

كما جاءت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم والتابعين الذين تأسو بهم إقداما على الخير،تطبيقا استجابة لتلك النصوص فالتاريخ الإسلامي، سجل حافل بأعمال الخير التي تعددت وتنوعت سبلها من العناية بالمحتاجين والأيتام وطلاب العلم وغيرهم إلى تقديم العون لطالبي الزواج والمدينين وشق الطرق وإقامة الاستراحات للمسافرين، وغيرهم حتى امتد خيرها ليصل الحيوان.

وتبرز أهمية العمل التطوعي في تنمية المجتمعِ من خلال محورينِ هامينِ:

1 - الاستفادة من الموارد البشرية: حيث يمثِّل العمل التطوعي دورا إيجابيا في إتاحة الفرصة لكافة أفراد المجتمع للمساهمة في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي اللازمة في كل زمان ومكان، ويساعد العمل التطوعي على تنمية الإحساس بالمسؤولية لدى المشاركين، ويشعرهم بقدرتهم على العطاء وتقديم الخبرة والنصيحة في المجال الذي يتميزون فيه.

2 - الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة: حيث يساهمُ العمل التطوُّعي في تخفيض تكاليفِ الإنتاجِ، ويساعدُ على تحقيق زيادةِ الإنتاج، ومع تزايُدِ الطَّلبِ على السِّلَعِ والخدمات من قِبَلِ أفرادِ المجتمع، وصعوبة الحصولِ عليها في كثيرٍ من الأحيان، فإنَّه يُصبِحُ من الأهميَّةِ بمكانٍ الاعتمادُ على جهودِ المتطوِّعينَ؛ لتوفيرِ جزءٍ من هذه الاحتياجاتِ.

ولقد كان للقيم الاجتماعية وخاصة الدينية المتجذرة والمتعمقة في المجتمع العربي الإسلامي دور أساسي في تعميق روح العمل الخيري حيث امتاز الدين الإسلامي بأنه لا يفصل بين مساعدة الآخرين بمفهومها التطوعي وبين الصدقة بمفهومها الإسلامي ومن هنا كان العمل الخيري هو الموائمة بين الصدقة والتطوع ، وهو ما نريد تأكيده هنا بتعريفنا للعمل الخيري حيث يتساءل العديدون عن الفرق بين العمل التطوعي والعمل الخيري، خصوصا وأن مفهوم العمل الخيري وتطبيقاته في التراث الإسلامي تشتمل على كل المعاني والتطبيقات التي تورد ضمن مفهوم العمل التطوعي .

إن مجالات العمل الخيري متعددة وواسعة، تشكل مجالا خصبا لتفاعل المؤسسات الخيرية والمتطوعين في شتى ميادين العلم الخيري العمل والإسهام في خدمة المجتمع ومنها :

1 - المستشفيات والمراكز الطبية.

2 - المدارس على اختلاف مراحل التعليم وبرامج محو الأمية

3 - المساجد والهيئات الخيرية.

4 - السجون والإصلاح الاجتماعي .

5 - الإرشاد والنصح الاجتماعي لحل المشكلات الاجتماعي مثل الطلاق والجرائم وغيرها.

6 - إلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات لترسيخ القيم والمفاهيم الاجتماعية .

7 - قسم الإطفاء والدفاع المدني والإنقاذ المختلفة.

8 - المحافظة على البيئة وحملات النظافة العامة .

9 - الحدائق والمنتجعات العامة.

10 - المكتبات العامة.

11 - تقديم الاستشارات القانونية والطبية وغيرها.

فحقيقة العمل الخيري وخططه يجب أن ترتبط فيما يمكن أن تحدثه من تأثيرات وتغيرات في المجتمع باتجاه التنمية الشاملة فهو ليس جهودا تبذل وحسب لإنقاذ مصاب أو علاج مريض أو أموال تنفق لسد رمق محتاج بل إن خطة العمل الخيري يجب أن تكون في اتجاه التنمية وفي اتجاه بناء المجتمع فردا و أسرة ومن هنا يمكن أن نضع الأعمال في سياقها الصحيح المنتج حينما نخطط للبرامج الموجهة إلى كل من الفئات.

وهكذا يرتبط مفهوم العمل الخيري والتطوعي بالتنمية الشاملة، من خلال الكثير من تلك الأعمال والبرامج التي تستهدف الإنسان وترقى به ابتداء بالفرد ثم الأسرة ومن ثم تمتد إلى المجتمع تلك الحلقات الثلاث المترابطة بمجموعها ومفرداتها فصلاح الأسرة من صلاح الفرد وصلاح المجتمع من صلاح الأسرة.

س.ز / الإصلاح

استأثرت أشغال الجمع العام الوطني السادس باهتمام وتغطية موسعة من قبل الإعلام الوطني والدولي.. وقد شهد الجمع العام، الذي تميز بحضور عدد من قيادات الحركات الإسلامية ومسؤولي جمعيات ومنظمات دعوية ومدنية وشخصيات علمية وفكرية وفنية من داخل المغرب ومن إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، انتخاب قيادة جديدة للحركة والمصادقة على التقريرين الأدبي والمالي للمرحلة السابقة، وعلى تعديل ميثاق الحركة وقانونها الأساسي ونظامها الداخلي، وكذا المصادقة على توجهات وأولويات المرحلة الحالية، والتي يؤطرها التوجه العام المتمثل في: "تعزيز جهود ترشيد التدين، ودعم فاعلية المجتمع في الإصلاح".

وتميزت أشغال الجمع العام الوطني السادس في ختامها بتلاوة برقية ولاء ووفاء تم رفعها إلى أمير المؤمنين الملك محمد السادس أصالة عن رئيس الحركة ونيابة عن أعضاء الجمع العام الوطني السادس وعموم أعضاء الحركة التي عبر من خلالها عن صادق الولاء وخالص الوفاء تأكيدا لرابطة البيعة الشرعية القائمة بين أمير المؤمنين وبين الشعب المغربي الوفي على أساس كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما جددت البرقية تمسك الحركة بالثوابت الوطنية الجامعة التي كانت وستظل أسس استقرار المغرب واستمراره وهي الدين الإسلامي السمح والوحدة الوطنية متعددة الروافد والملكية الدستورية القائمة على  إمارة المؤمنين والاختيار الديمقراطي.

وأكدت البرقية انخراط الحركة المتواصل في دعم جهود الإصلاح وتعزيز الوسطية والاعتدال والتصدي لما قد يهدد الهوية الدينية والوحدة المذهبية للمغاربة وذلك باعتبار حركة التوحيد والإصلاح فاعلا إصلاحيا مدنيا تعنى أساسا بالعمل الدعوي والتربوي، كما أعربت الحركة عن استعدادها الدائم للدفاع عن الهوية الحضارية لبلادنا ومقوماتها ووحدتها.

وإليكم النص الكامل لبرقية الولاء والوفاء التي رفعتها حركة التوحيد والإصلاح أصالة عن رئيس الحركة ونيابة عن أعضاء الجمع العام الوطني السادس وعموم أعضاء الحركة إلى صاحب الجلالة أمير المؤمنين الملك محمد السادس:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى حضرة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس

حفظه الله وأيده ونصره

السلام على مقامكم العالي بالله ورحمته تعالى وبركاته.

مولاي أمير المؤمنين، صاحب الجلالة والمهابة،

بمناسبة انعقاد الجمع العام الوطني السادس لحركة التوحيد والإصلاح بمدينة الرباط أيام 20 و 21 و22  ذو القعدة  1439 هـ الموافق لـ  3 و 4 و 5 غشت 2018 م، يشرفني أصالة عن نفسي ونيابة عن أعضاء الجمع العام الوطني السادس وعموم أعضاء الحركة أن أرفع إلى جنابكم الشريف هذه البرقية لنعبر لجلالتكم عن صادق الولاء وخالص الوفاء تأكيدا من جهتنا لرابطة البيعة الشرعية القائمة بينكم وبين الشعب المغربي الوفي على أساس كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذه مناسبة نجدد فيها تمسكنا بالثوابت الوطنية الجامعة التي كانت وستظل أسس استقرار المغرب واستمراره وهي الدين الإسلامي السمح والوحدة الوطنية متعددة الروافد والملكية الدستورية القائمة على  إمارة المؤمنين والاختيار الديمقراطي.

كما نؤكد لجلالتكم تجندنا المتواصل لدعم جهودكم في الإصلاح وتعزيز الوسطية والاعتدال والتصدي لما قد يهدد الهوية الدينية والوحدة المذهبية للمغاربة وذلك باعتبار حركة التوحيد والإصلاح فاعلا إصلاحيا مدنيا تعنى أساسا بالعمل الدعوي والتربوي، كما نعرب عن استعدادنا الدائم للدفاع عن الهوية الحضارية لبلادنا ومقوماتها ووحدتها.

حفظكم الله بما حفظ به الذكر الحكيم وأبقاكم ذخرا وملاذا لشعبكم الوفي، وأدام على جلالتكم نعم النصر والتمكين، وبارك في عمركم وسدد خطاكم وأقر عينكم بولي عهدكم صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميعٌ مجيبٌ.

والسلام على مقامكم العالي بالله ورحمته تعالى وبركاته.

 

 

وحرر بالرباط في 22 ذي القعدة 1439هـ

الموافق لـ 05 غشت 2018م

عبد الرحيم شيخي

رئيس حركة التوحيد والإصلاح

 

DSA 7727

عبر الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية؛ عن استنكاره الشديد للصور المتداولة في  بعض شبكات التواصل الاجتماعي، والخاصة بأحد دروس الكتاب المدرسي الجديد في مكون القراءة في مادة اللغة العربية بالسنة الثانية من التعليم الابتدائي، والتي تضمنت لأول مرة في تاريخ تأليف الكتاب المدرسي الرسمي، ألفاظا من الدارجة المغربية، منبها إلى أن هذا السلوك الذي أقدمت عليه مديرية المناهج بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، يتنافى كليا مع المقتضيات الدستورية؛ لاسيما الفصل الخامس الذي نص على أن اللغة العربية، تعتبر اللغة الرسمية بالمغرب، إلى جانب الأمازيغية.

ودعا الائتلاف في بيانه حول استعمال الدارجة في الكتاب المدرسي، توصل موقع الإصلاح بنسخة منه، رئيس الحكومة والوزارة الوصية على القطاع، للتدخل العاجل لتدارك الأمر قبل فوات الأوان؛ لإيقاف اعتماد هذه المقررات والدعوة لمراجعتها، كما دعا السلطة التشريعية للإسراع في سن قوانين حماية اللغة العربية درءا لكل الممارسات التي ترهن مستقبل المغاربة لقراءات مزاجية لمسؤولين يفتقدون أدنى شروط الفهم العلمي والمعرفي للمسألة اللغوية.

واعتبر الائتلاف أن الإشكالية اللغوية في التعليم المغربي ينبغي أن تكون في إطار حل شامل وسياسة لغوية واضحة المعالم على أساس المرجعية الدستورية التي أجمع عليها المغاربة في كل القطاعات ووفق جدولة للوظائف.

س.ز / الإصلاح

الخميس, 06 أيلول/سبتمبر 2018 12:23

أهمية العمل الخيري في الإسلام وأبوابه

التطوع لغة: تَنَفَّلَ، أي تَكَلَّفَ الطاعة. يقال: قام بالعبادة طائعًا مختارًا دون أن تكون فرضًا لله وفى التنزيل الحكيم: ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ﴾.

فالعمل التطوعي هو عمل يقوم به فرد أو مجموعات سواء كان ذلك العمل بدني أو فكري أو اجتماعي أو مادي أو ديني الباعث له هو احتساب الأجر والثواب من الكريم الوهاب.

وهو بذل الجهدِ الإنساني، بصورةٍ فردية أو جماعيَّةٍ، بما يعودُ بالنَّفعِ على المجتمع دون تكليفٍ محدَّدٍ، ويقومُ - بصفةٍ أساسية - على الرَّغبةِ الحرَّةِ، والدَّافع الذَّاتيِّ.

وقد حثنا الله تعالى على العمل التطوعي وضرب لنا أروع الأمثلة على ذلك يقول الله - عز وجل مرغبا في ذلك: ﴿ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.

ويعدد لنا الله تعالى صور العمل التطوعي ويقرنها بالإيمان والتقوى فيقول سبحانه: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾.

ويقول الله تعالى: ﴿ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾.

ومن صور العمل التطوعي الإيثار قال الله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾، أي: يقدمون خدمة الآخرين ومصلحتهم العامة على المصلحة الشخصية الخاصة.

كما نجد في الكتاب الكريم قصصا تصور هذا الخلق الكريم تصويرا واضحا ومنها قصة ذي القرنين، وقصة موسى عليه السلام وتطوعه لسقي الأنعام، وقصة الخضر وموسى عليهما السلام وبناء الجدار.

 وفي السنة النبوية نجد أحاديث كثيرة تدل على مشروعية العمل التَّطوعي منها:

أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من مُسلم يَغْرِسُ غَرْسا، أو يَزْرَعُ زَرْعا، فيأكلَ منه طَير، أو إنسان، أو بَهِيمة، إلا كان له به صدقة". أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "بينما نحن في سفر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءَ رجل على رَاحِلَة له، قال: فجعل يَصْرِفُ بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان معه فضلُ ظهر فلْيَعدُ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليَعُد به على من لا زاد له، وذكر من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حَقَّ لأحد منا في فضل" أخرجه مسلم وها هو رجل يتنعم في نعيم الجنة بسبب عمل تطوعي بسيط انه رفع شجرة وفي رواية غصن شوك عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين"؛ [رواه مسلم].

عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين" [رواه أبو داود والترمذي].

عَنْ أَبِي مُوسَى -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ. قَالُوا: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ قَالُوا: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ بِالْخَيْر قَالُوا: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ".

ومن ثمرات العمل التطوعي:

1 - الفلاح، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

2 - الجنة بما فيها من نعيم مقيم، يقول تعالى :"إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَليهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا".

3 - المعونة من الله تعالى: عن سالم عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة  فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم رواه أحمد.

4 - وكلاء الله تعالى في خلقه: روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله عند أقوام نعمًا أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملوهم فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم"؛ رواه الطبراني في صحيح الترغيب.

5 - أن ينال ثواب الصدقة: وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل مسلم صدقة قيل أرأيت إن لم يجد قال يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق قال أرأيت إن لم يستطع قال يعين ذا الحاجة الملهوف، قال قيل له أرأيت إن لم يستطع قال يأمر بالمعروف أو الخير، قال أرأيت إن لم يفعل قال يمسك عن الشر فإنها صدقة " رواه البخاري ومسلم.

6 - أن ينال أجر المجاهد في سبيل الله: قال صلى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار)؛ متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )؛ رواه أحمد ومسلم.

وقد أورد الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي مظاهر كثيرة للعمل الخيري، ودلائل شتَّى من القرآن الكريم، والسنَّة المشرَّفة، بلغت نحو 63 بابا من أبواب الخير نورد منها : إطعام الجائع، وسقاية العطشان، وكسوة العريان، وإيواء المشرد، وكفالة اليتيم، ورعاية الأرملة، وإيتاء المسكين حقَّه والحضِّ على إطعامه، وتحرِّي حقيقة المسكين، ورعاية الطفولة، ورعاية الأمومة والأبوة، وإيتاء ذي القربى، وإعطاء ما تيسر للمساكين عند الحصاد، وإعطاء من حضر قسمة الميراث من القرابة والمساكين، والإحسان إلى الجيران، وقرى الضيف، ورعاية الشيخوخة والمسنين، ورعاية المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة، وإدخال السرور على المحزونين، وإغاثة الملهوفين وتفريج كربة المكروبين والمنكوبين بالزلازل وغيرها، وإعانة الضعفاء، وإسعاف الجرحى ومداواة المرضى، والقرض الحسن للمحتاجين، ومساعدة الغارمين المدينين، والتيسير على المدين المعسر، وإعارة المتاع لمَن يحتاج إليه، وقضاء الحوائج، وإرشاد الضال، وتأمين الخائف، وإيتاء السائل حقه، ومحو الأمية، ونشر العلم، وتشغيل العاطل، والإصلاح بين المتخاصمين..

س.ز / الإصلاح

عبر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عن رفضه القاطع لاتهامه بالإرهاب، مؤكدا أن الإتحاد هو الذي يعمل على فضح الإرهاب الذي خرج من عباءة بعض الدول.

وأوضح الاتحاد في بلاغ صادر له أمس الأربعاء 5 شتنبر 2016، أنه تبنى المنهج الوسطي المعتدل، ووقف ضد الإرهاب وفضح الجماعات الإرهابية التي صنعتها بعض الدول، وأن العلماء الذين يحاكمون اليوم لم يقوموا بثورة على الدولة، وإنما وجهوا نصحهم الخالص دون نفاق ولا محاباة، فكان جزاؤهم السجن والعقاب في بلد  أسس على أساس مرجعية الإسلام وعقيدة التوحيد، وأن مما لاشك فيه أن هذا الدين مبني على التواصي بالحق والصبر، وعلى النصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة حتى  حصره الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فقال:" الدين النصيحة (ثلاث مرات) قلنا: لمن؟ قال " لله ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" حديث صحيح مشهور.

وطالب الاتحاد في نفس السياق قادته المخلصين والعلماء الربانيين، ومؤسساته المدنية بالتدخل لإطلاق سراح جميع سجناء الرأي في المملكة السعودية وغيرها، محذرا من مغبة معاداة العلماء وسجنهم لأنهم قالوا الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، أو أنهم دعوا للألفة والصلح بين الأشقاء، أو أنهم بكوا لفزع ما رأوه من مخالفات شرعية في بلاد الحرمين الشريفين، أو أنهم حذروا من العواقب الوخيمة للجهر بالمعاصي.

الإصلاح