الثلاثاء, 27 تشرين2/نوفمبر 2018 10:59

نحو جبهة موحدة.. لدعم المقاومة الفلسطينية

كان خبر وجود غرفة عمليات مشتركة لثلاثة عشر فصيلاً فلسطينياً، قامت بشكل منسق بترتيبات الدفاع عن قطاع غزة وضرب المواقع الإسرائيلية، بعد محاولة الاختراق الإسرائيلي شرق خان يونس، خبراً يبعث على الارتياح.. فمن تمكُّن المقاومة (كتائب القسام) من إحباط العملية الأمنية الإسرائيلية، وقتل ضابط إسرائيلي وجرح آخر جروحاً خطيرة.. إلى الرد المنسق في اليوم التالي بإطلاق أكثر من أربعمائة صاروخ، ثم التوقف المنسق بعد تكبيد الصهاينة خسائر كبيرة نسبياً.. إلى الأزمة السياسية الإسرائيلية التي أدت لاستقالة ليبرمان؛ وظهور المقاومة ككاسب لهذه الجولة (بالرغم من خسائرها) الناتجة عن الفرق الهائل في مستوى التسليح لدى الطرفين.

ويأتي تنسيق هذا العمل المقاوم إثر تجربة رائدة هي تجربة مسيرات العودة، وهي تجربة أثبتت نجاحها، وما زالت تتفاعل وتتطور وتؤتي ثمارها. غير أن أبرز معالمها هي حالتها الشعبية الواسعة التي توحدت لإنجازها القوى الفلسطينية؛ التي تؤمن بحق العودة وتسعى لكسر الحصار عن قطاع غزة.

وكلٌّ من تجربتي العمل المقاوم المسلح من خلال غرفة العمليات المشتركة والعمل المقاوم المدني من خلال مسيرات العودة؛ يُحسبان من أبرز إنجازات شعبنا في قطاع غزة، ويُقدَّمان كدلائل واضحة على تطور الوعي الوطني، والارتقاء العملي في الشعور بالمسؤولية، والالتقاء على المشترك، وتطويره وتوسيعه.

ولئن تمكنت مسيرات العودة من إحداث شرخ في حصار غزة، واضطرار الأطراف المعنية لتخفيف الحصار، فإن غرفة العمليات المشتركة أعطت رسالة للصهاينة بالأثمان الباهظة التي سيدفعونها إن حاولوا المساس بغزة، وبأنهم لم يعودوا قادرين على فرض شروط المعادلة في الصراع مع قوى المقاومة.

الرسالة الأخرى التي حملتها هذه التطورات، هي تزايد حالة الإجماع الوطني ضدّ مسار التسوية الحالي، وضدّ خط أوسلو؛ بعد أن ثبت فشله، وبعد أن ضرب به العدو الصهيوني عرض الحائط، وبعد أن وَلَغَ في تهويد القدس وباقي الضفة الغربية، بالإضافة إلى حصار غزة. وهي رسالة يجب أن تصل إلى قيادة فتح التي هي قيادة منظمة التحرير وقيادة السلطة، بضرورة التوقف عن هذا المسار، وعمل وقفة مراجعة حقيقية، يتم فيها توحيد الموقف الفلسطيني باتجاه التمسك بالثوابت ورفض التنازلات، ودعم خط المقاومة؛ ووقف التنسيق الأمني في الضفة مع الاحتلال الإسرائيلي، والتوقف عن ملاحقة قوى المقاومة ومجاهديها.

من ناحية ثالثة، فإن المشروع الوطني الفلسطيني يعاني أزمة هائلة، سواء على مستوى القيادة، أم على مستوى المؤسسات التمثيلية، وخصوصاً منظمة التحرير الفلسطينية، لضعف أو تقادم أو اضمحلال أجهزتها ومجالسها ودوائرها، أم على مستوى الاجتماع على البرنامج الوطني والأولويات الوطنية في إدارة الصراع مع العدو الصهيوني. وهذه الأزمة ستظل قائمة ما دام هناك طرف مُهيمنٌ على هذه المؤسسات، ومُّصرٌّ على مسارات تجاوزها معظم الشعب الفلسطيني، ويرفض الدخول في شراكات حقيقية، ويحتمي بالبيئة الإقليمية أو الدولية التي تدعم بقاءه واستمراره، وتعارض عودة خط المقاومة، أو الدور الفاعل للتيار الإسلامي في القرار السياسي الفلسطيني.

لقد تزايد في هذا العام الوعي الجمعي الفلسطيني بخطورة السلوك الانفرادي لمحمود عباس وقيادة فتح، في إدارة المنظمة والسلطة الفلسطينية، وفي طريقة مواجهة التحديات، وخصوصاً ما يعرف بـ”صفقة القرن” واستتباعاتها، والسلوك الاستيطاني التهويدي العدواني الصهيوني. كما تزايدت الاعتراضات على إصرار عباس على الاستمرار بعقوباته على قطاع غزة، والتنسيق الأمني مع العدو. وقد أدى ذلك كله إلى مقاطعة أهم وأبرز شركاء فتح في منظمة التحرير لاجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني، فقاطعته الجبهة الشعبية، ثم قاطعته الجبهة الديموقراطية، والمبادرة الوطنية… لتجد فتح نفسها شبه معزولة عن القوى الفلسطينية الفاعلة على الأرض، مع ملاحظة عدم مشاركة حماس والجهاد الإسلامي أصلاً في المجلس المركزي. ثم إن إصرار قيادة فتح على عقد المجلس الوطني في رام الله تحت الاحتلال، كان ضربة أخرى للتوافقات الفلسطينية ولمسار المصالحة الفلسطينية المفترضة.

إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى عباس وقيادة فتح، وقد وصلت إلى هذه الدرجة من العزلة، أن الإصرار على الهيمنة وسياسة التفرد، وبما يعاكس التيار الشعبي الغالب في الساحة الفلسطينية، سيتسبب بمزيد من العزلة والخسائر لفتح، فضلاً عن استمرار معاناة المؤسسات الرسمية الفلسطينية.

وحتى نكون عمليين، وبعيداً عن النزاع على مقاعد المنظمة والسلطة، وبعيداً عن أي أُطر تمثيلية بديلة، وحتى لا تستخدم قيادة فتح فزاعة “الشرعية” (بالرغم من أنها أفرغت هذه “الشرعية” من محتواها شعبياً ومؤسسياً)، فإن على قوى المقاومة والرافضة لمسار أوسلو أن تدعم وتُطَور حالة النجاح التي حدثت في مسيرات العودة وفي غرفة العمليات المشتركة، باتجاه تفعيل الخط المقاوم، وتطوير إمكاناته وطاقاته، وتنسيق العمل بين قواه، بما يزيد تأثيره على الساحة الفلسطينية، ويوقف التدهور في مسار القضية الفلسطينية.

وما دامت قيادة فتح على غير عجلة من أمرها في إصلاح منظمة التحرير، أو في إنقاذ برنامج المصالحة، أو في إنهاء احتكارها للقرار السياسي الفلسطيني، ولا التوقف عن الابتزاز بالمال السياسي، ولا إنهاء التنسيق الأمني مع العدو، ولا حتى رفع العقوبات عن قطاع غزة، فإن على قوى المقاومة ألا تجلس في مقاعد الانتظار، وإنما عليها أن تمضي باتجاه تشكيل جبهة موحدة داعمة للمقاومة الفلسطينية. ولعلها تستفيد في ذلك من تجربتها في تحالف الفصائل العشر، وتحاول البناء على إيجابياتها وتلافي سلبياتها.

إن هناك الكثير مما يمكن عمله، دون الارتهان لحالة الشلل المؤسسي، ودون التوقف عن العمل بانتظار نزول أبو مازن عن “الشجرة”. ومن أمثلة الخطوط التي يمكن العمل عليها:

تفعيل مسيرات العودة في القطاع، ونقل التجربة إلى نقاط احتكاك أخرى مع العدو.

مراكمة عناصر القوة لدى العمل المقاوم في القطاع، وحينما أمكن، وتنسيق فعالياته، وتبادل الخبرة، وتطوير الأداء، واستخدام الطاقات بأفضل الطرق.

التوافق على رفض التنسيق الأمني مع العدو، والسعي لتحقيق إجماع وطني باتجاه إيقافه.

استمرار العمل على رفع الحصار عن قطاع غزة، ووقف العقوبات التي فرضها عباس عليها.

الحفاظ على الثوابت الفلسطينية، ومواجهة “صفقة القرن”، وإفشال أي مشاريع تسوية تستهدف الانتقاص من حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ومقدساته.

تفعيل البيئة الشعبية، وتوحيد الرموز والقوى الفلسطينية باتجاه تقوية الشراكة الوطنية، وإنهاء الانقسام، وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وعمل برنامج وطني يتجاوز مرحلة أوسلو، ويحدد الأولويات ويحافظ على الثوابت، ويعزز البيئة العربية الإسلامية والدولية الداعمة للقضية.

إطلاق الحريات، واحترام حقوق الإنسان.

تفعيل العمل الشعبي الفلسطيني، وفتح كافة الاتحادات والنقابات الفلسطينية في الداخل والخارج، لاستيعاب كافة طاقات وإمكانات الشعب الفلسطيني وكافة اتجاهاتهم، في بيئة ديمقراطية حرة، والتنافس البَنَّاء في داخلها في خدمة الشعب الفلسطيني، كلٌّ في مجال اختصاصه.

تفعيل دور فلسطينيي الخارج، وكافة الأنشطة المتعلقة بحق العودة، والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية.

وأخيراً، فإن الفعل الإيجابي على الأرض يجب أن يستمر وأن يتسع، باتجاه إيجاد أجواء مناسبة وفعالة لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وإنهاء ظاهرة الاحتكار السياسي، والتقدم في مشروع التحرير.

محسن صالح

الثلاثاء, 27 تشرين2/نوفمبر 2018 10:24

فرع الحركة بإيموزار كندر يجدد هياكله

في طار تجديد هياكلها وفق برنامج اعتيادي، ولبعث روح جديدة في أوصال أنشطتها وتحت شعار:"الإصلاح أصالة وتجديد"، عقد فرع حركة التوحيد والإصلاح بإيموزار كندر يوم الأحد 15 ربيع الأول 1440 الموافق 25 نونبر 2018 بمقره الكائن بحي هبري، جمعه الثاني تحت إشراف المكتب الإقليمي لصفرو برئاسة الأخ عبد الحفيظ منينة ونائبه الأخ عبد العالي حماموش والأخت فاطمة المختاري.

وبعد تقديم التقريرين الأدبي والمالي ومناقشتهما تم المرور لعملية انتخاب أعضاء الكتابة المحلية عبر الاقتراع السري فكانت النتيجة التالية:

عبد الواحد رزاقي رئيسا للفرع،           

لحسن اغلال نائب أول                        

مليكة بوشيخي نائب ثان

رشيد انجودة  كاتب عام

عبد العزيز العمري أمين المال

المستشارون:

أمينة الجامعي، غزلان كرداد،  فاطمة التسولي ومحمد بوبكر.

الإصلاح

الثلاثاء, 27 تشرين2/نوفمبر 2018 10:11

الأبعاد المقاصدية من الحوار مع غير المسلمين

يعتبر حوار الأديان من المواضيع التي عرفت ولا تزال نقاشا عميقا ومتواصلا من لدن المهتمين من المفكرين المسلمين وغير المسلمين، ومما لاشك فيه نحن  معشر المسلمين ندعو  للحوار- مع قلة من المخالفين - مع باقي الديانات انطلاقا من مبادئنا التي تحث عليه .

فالنصوص الشرعية واضحة في هذا الباب، نذكر منها  قوله تعالى : "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "- سورة النحل الآية 125 - ويفسر ابن كثير رحمه الله الآية  القرآنية  قائلا : " أي من احتاج منهم إلى المناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب " ج2ص871  - تفسير القرآن العظيم -  وقوله تعالى : "   وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "  - سورة العنكبوت الآية46، كما أن أحداث السيرة النبوية شاهدة من الناحية التطبيقية على إباحة الحوار مع غير المسلمين وفق  الضوابط المسطرة لتك الوسيلة المحققة لمبدأ التعايش، تحت ما يصطلح عليه بالمشترك الإنساني، والأحاديث في هذا المجال عديدة، من ذلك ما ورد في سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"، قال ابن حزم في شأن هذا الحديث "وهذا حديث غاية في الصحة، وفيه الأمر بالمناظرة وإيجادها، كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله "- حديث رقم 2504  كتاب الجهاد ، باب كراهية ترك الغزو-، ومن ذلك أيضا ما ذكره مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون مالا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " - الحديث رقم 50 ،  كتاب: " الإيمان" ج1ص70 - .

ورغم ذلك نجد أن هناك خلطا كبيرا يقع فيه بعض المثقفين من المسلمين، عند التنظير أو التطبيق للحوار مع غير المسلمين، بين من يمنع الحوار مع غيرهم  بحجة تصادمهم مع العقيدة الإسلامية التي تحرم الموالاة ومودة غير المسلمين، وتوجب البراءة منهم، وفي المقابل بين من يفتح الباب على مصراعيه للحوار مع غير المسلمين دون قيد ولا ضوابط، ولو كان على حساب العقيدة الإسلامية بدعوى التعايش والتسامح مع الآخر، فيقع في عدة مخالفات وأخطاء عقدية، ومن هنا يلحق ضرر كبير بالمسلمين وبالعلاقات الإنسانية عامة، الأمر الذي يستدعي تصحيحا يعود بهذه المعادلة إلى وضعها الأصيل.

فما هي الأبعاد  المقاصدية  وراء هذا النوع من العلاقة  " الحوارية"  مع الغير- الغرب-؟ وكيف يمكن تفعيل الحوار  مع الآخر - الغير مسلمين - كآلية دون المساس بمبادئ عقيدتنا أو الإطاحة بأخلاقنا والذوبان في معدن الآخرين.

الغاية من حوار المسلمين مع غيرهم يؤطرها عنوان كبير، يتحدد بالأساس في تحقيق التعارف المبني على التواصل والتعايش الذي تنشده الرؤية الإسلامية في العلاقات الخارجية مع الآخر،  تنطلق من  مبدأ احترام ذلك الآخر لونا وعرقا، وجنسا ولغة وثقافة، وهو ما يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام، واحتراما لمبدأ حرية الاختيار التي تعتبر منحة إلهية، يقول ابن خلدون في مقدمته " فباحترام مبدأي الحرية والعدالة تعاد صياغة علاقة الإنسان بالمفاهيم والتصورات، إذ تتحول من علاقة جامدة منغلقة إلى علاقة تفاعلية تواصلية تنسجم والمثل العليا للوجدان الإنساني، فالإنسان محتاج إلى غيره ليقيم صرح العمران والحضارة والتمدن، فهو يستلزم قدرا من الحرية الواعية والمسؤولة والمنظمة، وأن خراب دروس الحضارات وانحسار الثقافات يرجع إلى تدهور الفكر الحر، إلى شيوع التغلب والاستبداد وضياع الحرية ." 

فالحوار عند المسلمين مع غيرهم ينطلق من مبدأ احترام الآخر، وتوفر عنصر الاجتماع البشري على قاعدة التعارف الذي يحافظ على الاستقرار، ويعمق أسباب التواصل والتعارف، فلا تعارف ولا حوار بدون حرية .

وعليه يمكن رصد جملة من المرامي والمقاصد التي كانت وراء إباحة الحوار مع غير المسلمين وفق ضوابط مشروعة على النحو التالي :

- تحقيق التعايش السلمي المشترك في البلدان التي يعيش فيها المسلمون مع غيرهم ، ولمنع حدوث الفتنة، على اعتبار أن الحوار مع غير المسلمين وسيلة فعالة لرفع معنويات المسلمين في البلاد الإسلامية التي يكثر فيها النصارى والبلاد التي تواجه الحملات التنصيرية، وكذا دعم موقف الأقليات المسلمة في البلاد غير الإسلامية والمطالبة بحقوقهم .

- إيجاد مساحة من التفاهم يستطيع الجميع من خلالها التعامل مع المخالف والتعايش معه بسلام  .

- دعوة أهل الكتاب إلى أصل دينهم ومعتقدهم الصحيح، وبيان ما طرأ عليه من تحريف وتبديل مصداقا لقوله عز وجل :  "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"  سورة آل عمران آية :63.

إن المتتبع لتاريخ الحوار بين المسلمين وغيرهم من أتباع الملل في القديم والحديث يجد أنواعا ثلاثة من الحوار، يمكن تحديدها على النحو التالي:

أ - حوار دعوة وكشف الشبهة :

وهو حوار يهدف إلى دعوة غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام، حيث تتركز موضوعات هذا الحوار حول التعريف بالله تبارك وتعالى وصفاته وبالإيمان ونواقضه، وباليوم الآخر  وسبيل النجاة والخلاص فيه.  وتتمثل خصوصيات هذا النوع من الحوار – حوار الدعوة- في :

- الدعوة إلى الإسلام والسعي إلى إقناع الآخرين بأن الإسلام هو دين الله الذي لا يقبل الله غيره.

- أخذ المسلمين بزمام المبادرة في هذا اللون من الحوار، إذ هو استجابة لطبيعة دينهم، ويتحقق ذلك باستضافتهم في دار المسلمين .

- تغلب العلاقات الشخصية على هذا النوع من الحوار الذي يبتعد عن الصفة الرسمية التي تغلب على حوار التعامل والتعايش .

ب - حوار تعامل وتعايش ونبذ العنف :

يركز هذا النوع من الحوار على النقاط المشتركة التي يتفق عليها المتحاورون، فيهدفون إلى تعميقها والتكاثف في سبيلها وغالبا ما تصطبغ بالصبغة الأخلاقية كالحوار حول السلام العالمي والتعايش بين الأمم ومعالجة قضايا التفكك الأسري، إلا أن هذا النوع من الحوار ينبغي الحذر منه، لكون الغرب في غالب الأحيان لا  يدعو إلى هذا النوع من الحوار  إلا بغرض الاستيلاب وفرض الهيمنة، باعتبار نظرته الاستعلائية  والمهيمنة، وما مؤتمر  نيروبي 1975م ، ومؤتمر القاهرة 1994م، ومؤتمر بكين 1995م ، ومؤتمر استانبول 1997م ، ومؤتمر نيويورك  1999م وعام 2000م، إلا دليل على نوايا الغرب في استغلال هذا النوع من الحوار لفرض الهيمنة الدينية، وتمرير أفكارهم الدسيسة  من زاوية ثقافتهم المادية الإباحية، حيث كانت تطرح قضايا للنقاش من قبيل المساواة بين الرجال والنساء، والمساواة في الميراث ونحوها .. لذلك يلزم التوافق معهم  انطلاقا مما يجيزه  الشرع، والدفاع عن ذلك بكل استماتة دون خنوع أو مساومة كما يفعل عدد كبير من أبناء جلدتنا وللأسف .

ت - حوار الوحدة بين الأديان :

وهو الحوار الذي يهدف إلى إزالة الفروق والاختلافات العقدية والشعائرية بين المتحاورين، وتمييع خصائص الأديان والدعوة إلى وحدة الأديان والتقريب منها، وهذا لاشك في حرمته، إذ الأصل أن يخدم الحوار الأهداف التي شرعها الله في مجادلة ومحاورة أهل الكتاب، أما أن يخدم أهدافا نهى الله عنها فهو أمر ممنوع، ومخالف لمراد المسلمين من الحوار مع غيرهم من الغرب .

إن تحقيق غايات الحوار عند المسلمين مع غيرهم يلزمه استحضار المبادئ السامية والآداب العالية والهدايات الرفيعة التي تنظم المحاورات من جهة، و تحقق مهمتهم الأساسية وهي الاتصال بهذا العالم وهدايته إلى الطريق القويم، ونشر الإسلام بين أرجائه، ومن جهة أخرى إزالة ما قد يحول دون وصول دعوة الإسلام إلى الشعوب، وهذا يدفعني إلى الوقوف على مبدأ أساسي في مسألة الحوار مع غير المسلمين ، وهو احترام حرية عقائد أهل الأديان وشعائرها، فباستقراء السيرة النبوية العطرة في تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع غير المسلمين، يظهر موقف الإسلام حيال الأديان الأخرى، وحيال أهلها الذي اتسم بالتسامح واحترام حرية عقائد هذه الأديان وشعائرها، إذ على هذا الأساس أقام الإسلام جميع ما سنه  من قواعد، ووضعه من مبادئ تؤطر للعلاقات  بين المسلمين وغيرهم .

فالحوار يقتضي الاعتراف بالآخر - فردا كان أو جماعة - باحترام رأيه بغض النظر عن مدى صحته، واحترام حقه في الدفاع عن وجهة نظره وموقفه .

يقول الدكتور عبد المجيد النجار في هذا الصدد : "من الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها التعريف بالدين والدعوة إليه الحوار مع المخالفين، فليست الدعوة عرضا جافا ينبغي القبول أو الرفض في صمت، وإنما هي دعوة حوارية ، تقبل الاستفسارات والاستبيانات، بل الاعتراضات والتعقيبات، ليكون الأمر تدافعا في الرأي يقوم على الحجة ... وحينما تتمايز الصفوف ويأخذ كل موقعه الذي اختاره عن حرية فإن الحوار لا ينقطع بين الطرفين، بل هو يتواصل ولكن على صعيد آخر، هو صعيد التعاون فيما هو مشترك من القضايا المتعلقة بمصلحة الإنسان بقطع النظر عن دينه".

نخلص إذن إلى أن الحوار عند المسلمين مع غيرهم يتحدد في كونه وسيلة موصلة للحقيقة، تحمل في طياتها وظيفة ذات أبعاد ودلالات تنطلق من مفهوم واحد هو العبودية لله سبحانه وتعالى، تقول الدكتورة مريم ايت أحمد في هذا الصدد : " الإسلام يرى في فتح مجال الحوار بين البشر بدل القطيعة والتباعد هدفا ساميا للحفاظ على مفهوم التعبد ."

فالمسلم الذي يفقد آليات التحاور مع الغير المختلف معه عقديا، لا يستطيع على كل حال تمرير دينه الحق ، ناهيك عن قدرته على إيصال منتوجه الفكري المستوحى من عقيدته وشريعته ، فتكون النتيجة الحتمية ترك المجال ليسيح الآخر – الغرب-كيف يشاء وبما يشاء على النحو الذي يرتضيه ، ليبقى المسلمون – طوعا أو كرها – فاقدين الأهلية للدفاع عن دينهم عقيدة وشريعة، ومن جهة فقدان سبل تطوير التعاون وفق المتطلبات التي يمليها العصر، وهذا يطرح إشكالا آخر في إبراز التحديات التي تعوق الحوار، حيث الصراع الحضاري و الثقافي والديني يشكل  حاجزا  بارزا، يقف  عقبة في وجه تلكم  المقاصد السالفة الذكر  من الحوار الذي دعا إليه الإسلام قديما وحديثا، فكيف استطاع  الغرب  الترويج لأفكاره في ظل ما سماه بالصراع الحضاري والديني ؟ وكيف كانت ردود المفكرين المسلمين تجاه هذا اللون من الحوار ، خاصة لحظة  صدور نظرية  صامويل هنتنجتون " صراع الحضارات"، والتي جاءت كعنوان لكتابه - The Clash of Civilizations- حيث  يبرز وبقوة الرغبة في الإطاحة بالدول الإسلامية على المستوى الثقافي ، حتى تتمكن الدول الغربية من السيطرة الكلية  وعلى جميع الميادين، هذا ما سأتناوله في مقال قادم بحول الله تعالى يتبع...

المصادر والمراجع :    

  • الإحكام في أصول الأحكام :لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت 456هـ)، المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر ج 1 ص29 ، الناشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت.
  • المقدمة : عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ولي الدين بن خلدون، المحقق: عبد الله محمد الدرويش ص131 الفصل 25   الناشر دار يعرب ،رقم الطبعة :1 ، سنة النشر :1425ه- 2004 م.
  • الحوار الإسلامي المسيحي ص463 د. عجك بسام، دار قتيبة للطباعة النشر والتوزيع 1418ه /1998 م
  • الأحكام والضوابط العقدية المتعلقة بالحوار مع غير المسلمين د . سهيل بن رفاح بن سهيل العتيبي ص 9، 1429 ه 2008 م.           
  • التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي : للدكتور ناصر محمدي محمد جاد ،ص55 ، الناشر : دار الميمان، رقم الطبعة :  2 ، 1430 ه – 2009م 
  • جدلية الحوار "قراءة الخطاب الإسلامي المعاصر " دة. مريم ايت أحمد ص39، مطبعة النجاح الجديدة ، الدارالبيضاء الطبعة 1،  2011م.

عثمان كضوار

نظم القسم الشبابي فرع وادي زم  لحركة التوحيد والإصلاح خريبكة وادي زم حفلا دينيا للتلميذات بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف

وكان البرنامج حافلا بالفقرات المتنوعة من تنشيط ثلة من التلميذات ابتداء بآيات بينات من الذكر الحكيم تلته كلمة ترحيبية لمسؤولة الشباب بالفرع، ثم وصلة انشادية لفرقة الفلاح، بعدها قصيدة شعرية في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

IMG 20181125 WA0080 resized

بعد ذلك كان الحضور على موعد مع مسرحية بعنوان "فداك ـيها الحبيب"، ثم موعظة بالمناسبة، وبعدها استراحة شاي مع امداح للفرقة، كما كان الحفل مناسبة لالتحاق بعض التلميذات الجديدات بالمجالس التربوية .

واختتم الحفل بالدعاء الصالح.

خديجة الوادي

احتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف نظم المكتب الإقليمي لحركة التوحيد والإصلاح باولا دتايمة منتدى تربويا  لفائدة أعضاء المجالس التربوية بالمدينة وذلك يوم الخميس 22 نونبر 2018 بمقر الحركة.

وقد اطر هدا المنتدى الأخ عبد الرحيم الغاتي نائب رئيس جهة الجنوب من خلال درس تربوي حمل عنوان "ومضات من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بسط من خلاله دواعي ومغزى الاحتفال بهده الذكرى وتناول بالوصف والتحليل شمائل المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتوقف عند أهم الدروس والعبر المستقاة من سيرته العطرة، وقد تفاعل الحاضرون مع محتويات الدرس نقاشا وتساؤلات.

image005

 وفي نفس السياق نظمت لجنة الشباب منتدى الفلاح الأول لفائدة الشباب(تلاميذ وطلبة) حول سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أطره كذلك الأخ الغاتي، وذلك يوم السبت 18نونبر 2018 بمقر الحركة.

ودائما بنفس المناسبة نظم فرع الأخوات أمسية تربوية فنية بالمقر حضرها جمع غفير من الأخوات وذلك يوم السبت 24 نونبر 2018.

وبذلك تكون حركة التوحيد والإصلاح باولاد تايمة أشركت جميع مكوناتها (شباب- نساء- قطاع عام) في الاحتفاء بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم

حسن سماد

أثار الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الانتباه إلى خطورة التعسفات والمظالم الواقعة على مسلمي الصين، وخاصة في تركستان الشرقية، في حقوقهم وحريتهم الدينية وحياتهم الاجتماعية، ومحاولات إكراههم على الانسلاخ من دينهم، مشيرا إلى الانتهاكات الجسيمة التي يتعرضون لها سواء بالتضييق عليهم في مساجدهم، أو إلزامهم قسرا بأن يستضيفوا في بيوتهم من يعيشون معهم ويراقبون حياتهم اليومية، تجميع الملايين من أبنائهم، وباحتجازهم في معسكرات إجبارية قهرية، يسمونها "مخيمات إعادة التأهيل"، وإخضاعهم فيها لكل ما يمكن أن يمحق كرامتهم، ويبعدهم عن عقيدتهم وثقافتهم وعن تدينهم وانتمائهم الديني.

وأدان الاتحاد في بيان له هذه الانتهاكات، داعيا الحكومة الصينية إلى احترام كافة الحقوق والحريات الدينية والاجتماعية للأقليات المسلمة، مطالبا إياها بالإفراج عن المعتقلين المسلمين، وتسريح المحتجزين منهم في المعسكرات الجماعية القسرية، و ضمان حرية التدين للجميع وممارسة كافة الحقوق الدينية، بما فيها بناء المساجد والتعليم الديني، وممارسة الشعائر  الدينية الفردية والجماعية للمسلمين وغيرهم، وكدا تمتيع المسلمين بحرية السفر والتنقل والتواصل، لمختلف الأغراض المشروعة، سواء داخل البلاد أو خارجها.

كما دعا منظمة التعاون الإسلامي، والدول الإسلامية كلا على حدة، إلى الاهتمام الجدي بهذا الموضوع، والوقوف على وقائعه ومجرياته، وإثارته ومتابعته مع الطرف الصيني، وأمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

الإصلاح

الإثنين, 26 تشرين2/نوفمبر 2018 13:32

نحو إعادة تركيب لمنظومة مواجهة التطبيع!

كما توقعنا سابقا فالتطبيع سريع الحركة ولا يتعرض لأي مواجهة فعالة، وتظهر خطورة الاختراق الدبلوماسي والسياسي الإسرائيلي لمناطق محسوبة على الاتجاهات الملتزمة بمقاطعة الكيان الإسرائيلي منذ عقود طويلة في المجالات التالية:

  • أنها تؤكد لنا عدم قناعة الدول بالجدوى السياسية والاقتصادية والأخلاقية للمقاطعة.
  • وأن الدول والتيارات المناهضة للتطبيع لا تأثير لها في قرار التطبيع أو المقاطعة.
  • وأن التعامل مع الكيان الإسرائيلي لا ينبع من أنها "دولة" ذات قيمة اقتصادية أو سياسية أو تنموية كبيرة، بل لأن هذا الكيان نجح في تسويق نفسه كمركز علاقات عامة على المستوى الدولي، وأن التعامل معه يعني انفتاحا عالميا من الدول والمؤسسات والشركات الكبرى عليه.
  • الجميع على قناعة أن الكيان ليس مميزا في الاقتصاد أو حتى الزراعة والهندسة والأمن والتدريب التكنولوجي... فهناك دول كثيرة تقدم هذه الخبرات وبدون تكاليف في مربعات كثيرة، ولكن النجاح الإسرائيلي متفرع عن دوره في العلاقات العامة بأنه وسيط ناجح للصفقات الكبيرة عبر عناصر ذوي علاقات وخبرة ولاسيما في مجال التسلح والتمويل الضخم وتجارة التسهيلات.
  • يتحرك الكيان الإسرائيلي في مناطق لا يتجه لها الاستثمار العربي والإسلامي، ويشعر كثيرون أن علاقتهم مع العرب والمسلمين غير مفيدة، فلماذا يحرمون أنفسهم من التمدد في العلاقات لأجل علاقات باردة غير منتجة.
  • الجهاز الدبلوماسي والأمني الرسمي الفلسطيني يعطي مبررات لتطوير العلاقات مع الكيان الإسرائيلي لحل إشكالاته المادية وصعوباته اللوجستية، وطبيعة التزامات السلطة السياسية مع الكيان الإسرائيلي كما تغيرت أدوار السلك الدبلوماسي الفلسطيني على الأرض لصالح أدوار أمنية تخدم منظومات كبيرة تعمل في العلاقات العامة التي تسيطر عليها مؤسسات الكيان الإسرائيلي.
  • مواجهة التطبيع عبر حملات إعلامية جهد مطلوب لكنه غير فاعل إذا لم ترافقه نشاطات علاقات عامة قوية النفوذ ذات توجهات اقتصادية وسياسية وظهور نتائجه على الأرض باستثمارات ذات حضور تعطي نموذجا لضرورة التخلص من الكيان الإسرائيلي للاستفادة من الطرف المقابل.
  • مواجهة التطبيع تتطلب رؤية مختلفة كليا عما يجري تداوله الآن، حيث تفتقر هذه الرؤية لعنصر المصالح والعوائد وتأييد القوى الأكثر نفوذا، وربما ستكون فعاليات هذه المواجهة ذات عائد اقتصادي جيد أيضا لصالح من يشتغل في هذه المواجهة بخطة مدروسة يمكن أن نرسم ملامحها مع المهتمين في هذا المجال، وأمامنا تجارب صغيرة لكنها ناجحة في هذا المجال يمكن الاستفادة منها يقوم عليها رجال أعمال مخلصون ذوو نفوذ.

أسامة الأشقر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،

أيها الإخوة الأعزاء والأخوات الفاضلات:

يلتئم جمعنا هذا وينعقد مجلسنا هذا في يوم من أيام شهر ربيع الأول، شهر المولد النبوي الشريف، فالذكرى تظللنا، والمناسبة تبسط أنفاسها على لقائنا وذلك أن سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم تؤصل لهذا اللقاء، لقد كان عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه وربّما سهر بالليل مع أبي بكر وعمر في أمر المسلمين وتعلّم منه أصحابُه أنه إذا كان في المسألة وحيٌ فهولا يتقدم عليه ولا يتأخر، وإذا لم يكن اجتهد للمسلمين وشاورهم وأخذ بما أشاروا به.

كانت المشاورة طبعا من طِباعه وخُلقا أصيلا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم وقد حصل من مشاورته لأصحابه من الأفكار الصالحة والآراء النافعة ما كان خيرا وبركة للمسلمين.

نجتمع في هذه الدورة الأولى لمجلس الشورى مستحضرين ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا الخلق، وإنا لنراه لهيبته وجلال قدره صلى الله عليه وسلم يجتمع مع أصحابه في المسجد أو في البيت أو في السفر أو في غيرها من الأماكن يعرض الأمر الذي يريد أن يشاور فيه ويفسح المجال لمن يريد أن يتكلم فينصت ويسدّد ويقارب ويعزم ويقرّر، وأهل مشورته هم أصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار الذين آمنوا به واتبعوه وتشرّفوا بمجالسته ومصاحبته كما قال تعالى عنهم: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(الشورى 38).

وترك صلى الله عليه وسلم بهذا هديا هو خير الهدي يُغلق الباب في وجه التحكم والاستبداد وفرضِ الرأي بالقوة وفي وجه الانتصارِ لمذهب فرعون.. (مَا أُرِيكُمُو إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمُو إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر 29).

وإننا لنرجو بالذي نفعل الآن أن نكون على أثره صلى الله عليه وسلم وأن نهتدي بهديه ونستنّ بسُنّته، بما يلائم عصرنا ويناسب زماننا، فالجوهر عندما نقدم أوراقا للمصادقة أو نعرض خططا للمناقشة ونتناوب على الكلام واحد، والمظهر بيننا وبين أولئك الصحابة بالتأكيد يختلف؛ لكن العبرة بالجوهر لا بالمظهر ولو فرضنا أنّ هذا النبي الكريم دخل علينا ورأى ما نفعل وسألناه وصيّة أو نصيحة ما زاد على ما كان يقول للأمة عندما كان حيّا بين أظهرها؛ لقد كان يأمر المسلمين بالألفة وينهاهم عن الفرقة، ويوصيهم بالتحابب والتراحم والتعاطف وينهاهم عن التباغض والتنافر والتقاتل وَمِمَّا يحقّق ذلك أن يتشاوروا فيما بينهم في كل ما هو مشترك…

أيها الإخوة والأخوات

بما أن الذكرى التي تحف مجلسنا هي ذكرى المولد النبوي وهي ذكرى تحيلنا على سيرة غنية بالدروس فإننا نستدعي من هذه السيرة في هذا المقام منهجا كان عليه الصلاة والسلام يستعمله مع أصحابه لحضهم على المزيد من الحزم والاجتهاد وهذا المنهج تعلّمه صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم لأن الله تعالى عامله به. فهذه سورة الضحى وسورة الشرح كل منهما تخاطبه وحده؛ ففي سورة الضحى قال عز وجل له: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) (الضحى 6 - 8) وفِي سورة الشرح قال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح 1 – 4).

فلنتأمل هذه الصيغة الاستفهامية المبدوءة بقوله تعالى ألم ألم مما لا يسع المخاطَب إلا أن يقول بلى بلى.

 وبعد أن ذكره بنعمة الله عليه قال له سبحانه في سورة الضحى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)(الضحى 9 - 11). وفِي سورة الشرح قال له: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)(الشرح 7 – 8).

نحن بحاجة إلى تطبيق هذا المنهج القرآني النبوي لنعلم عِظم المسؤولية التي في رقابنا.

الله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم وهذه نعمة، وجعلنا من بني آدم وهذه أعظم من الأولى، وجعلنا في بني آدم من المسلمين وهذه أعظم من الثانية، وتفرّعت عن هذه النعم الثلاثة نعم كثيرة لا نحصيها.

ألم يكن أحدنا في بادئ الأمر من عموم المسلمين فشرح الله تعالى صدره للإيمان وأقبل على نفسه فأصلحها وأقبل على إسلامه فحسّنه بالعلم والعمل وصار شيئا فشيئا يتميّز بين المسلمين.

ألم يكن في بادئ الأمر غافلا عن أمر الدعوة حتى هيّأ الله تعالى له مَن أعانه على الانخراط في سلكها والهجرة إلى مواقعها وثغورها وارتقت روحه فقدمها على غيرها.

الم نكن جميعا مبتدئين في طريق الدعوة فصارت لنا بعد خبرة واجتمعت لنا تجربة وهذا المجلس ثمرة من ثمراتها.

ما منا من أحد إلا وهو اليوم في وظيفة أو مهمة أو عمل لم يكن فيه… ناهيك عن الاستقرار العائلي والمهني والتقدير الاجتماعي وسائر ما يطمح إليه الناس ويسعون للوصول إليه.

لنقرأ سورة الضحى وسورة الشرح في ضوء هذا لنعلم أن المسؤولية على قدر النعمة.

فليس الغني كالفقير، وليس الوجيه كالحقير، وليس العالم كالجاهل وليس الصحيح كالمريض وليس البصير كالكفيف، وليس الذي أطال الله عمره كالذي مات صغيرا وليس الآمن كالخائف، وليس المستوطن كالمشرد، وليس الحر كالسجين وقس على هذا.

فالناس يتفاضلون في النعم فتختلف محاسبتهم يوم القيامة فإذا تركنا أنفسنا ونظرنا إلى الوطن الذي نعيش فيه ونعمل فيه عظمت النعمة فعظمت المسؤولية فقد اختار الله تعالى لنا وطنا له مميزاته بين الأقطار جغرافيا وتاريخا وسكانا مما يعين على مهمتنا.

عقدنا مؤتمرا عاما مرت أشغاله في ظروف حسنة وخرجنا منه برئيس ومكتب تنفيذي ومجلس شورى وهو الآن يعقد أولى لقاءاته لا يشغلنا فيه إلا جدول أعماله بينما يجري في أقطار أخرى ما نعلمه جميعا حتى تجاوز الأمر في بعضها الاعتقالات التعسفية بلا محاكمة إلى إحياء فعل تعرض له أتباع عيسى بن مريم نشروا بالمناشير وصلبوا على الخشب…

فإن العافية تعطي فرصا للعمل هي التي تضاعف المسؤولية

لَحَا اللهُ مَلآن الفؤاد من المنى     إذا ما أتته فرصة لا يشمّر

تردد فيها حتّى فات طلابُها        فأصبح في إِدبارها يتدبّر

أيها الإخوة والأخوات

ما من مجلس يجلسه جمع من المسلمين إلاّ وله على أهله حق وهذا المجلس له حق قبل المجيء إليه وحق عند حضور أشغاله وحق بعد الانصراف منه.

فأما حقه قبل المجيء إليه فالاطلاع على الوثائق المعروضة وتأكيد الحضور إلاّ من عذر واستشعار المسؤولية بالعضوية فيه، وأما حقه أثناء انعقاده فهو متابعة الأشغال وحسن الإنصات وحسن الحديث ولين الجانب وصدق النية، وأما حقه بعد الانصراف منه فالعمل على تنزيل ما صدر عنه بحسب الوسع والإمكان.

إن من فضل الله تعالى علينا هذه الطريقة التي نعمل بها؛ فإننا نترك للمكتب التنفيذي أمورا ونجمع مجلس الشورى لأمور، وأمور لا بد من عرضها على الجمع العام.

أيها الإخوة والأخوات

إذا كانت أوضاع بلدنا عموما تتيح فرصة للدعوة وندعو الله تعالى أن تسير نحو الأحسن فإن هناك مدخلا يمكن أن تتضرر دعوتنا منه ولا يكون ذلك بسبب تقلب أوضاع البلد وإنما يكون بسبب أقوال وأفعال الحركة؛ فقد تكون الوضعية القانونية سليمة والمقرات مفتوحة والخطط والبرامج مستقرة وكل شيء من الناحية الخارجية طبيعي ولكن سمعة الحركة وشعبيتها تتراجع وحينئذ ماذا يفيد الترخيص القانوني أو وجود المقرات …؟

هذه السمعة وهذه الشعبية يبنيها أبناء الحركة كما أنهم هم من يهدمها.

لذلك ينبغي أن يُعلم بأن أبناء الحركة الإسلامية كلّهم أشخاص عموميون الواحد منهم رجلُ عامّة خاصةً إذا كان في موقع المسؤولية وأقواله المعلنة وأعماله الظاهرة لا تنفصل عن الحركة التي يمثلها ولو قال للناس إن الحركة شيء والعضو شيء آخر. وعندما يكون الرجل رجل عامة توسعت في حقه الممنوعات وصار مطالبا ليس باجتناب الحرام البين بل أيضا اجتناب الشبهات ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

وقد تكلم العلماء المتقدمون عن هذه الوضعية أو عن هذه الحالة التي نحن فيها:

قال علي بن أبي طالب: مروءة الرجل حيث يضع نفسه.

وقال ابن العربي: ضبط المروءة مما عسر على العلماء، والضابط أن لا يأتي أحدٌ منكم ما يتعذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل.

وقال بعض الشعراء:

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها             هوانا بها كانت على الناس أهونا

قال الماوردي في أدب الدنيا والدين: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبعد الخلق من الريب وأصونهم من التهم وقف مع صفية أم المؤمنين ذات ليلة على باب المسجد يحادثها وكان معتكفا؛ فمر به رجلان من الأنصار فلما رأياه أسرعا فقال لهما على رسلكما إنها صفية فقالا: سبحان الله أو فيك شك يا رسول الله؟ فقال مه إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى لحمه ودمه فخشيت أن يقذف في قلبكما سوءا قال الماوردي فكيف من تخالجت فيه الشكوك وتقابلت فيه الظنون. فهل يَعرَى في مواقف الريب من قادح ولائم فإذا استعمل الحزم وغلَّب الحذر وترك مواقف الريب ومضان التُّهم لم يختلج في نزاهته شك ولم يقدح في عرضه إفك …

على أن للمروءة وجه آخر وهو العفو عن الزلات والمسامحة في الحقوق فلا أحد مبرّء من السهو والزلل ولا أحد سلم من نقص أو خلل، قال بعض الحكماء لا تقطع أخاك إلا بعد العجز عن استصلاحه، وقال آخر: التثبت نصف العفو، وقال ثالث: دواء المودة كثرة التعاهد وقال رابع: الهفوة إن كان لها مدخل في التأويل فاحملها على أجمل تأويل. وقال خامس: شفيعُ المذنب إقرارُه وتوبتُه اعتذارُه.

قال الشاعر:

فَلَو كان سهما واحدا لاتقيته       ولكنه سهم وثان وثالث

فمسؤوليتنا حماية الموجود واسترجاع المفقود وتنمية العمل وتطويره كمّا وكيفا والحذر عليه من الأقوال والأفعال التي تضعف الشعبية وتخدش السمعة والله المستعان.

أيها الإخوة والأخوات

لا بد في آخر هذه الكلمة أن نقول أن اجتماع مجلس الشورى ليس مقصودا لذاته وإنما هو إحدى الوسائل المبلّغة للغاية؛ والغاية هي إنقاذ الناس من النار فإن أوّل ما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قال: أنقذوا أنفسكم من النار  فإنّي لا أغني عنكم من الله شيئا والله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)(التحريم 6)، وهنا نستحضر الإطفائي الذي يقوم بمهمة مزدوجة: يُخمد النيران وينقذ الناس ويخرجهم منها.

إن هذا الإطفائي يتم تأهيله بمعلومات نظرية وتداريب عملية ويُزوَّد بأدوات فيها لباس وخوذة وقناع وأدوات إطفاء أهمها الماء، فإذا شبّ حريق وحاصر الناسَ هل يكون هذا الإطفائي في إجازة أم يكون في استنفار وإذا احترق الناس واحترقت ممتلكاتهم بسبب تهاونه هل يترك أو يحاسب؟

إن الناس ينتظرون من الدعاة إلى الله أكبر مما ينتظره هؤلاء المحاصرون بالنيران وإننا نعلم أن الإسعاف في الحالات الحرجة يحسم الأمر بالثواني والدقائق.

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل هذه الجناذب والفراش يقعن فيها وهو يدبها عن النار وتأبى إلا الوقوع فيها يدفعها يميناً ويسارا وربما حبس بعضها وربما أفلتت أخرى ووقعت في النار فاحترقت لأنها ترى ضوءا وتتجه إليه لا تعلم أنها إذا اقتربت منه ستحرق قال عليه الصلاة والسلام: وأنا آخذ بحُجَزِكم عن النار وأنتم تتقحمون فيها.

لقد رأيت هذه الأيام بعض الفيديوهات عن النيران التي أحرقت مساحات واسعة من ولايات كاليفورنيا ورأيت صورا مُرعبة عن الناس وهم يستغيثون وينتظرون فرصا للنجاة ينتظرون هذا الإطفائي ليخمد النيران ويسمح لهم بالخروج إلى مكان آمن.

إن نيران الآخرة أشد من نيران الدنيا وإن أولياء الشيطان في كل زمان يوقدون هذه النيران ويزجون بالناس فيها. والدعاة إلى الله يطفئونها وينقذون الناس منها أفتراهم يجدون وقتا للدعة والراحة والمجرمون المخربون يوقدون ويؤججون.

أي النارين أولى بالإطفاء وأي الضّحايا أولى بالإنقاذ؟

والخلاصة: أننا أمام أمر لا يعين عليه إلا الله تعالى.

فاللهم أعنا على ما ولينا من هذه المسؤولية … واجعلنا سببا لهداية الناس وأنقذهم بِنَا من النار، اللهم أجرنا من النار. وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار.

والحمد لله رب العالمين.

افتتاحية تربوية لمجلس الشّورى المنعقد يومي 24 و 25 نونبر 2018

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،

أيها الإخوة الأعزاء والأخوات الفاضلات:

يلتئم جمعنا هذا وينعقد مجلسنا هذا في يوم من أيام شهر ربيع الأول، شهر المولد النبوي الشريف، فالذكرى تظللنا، والمناسبة تبسط أنفاسها على لقائنا وذلك أن سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم تؤصل لهذا اللقاء، لقد كان عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه وربّما سهر بالليل مع أبي بكر وعمر في أمر المسلمين وتعلّم منه أصحابُه أنه إذا كان في المسألة وحيٌ فهولا يتقدم عليه ولا يتأخر، وإذا لم يكن اجتهد للمسلمين وشاورهم وأخذ بما أشاروا به.

كانت المشاورة طبعا من طِباعه وخُلقا أصيلا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم وقد حصل من مشاورته لأصحابه من الأفكار الصالحة والآراء النافعة ما كان خيرا وبركة للمسلمين.

نجتمع في هذه الدورة الأولى لمجلس الشورى مستحضرين ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا الخلق، وإنا لنراه لهيبته وجلال قدره صلى الله عليه وسلم يجتمع مع أصحابه في المسجد أو في البيت أو في السفر أو في غيرها من الأماكن يعرض الأمر الذي يريد أن يشاور فيه ويفسح المجال لمن يريد أن يتكلم فينصت ويسدّد ويقارب ويعزم ويقرّر، وأهل مشورته هم أصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار الذين آمنوا به واتبعوه وتشرّفوا بمجالسته ومصاحبته كما قال تعالى عنهم: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(الشورى 38).

وترك صلى الله عليه وسلم بهذا هديا هو خير الهدي يُغلق الباب في وجه التحكم والاستبداد وفرضِ الرأي بالقوة وفي وجه الانتصارِ لمذهب فرعون.. (مَا أُرِيكُمُو إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمُو إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر 29).

وإننا لنرجو بالذي نفعل الآن أن نكون على أثره صلى الله عليه وسلم وأن نهتدي بهديه ونستنّ بسُنّته، بما يلائم عصرنا ويناسب زماننا، فالجوهر عندما نقدم أوراقا للمصادقة أو نعرض خططا للمناقشة ونتناوب على الكلام واحد، والمظهر بيننا وبين أولئك الصحابة بالتأكيد يختلف؛ لكن العبرة بالجوهر لا بالمظهر ولو فرضنا أنّ هذا النبي الكريم دخل علينا ورأى ما نفعل وسألناه وصيّة أو نصيحة ما زاد على ما كان يقول للأمة عندما كان حيّا بين أظهرها؛ لقد كان يأمر المسلمين بالألفة وينهاهم عن الفرقة، ويوصيهم بالتحابب والتراحم والتعاطف وينهاهم عن التباغض والتنافر والتقاتل وَمِمَّا يحقّق ذلك أن يتشاوروا فيما بينهم في كل ما هو مشترك…

أيها الإخوة والأخوات

بما أن الذكرى التي تحف مجلسنا هي ذكرى المولد النبوي وهي ذكرى تحيلنا على سيرة غنية بالدروس فإننا نستدعي من هذه السيرة في هذا المقام منهجا كان عليه الصلاة والسلام يستعمله مع أصحابه لحضهم على المزيد من الحزم والاجتهاد وهذا المنهج تعلّمه صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم لأن الله تعالى عامله به. فهذه سورة الضحى وسورة الشرح كل منهما تخاطبه وحده؛ ففي سورة الضحى قال عز وجل له: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) (الضحى 6 - 8) وفِي سورة الشرح قال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح 1 – 4).

فلنتأمل هذه الصيغة الاستفهامية المبدوءة بقوله تعالى ألم ألم مما لا يسع المخاطَب إلا أن يقول بلى بلى.

 وبعد أن ذكره بنعمة الله عليه قال له سبحانه في سورة الضحى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)(الضحى 9 - 11). وفِي سورة الشرح قال له: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)(الشرح 7 – 8).

نحن بحاجة إلى تطبيق هذا المنهج القرآني النبوي لنعلم عِظم المسؤولية التي في رقابنا.

الله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم وهذه نعمة، وجعلنا من بني آدم وهذه أعظم من الأولى، وجعلنا في بني آدم من المسلمين وهذه أعظم من الثانية، وتفرّعت عن هذه النعم الثلاثة نعم كثيرة لا نحصيها.

ألم يكن أحدنا في بادئ الأمر من عموم المسلمين فشرح الله تعالى صدره للإيمان وأقبل على نفسه فأصلحها وأقبل على إسلامه فحسّنه بالعلم والعمل وصار شيئا فشيئا يتميّز بين المسلمين.

ألم يكن في بادئ الأمر غافلا عن أمر الدعوة حتى هيّأ الله تعالى له مَن أعانه على الانخراط في سلكها والهجرة إلى مواقعها وثغورها وارتقت روحه فقدمها على غيرها.

الم نكن جميعا مبتدئين في طريق الدعوة فصارت لنا بعد خبرة واجتمعت لنا تجربة وهذا المجلس ثمرة من ثمراتها.

ما منا من أحد إلا وهو اليوم في وظيفة أو مهمة أو عمل لم يكن فيه… ناهيك عن الاستقرار العائلي والمهني والتقدير الاجتماعي وسائر ما يطمح إليه الناس ويسعون للوصول إليه.

لنقرأ سورة الضحى وسورة الشرح في ضوء هذا لنعلم أن المسؤولية على قدر النعمة.

فليس الغني كالفقير، وليس الوجيه كالحقير، وليس العالم كالجاهل وليس الصحيح كالمريض وليس البصير كالكفيف، وليس الذي أطال الله عمره كالذي مات صغيرا وليس الآمن كالخائف، وليس المستوطن كالمشرد، وليس الحر كالسجين وقس على هذا.

فالناس يتفاضلون في النعم فتختلف محاسبتهم يوم القيامة فإذا تركنا أنفسنا ونظرنا إلى الوطن الذي نعيش فيه ونعمل فيه عظمت النعمة فعظمت المسؤولية فقد اختار الله تعالى لنا وطنا له مميزاته بين الأقطار جغرافيا وتاريخا وسكانا مما يعين على مهمتنا.

عقدنا مؤتمرا عاما مرت أشغاله في ظروف حسنة وخرجنا منه برئيس ومكتب تنفيذي ومجلس شورى وهو الآن يعقد أولى لقاءاته لا يشغلنا فيه إلا جدول أعماله بينما يجري في أقطار أخرى ما نعلمه جميعا حتى تجاوز الأمر في بعضها الاعتقالات التعسفية بلا محاكمة إلى إحياء فعل تعرض له أتباع عيسى بن مريم نشروا بالمناشير وصلبوا على الخشب…

فإن العافية تعطي فرصا للعمل هي التي تضاعف المسؤولية

لَحَا اللهُ مَلآن الفؤاد من المنى     إذا ما أتته فرصة لا يشمّر

تردد فيها حتّى فات طلابُها        فأصبح في إِدبارها يتدبّر

أيها الإخوة والأخوات

ما من مجلس يجلسه جمع من المسلمين إلاّ وله على أهله حق وهذا المجلس له حق قبل المجيء إليه وحق عند حضور أشغاله وحق بعد الانصراف منه.

فأما حقه قبل المجيء إليه فالاطلاع على الوثائق المعروضة وتأكيد الحضور إلاّ من عذر واستشعار المسؤولية بالعضوية فيه، وأما حقه أثناء انعقاده فهو متابعة الأشغال وحسن الإنصات وحسن الحديث ولين الجانب وصدق النية، وأما حقه بعد الانصراف منه فالعمل على تنزيل ما صدر عنه بحسب الوسع والإمكان.

إن من فضل الله تعالى علينا هذه الطريقة التي نعمل بها؛ فإننا نترك للمكتب التنفيذي أمورا ونجمع مجلس الشورى لأمور، وأمور لا بد من عرضها على الجمع العام.

أيها الإخوة والأخوات

إذا كانت أوضاع بلدنا عموما تتيح فرصة للدعوة وندعو الله تعالى أن تسير نحو الأحسن فإن هناك مدخلا يمكن أن تتضرر دعوتنا منه ولا يكون ذلك بسبب تقلب أوضاع البلد وإنما يكون بسبب أقوال وأفعال الحركة؛ فقد تكون الوضعية القانونية سليمة والمقرات مفتوحة والخطط والبرامج مستقرة وكل شيء من الناحية الخارجية طبيعي ولكن سمعة الحركة وشعبيتها تتراجع وحينئذ ماذا يفيد الترخيص القانوني أو وجود المقرات …؟

هذه السمعة وهذه الشعبية يبنيها أبناء الحركة كما أنهم هم من يهدمها.

لذلك ينبغي أن يُعلم بأن أبناء الحركة الإسلامية كلّهم أشخاص عموميون الواحد منهم رجلُ عامّة خاصةً إذا كان في موقع المسؤولية وأقواله المعلنة وأعماله الظاهرة لا تنفصل عن الحركة التي يمثلها ولو قال للناس إن الحركة شيء والعضو شيء آخر. وعندما يكون الرجل رجل عامة توسعت في حقه الممنوعات وصار مطالبا ليس باجتناب الحرام البين بل أيضا اجتناب الشبهات ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

وقد تكلم العلماء المتقدمون عن هذه الوضعية أو عن هذه الحالة التي نحن فيها:

قال علي بن أبي طالب: مروءة الرجل حيث يضع نفسه.

وقال ابن العربي: ضبط المروءة مما عسر على العلماء، والضابط أن لا يأتي أحدٌ منكم ما يتعذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل.

وقال بعض الشعراء:

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها             هوانا بها كانت على الناس أهونا

قال الماوردي في أدب الدنيا والدين: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبعد الخلق من الريب وأصونهم من التهم وقف مع صفية أم المؤمنين ذات ليلة على باب المسجد يحادثها وكان معتكفا؛ فمر به رجلان من الأنصار فلما رأياه أسرعا فقال لهما على رسلكما إنها صفية فقالا: سبحان الله أو فيك شك يا رسول الله؟ فقال مه إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى لحمه ودمه فخشيت أن يقذف في قلبكما سوءا قال الماوردي فكيف من تخالجت فيه الشكوك وتقابلت فيه الظنون. فهل يَعرَى في مواقف الريب من قادح ولائم فإذا استعمل الحزم وغلَّب الحذر وترك مواقف الريب ومضان التُّهم لم يختلج في نزاهته شك ولم يقدح في عرضه إفك …

على أن للمروءة وجه آخر وهو العفو عن الزلات والمسامحة في الحقوق فلا أحد مبرّء من السهو والزلل ولا أحد سلم من نقص أو خلل، قال بعض الحكماء لا تقطع أخاك إلا بعد العجز عن استصلاحه، وقال آخر: التثبت نصف العفو، وقال ثالث: دواء المودة كثرة التعاهد وقال رابع: الهفوة إن كان لها مدخل في التأويل فاحملها على أجمل تأويل. وقال خامس: شفيعُ المذنب إقرارُه وتوبتُه اعتذارُه.

قال الشاعر:

فَلَو كان سهما واحدا لاتقيته       ولكنه سهم وثان وثالث

فمسؤوليتنا حماية الموجود واسترجاع المفقود وتنمية العمل وتطويره كمّا وكيفا والحذر عليه من الأقوال والأفعال التي تضعف الشعبية وتخدش السمعة والله المستعان.

أيها الإخوة والأخوات

لا بد في آخر هذه الكلمة أن نقول أن اجتماع مجلس الشورى ليس مقصودا لذاته وإنما هو إحدى الوسائل المبلّغة للغاية؛ والغاية هي إنقاذ الناس من النار فإن أوّل ما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قال: أنقذوا أنفسكم من النار  فإنّي لا أغني عنكم من الله شيئا والله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)(التحريم 6)، وهنا نستحضر الإطفائي الذي يقوم بمهمة مزدوجة: يُخمد النيران وينقذ الناس ويخرجهم منها.

إن هذا الإطفائي يتم تأهيله بمعلومات نظرية وتداريب عملية ويُزوَّد بأدوات فيها لباس وخوذة وقناع وأدوات إطفاء أهمها الماء، فإذا شبّ حريق وحاصر الناسَ هل يكون هذا الإطفائي في إجازة أم يكون في استنفار وإذا احترق الناس واحترقت ممتلكاتهم بسبب تهاونه هل يترك أو يحاسب؟

إن الناس ينتظرون من الدعاة إلى الله أكبر مما ينتظره هؤلاء المحاصرون بالنيران وإننا نعلم أن الإسعاف في الحالات الحرجة يحسم الأمر بالثواني والدقائق.

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل هذه الجناذب والفراش يقعن فيها وهو يدبها عن النار وتأبى إلا الوقوع فيها يدفعها يميناً ويسارا وربما حبس بعضها وربما أفلتت أخرى ووقعت في النار فاحترقت لأنها ترى ضوءا وتتجه إليه لا تعلم أنها إذا اقتربت منه ستحرق قال عليه الصلاة والسلام: وأنا آخذ بحُجَزِكم عن النار وأنتم تتقحمون فيها.

لقد رأيت هذه الأيام بعض الفيديوهات عن النيران التي أحرقت مساحات واسعة من ولايات كاليفورنيا ورأيت صورا مُرعبة عن الناس وهم يستغيثون وينتظرون فرصا للنجاة ينتظرون هذا الإطفائي ليخمد النيران ويسمح لهم بالخروج إلى مكان آمن.

إن نيران الآخرة أشد من نيران الدنيا وإن أولياء الشيطان في كل زمان يوقدون هذه النيران ويزجون بالناس فيها. والدعاة إلى الله يطفئونها وينقذون الناس منها أفتراهم يجدون وقتا للدعة والراحة والمجرمون المخربون يوقدون ويؤججون.

أي النارين أولى بالإطفاء وأي الضّحايا أولى بالإنقاذ؟

والخلاصة: أننا أمام أمر لا يعين عليه إلا الله تعالى.

فاللهم أعنا على ما ولينا من هذه المسؤولية … واجعلنا سببا لهداية الناس وأنقذهم بِنَا من النار، اللهم أجرنا من النار. وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار.

والحمد لله رب العالمين.

د. محمّد عز الدّين توفيق

افتتاحية تربوية لمجلس الشّورى المنعقد يومي 24 و 25 نونبر 2018

بدعوة من منتدى باريس للفكر النقدي، ساهم المفكر الإسلامي محمد طلابي بمحاضرتين في إطار دورة تكوينية " في موضوع "طرائق التفكير السليم عند المسلم الأوربي"، نظمها المنتدى لفائدة 40 إطارا مسلما فاعلا في المجتمع المدني في الاتحاد الأوربي، إلى جانب الفقيه الأصولي نورد الدين خادمي وزير الأوقاف التونسي الأسبق، وذلك أيام 23 و 24 نونبر 2018.

وهكذا أطر طلابي المحاضرة الأولى في موضوع " قواعد التفكير السليم عند المسلم"، ركز فيها المحاضر بالأساس على عدد من القواعد اللازم حضورها أثناء عملية التفكر والتدبر:

tallabi

1 – الوعي بالوعاء الإيديولوجي لطرائق التفكير عند الشخص، فالوعي يساعد على التصويب والإصلاح لتتلك المفاهيم والقيم التي من خلالها يفكر.

2 – تصحيح وترشيد الجهاز المفاهيمي للتفكير، لكيلا تنتج فكرا أعوج وممارسة عوجاء.

3 – القدرة على استخلاص كليات عامة من جزئيات الظواهر، باعتبارها سننا تحكمها وتسهل عملية التفكير لها.

4 – الدربة والتمرن على طرح السؤال المنتج باعتباره مدخلا لاستنطاق كوامن الظواهر، فالعلم أقفال مفاتيحها السؤال.

5 – ودعا إلى أهمية التركيب بين الجهاز المفاهيمي المستنير من تراثنا والجهاز المفاهيمي المستنير من تراث الحداثة تحت إشراف الجهاز المفاهيمي القرآني.

tallabi2

وفي نفس الإطار ألقى الأستاذ طلابي محاضرة تحت عنوان "أهمية المصادقة بين روح الدين وروح العصر"، أكد فيها على أن عصرنا تحكمه سنن، ويتطلب منا معرفة تلك السنن التي على أساسها تصاغ غايات النهوض الحضاري لأمتنا، لكن ذلك غير كاف إلا بإدراك سنن الوحي وغايات النص القرآني، والعمل على التوليف المجدي والمثمر بين غايات العمل الحضاري لعصرنا وغايات النص القرآني العابرة للعصور.

الإصلاح