الإثنين, 04 حزيران/يونيو 2018 09:59

معركة بدر.. فاتحة عهد جديد (2)

عهد جديد من الهداية والرحمة والنصر الذي خص به الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين من أصحابه، وأيدهم بمدده وتمكينه، فكانت بدر أولى المعارك التي خاضها النبي الكريم وصحبه ضد المشركين وأعداء الدين. وكانت معركة فرقان فَرَّق الله بها الحق عن الباطل، فكانت نقطة تحول كبرى في مسيرة الدعوة الإسلامية وبداية لانتشارها في شتى أصقاع العالم.

الوصف القرآنيُّ لمواقع المسلمين والمشركين في بدر:

وصف الله سبحانه وتعالى حالة المسلمين والمشركين في بدر بقوله: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].

هذه الآية الكريمة توضِّح الأماكن في غزوة بدرٍ، كما صوَّر لنا الله عز وجل حالة الجيشان يوم اللقاء، وفي الآية تصوير ما دبَّر سبحانه من أمر غزوة بدرٍ، ليقضي أمرًا كان مفعولاً؛ من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطَّائفتين، مبهمةً غير مبينةٍ، حتَّى خرجوا؛ ليأخذوا العير راغبين في الخروج، وأقلق قريشًا ما بلغهم من تعرُّض المسلمين لأموالهم، فنفروا؛ ليمنعوا عِيرَهم، وسبَّب الأسباب حتَّى أناخ هؤلاء بالعدوة الدُّنيا، وهؤلاء بالعدوة القصوى، وراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساقٍ، وكان ما كان.

النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في ساحات بدر:

بعد نزول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه، على أدنى ماء بدرٍ من المشركين؛ اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء عريشٍ له؛ يكون مقرّاً لقيادته، ويأمن فيه من العدوِّ. فأثنى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخيرٍ، ثمَّ بنى المسلمون العريش لرسول الله على تلٍّ مشرفٍ على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر رضي الله عنه، وكانت ثُلَّةٌ من شباب الأنصار، بقيادة سعد بن معاذٍ، يحرسون عريشه الشريف. ويُستفاد من بناء العريش أمورٌ؛ منها، وهو وجود مقر قيادة للإشراف على أرض المعركة، وأن يكون للقائد قوَّةٌ احتياطيَّةٌ أخرى، تعوِّض الخسائر الَّتي قد تحدث في المعركة.

ابتكر الرَّسول صلى الله عليه وسلم في قتاله مع المشركين يوم بدرٍ أسلوبًا جديدًا في مقاتلة أعداء الله تعالى، لم يكن معروفًا من قبل؛ حيث قاتل صلى الله عليه وسلم بنظام الصُّفوف، وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]. وصفة هذا الأسلوب: أن يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصَّلاة، وكان من فوائد هذا الأسلوب إرهاب العدو وترتيب النظام العسكري عند المسلمين.

وتحدَّث ابن خلدون عن الأساليب القتاليَّة الَّتي استحدثها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في معركة بدر وما تلاها، والَّتي لم يكن للعرب عهدٌ بها، فقال مشيرًا إلى ذلك: «وكان أسلوب الحرب أوَّل الإسلام كلُّه زحفًا، وكان العرب إنما يعرفون الكرَّ والفرَّ..». وكان من أسلحة النبي الروحية الدعاء في كل مراحل المعركة. وفي رواية ابن عباسٍ: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ: «اللَّهمَّ أنشُدُكَ عَهْدَكَ، ووعدك! اللَّهُمَّ إن شئتَ لم تُعْبَدْ» فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك، فخرج صلى الله عليه وسلم؛ وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ*}.

وبذلك أخذ الرَّسول صلى الله عليه وسلم بالأسباب المادِّيَّة، والمعنويَّة، وتوكَّل على الله، فكان النَّصر والتَّأييد من الله تعالى؛ فقد اجتمع في بدرٍ الأخذ بالأسباب بالقَدْرِ الممكن، مع التَّوفيق الرَّبَّانيِّ في تهيئة جميع أسباب النَّصر متعاونةً. ففي عالم الأسباب تشكِّل دراسة الأرض، والطَّقس، ووجود القيادة والثِّقة بها، والرُّوح المعنويَّةَ لبِناتٍ أساسيةً في صحَّة القرار العسكريِّ. ولقد كانت الأرض لمصلحة المسلمين، وكان الطَّقس مناسبًا للمعركة، والقيادة الرَّفيعة موجودةً، والثِّقة بها كبيرة، والرُّوح المعنويَّة مرتفعة. فأخذ المسلمون الاستقامة على أمر الله، وأخذوا بالأسباب.

نشوب القتال وهزيمة المشركين

اندلع القتال بين المسلمين والمشركين بالمبارزات الفرديَّة، فخرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد، وطلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثةٌ من الأنصار؛ ولكنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم أرجعهم؛ لأنَّه أحبَّ أن يبارزهم بعض أهله، وذوي قرباه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «قم يا عُبيدة بن الحارث! وقم يا حمزة! وقم يا علي!» وبارز حمزةُ شيبةَ، فقتله، وبارز عليٌّ الوليدَ، وقتله، وبارز عبيدةُ بن الحارث عتبةَ، فضرب كلُّ واحدٍ منهما الآخر بضربةٍ موجعةٍ، فكرَّ حمزة، وعليٌّ على عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة، وأتيا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ما لبث أن اسْتُشهد متأثراً بجراحه.

ووجه الحكمة، واللُّطف بالمسلمين في هذا التَّقليل، هو أنَّ إراءة المسلمين عدد الكافرين قليلاً ثبَّتهم، ونشَّطهم، وجرآهم على قتال المشركين، ونزع الخوف من قلوب المسلمين من أعدائهم. وكذلك المدد بالملائكة، وقد يسأل سائل: ما الحكمة في إمداد المسلمين بالملائكة لدحر جيش قريش؟

أجاب الأستاذ عبد الكريم زيدان على ذلك، فقال: لقد مضت سنَّة الله بتدافع الحقِّ، وأهله مع الباطل وأهله، وأنَّ الغلبة تكون وَفْقًا لسنن الله في الغلبة والانتصار، وأنَّ هذا التَّدافع يقع في الأصل بين أهل الجانبين: الحقِّ والباطل، ومن ثمرات التمسُّك بالحقِّ، والقيام بمتطلَّباته أن يحصلوا على عونٍ، وتأييد من الله تعالى بأشكالٍ وأنواعٍ متعدِّدة من التأييد، ولكن تبقى المدافعة، والتدافع يجريان وَفْقًا لسنن الله فيهما، وفي نتيجة هذا التَّدافع، فالجهة الأقوى بكلِّ معاني القوَّة اللازمة للغلبة هي الَّتي تغلب، فالإمداد بالملائكة هو بعض ثمرات إيمان تلك العصبة المجاهدة، ذلك الإمداد الَّذي تحقَّق به ما يستلزم الغلبة على العدوِّ، ولكن بقيت الغلبة موقوفةً على ما قدَّمه أولئك المؤمنون في قتالٍ، ومباشرة لأعمال القتال، واستدامة توكُّلهم على الله، واعتمادهم عليه، وثقتهم به، وهذه معانٍ جعلها الله حسب سننه في الحياة أسباباً للغلبة، والنَّصر مع الأسباب الأخرى المادِّية؛ مثل العُدَّة، والعَدد، والاستعداد للحرب، وتعلُّم فنونها ... إلخ،.

الخلاف في الأنفال والأسرى

بعد الانتصار في بدر، قال الَّذين جمعوا الغنائم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن حَوَيَنْاها، وجمعناها؛ فليس لأحدٍ فيها نصيبٌ، وقال الَّذين خرجوا في طلب العدوِّ: لستم بأحقَّ بها منَّا؛ نحن نَفَيْنا عنها العدوَّ، وهزمناهم، وقال الَّذين أحدقوا برسول الله (ص) : لستم بأحقَّ بها مِنَّا؛ نحن أحدقنا برسول الله (ص)، وخِفنا أن يصيب العدوُّ منه غرَّةً، واشتغلنا به؛ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*} [الأنفال: 1].

إذًا خلَّد الله سبحانه وتعالى غزوة بدرٍ في سورة الأنفال، وجاءت مفصلةً عن أحداثها وأسبابها، ونتائجها، وتعرَّضت الآيات الكريمة لعلاج النَّفس البشريَّة، وتربيتها على معاني الإيمان العميق، والتَّكوين الدَّقيق، فبدأت السُّورة بتبيان حكم أثـرٍ من آثار القتال، وهو الغنائـم، فبيَّنت: أنَّ هـذه الغنائـم لله، والرَّسول فالله هو مالـك كلِّ شيءٍ، ورسوله (ص) هو خليفتهُ، ثمَّ أمر الله المؤمنين ثلاثة أوامر: بالتَّقوى، وإصلاح ذات البين، والطَّاعة لله والرَّسول (ص). وتلك الآيات وضعت قاعدةً هامَّةً في بناء الدَّولة حينما تكون في مرحلة التَّكوين، وفي سبيل هذه الكلِّيَّة يُطرح الاهتمام بالجزئيَّات حتَّى ولو كانت الحاجة ملحةً إليها.

كما كانت معاملة النَّبيِّ (ص) للأسرى تحفُّها الرَّحمة، والعدل، والحزم، والأهداف الدَّعوية؛ ولذلك تعدَّدت أساليبه، وتنوَّعت طرق تعامله (ص)، فهناك من قتله، وبعضهم قبل فيهم الفداء، والبعض الآخر منَّ عليهم، وآخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين مقابل المنِّ عليهم.  وكان لا بد من الحزم مع مجرمي الحرب، ورؤوس الفتنة؛ من أمثال: عُقبة بن أبي مُعَيْط، والنَّضر بن الحارث، فقد كانا من أكبر دُعاة الحرب ضدَّ الإسلام، والمتربِّصين بالمسلمين الدَّوائر، فبقاؤهما يُعَدُّ مصدرَ خطرٍ كبيرٍ على الإسلام، فَقَتْلُهُمَا في هذا الظَّرف ضرورةٌ تقتضيها المصلحة العامَّة لدعوة الإسلام الفتيَّة، لذلك أمر رسول الله (ص) بِقَتْلِهما أثناء رجوعه للمدينة.

نتائج غزوة بدرٍ

قويت شوكة المسلمين، وأصبحوا مرهوبين بين قبائل الجزيرة العربية كلها، وتعزَّزت مكانة الرَّسول (ص) في المدينة، وارتفع نجم الإسلام فيها، ولم يعد المتشكِّكون في الدَّعوة الجديدة، والمشركون في المدينة يتجرَّؤون على إظهار كفرهم، وعداوتهم للإسلام؛ لذا ظهر النِّفاق، والمكر، والخداع، فأعلنوا إسلامهم ظاهرًا أمام النَّبيِّ (ص) وأصحابه. وازدادت ثقة المسلمين بالله تعالى وبرسوله الكريم (ص). ودخل عددٍ كبيرٍ من مشركي قريشٍ في الإسلام، وقد ساعد ذلك على رفع معنويات المسلمين الَّذين كانوا لا يزالون في مكَّة، فاغتبطت نفوسهم بنصر الله، واطمأنَّت قلوبهم إلى أن يوم الفرج قريب، فازدادوا إيمانًا على إيمانهم، وثباتًا على عقيدتهم.

كسب المسلمون مهارةً عسكريَّةً، وأساليبَ جديدةً في الحرب، وشهرةً واسعةً داخل الجزيرة العربيَّة، وخارجها. أمَّا قريش، فكانت خسارتها فادحةً، فإضافةً إلى أنَّ مقتل أبي جهل بن هشام، وأميَّة بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وغيرِهم من زعماء الكفر؛ الَّذين كانوا من أشد القرشيِّين شجاعةً، وقوةً، وبأسًا لم يكن خسارةً حربيَّةً لقريشٍ فحسب، بل كان خسارةً معنويَّةً أيضًا؛ ذلك: أنَّ المدينة لم تعد تُهَدِّدُ تجارتَها فقط، بل أصبحت تهدِّد أيضًا سيادتها ونفوذها في الحجاز كلِّه.

دروس وعبر وفوائد من غزوة بدر:

- حقيقة النَّصر من الله تعالى:

إنَّ حقيقة النَّصر في بدرٍ كان من الله تعالى، فقد بيَّن ـ سبحانه وتعالى ـ: أنَّ النَّصر لا يكون إلا من عند الله تعالى في قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ*} [آل عمران: 126].

يوم الفرقان:

سُمِّيَ يومُ بدرٍ يومَ الفرقان، ولهذه التَّسمية أهمِّيَّةٌ عظيمةٌ في حياة المسلمين، وقد تحدَّث الأستاذ سيِّد قطب، عن وصف الله تعالى ليوم بدرٍ بأنه يوم الفرقان، في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *} [الأنفال: 41]. فقال: لقد كانت غزوة بدر الَّتي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده فرقانًا بين الحقِّ والباطل. فهذا الفرقان الكبير كان فرقانًا بين عهدٍ الدعوة الإسلاميَّة، عهد المصابرة والصَّبر، والتَّجمُّع والانتظار، وعهد القوَّة والحركة والاندفاع، والإسلام بوصفه تصويرًا جديدًا للحياة، ومنهجًا جديدًا للوجود الإنسانيِّ، ونظامًا جديدًا للمجتمع، بوصفه إعلانًا عامًّا لتحرير الإنسان في الأرض؛ بتقرير ألوهيَّة الله وحده وحاكميته، ومطاردة الطواغيت، الَّتي تغتصب ألوهيته.

الولاء والبراء من فقه الإيمان:

رسمت غزوة بدر لأجيال الأمَّة صورًا مشرقًة في الولاء والبراء، وفيها تجسَّدت هذه المعاني، فعاشها الصَّحابة واقعًا، وفيها تهاوت القيم الجاهليَّة، فالتقى الابن بأبيه والأخ بأخيه:

كان أبو بكر الصِّدِّيق في صفِّ المسلمين، وكان ابنه عبد الرَّحمن في صفِّ المشركين.

 كان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين وأخوه أبو عزيز بن عمير في صفِّ المشركين، ثمَّ وقع أسيرًا في يد أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاريِّ: شُدَّ يدك به؛ فإنَّ أمَّه ذاتُ متاع، فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصيَّتك بي؟ فقال مصعب: إنَّه أخي دونك.

كان شعار المسلمين في بدرٍ: (أحَد.. أحَد) وهذا يعني: أنَّ القتال في سبيل عقيدةٍ تتمثَّل بالعبوديَّة للإله الواحد، فلا العصبيَّة، ولا القبلية، ولا الثأر، هو الباعث والمحرِّك؛ إنما الإيمان بالله وحدَه.

الحرب الإعلاميَّة في بدرٍ:

قال حسَّان بن ثابت رضي الله عنه:

فَمَا نَخْشَى بِحَوْل اللهِ قَوْماً           وَإِنْ كَثُرُوا وأَجْمَعَتِ الزُّحُوفُ

إِذَا ما ألبسُوا جَمْعاً عَلَيْنَا             كَفَانَا حدَّهُمْ رَبٌّ رَؤُوفُ

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:

وما حَامَتْ فَوَارِسُكُمْ بِبَدْرٍ            ولا صَبَرُوا بِهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ

فلا تَعْجَلْ أَبَا سُفْيَانَ وارْقُبْ          جِيَادَ الخَيْلِ تَطْلُعُ من كَدَاءِ

بِنَصْرِ الله رُوْحُ القُدْسِ فِيْهَا          وَمِيْكَالٌ، فَيَا طِيْبَ المَلاءِ

فكان الشِّعر يمثِّل الحملات الإعلاميَّة المؤثِّرة في دنيا العرب، فيرفع أقوامًا، ويخفض آخرين، ويُشْعِل الحروب، ويُطْفِئها.

وهكذا كانت بدر معركة الفرقان وفاتحة لعهد جديد مليء بالانتصارات اتسعت فيه الدولة الإسلامية في عهد النبي وخلفائه الراشدين ولتصل في عهد بني أمية إلى حدود الصين وأطراف فرنسا، وكانت بدر حافزا للانطلاق نحو الفتح والتمكين.

.............................................................

مراجع المقال:

ابن خلدون، المقدِّمة، ص 273.

أحمد أبو الشباب، مقومات النَّصر، 2/154.

تفسير الفخر الرَّازي، 15/133.

تفسير القرطبيِّ،7/327.

صالح بن عبد الله بن عبد الحميد، موسوعة نضرة النَّعيم في مكارم أخلاق الرَّسول الكريم (ص)، 1/291.

علي محمد الصلابي، السيرة النبوية دروس وعبر، دار ابن كثير، بيروت، ص. ص 553 – 590.

محمد آل عابد، حديث القرآن عن غزوات الرَّسول صلى الله عليه وسلم، 1/91.

محمود خطاب، غزوة بدرٍ الكبرى الحاسمة، ص 23 - 24.

محمود محفوظ، المدخل إلى العقيدة والاستراتيجيَّة العسكريَّة، ص 121

السبت, 02 حزيران/يونيو 2018 14:43

معركة بدر.. فاتحة عهد جديد (1)

في شهر رمضان المبارك كانت أولى انتصارات المسلمين بقيادة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فبعد أن استقرت دولة المسلمين في المدينة المنورة بات من الضروري أن يوسعوا نطاق الدعوة لخارج حدود المدينة. وكانت البداية حين بلغ المسلمون تحرُّكُ قافلةٍ تجاريَّةٍ كبيرةٍ من الشَّام، تحمل أموالًا عظيمة لقريش، يقودها أبو سفيان، ويقوم على حراستها بين ثلاثين، وأربعين رجلاً، فأرسل الرَّسول صلى الله عليه وسلم بَسْبَسَ بنَ عمرو؛ لجمع المعلومات عن القافلة، فلَّما عاد بَسْبَسُ بالخبر اليقين، ندب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج، وقال لهم: «هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها؛ لعلَّ الله يُنْفِلُكُموها». وكان خروجه من المدينة في اليوم الثاني عشر، من شهر رمضان المبارك، من السَّنة الثانية للهجرة، ومن المؤكَّد: أنَّه حين خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة، لم يكن في نيَّته قتالٌ؛ وإنَّما كان قصده عِيرَ قريش، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكَّة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدوِّ، ودماؤهم مباحةً، فكيف إذا علمنا: أنَّ جزءًا من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشيَّة، كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكَّة، قد استولى عليها المشركون ظلماً، وعدوانًا.

أرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم اثنين من أصحابه إلى بدرٍ طليعةً، للتَّعرُّف على أخبار القافلة فرجعا إليه بخبرها: وقد حصل خلاف بين المصادر الصَّحيحة حول عدد الصَّحابة، الذين رافقوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في غزوته هذه إلى بدرٍ، ففي حين جعلهم البخاري «بضعة عشر وثلاثمئةٍ». يذكر مسلمٌ: أنَّهم كانوا «ثلاثمئةٍ وتسعة عَشَرَ رجلاً»، في حين ذكرت المصادر أسماء ثلاثمئةٍ وأربعين من الصَّحابة البدريين.

كانت قوَّات المسلمين في بدرٍ، لا تمثِّل القدرة العسكريَّة القصوى للدَّولة الإسلاميَّة؛ ذلك: أنَّهم إنَّما خرجوا لاعتراض قافلةٍ، واحتوائها، ولم يكونوا يعلمون: أنَّهم سوف يواجهون قوَّات قريشٍ، وأحلافها مجتمعةً للحرب، والَّتي بلغ تعدادها ألفاً، معهم مئتا فرسٍ، يقودونها إلى جانب جمالهم، ومعهم القِيانُ يضربن بالدُّفوف، ويغنِّين بهجاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في حين لم يكن مع القوات الإسلاميَّة من الخيل إلا فَرَسَانِ، وكان معهم سبعون بعيراً يتعاقبون ركوبَها.

أولًا: بعض الحوادث أثناء المسير إلى بدر

حدثت بعض الحوادث في أثناء مسير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فيها من العِبَرِ والمواعظ الشَّيءُ الكثير:

إرجاع البَرَاء بن عازبٍ وابن عمر لصغرهما: وبعد خروج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة في طريقهم إلى ملاقاة عِير أبي سفيان وصلوا إلى (بيوت السُّقيا) خارج المدينة، فعسكر فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، واستعرض صلى الله عليه وسلم مَنْ خرج معه، فردَّ مَنْ ليس له قدرةٌ على المُضِيِّ مع جيش المسلمين، وملاقاة مَنْ يُحتَمَل نشوبُ قتالٍ معهم، فردَّ على هذا الأساس البَرَاء بن عازب، وعبد الله بن عمر؛ لصغرهما، وكانا قد خرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم راغبين، وعازمَيْنِ على الاشتراك في الجهاد.

"فارجعْ فلن أستعينَ بمشركٍ": عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بدرٍ، فلمَّا كان بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ، أَدْركهُ رَجُلٌ، قد كان يُذْكرُ منه جُرْأَةٌ، ونَجْدةٌ؛ ففرِحَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رَأوْهُ، فلمَّا أدْرَكَهُ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتُ لأتَّبِعَكَ، وأُصيبَ معَكَ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تؤمنُ بالله ورَسُولِهِ؟» قال: لا، قال: «فارجعْ؛ فلن أستعينَ بمشركٍ». قالت: ثمَّ مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كما قال أوَّل مرَّةٍ، ثمَّ رجع، فأدركه بالبَيْدَاءِ، فقال له كما قال أوَّل مرَّة: «تؤمنُ بالله ورسوله؟» قال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فانْطَلِقْ».

مشاركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أصحابه في الصِّعاب؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنَّا يوم بدرٍ كلُّ ثلاثة على بعيرٍ، وكان أبو لُبَابَةَ، وعليُّ بن أبي طالبٍ زميلَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكانت عُقبَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقالا: نحن نمشي عنك، فقال: «ما أنتما بأقوى منِّي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما».

ثانيًا: قرار لقاء المسلمين ببدر:

بلغ أبا سفيان خبرُ مسير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بأصحابه من المدينة، بقصد اعتراض قافلته، واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق السَّاحل، في الوقت نفسه أرسل ضَمْضَمَ بن عمرو الغِفَاريَّ إلى قريشٍ يستنفرها؛ لإنقاذ قافلتها، وأموالها، فقد كان أبو سفيان يَقِظًا حَذرًا، يتلقَّط أخبار المسلمين، ويسأل عن تحرُّكاتهم، بل يتحسَّس أخبارهم بنفسه، فقد تقدَّم إلى بدرٍ بنفسه. وقد استطاع أن يعرف تحرُّكات عدوه، حتَّى خبر السَّريَّة المسلمة التي استطلعت المكان عن طريق غذاء دوابِّها، بفحصه البعر الَّذي خلَّفته الإبل؛ إذ عرف أنَّ الرَّجلين من المدينة؛ أي: من المسلمين، وبالتَّالي فقافلته في خطرٍ، فأرسل ضَمْضَمَ بنَ عمرٍو، إلى قريشٍ، وغيَّر طريق القافلة، واتَّجه نحو ساحل البحر.

كان وقع خبر القافلة شديدًا على قريشٍ؛ التي اشتاط زعماؤها غضبًا؛ لما يَرَوْنه من امتهانٍ للكرامة، وتعريضٍ للمصالح الاقتصاديَّة للأخطار إلى جانب ما ينجم عن ذلك من انحطاطٍ لمكانة قريشٍ بين القبائل العربيَّة الأخرى؛ ولذلك فقد سعوا إلى الخروج لمجابهة الأمر بأقصى طاقاتهم القتالية.

لقد جاءهم ضَمْضَمُ بنُ عمرو الغِفَاريُّ بصورةٍ مثيرةٍ جدّاً، يتأثَّر بها كلُّ من رآها، أو سمع بها؛ إذ جاءهم وقد حوَّلَ رَحْلَه، وجَدَعَ أنفَ بعيره، وشقَّ قميصه من قُبُـلٍ، ومن دُبُـرٍ، ودخل مكَّة وهو ينادي بأعلى صوته: يا معشرَ قريش! اللَّطيمةَ اللَّطيمةَ! أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد مع أصحابه، لا أرى أن تُدْركوها، الغوثَ، الغوثَ.

وعندما أمن أبو سفيان على سلامة القافلة، أرسل إلى زعماء قريش وهو بالجُحْفَة، برسالةٍ أخبرهم فيها بنجاته، والقافلة، وطلب منهم العودة إلى مكَّة، وذلك أدَّى إلى حصول انقسامٍ حادٍّ في اراء زعماء قريش، فقد أصرَّ أغلبهم على التَّقدُّم نحو بدرٍ؛ من أجل تأديب المسلمين، وتأمين سلامة طريق التِّجارة القرشيَّة، وإشعار القبائل العربيَّة الأخرى بمدى قوَّة قريشٍ، وسلطانها، وقد انشق بنو زُهْرَة، وتخلَّف في الأصل بنو عديٍّ، فعاد بنو زُهْرَةَ إلى مكَّة، أمَّا غالبية قوَّات قريشٍ، وأحلافهم؛ فقد تقدَّمت، حتَّى وصلت بدرًا.

ثالثاً: مشاورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

عندما بلغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نجاةُ القافلة، وإصرارُ زعماء مكَّة على القتال، استشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر، وأبدى بعضُ الصَّحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربيَّة مع قريشٍ؛ حيث إنَّهم لم يتوقَّعوا المواجهة، ولم يستعدُّوا لها، وحاولوا إقناع الرَّسول صلى الله عليه وسلم بوجهة نظرهم، وقد صوَّر القرآن الكريم موقفَهم، وأحوال الفئة المؤمنة عمومًا، في قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ *يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ *وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ *لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ *} [الآنفال5 ـ 8].

وقد أجمع قادة المهاجرين، على تأييد فكرة التَّقُّدم لملاقاة العدوّ، وكان للمقداد بن الأسود موقفٌ متميِّزٌ، فقد قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: شهدت من الْمِقْدَاد بن الأسود مشهدًا، لأن أكونَ صاحِبَهُ أحبُّ إليَّ ممَّا عُدِلَ به: أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ}، ولكنَّا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخَلْفك، فرأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أشرق وَجْهُهُ وسَرَّه؛ يعني: قوله.

وبعد ذلك عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أشيروا عليَّ أيها النَّاس!» وكان إنَّما يقصد الأنصار؛ لأنَّهم غالبيةُ جنده. وقد أدرك الصَّحابيُّ سعدُ بن معاذ، حامل لواء الأنصار، مقصد النَّبيِّ الكريم؛ فنهض قائلاً: (والله! لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أجل»، فقال: لقد آمنا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السَّمع، والطَّاعة، فامضِ يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك، فو الَّذي بعثك بالحقِّ! لو استعرضت بنا هذا البحر، فخُضْتَه لخُضْنَاه معك، ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً، إنَّا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللِّقاء، ولعلَّ اللهَ يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ على بركة الله.

وسُرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من مقالة سعد بن معاذٍ، وزاد من همته ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «سِيرُوا وأبشروا؛ فإنَّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطَّائفتين، والله! لكأنِّي الآن أنظر إلى مصارع القوم».

كانت كلمات سعدٍ مشجِّعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملهبةً لمشاعر الصَّحابة؛ فقد رفعت معنويات الصَّحابة، وشجَّعتهم على القتال، إنَّ حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على استشارة أصحابه في الغزوات، يدلُّ على تأكيد أهمِّية الشُّورى في الحروب بالذَّات؛ ذلك لأنَّ الحروب تقرِّر مصير الأمم، فإمَّا إلى العلياء، وإمَّا تحت الغبراء.

يصوِّر تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حيث كان أيُّ فرد من أفراد ذلك المجتمع يُدْلي برأيه، حتَّى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم، ثمَّ حصول ما يترتَّب على ذلك الغضب من تدنِّي سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد، وتأخُّره في الرتبة، وتضرُّره في نفسه أو ماله. وعلى هذا النحو:

إنَّ هذه الحرِّيَّة؛ الَّتي ربَّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من آراء وخبرة جميع أهل الرَّأي السَّديد، والمنطق الرَّشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا؛ لأنَّه ليس هناك ما يحول بين أيِّ فردٍ منهم، والوصول برأيه إلى قائد جيشه.

ونلحظ عظمة التَّربية النَّبويَّة؛ الَّتي سرَتْ في شخص الحُبَاب بن المُنذر، فجعلته يتأدَّب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدَّم دون أن يُطلب رأيه؛ ليعرض الخطة الَّتي لديه؛ لكن هذا تمَّ بعد السُّؤال العظيم، الَّذي قدَّمه بين يدي الرَّسول صلى الله عليه وسلم: «يا رسولَ الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرَّأي، والحرب، والمكيدة؟».

رابعاً: المسير إلى لقاء العدوِّ، وجمع المعلومات عنه:

نظَّم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جنده، بعد أن رأى طاعة الصَّحابة، وشجاعتهم، واجتماعهم على القتال، وعقد اللواء الأبيض، وسَلَّمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سَوْدَاوَيْن إلى سعد بن معاذٍ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وجعل على السَّاقة قيس بن أبي صَعْصَعَة.

لقد كان من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حرصه على معرفة جيش العدوِّ، والوقوف على أهدافه، ومقاصده؛ لأنَّ ذلك يعينه على رسم الخطط الحربيَّة المناسبة لمجابهته، وصدِّ عدوانه، فقد كانت أساليبه في غزوة بدرٍ في جمع المعلومات؛ تارةً بنفسه، وأخرى بغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يطبِّق مبدأ الكتمان في حروبه.  

فقد أرشد القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية هذا المبدأ. قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83]. وكذلك نلحظ: أنَّ التَّربية الأمنيَّة في المنهاج النَّبويِّ مستمرةٌ منذ الفترة السِّرِّيَّة والجهريَّة بمكَّة، ولم تنقطع مع بناء الدَّولة، وأصبحت تنمو مع تطوِّرها، وخصوصاً في غزوات الرَّسول صلى الله عليه وسلم.

إنَّ هذه النَّفسيَّة الرَّفيعة، عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرَّأي، وأدركت مفهوم السَّمع والطَّاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرَّأي المعارض لرأي سيِّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم. وتبدو عظمة القيادة النَّبويَّة في استماعها للخطَّة الجديدة، وتبنِّي الخطَّة الجديدة المطروحة من جنديٍّ من جنودها، أو قائدٍ من قوَّادها.

لقد كانت القوَّة المعنويَّة لجيش مكَّة، مصدرها في النُّفوس، وإن كان مظهره القوَّة، والعزم، والثبات، إلا أنَّ في مخبره الخوفُ، والجبنُ، والتردُّد يكلفها الطريق الصواب في النهج النبوية في إدارة الأزمات.

فقد ذكَّر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ موقفه حبن قال: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} أي: اذكروا أيها المؤمنون وقت أن خرجتم من المدينة، فسرتم حتَّى كنتم أي: بجانب {بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا}، وحافَّته الأقرب إلى المدينة المنوَّرة أي: والكفار بالجانب الأبعد الأقصى {وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} الَّذي هو بعيد بالنِّسبة للمدينة ـ أي: وعِيرُ {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} سفيان ومن فيها كانت أسفل منكم من ناحية ساحل البحر الأحمر على بُعْدِ ثلاثة أميالٍ منكم.

وقوله: تذييلٌ قُصِدَ به التَّرغيب في {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}، والتَّرهيب من الكفر، أي: لا يخفى عليه شيءٌ من أقوال أهل الإيمان، عليمٌ بما تنطوي عليه قلوبهم، وضمائرهم ـ وسيجازي ـ سبحانه ـ كلَّ إنسانٍ بما يستحقُّه مِنْ ثوابٍ، أو عقابٍ على حسب ما يعلم، وما يسمع عنه. 

......................................................................

مراجع المقال:

ابن حزم، جوامع السِّيرة، ص 107.

ابن سعد، الطَّبقات، 2/24.

ابن كثير، البداية والنِّهاية، 3/260.

ابن هشام، سيرة ابن هشام، 2/61.

أبي فارس، غزوة بدرٍ الكبرى، ص. ص 33 - 34.

تفسير الرَّازي، 15/173.

تفسير القرطبي، 8/25.

تفسير الكشَّاف للزَّمخشريِّ (2/160).

الحميدي، التَّاريخ الإسلاميُّ، 4/110.

خليفة بن خياط، الطَّبقات.

صالح بن عبد الله بن عبد الحميد، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، 1/286.

العمري، المجتمع المدني في عصر النبوة، ص. ص 138.

محمد آل عابد، حديث القرآن عن غزوات الرَّسول صلى الله عليه وسلم، 1/43.

المستدرك للحاكم، 3/632.

إن التشريعات العملية التي جاء بها القرآن الكريم لم تكن على نفس الدرجة من البيان والتفصيل، وهذه خاصية من خصائصه التي تميزه، فباستثناء الأحكام المتعلقة بالعبادات التي تم التفصيل فيها لأنها ثابتة وخارجة عن النطاق العقلي، جاءت التشريعات بيانا عاما مجملا في شؤون الحياة المختلفة لحكمة ربانية تقتضي بصلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، "ولذلك اقتصر البيان على المسائل الأساسية والمبادئ العامة التي لا تختلف فيها بيئة عن بيئة وتقتضيها العدالة في كل أمة، ليكون أولو الأمر في أي أمة في سعة من أن يفرعوا ويفصلوا حسبما يلائم حالهم وتقتضيه مصالحهم، من غير أن يصطدموا بحكم تفصيلي شرعة القرآن"[1]، فالإجمال يوافق المتغير من أحوال الناس زمانا ومكانا، مما يقتضي استعمال العقل في التدبير والتسيير وفق هدي القرآن الكريم،" إن امتنع استنباط معنى جزئي فلا يمتنع تخليه كليا"[2].

واعتبارا لعالمية الخطاب القرآني فإن الله بشر بانتشار الإسلام في ربوع العالم لقوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)[3]، ولقوله تعالى: (ما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا)[4]، ومن هذا المنطلق حمل الصحابة رضي الله عنهم الإسلام صوب العالمين لإخراجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، واستطاعوا العيش والتكيف مع كل الظروف، فاستوطنوا البلاد وعاشوا إسلامهم بقدر استطاعتهم[5]، استجابة لقوله تعالى (فاتقوا ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)[6]، فكانوا عناصر فاعلة متفاعلة لم يؤثر فيها قلة عددية أو اختلاف البيئة أو الناس، انطلاقا من واجبهم الذي أكدته الآية (كنتم خير أمة أخرجت للناس)[7]، ومستندين لقوله تعالى:(لا إكراه في الدين)[8]، فكانت صفة الإخراج ومبدأ عدم الإكراه في الدين ومبدأ التنوع والاختلاف المعترف بهما، أسسا ومبادئ انطلق منها المسلمون سابقا، ويجب على المسلمين في الغرب الانتباه إليها والسعي إلى تجديد معانيها رغم قلة عددهم لأن موازين التفوق والعطاء لا ترتبط دائما بالأكثر عددا، وهذا ما ينبغي استحضاره واعتباره في قضايا المسلمين بالغرب.

يدعو طه جابر العلواني للانتباه إلى وجود منطق قرآني كامن وقواعد مبثوثة في ثنايا القرآن، وأن الإنسان قادر بتوفيق الله على الكشف عن قواعد ذلك المنطق، لتساعد في تسديد عقله الذاتي وترشيد حركته، كما أن هذه القواعد ذاتها يمكن أن تشكل قوانين تعصم العقل الموضوعي من الشذوذ والشرود والخطأ والانحراف[9]، وباستقراء الآيات القرآنية التي نظمت علاقة المسلم بغير المسلم يمكن تقسيمها إلى أربع محاور حسب جمال الدين عطية[10]:

- الأول: آيات جاءت للنهي عن موالاة غير المسلمين، وبينت أن ولاية هؤلاء الأصلية إنما هي لبعضهم البعض مثل قوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا الله عليكم سلطانا مبينا)[11]وقوله: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوا تكت فتنة في الأرض وفساد كبير)[12].

- الثاني: آيات اقتصرت على بيان مساوئ وسلبيات غير المسلمين دون ذكر النهي عن موالاتهم بسبب تلك السلبيات من ذلك قوله سبحانه وتعالى : (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير)[13].

وقوله تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)[14].

- الثالث: آيات جمعت بين السلبيات وترتيب النهي عن الموالاة بسبب ذلك، كما في قوله سبحانه وتعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)[15]، وقوله:(كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأتي قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون)[16].

- الرابع: إذ ارتفعت أسباب النهي عن الموالاة فلا يكون هناك مانع من التعاون، وتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه تمت في هذا الإطار، وهذا التساهل الذي جاء به القرآن هو الذي أرشد عمر بن الخطاب إلى جعل رجال دواوينه من الروم، وجرى الخليفتان الآخران وملوك بني أمية من بعده على ذلك، إلى أن نقل الدواوين عبد الملك بن مروان من الرومية إلى العربية، وبهذه السيرة وذلك الإرشاد عمل العباسيون وغيرهم من ملوك المسلمين في نوط أعمال الدولة باليهود والنصارى والصابئة، ومن ذلك قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)[17]، وقد ذهب ابن جرير إلى أبعد من ذلك فقال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين)، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم، إن الله عز وجل عمم قوله: ( الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم)، جميع من كان ذلك صفته فلم يخصص به بعضا دون بعض"[18]، كما أن للقسط معنى آخر ذهب إليه الإمام بن العربي فقال: "وتقسطوا إليهم، أي تعطوهم قسطا من أموالكم-على وجه الصلة- وليس يريد به من العدل فإن العدل واجب فيمن قاتل ولم يقاتل"[19].

يقول الشاطبي في القرآن الكريم: "إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه، لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الليالي والأيام"[20]، ومن ثم فإنه من الضروري للباحث عن مقاصد الشريعة الإسلامية، والطالب لأهدافها أن ينظر إليها من ينبوعها الأصلي، ألا وهو كتاب الله عز وجل :"لأن نصوص الشارع مفهمة لمقاصده بل هي أولى ما يتلقى منه فهم المقاصد الشرعية"[21]، فلا يجوز للناظر في مقاصد الشريعة أن يهمل النظر في مصدرها الأساسي، ومنبعها الروي، لأنه بإهماله له يفوته كثير من مقاصد الشريعة العامة والخاصة، إذ القرآن الكريم أصل الأصول وقاعدة التشريع ومنطلقه، فهو أصل ترجع إليه الأصول كلها من سنة وإجماع وقياس وغيرها من أصول التشريع[22]، وعليه فالعلاقة قوية بين القرآن ومقاصد الشريعة فهي علاقة ربط الفرع بأصله، لأن المقاصد إدراك أهداف الكتاب والسنة وغاياتهما في التشريع الإسلامي.

يقول العز بن عبد السلام: "ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها"[23]، ويقول شيخ الإسلام بن تيمية: "يكفي المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم بخلافه عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم"[24]، فالقرآن الكريم قد أمر بكل ما فيه مصلحة وحذر مما فيه مفسدة، "وبالجملة فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاث:

-  درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات.

- جلب المصالح المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات.

- الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيات والتتمات.

وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها"[25].

وفي بيان أهمية القرآن الكريم في مقاصد الشريعة الإسلامية نذكر الأمثلة التالية:

أ- بيان القرآن الكريم للمقاصد العامة للشريعة:

-إن مقصد إخلاص العبادة لله وحده هو مقصد أساسي في الشريعة وأصلي، وقد وضحه القرآن الكريم أعظم توضيح مع التأكيد عليه بأساليب مختلفة ومتعددة، يقول الله تعالى:(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)[26]، وقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[27]، (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)[28].

- ويقول جل وعلا: ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين)[29].

- ويقول عز من قائل: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ويصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم)[30]، فالنهي عن الفساد والإفساد في الأرض هو مقصد عام عظيم من مقاصد الشريعة الذي قرره القرآن من خلال هذه الآيات وغيرها.

- إن دعوة الإسلام إلى الاتفاق والائتلاف والنهي عن التفرق والاختلاف هو مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية نظرا لأهميته في تماسك الأمة الإسلامية، لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا)[31]، وقوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)[32].

ب-بيان القرآن الكريم للمقاصد الخاصة للشريعة الإسلامية:

إن القرآن الكريم ذكر بعض الأحكام الشرعية مع تبيان فائدتها (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)[33]، وقال تعالى في الزكاة: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)[34]، وقوله تعالى في الحج: (وأذن في الناس بالحج يأتونك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)[35]، وقوله تعالى في الصيام: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)[36].

إذن يتضح جليا أن القرآن الكريم بين الكثير من المقاصد العامة والخاصة، مما تبين أن العلاقة بين القرآن ومقاصد الشريعة وثيقة.

- يقول ابن القيم الجوزية إن السنة مع القرآن الكريم ثلاثة أوجه: "فهي مع القرآن الكريم ثلاثة أـوجه، أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها، الثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، الثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمه لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام"[37]. أي أن السنة النبوية إما أن تكون:

- سنة مؤكدة وموافقة للقرآن الكريم من غير زيادة ولا نقصان مثال حديث: «بني الإسلام على خمس»[38].

- سنة مبينة للقرآن الكريم، كالأحاديث النبوية التي بينت كيفية الصلاة وحددت مقادير الزكاة... فهذا القسم من السنة النبوية يخصص عموم القرآن ويقيد إطلاقه ويبين مجمله ويوضح مشكله.

- سنة مستقلة: وهي الأحاديث النبوية التي جاءت بأحكام لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم كالنهي عن الجمع مثلا بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها[39].

إذن فمقام السنة النبوية من القرآن الكريم أنها تساعده في بيان الأحكام الشرعية فهي إما مبنية له كما ذكرنا سالفا أو مؤكدة له أو شارحة ومفسرة لأحكام مستقلة، فما من حكم في السنة النبوية إلا وله أصل في القرآن الكريم، قال الشاطبي رحمه الله : "فلا تجد في السنة أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية وأيضا فكل ما دل إليه"[40].

والسنة النبوية منها ما هو للتشريع وما ليس للتشريع ومنها ما هو متعلق بعموم الأمة وما هو بأفراد لا يتعدى إلى غيرهم، ومنها ما صفته الديمومة أو التأقيت، أو ما صدر عن الرسول صلى الله عليه باعتباره المبلغ عن الله سبحانه وتعالى فتأخذ صفة الحكم التكليف، أو ما صدر عنه باعتباره إمام الأمة ورئيس الدولة وهذا الأخير مما ينبغي التنبيه والتأكيد عليه، فما كان قد شرع لظروف خاصة ولمصلحة ما قد يتبدل باختلاف ظروف الزمان والمكان"[41]، وهذا ما قرره وحققه الإمام القرافي حيث فصل في تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبليغ الذي هو مقتضى الرسالة وتصرفه بالحكم الذي يغاير التصرف بالرسالة والفتيا لأنهما تبليغ محض واتباع صرف، والحكم الذي هو إنشاء والتزام من قبله صلى الله عليه وسلم بحسب ما يسنح من الأسباب والحجاج، وأما تصرفه صلى الله عليه وسلم بالإمامة فهو وصف زائد عن النبوة والرسالة والفتيا والقضاء، لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق وضبط معاقد المصالح ودرء المفاسد وقمع الجناة وقتل الطغاة وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس[42].

قال الشاطبي: " قد كملت قواعد الشريعة في القرآن والسنة فلم يتخلف عنها شيء، والاستقراء يبين ذلك ويسهل على من هو عالم بالكتاب والسنة"[43]، فإذا أغفل الناظر في المقاصد النظر في السنة فقد أغفل جزءا من الشريعة لم يتعرف على مقاصده، فيترتب عن ذلك إخلال في إدراك مراد الشارع لأن الشريعة مبناها على القرآن الكريم والسنة النبوية، يقول الله تعالى:  (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)[44].

- فالسنة المبنية تبين مقاصد بعض الأحكام التي لم ينص القرآن على مقاصدها وغاياتها، كما تزيد في إيضاح وبيان المقاصد التي ذكرها القرآن الكريم ومن أمثلة ذلك: حكم النكاح: فقد بين بعض مقاصده القرآن الكريم وجاءت السنة بمقاصد أخرى لم تذكر في القرآن، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج"[45]. كما بينت السنة النبوية مقاصد كلية مأخوذة من مجموع نصوص القرآن الكريم وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم :"لا ضرر ولا ضرار" فهي قاعدة كلية من مقاصد الشريعة تنفي الضرر وترفعه.

- ومن بيان السنة النبوية لمقاصد ما ورد في السنة المستقلة من الأحكام الجزئية «نهى رسول الله صلى  أن تزوج المرأة على العمة والخالة، فقال: إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن »[46]، وذلك بعد نهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.

- وأما السنة النبوية الموافقة أو المؤكدة تفيد في معرفة المقاصد من جهة أن تكاثر النصوص وتواردها على معنى واحد يعطي أهميته لذلك المعنى، ويزيده تقوية وتأكيدا.

وتأكيدا على تقرير هذه الأمور، فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب وبيانا لما فيه منها، فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام، فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تفصلت في السنة"[47]، وبهذا تظهر أهمية السنة النبوية في معرفة المقاصد وإيضاحها.

إذا عرضنا متن بعض الأحاديث على صريح القرآن وصحيح السنة النبوية الشريفة فلن نجد فيهما ما يقوى على معارضة ثوابت الإسلام، فيجب التثبت من بعض القضايا والأمور التي يبني عليها الفقهاء أحكاما اجتهادية تدور بين الكتاب والسنة، حيث مقام السنة من الكتاب "أنه لا توجد سنة صحيحة صريحة تعارض القرآن وما وجد من ذلك فلابد أنه صحيح غير صريح أو صريح غير صحيح، وغير الصحيح لا اعتبار له، وغير الصريح لا يجب تأويله بما لا يتفق مع القرآن لأن القرآن هو الأصل والفرع لا يخالف أصله[48]، إذن من المهم التنبه إلى هذه القضية وتعلقها ببعض المشكلات الفقهية التي تطرح من طرف المسلمين في الدول الغربية وذلك من خلال الأحاديث النبوية:

- الحديث الأول: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه»[49].

هذا الحديث صحيح يتناول علاقة المسلم بغيره إلا أن الأخذ به وتطبيقه يخالف بعض الأسس والمبادئ التي أسسها ووضعها القرآن الكريم في التعامل مع المخالفين في العقيدة مثلا كمبدأ "البر والقسط" في قوله تعالى:(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)[50]، ومبدأ حسن المعاملة في قوله تعالى:(وقولوا للناس حسنا)[51]، ففي شرح النووي "قال أصحابنا: لا يترك للذمي صدر الطريق، بل يضطره إلى أضيقه إذا كان المسلمون يطرقون فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج، قالوا: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار ونحوه"[52]، ويقول الصنعاني تعليقا على هذا الحديث: "فيه دلالة على تحريم ابتداء المسلم لليهودي والنصراني بالسلام لأن ذلك أصل النهي، وحمله على الكراهة خلاف الأصل وعليه حمله الأقل، وإلى التحريم ذهب الجمهور من السلف والخلف"[53]، وذهب بعض الفقهاء إلى الجواز حيث "حكى القاضي عياض عن جماعة جواز ذلك للضرورة والحاجة وبه قال علقمة والأوزاعي"[54]، فهذا الحديث صحيح لكنه معارض للقرآن الكريم كما أنه معارض لبعض الأحاديث النبوية، فينبغي تأويله لمعارضته للآيات الكريمة :(أن تبروهم وتقسطوا إليهم)[55]وقوله تعالى:(وقولوا للناس حسنا)[56] وقوله تعالى: (إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها)[57]،كما أن هذا الحديث الصحيح معارض للأحاديث النبوية في إفشاء السلام، قال عمار: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار»[58]،  وفي حديث آخر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»[59]، وقد انتهى تحرير الأستاذ فهمي هويدي في كتابه القيم مواطنون لا ذميون للمسألة إلى أن الحديث يجب: أن يفهم في ضوء الخصوصية المؤقتة التي ارتأتها السياسة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أي أنه إجراء استثنائي في ظروف استثنائية وأنه ليس مقررا لقاعدة عامة"[60]، كما أن هذا الحديث يجب تأويله كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي "بأنه خاص بأهل الحرب المعادين للمسلمين وليس في شأن المسلمين"[61]، فهل يعقل دعوة المسلمين في الدول الغربية  بالخصوص إلى تحريم إفشاء السلام على المخالفين في العقيدة؟ وبغض النظر عن الأقوال غير الموضوعية ومناط الحديث غير متحققة فينبغي معرفة أن أصل الأصول ومصدرها القرآن والسنة الصحيحة.

الحديث الثاني: عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن أبي حازم عن جرير بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى نارهما[62]» .

هذا الحديث كثيرا ما يساء فهمه، بسبب الغفلة عن مقصوده وتجريده عن ظرفه وسبب وروده، فصار بعض المفتين اليوم يبنون عليه تحريم الإقامة والاستقرار في بلاد غير المسلمين، وخاصة منها الدول الغربية المسيحية مع أن ملايين المسلمين أصبحوا في أمس الحاجة إلى الإقامة للتعلم وللتداوي وللعمل وللتجارة وللسفارة ولغير ذلك من الأغراض، ويظهر خلل هذا الفهم بمعرفة سبب ورود الحديث، حيث جعل لهم نصف الدية وهم مسلمون، لأنهم أعانوا على أنفسهم، وأسقطوا  نصف حقهم، بإقامتهم بين المشركين المحاربين لله ولرسوله، وعلل الإمام الخطابي إسقاط نصف الدية، بأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه، وجناية غيره، فسقط حصة جنايته من الدية، فقوله: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين أي بريء من دمه إذا قتل، لأنه عرض نفسه لذلك بإقامته بين هؤلاء المحاربين لدولة الإسلام[63].

والخلاصة أن الحديث إنما ورد في شأن من يكونون في وضعية خطرة على دينهم وأنفسهم وأهليهم، لتحذيرهم وتحميلهم مسؤولية ما قد يصيبهم ببقائهم في ديار العدو، كما يقع في بعض حالات الحرب، وكما هو الحال في البلدان التي يسود فيها الاضطهاد والقتل للمسلمين، وأما إذا تحقق الأمان وتأكدت السلامة في الإقامة بين ظهراني المشركين ودعت إلى ذلك الحاجة ، فلا حرج في هذه الإقامة[64].

الحديث الثالث: عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم" ، وفي رواية "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله»،يقول الشوكاني : في معنى "فهو مثلهم" بأن فيه دليل على تحريم المساكنة فهو- والله أعلم- قد قصد المساكنة: ليس فقط مجرد التجاور، بل المساكنة هنا كأنها بمعنى السكن القلبي والنفسي، والمتابعة أو المشاكلة لاستدلاله بالآية :" لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" ، لكن هذا الحديث ضعيف من حيث السند فيه اضطراب، يقول الذهبي فيه: "إسناده مظلم لا تقوم به حجة" ، والحديث لا يؤخذ على إطلاقه من حيث المتن: "وهو محمول على من أقام مع المشركين وسكن معهم راضيا عنهم غير مبغض لكفرهم، ولم يكن قادرا على إظهار دينه" ، ولكن ما المانع من بقاء المسلم على أرض يجد فيها الإنسان حريته وينشر دعوته ويستطيع إظهار دينه؟ وتميز من غيره وإعلان عدم رضاه على منكرات المشركين وأهل الكتاب ؟

الهوامش:

[1]- مصادرالتشريعالإسلاميفيمالانصفيه،عبدالوهابخلاف،دارالكتابالعربيبمصر 1955م، ص 157

[2]- البرهانفيأصولالفقه،أبوالمعاليعبدالملكبنعبداللهالجويني،تحقيق: عبدالعظيممحمدالديب،دارالوفاء،المنصورة –مصر،الطبعةالثالثة،الأولىللناشر، 1999م. ج2، ص 604.

[3] -سورة التوبة، آية 33

[4] - سورة سبأ، الآية 28

[5] - الاجتهادللتجديدسبيلالوراثةالحضارة"،عمرعبيدحسنة، " المكتبالإسلامي،بيروت،الطبعةالأولى، 2002م.ص 53

[6] - سورة التغابن، آية 16

[7] -سورة آل عمران، آية 110

[8] - سورة البقرة، آية 256

[9] - فيفقهالأقلياتالمسلمة"،طهجابرالعلواني،نهضةمصرللطباعةوالنشروالتوزيع، 2000م،ص 31-32

[10] - نحوفقهجديدللأقليات،جمالالدينعطية،دارالسلامللطباعةوالنشروالتوزيعوالترجمة،القاهرة،الطبعةالأولى، 2003م.، ص 82-84

[11] -سورة النساء، آية 144

[12] - سورة الأنفال، آية 73

[13] - سورة البقرة، آية 109

[14] - سورة البقرة، آية 105

[15] - سورة المجادلة، آية 22

[16] -سورة التوبة، آية 7-10.

[17] -  زادالمسيرفيعلمالتفسير"،ابنالجوزي، " المكتبالإسلامي،بيروت،دمشق،الطبعةالثالثة،1984م.، ج8، ص 237.

[18] - تفسيرالطبري،منكتابجامعالبيانفيتأويلآيالقرآن،ابنجرير،هذبهوحققهد. بشارعوادمعروف،عصامفارس،مؤسسةالرسالة،بيروت،الطبعةالأولى، 1994م. ج12، ص 63

[19]أحكامالقرآن"،أبوبكربنعبداللهبنالعربي، " تحقيقعليمحمدالبجاوي،دارالمعرفة،بيروت.ج4، ص 1785، وينظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج8، ص 59

[20] -الموافقاتفيأصولالشريعة،الشاطبي،شرحهوخرجأحاديثه: عبداللهدراز،دارالكتبالعلمية،بيروت،بدونتاريخ،3/346

[21] - نفسه 2/388

[22] -نفسه 3/42،    روضةالناظروحبةالمناظرفيأصولالفقه،ابنقدامة،تحقيق: عبدالكريمبنعليبنمحمدالنملة،دارالعاصمةللنشروالتوزيع،الرياض،الطبعةالسادسة، 1998م، 1/177

[23] - قواعدالأحكامفيمصالحالأنام،العزبنعبدالسلام،تحقيق: د. عبدالرحمانبنعبداللهالشعلان،مكتبةالرشد،الرياض،شركةالرياضللنشروالتوزيع،الطبعةالأولى، 1997م، 1/7.

[24] - زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور، ص 53.

[25] -أضواءالبيانفيإيضاحالقرآنبالقرآن،الشنقيطي،عالمالكتب،بيروت،بدونتاريخ.، 3/448

[26] - سورة النحل، آية 36

[27] - سورة الذاريات، آية 56

[28] - سورة البينة، آية 5

[29] - سورة الأعراف، آية 85

[30] -سورة المائدة، آية 33

[31] - سورة آل عمران، آية 103

[32] - سورة الأنعام، آية 159

[33] - سورة العنكبوت، آية 45

[34] - سورة التوبة، آية 103

[35] - سورة الحج، آية27-28

[36] - سورة البقرة، آية 183

[37] - أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم الجوزية، ج2، ص 232. طبعة دار الحديث، القاهرة (دط، دت).

[38] - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان باب دعاؤكم إيمانكم، حديث (8) 1/49.

    وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام حديث (19-22) 1/45.

[39] - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها حديث 5108-5111، 9/160.

[40] - الموافقات في أصول الشريعة، أبو إسحاق الشاطبي، مرجع سابق، ج4، ص109، 110.

[41] - فقهالأقلياتالمسلمة،حياةالمسلمينوسطالمجتمعاتالأخرى،القرضاوي،دارالشروق،القاهرة،الطبعةالأولى، 2001م، ص 37، المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، ضوابط ومحاذير في الفهم والتفسير، ص 90.

[42] - الإحكامفيتمييزالفتاوىعنالأحكام،القرافي،المكتبالثقافيللنشروالتوزيع،مصر،الطبعةالأولى، 1989م، ص 99-10-105.

[43] - الموافقات، مرجع سابق، ج4، ص 29.

[44] - سورة النحل، آية 44.

[45] - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب من استطاع الباءة فليتزوج، وباب من لم يستطع الباءة فليصم، حديث رقم 5065، 5066، 9/106، ج11، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، حديث (1400)، 2/1018.

[46] - أخرجه ابن حبان (الإحسان في تقريب ابن حبان 9/426).

وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد 18/278، وأنظر الكلام على إسناده في: التلخيص الخبير 3/192.

[47] - الموافقات، مرجع سابق، 4/27.

[48] - المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، يوسف القرضاوي، ص 90.

[49]- رواه مسلم كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم رقم 2167، ج 4، ص 1707، ورواه الترمذي، كتب السير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب، رقم 1602، ج4، ص 154، وأيضا في كتاب الاستئذان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في التسليم على أهل الذمة رقم 2700، ج5، ص 60.

[50] - سورة الممتحنة، آية 8

[51] - سورة البقرة، آية، آية 83

[52] - صحيح مسلم بشرح النووي، ج14، ص 373.

[53] - سبل السلام، الصنعاني، ج4، ص 127.

[54] - سبل السلام، الصنعاني ، ج4، ص 288

[55] - سورة الممتحنة، آية 8

[56] - سورة البقرة، آية 83

[57] - سورة النساء، آية 86

[58] - رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإيمان، ج1، ص 19، والهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب الإيمان، باب في كمال الإيمان، ج1، ص 57، والبيهقي في شعب الإيمان رقم: 11239، ج7، ص 532، وينظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني، كتاب الإيمان باب السلام من الإسلام، ج1، ص15.

[59] - رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، رقم 12، ج1، ص 13، ومسلم كتاب الإيمان باب بيان تفاضل الإسلام، رقم 39، ج1، ص 65.

[60] - مواطنون لا ذميون، موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين، فهو فهمي هويدي، ص 177-188، نقلا عن نحوفقهجديدللأقليات،جمالالدينعطية،دارالسلامللطباعةوالنشروالتوزيعوالترجمة،القاهرة،الطبعةالأولى، 2003م، ص 64.

[61] - فقه الأقليات المسلمة، يوسف القرضاوي، مرجع سابق، ص 39.

[62]- - رواه أبو داود، كتاب أول كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود رقم 2645، ج3، ص 45، والنسائي في كتاب القسامة باب القود، رقم 6982، ج4، ص 229، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب القسامة، باب ما جاء في وجوب الكفارة في أنواع القتل الخطأ، ج8، ص 131

[63]- كيف نتعامل مع السنة النبوية؟ القرضاوي، ص 150-151

[64]- مقاصد المقاصد الغايات العلمية والعملية لمقاصد الشريعة، أحمد الريسوني، دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2013، ص 62-63 بتصرف.

أكد عبد الرحيم شيخي رئيس حركة التوحيد والإصلاح أن الحركة منذ نشأتها وبدايتها كانت منفتحة على إنتاجات فكر الإسلامي الحديث سواء التي كانت تأتي  من المشرق أو التي تأتي من شرق آسيا من باكستان أو مصر وحتى الاجتهادات التي جاءت من فكر بديع الزمان النورسي، حيث أن الحركات الإسلامية في المغرب في بدايتها كان تتحدث عن لا مذهبية.

وأضاف شيخي في معرض رده على سؤال: هل أنتم حنابلة تتبعون لفكر محمد بن عبد الوهاب أم أنتم مالكية؟ خلال البرنامج الإذاعي "المواجهة" الذي استضافه يوم الجمعة 01 يونيو 2018 على راديو "إم إف إم"، أن الحركة حسمت قضية المذهب المالكي منذ زمن بعيد، وذلك مسطر في توجهاتها واختياراتها، حيث تحدثت عن المذهب المالكي باعتباره اختيار المغاربة وخاصة في أصوله التي أصبحت تلجأ إليها كل المذاهب اليوم لتسعفها في الاجتهاد في ما يستجد في الحياة من أمور.

فالحركة تعتمد على أصول المذهب المالكي وتتبناها انسجاما مع المغاربة وأيضا مع الظهير الجديد للقيمين الدينيين الذي تحدث عن الثوابت وتحدث عن أصول المذهب المالكي، واعتمادنا على أصول المذهب المالكي، يقول شيخي،  يعطينا سعة أكبر لكي نجتهد داخل المذهب وننفتح حتى في الحالات التي لا يسعفنا فيها على بعض الاجتهادات في مذاهب أخرى كما حصل للجنة الملكية لإصلاح مدونة الأسرة، مضيفا أن قوة المذهب المالكي أنه يعتمد على "ما جرى به العمل" وهو تواتر عملي منذ زمن الصحابة وأبنائهم.

الإصلاح

في الـ15 من رمضان عام 1414هـ، ارتكب الإرهابي المجرم باروخ جولدشتاين، مجزرة ضد المصلين المسلمين في باحات المسجد الإبراهيمي بالخليل، أثناء أدائهم صلاة الفجر، ما أسفر عن استشهاد 29 مصليًا وإصابة 150 آخرين، ولم تعد آثار المجزرة دماء وشهداء وجرحى فحسب؛ وإنما تحول المكان منذ يوم المذبحة حتى اليوم لمربع أمني إسرائيلي مشدد، تمارس فيه أنواع العربدة كافة.

فمعالم التشديدات الأمنية الإسرائيلية في مكان المجزرة متعددة: مئات الكاميرات، والبوابات الإلكترونية، والأبراج المرتفعة، والرشاشات الثقيلة، هذا كله تدعمه مئات الجنود المدججين بالأسلحة، كل هذه التشديدات هي نتاج مجحف ومؤلم للجنة "شمغار" التي شكلتها سلطات الاحتلال للتحقيق في المجزرة المروعة، والتي فرضت وقائع جديدة على المكان والزمان؛ فالمسجد بات مقسما، والمداخل لساحاته، وأروقته كلها محاصرة ببوابات إلكترونية؛ حيث يشعر الداخل للوهلة الأولى أنه يعبر لمقر أمني أو معسكر جيش.

ويشير خبراء في الاستيطان إلى أن سياسات الاحتلال في محاصرة "الإبراهيمي"، وفرض قيود أمنية مشددة على المصلين في دخولهم وخروجهم، وتقسيمه، وفسح المجال للمستوطنين على مصراعيه، هي رسالة ساخنة لأهل الخليل بشكل عام وأهل البلدة القديمة، أن ارحلوا لا مكان لكم.

واليوم، يهيمن المستوطنون على مرافق كثيرة محيطة بالمسجد عقب المجزرة، ويسيطرون على العديد من المواقع والبنايات؛ مثل مدرسة أسامة بن المنقذ، وسوق الخضار، ومنطقة دائرة الأوقاف بأكملها، وسوق القفاصين، وسوق السهلة، ومنطقة مسجد الكيال، ومسجد الأقطاب، والتكية القديمة، حيث تحولت هذه الأماكن لمواقع وثكنات عسكرية، وبعضها لتجمعات وسكن للمستوطنين، وأصبح الدخول والخروج من المكان بموافقة أمنية صهيونية وتحت رقابة مئات الكاميرات، ورحمة البوابات الالكترونية.

من جهة أخرى ساهمت هذه الإجراءات في تدمير الاقتصاد الخليلي، وأدت بفعل الوجود الاستيطاني والأمني إلى إغلاق المئات من المحال التجارية والعديد من الأسواق؛ ما أدى إلى خسارات مالية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، والهدف من كل ذلك إفراغ البلدة من سكانها وتحويلها إلى مدينة أشباح يجوبها جيش الاحتلال ومستوطنوه فقط، وقد أصبحت كذلك فكل أسواقها مغلقة، وأكثر من 1300 دكان مغلق، كل ذلك بحجة الأمن وحماية المستوطنين، لذلك كان من أخطر الآثار المترتبة على مجزرة المسجد الإبراهيمي قبل 24 عاما محاصرة البلدة القديمة من الخليل أمنيا واستيطانيا وتدميرها اقتصاديا وتقسيم مسجدها مكانيا.

الإصلاح

بقلوب مؤمنة وراضية بقضاء الله وقدره تلقينا خبر وفاة والد أختنا السعدية قطار نائبة مسؤول المنطقة والأخت عائشة قطار مسؤولة فرع الغربية بسوق أربعاء الغرب، وبهذه المناسبة الأليمة، نتقدم بأصدق التعازي والمواساة لكافة أفراد أسرته وعائلة الفقيد، سائلين الله سبحانه أن يتغمده بواسع الرحمة والغفران، ويلهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

(( ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ))

استطاع حوالي ربع مليون مصل أداء الجمعة الثالثة من رمضان في باحات المسجد الأقصى، رغم إجراءات الاحتلال الأمنية المشددة، ونصب الحواجز والمتاريس على مداخل القدس، وفي أزقة البلدة القديمة.

فمنذ فجر اليوم الجمعة فاتح يونيو 2018، بدأ آلاف المصلين بالتوافد إلى القدس، لأداء الجمعة الثالثة من رمضان في الأقصى، حيث شهدت القدس حركة نشطة، ووصلت حشود المصلين مبكراً من أهل الضفة والقدس المحتلة والداخل، ولوحظت هذه الحركة بالذات عند باب العامود، أحد الأبواب الرئيسية للبلدة القديمة بالقدس، الموصلة إلى المسجد الأقصى، كما شهدت ساحات الأقصى تواجداً مكثفا منذ ساعات الفجر الأولى.

من جهتها نشرت سلطات الاحتلال، منذ ساعات الصباح الباكر، المئات من عناصر الشرطة وحرس الحدود داخل البلدة القديمة في مدينة القدس، وكذلك على كافة مداخل مدينة القدس والشوارع المؤدية إلى الأقصى.

وكانت سلطات الاحتلال أعلنت أنها ستسمح لأبناء الضفة الغربية من الرجال الذين تزيد أعمارهم عن الأربعين عاما بدخول القدس والصلاة في الأقصى اليوم الجمعة، دون الحصول على تصاريح، كما أنها لن تضع قيودا على دخول النساء أو الأطفال حتى سن الثانية عشر من العمر، إلا أن الجنود أرجعوا العديد ممن هم فوق ال 40 عاما ومنعوا من دخول القدس المحتلة.

الإصلاح

قال عبد الرحيم شيخي رئيس حركة التوحيد والإصلاح، إن هذه الأخيرة لم تصدر أي بلاغ حول موضوع "المقاطعة" التي دعي لها عبر الفايسبوك، لكنها تجدد التعبير على أنها مصطفة دائما إلى جانب كل المطالب الشعبية المشروعة، التي تهم المواطن المغربي، وذلك على غرار موقفها من الأحداث التي وقعت بمدينتي جرادة أو الحسيمة، شريطة احترام كل تلك المطالب للقانون. 

وأضاف رئيس حركة التوحيد والإصلاح، في تصريح لـ"مواطن"، أن الحركة هي مع المطالب الشعبية التي نادت بها حملة "المقاطعة" الأخيرة، التي دعا لها مجموعة من النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي لقيت انخراطا شعبيا كبيرا، من أجل ضبط أثمنة المحروقات، كما أنها تدعم حرية المواطنين في اختيار ما يشترون وفي ما يقاطعون، مشيرا إلى أن عددا من أعضاء الحركة والمتعاطفين معها انخرطوا في هذه الحملة، أو استجابوا لهذه الدعوات بشكل كبير.

وزاد شيخي، أن الحركة تساند كافة المطالب المشروعة للشعب المغربي في أي وقت وزمان، كما تعمل حركة التوحيد والإصلاح على دعوة الهيئات المعنية سواء بالحكومة أو الدولة من أجل الاستجابة لها.

يذكر أن حركة التوحيد والإصلاح، تستعد لعقد مؤتمرها السادس في مستهل غشت المقبل، في ظل متغيرات عدة على المستويين الوطني والإقليمي.

 

الإصلاح

"وما نيل المطالب بالتمني... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا"، هذا هو الشعار الذي انطلقت منه لجنة العمل الشبابي بمنطقة مكناس التابعة لحركة التوحيد والإصلاح الجهة الكبرى للقرويين، وهي تنظم "المعتكف العلمي" في نسخته السابعة وذلك من 23 من ماي 2018 إلى غاية 30 منه بمركز الرياضات بمكناس، لفائدة تلميذات وتلاميذ البكالوريا بسنتيها الأولى والثانية ليكون عونا لهم في استعداداتها لاجتياز الامتحان الجهوي والوطني.

المعتكف العلمي الذي عرف نجاحا كبيرا، حيث سهر على تنزيل برنامجه طاقم إداري وتربوي واقتصادي كفء وذو تجربة في الميدان وأشرف على تأطيره ثلة من الأساتذة المتخصصين. كما أسهم في تنشيطه مدربون ومحاضرون بغية تهيئ نفسي جيد للامتحانات.

20180526 173408

وقد حرصت حركة التوحيد والإصلاح ممثلة في لجنة العمل الشبابي بمنطقة مكناس على توفير جو هادئ وتنافسي للمستفيدين من المعتكف مع كل ما يلزم ذلك من موارد بشرية ومادية على أمل أن يحصل تلامذتنا على أعلى النقط وأفضل النتائج.

وفيما يخص مردودية المعتكف فإنه يعرف إشعاعا متزايدا سنة بعد أخرى من خلال طلبات التسجيل المتزايدة، خاصة ممن سبق لهم الاستفادة في السنة الأولى بكالوريا، وذلك راجع لرضا المستفيدين عن الخدمات التربوية المقدمة لهم، إضافة إلى المعدلات المرضية التي يحصل عليها أغلب المستفيدين .

كمال أمزيان

في إطار برنامجها الرمضاني، نظمت لجنة العمل الشبابي التابعة لمنطقة أنفا- الحي الحسني، إفطارا جماعيا لفائدة الشباب بشاطئ عين الذئاب؛ وذلك يوم الاثنين 5 رمضان 1439هـ الموافق ل21 ماي 2018م.

تميز هذا الإفطار الذي  حضره 74 تلميذا وتلميذة مناصفة،  بتنظيم مباريات لكرة القدم في الشاطئ، وبكلمة تربوية هادفة لمسؤول التربية بالمنطقة، اﻷستاذ هشام رياض، تحت عنوان "رسالة الشباب في الحياة" انطلاقا من قول الله تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، حيث بين مفهوم العبادة الذي يشمل كل مجالات الحياة، كما أوضح أن الشباب الرسالي يسعى لا ن يرضي ربه عز وجل بإصلاح نفسه اعتمادا على وسائل التزكية ويحرص على إصلاح الآخرين .

image006

وقبل الإفطار بحوالي 10 دقائق، كان للشباب الذكور رحلة مع أذكار المساء؛ أما التلميذات فقد قمن بختمة قرآنية تلتها جولة لهن على الشاطئ.

كان نشاطا متميزاً جمع متعة الفطور على الشاطئ والتربية والإستفادة الفكرية والزاد الروحي.

محمد بوزياني