الخميس, 07 حزيران/يونيو 2018 11:32

الأمة بين رمضان والقرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين،

أحمد الله أن جمعني بهذه الوجوه الخيرة في هذا اليوم المبارك وفي هذا المكان المبارك وأسأل الله أن يجعلنا من المتحابين فيه والمتجالسين فيه الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

لا يخفى عليكم في هذا اليوم من الفضل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مطرقة مسيخة من طلوع فجره إلى طلوع شمسه تنتظر الساعة إلا الإنس والجن، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائما يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها)، هذا اليوم العظيم الذي خلق فيه الله أبانا آدم عليه السلام وأهبطه إلى هذه الأرض إيذانا باستخلاف هذا الجنس البشري في هذه الأرض، خص الله به هذه الأمة من بين الأمم، فقد كان مطلوبا لكل الأمم لكن الله هدى إليه المسلمين وأضل عنه الأمتين السابقتين فلذلك الناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد، كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا هذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له، والناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد )، فيه هذه الساعة المباركة التي هي موسم إجابة لا يسأل الله سبحانه وتعالى أي عبد من عباده في حاجة إلا أعطاه إياها، وقد ثبت في الموطأ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن عبد الهل بن سلام رضي الله عنه أنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فلذلك اختار الإخوة هذه الساعة دائما لإحيائها باللقاءات الخيرة الطيبة التي تتلقاها ملائكة الرحمان كما ثبت في الصحيح (إن لله ملائكة سيارين في الأرض بغيتهم حلق الذكر فإذا وجدوهم حفوهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا فإذا انصرفوا انطلقوا إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم : ماذا يقول عبادي؟ فيقولون يحمدونك ويكبرونك ويهللونك ويسبحونك، فيقول هل رأوني؟ فيقولون لا، فيقول فكيف لو رأوني، فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوك لكانوا لك أشد ذكرا، فيقول ماذا يسألونني؟ فيقولون يسألونك الجنة، فيول هل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا لها أشد طلبا وأشد حرصا، فيقول ومماذا يستعيذونني؟ فيقولون يستعيذونك من النار، فيقول وهل رأوها؟ فيقولون لا، فيقول فكيف لو رأوها؟ فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا منها أشد خوفا، فيقول لهم أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك يا رب فيه عبدك فلان وليس منهم وإنما جاء لحاجته، فيقول هم الرهط أو هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

لذلك نحن نجتمع ونحن نستقبل شهرا مباركا الذي جعله الله موسما من مواسم الخير، وخص به هذه الأمة أيضا، هذه الخصوصية لها معنى وعظة، فإن الله سبحانه وتعالى خص هذا الشهر بمزيد من الفضل والعناية وجعله مبدأ لانطلاق هذه الأمة، لأن هذه الأمة الخاتمة للأمم مبدأها هذا الوحي المنزل من عند الله، وقد افتتح الله نزوله في ليلة القدر على محمد صلى الله عليه وسلم بغار حراء وذلك في رمضان، ولهذا قال الله تعالى :"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن" وقال "إنا أنزلناه في ليلة القدر" فدل ذلك على أن ليلة القدر في رمضان، وقد اختار الله عز وجل هذا الشهر لنزول هذا الوحي الشريف وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اختار لأمور أخرى ثبت في سنن النسائي أنه قال ( عند دخول رمضان فتحت أبواب السماء وأغلقت أبواب جهنم وصفدت مردة الشياطين)، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النيران وصفدت مردة الشياطين )، والحديثان لا تعارض بينهما ففتح أبواب السماء معناه استقبال الدعاء فلذلك ما من شهر الدعاء فيه آكد وأضمن في الإجابة من هذا الشهر لأن الله يفتح فيه أبواب سماواته لاستقبال دعوات عباده، وكذلك فتح أبواب الجنة حيث يصل منها الخير والبركة والنماء إلى الأرض وكذلك إغلاق أبواب جهنم فإن كل شر يصل إلى الأرض هو من جهنم أعاذنا الله منها، فالبرد الشديد من جهنم والحر الشديد من جهنم والأوبئة والأمراض والآفات التي تتنزل على أهل الأرض تأتي بها النيازك أو الكواكب أو غير ذلك من الرياح كلها أضرار من جهنم، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (اشتكت النار لربها فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف وذلك أشد ما يكون الحر والبرد ) فالنار فيها الزمهرير وهو البرد الشديد وفيها الجحيم وهو الحر الشديد وما يصل إلى الأرض من حرارة يأتي مرورا بالشمس وهي أشد الكواكب حرارة في مجموعتنا، وما يأتيها من البرد ياتي بواسطة الكواكب المعاكسة للشمس، وهي شديدة البرد، وكل ذلك قادم من النار أعاذنا الله منها.

وكذلك بين الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصية هذا الشهر بتصفيد مردة الشياطين وفي ذلك نعمة عظيمة على الإنسان، لأنه في هذه الدار ممتحن، كأنه جالس على كرسي الامتحان وعليه خمس رقابات : الرقابة الأولى رقابة الملك الديان سبحانه وتعال فهو يعلم ما في أنفسكم " يعلم السر وأخفى"، " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"، فلذلك هو الشاهد الذي لا يغيب وهو معكم أينما كنتم " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم أينما كانوا"، والرقابة الثانية هي رقابة الملائكة الكرام فإنهم يحصون على الإنسان عمله ولذلك قال الله تعالى " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون"، وقال تعالى "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" وقال تعالى "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله"، وقد قال الحافظ بن حجر رحمه الله (بالتقصي تبين أن مع كل واحد من البشر واحد وعشرون ملكا فمنهم صاحب اليمين الذي يكتب الحسنات، وصاحب الشمال الذي يكتب السيئات، والقرين الذي يلم بقلبه وملائكة الجوارح كل جارحة عليها ملك، والملائكة الذين يتعاقبون في الناس فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر فإذا ارتفعوا إلى ربهم سألهم وهو أعلم فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون فيحصل بذلك واحد وعشرون ملكا مع كل واحد من البشر، والرقابة الثالثة رقابة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فكل أمة بعث الله فيها رسولا جعله شهيدا عليها ومراقبا على أعمالها يشهد عليها بأعمالها يوم القيامة، وقد اختار الله لهذه الأمة أفضل رسله محمدا صلى الله عليه وسلم وهو شهيد على هذه الأمة بأعمالها كما قال الله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونـــوا شهــداء على النــاس ويكون الرسول عليكم شهيدا"، وقال تعالــى" فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" وقال تعالى " ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء"، وهو الشاهد الذي لا يجرح ولا يطعن في شهادته وتعرض عليه أعمال أمته في قبره فيشهد بها ودليل هذا العرض قوله صلى الله عليه وسلم (فإن صلاتكم معروضة علي)، وأيضا أن الشهادة من شرطها العلم وقد ثبتت الشهادة فيما ذكرنا من الآيات وغيرها فقال تعالى " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون"، وقال " وما شهدنا إلا بما علمنا"، وقد أخرج البيهقي في السنن من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أترى الشمس إذا طلعت قال نعم، قال على مثلها فاشهد أو دع) فلا يحل للإنسان أن يشهد بما لا علم له به، وهو قطعا يشهد على الأمة بعملها وذلك دليل على أن عملنا معروض عليه، وحينئذ سيسر بحسنه لأنه حريص علينا ويساء بسيئه لأنه لا يحب لنا إلا الخير، ولذلك قال (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم) كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه.

في رمضان تلاحظون أن الوقت أوسع وأرحب لأن البركة التي فيه أكبر، وتلاحظون أن النفس تقبل من الإنسان أن يبقى في المسجد لانتظار الصلاة بعد الصلاة وهذا قل ما يجد له الإنسان فرصة في الأيام الأخرى في غير شهر رمضان، والسبب أن النفس الآن قد أعن عليها بسد أبواب الشهوات.

ثم الجبهة الثالثة وهي إخوان السوء أعاننا الله عليهم بالصيام فإنهم لا يأتون إلا من أجل الشهوات فإذا لم يجدوا طعاما ولا شرابا ولا كلاما في ما لا فائدة فيه انصرفوا، والجبهة الرابعة وهي مفاتن الدنيا وشهواتها أعاننا الله عليها بالصيام بأنه تذكير بالآخرة، فالصائم متشبه بالملائكة الكرام عبادتهم دائمة لا تنقطع المسبح منهم يسبح الدهر كله ولو مضى عليه مليارات السنوات، كما قال الله تعالى "يسبحون بالليل والنهار لا يفترون"، ليس لهم فترة لنوم ولا لأكل ولا لشرب ولا لراحة، كل الوقت للتسبيح، والراكع منكم راكع أبد الأبدين ولو مضى عليه مليارات السنين، والساجد منهم ساجد أبد الآبدين ولو مضى عليه مليارات السنين، ولذلك أخرج ابن جرير الطبري بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أطت السماء وحق لها أن تئط فما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع)، والملائكة الكرام هم جنس من خلق الله جعلهم فوقنا لنتأسي بهم ونقتدي ولذلك كان الإيمان بهم ركنا من أركان الإيمان، أركان الإيمان الستة هي أصول التفكير لأن الإنسان بإيمانه بالله يتحرر من الأغيار وبإيمانه بكتب الله يعلم مصادر العلم التي هي يقينية قطعية، وبإيمانه برسل الله يعرف أن لله عبادا اصطفاهم وعصمهم وهم الذين يطيعونه ويعملون بأمره ويجاهدون في سبيله ويدعون إليه ويبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وهم بشر مثلنا في البشرية فعلينا أن نقتدي بهم "فبهداهم فاقتد"، والإيمان بملائكة الله يبين لنا الطبقة التي فوقنا من خلائق الله الذين وحدهم لطاعته وخلصهم لعبادته لم يمتحنهم بالشهوات ولم يسلطها عليهم، وإنما امتحنهم بالطاعات وسخرهم لها فطاعتهم هي سعادتهم، الإنسان الآن له مبتغيات أخرى غير الطاعة يبحث عن السعادة في شهواته، يبحث عنها في نومه وراحته، والملائكة ما لهم سعادة إلا بالطاعة، فقد خلقوا لها وسخروا لها، الإيمان بالله وقدره خيره وشره معين للإنسان على عدم الإحباط وعدم الهزيمة لأن القدر يقتضي من الإنسان إذا آمن به أن يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه رفعت الأقلام وجفت الصحف عما هو كائن، ولهذا قال الله تعالى " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم"، لكي لا تأسوا أي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ولا تفرحوا بما آتاكم منها، لأن ذلك كله قد كتب ورفعت الأقلام وجفت الصحف، والإيمان باليوم الآخر يقتضي من الإنسان أن يعلم أن هذه الدار لا تساوي شيئا ولا ينبغي أن تكون جل اهتمامه ولا مبلغ علمه وألا يعمل لها، فرزقه مضمون " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها" لكن عليه أن يعمل لدار القرار و"إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" فهي الحياة الحقيقية التي لا تنقطع وبذلك تكون هذه الأركان جميعا محررة للعقل البشري ومنورة له، ولذلك لم يكن الإيمان بالجن ركنا من أركان الإيمان لأنهم ليسوا قدوة لنا ولا أسوة بخلاف الملائكة الكرام، فنحن معشر البشر جعلنا الله بين نوعين من أنواع الخلائق نوع أسمى من نوع وهم الملائكة الكرام، ونوع أدنى من نوع وهو الحيوان البهيمي، فالملائكة سخروا للطاعات ولم تسلط عليهم الشهوات، والحيوان البهيمي سخر للشهوات ولم يمتحن بالطاعات، ونحن جمع الله لنا بين الخاصيتين خاصية الملائكة بالطاعات وخاصية الحيوان البهيمي بالشهوات فنحن نجمع بين العالمين، فمن اتبع الشهوات وضيع التكاليف التحق بالبهائم بل كان أدنى منها لأن الحجة على الإنسان أكبر من الحجة على الحيوان، قال تعالى " إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا"، وقال " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم"وقال تعالى" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد غلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القول الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتذكرون ساء مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون" وقال تعالى " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين"، فلذلك كان الذين يتبعون الشهوات ويعرضون عن الطاعات بمثابة البهائم وأخس من البهائم فهم مثل الكلاب والحمير كما ضرب الله لهم المثل في كتابه وجعلهم أخس أنواع الخلائق كما قال الله تعالى إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية" وشر البرية معناه هم أخس ما خلق الله فهم أرذل من فيروس السيدا وكل أنواع الفيروسات أو أخس من كل ذلك، وإذا أدى الإنسان التكاليف ولم يتبع الشهوات التحق بالصنف الأسمى وهم الملائكة الكرام كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الذي يقرأ القرآن ولا يتعتع به وهو عليه شاق فهو مع السفرة الكرام البررة ) وهم خيرة الملائكة الكرام، فلذلك أعاننا الله سبحانه وتعالى في رمضان على هذه الجبهة وهي جبهة مفاتن الحياة الدنيا وشهواتها بتذكرنا للدار الآخرة، فالذي يصوم متشبه بالملائكة لأن الملائكة لا تأكل وهو صائم من طلوع الشمس إلى مغربها وهو في عبادة، إذا نام لا يقطع ذلك عابدته، وإذا دخل السوق واشترى وباع لا يقطع ذلك عبادته،و إذا دخل المسجد وصلى أو قرأ القرآن لا يقطع ذلك عبادته الأولى فهو في عبادة مستمرة هي تشبه بالملائكة الكرام في طاعتهم، ولذلك كان الصوم يختص بغيره من العبادات بمزيد أجر وثواب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يقول الله تعالى كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها قال إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، ودل على ذلك قول الله تعالى " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"، وجمهور أهل التفسير يفسرون الصابرين بالصائمين، ولا يدخل في هذا المقياس عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والله يضاعف لمن يشاء بل هو جزاء من عند الله وهو الجزاء الأوفى، ولذلك المتشبه بالملائكة الكرام لا يمكن أن يركن إلى أوساخ الدنيا وما فيها مما هو زائل مضل، فكل ما يبتغيه الناس فيها مصيره إلى زوال إذا أعجبك أي شيء فيها فانظر إلى مثله وبقيته في القمامات والأوساخ، السيارات الفارهة إذا أعجبتك أي ماركة فاذهب إلى القمامات فستجد بقايا تلك السيارات، والمباني الشاهقة إذا أعجبتك فاذهب إلى القمامات فستجد شظاياها وأنقاضها، والملابس الجميلة إذا أعجبتك فانظر إلى القمامات فستجد قطعا منها بالية، وهكذا في كل أموال الدنيا وزخارفها وكل ما يرغب الإنسان فيها مآله إلى أن يتضرر به الإنسان من رائحته ولونه ويكرهه كراهة شديدة إما أن تنتقل عنه وإما ينتقل عنك.

والجبهة الأخيرة وهي جبهة النعم، أعاننا الله عليها في رمضان بذكرها فالإنسان إنما يهمل الشكر على النعم لغفلته عنها، ففي رمضان نبه الإنسان وهذا التنبيه من سنة الله ولطفه بالعباد ألا ترون أنكم عندما تدخلون الصلاة يجهر الإمام بتكبيرة الإحرام لينتبه الجميع فيدخل في الصلاة، فيمكن أن يسهو أحدنا أو بعضنا فإذا حان وقت الركوع جهر الإمام بالتكبير ليرجع الإنسان وينتبه، فيعود مرة أخرى فإذا ركع يمكن أن يسهو فيكبر الإمام سمع الله لمن حمده فينتبه فإذا قام من الركوع فقد يسهو فإذا حان وقت السجود يرفع الإمام صوته بالتكبير لينتبه الإنسان، وهذا التكبير اختير من بين العبادات الأخرى فلم يقل سبحان الله ولا الحمد لله ولا لا إله إلا الله وإنما اختير التكبير ليقطعك عما أنت فيه فالله أكبر، كل ما دون الله لا يساوي شيئا من جلاله سبحانه وتعالى وعظمته وكبريائه، وقد ورد في الحديث لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت عنه قال يا ابن آدم إلى من تلتفت أنا خير ممن التفت إليه)، وهذا التنبيه واقع أيضا في الصيام فإنه يذكرك بأوقات كنت فيها محتاجا فأغناك الله كنت لا تجد ما تطعم به أهلك فأعطاك الله فتتذكر حال الفقراء الذين لا يجدون ما يسدون به خلتهم وقديما قال حاتم بن عبد الله الطائي :

لقدما عضني الجوع عضا                        فآليت ألا أمنع الدهر جائعا

فمن حكمة مشروعية الصيام أنه تذكير لنا بنعم الله علينا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا آوى إلى فراشه (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم من لا كافي له ولا مؤوي) فتتذكر هذه النعم العظيمة الجليلة ويكون ذلك عونا لك عليها.

إذن فرمضان عون لك على الجبهات الخمس جميعا، ما من جبهة من الجبهات إلا وقد أعنت عليها في رمضان، ورمضان زيادة في العمر فالإنسان ما من شيء أحب إليه من عمره، هو حبيب الإنسان الأول، إذا فكر في أي حبيب وبقي له العمر سيبقى عنده أمل أن العمر سيعوضه ذلك الحبيب ولو كان أبا أو أما أو زوجا أو أخا لأن كل ما سوى العمر مخلوف، لكن في الواقع إن العمر في الأصل حدد وكتب وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين قال حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمة أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح فيأمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) والناس يحفظون هذا الحديث من الأربعين النووية وقد زاد فيه الإمام النووي رحمه الله أربعين يوما نطفة ولا توجد هذه اللفظة في الصحيحين، والذي يعلم أن عمره مكتوب ويعلم أن نهايته حتمية ويعلم أنها مجهولة بالنسبة إليه، يسعده فعلا أن يزداد عمره وهذه الزيادة أيضا ليست وهمية إنما هي قطعية، ما هي هذه الزيادة؟ هي في حق من أدرك ليلة القدر فقامها إيمانا واحتسابا فإن الله قال " وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر"، عادة الله في كتابه أنه إذا قال ما أدراك معناه أنه سيبين ذلك، وإذا قال ما يدريك فإنه لن يبينه، فالمضارع جاء في ذكر القيامة " وما يدريك لعل الساعة قريب"، فهذا لا بيان له ولا يعلمه إلا الله، لكن إذا قال ما أدراك فسيأتي البيان بعدها، كما قال هنا " وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر"، وخير أصلها أخير ولكن لكثرة الاستعمال حذفت منها الهمزة كما قال ابن مالك وغالبا أغناهم أن يقولوا أخير منه وأشر وقالوا خير منه وأشر، فلذلك هي أخير من ألف شهر أي أكثر خيرا ونفعا وثمرة وفضلا من ألف شهر، فهي إذن زيادة في العمر تعادل أربعا وثمانين سنة وستة أشهر، في حق أقل الناس لأن الخيرية تقتضي زيادة إذا قلنا هذا خير من هذا معناه أن أكمل كل ما في المرء من خير وزاد عليه وتلك الزيادة غير محصورة فهي متفاوتة بحسب الفضل عند الله، فمن الناس من تكون ليلة القدر في حقه أفضل من آلاف السنوات ومنهم من تكون أفضل من آلاف الأيام ومنهم من تكون آلاف الشهور وأقلهم درجة التي تكون في حقه أفضل من ألف شهر، فلذلك هذه الليلة العظيمة أخفاها الله في ليالي رمضان ليطلبها الناس من أول رمضان إلى آخره، وفيها أقوال كثيرة والذي يترجح من أقوال أهل العلم أنها متنقلة في رمضان أغلب ما تكون في العشر الأواخر، واغلب ما تكون في العشر من أوتارها، لكن مع ذلك محتمل أن تكون في كل ليلة من ليالي رمضان فهي متنقلة فيه، لكن وجدنا دليلا على أنها في رمضان لا تتعداه وهو ما ذكرناه في نزول القران بأن الله قال "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"، وقال "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، وقد تواترت رؤى الصحابة رضوان الله عليهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام من الأعوام، أنها في العشر الأواخر، لكن لا يقتضي ذلك أنها دائما في العشر الأواخر، فقد تتعداهم، وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوائل من رمضان فأتاه جبريل فقال أن الذي تطلبه أمامك فاعتكف العشر الأواسط فقال أن الذي تطلبه أمامك فاعتكف العشر الأواخر فلم يزل يعتكفها ويعتكفها أزواجه من بعده، كما ثبت ذلك في الصحيح، وقد بين الله الفضل في هذه الليلة المباركة وبين خصائصها ومنها أنها تتنزل فيها الملائكة الكرام وقال فيها "بإذن ربهم"، والمقصود بإذن ربهم أي بأمره، ودليل ذلك ما جاء في سورة مريم في قوله تعالى حكاية عن الملائكة الكرام "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا كذلك ما كان ربك نسيا"، وهي سلام من كل أمر من الأمور أو السلام هو تسليم الملائكة فيها فهم يسلمون على عباد الله المؤمنين فيها، وذلك من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهي سلام وأمان إلى طلوع الفجر، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم علامة من علاماتها فذكر أن الشمس في يومها تصبح حمراء ليس فيها أشعة أي تطلع كذلك، وسألهم كما في صحيح مسلم أيكم رأى القمر البارحة فبين لهم أنه طلع كشق جفنة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل قيامها فقال (من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له)، وهذا الحديث مقتضاه أن من وفق لقيامها وتقبل الله منه "إنما يتقبل الله من المتقين" فسيكون ذلك تكفيرا لسيئاته وجعل ذلك في كل رمضان في قيامه وصيامه كما في حديث أبي هريرة أيضا في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، كذلك من خصائص هذا الشهر أن فيه ليلة المغفرة وهي آخر ليلة من رمضان، يعتق الله فيها رقاب الصائمين من النار والمقصود بالصائمين الذين صلح صيامهم واستقام فسلم لهم رمضان وتسلمه الله منهم، فكان رمضان لهم وهؤلاء هم الذين يستحقون الجائزة وهي في آخر ليلة من رمضان، قالوا يا رسول الله أليلة القدر هي؟، قال لا، وغنما العامل إنما يوفى أجره عند نهاية عمله، وهذا الشهر مرتبط بالقرآن فكانت بداية نزول القرآن فيه، وكانت مدارسة جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم القران فيه، ولذلك كان تهذيب النفس فيه أوفر لأن القران مهذب للنفوس بالأوامر والنواهي والمواعظ والعبر والأيام الله الخوالي وما يرجى من إحسانه وفضله، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن وحين يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان فالرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة)، فالرسول صلى الله عيه وسلم ما عرفت البشرية أجود منه، ولذلك كان يعطي الرجل ما بن الجبلين من الإبل وما بين الجبلين من الغنم ويعطيه من الذهب حتى ما يقله أي لا يستطيع حمله وقد جاءه أعرابي إلى سمرة يوم أوطاس فتعلق بها رداءه فقال إليكم عني فلو كان عندي مثل سمر تهامة لقسمته بينكم ثم لم تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ) هو أجود الناس في حديث جابر في الصحيح (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ما سئل شيء قط فقال لا)، إن كان عنده أعطى وإلا رد بميسور من القول، وهذا الذي علمه الله في كتابه فالله يقول له "إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا"، لكن كانوا يشعرون بزيادة في سخائه في شهر رمضان وقد بين ابن عباس سر ذلك وهو مدارسة القرآن، والكرم والسخاء إنما يكون بزوال الشح والبخل، وقد قال الله تعالى " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"، فالشح والبخل من أمراض القلوب، وقد اختلف أهل العلم هل الأصل في الإنسان اتصافه بإمراض القلوب أم الأصل البراءة منها، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأصل في الإنسان البراءة من أمراض القلوب واستدلوا بقول الله تعالى: "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم"، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكونا أبواه هما الذين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وبقوله صلى الله عليه وسلم (ما من أحد منكم إلا يولد كما تنتج البهيمة البهيمة جمعاء فهل ترى فيها من جدعاء وفي رواية فهل ترى فيها من جدع وقت ميلادها ) وذهب الإمام أو حامد الغزالي رحمه الله إلى أن الأصل في الإنسان أمراض القلوب أن تكون موجودة فيه ولكن الله يذهبها عنه إما بالاجتباء وإما بالاهتداء، فهما أمران الاجتباء اختيار رباني يختار الله به ما يشاء من عباده فيخلصه من الأقدار والأكدار ويصطفيه لنفسه، والقسم الثاني الاهتداء والذي يسلك طريق الحق ويعالج نفسه فيهديه الله، والله تعالى يقول والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" والسالكون الواصلون قسمان الذين اجتباهم الله فلم يتعبوا أنفسهم وغنما أصلحهم الله دون عناء، والذين جاهدوا أنفسهم وأصلحوها فانتصروا على أنفسهم، قال الله تعالى" ممن هدينا واجتبينا"، ويقول في سورة الشورى"الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب"، الذي يتوب ويعالج نفسه يهديه إليه، والذي يجتبيه الله لا يحتاج إلى شيء من ذلك مباشرة يجد نفسه صالحا مقبلا على الله، مدبرا عمن سواه، فلذلك يختار الله من يشاء من خلقه فيصفيهم من أمراض القلوب ولكن الأصل عند الغزالي وجودها، واستدل الغزالي بذلك بشق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وغسل قلبه وانتزاع المضغة السوداء منه وغسله بطست من ذهب جاء به جبريل من زمزم وحشاه من الإيمان والحكمة قال لو كان أحد ينجو من هذه المضغة السوداء التي هي مرض القلب فكان مثل رسول الله صلى الله عليه، والذي أراه أنه لا بد من الجمع بين القولين والدليلين فنقول الأصل في الإنسان السلامة من الاتصاف بأمراض القلوب والأصل في الإنسان القابلية لأمراض القلوب فالذي أزيل عن الرسول صلى الله عيه وسلم ليس أمراض القلوب فلم تسبق عليه قط، لكن الذي أزيل عنه قابليته لأمراض القلوب وأمراض القلوب مثل أمراض البدن، الأصل في الإنسان السلامة من السل الرئوي والأصل في الإنسان السلامة من السكري لكن الأصل القابلية لذلك والرسول صلى الله عليه وسلم شق صدره وأزيل عنه قابلية للأمراض القلبية، وإن كانت القابلية للبشر كلهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لم نيزل الله داء من السماء إلا وأنزل له دواء فتداووا عباد الله) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (الحديث للوجوب في أمراض القلوب وللندب في أمراض البدن) لكن هذا الذي قاله ابن حافظ لا يسلم بالإطلاق فأمراض البدن بعضها أيضا يجب العلاج منه كما أن يمنع الإنسان من أداء فريضة من فرائض الله يجب عليه أن يتعالج منه، ومن ذلك أمراض القلوب ليست كلها أيضا مما يجب علاجه فأغلبها كذلك ولكن الخفيف منها قد لا يجب العلاج منه.

فرمضان إذن علاج للإنسان من أمراض القلوب وهذا العلاج مركب بين رمضان والقرآن، فجبريل كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان مرة، وليست هذه المدارسة كما يتوهم البعض تأخذ وقتا كمدارستنا نحن بل مدارسة جبريل داخلة في ما بينه الله في قوله "لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأنه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه"، وقد بين الله لرسوله حفظه لهذا القران "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا نحن لحافظون"، فكانت المدارسة سريعة بضمان الله له أن الله يجمعه في صدره وهذا يشمل ألفاظه وحروفه وحدوده ومعانيه وبيانه ومعجزه وكل ما فيه، لكن في العام الذي هو عام موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان الذي لم يعش بعده، تدارسه معه جبريل مرتين في كل ليلة فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن أمرا ما قد حدث ولذلك قال لابنته فاطمة (إن جبريل كان يدارسني القران كل ليلة مرة وفي رمضان هذا دارسني في كل ليلة مرتين وما أظن ذلك إلا أجلي قد اقترب ).

فلذلك ارتبط رمضان بالقرآن وارتبط القران برمضان، وارتبطا معا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد سئلت عائشة عن حلق النبي فقالت كان خلقه القران)، فهو بمثابة قران يمشي على الأرض، ولذلك قال الله تعالى "وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فصلناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا"، وفي سورة الطلاق يقول الله تعالى" ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات مبينات "، فالرسول باعتقاده وبعبادته وبمعاملته وبخلقه بيان للقران، وقد زكاه الله تعالى فقال فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا" وأخلاقه زكاها الله بقوله وإنك لعلى خلق عظيم"، وعبادته ومعاملته يقول الله فيها "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"، فلذلك ارتبط القران بالرسول صلى الله عليه وسلم وارتبط بهذا الشهر الكريم، فإذا أراد الإنسان أن يحصل له الزكاء في نفسه ويخليها عن صفات المنافقين والمشركين وأن يحليها بصفات المؤمنين فعليه أن يستغل فرصة الموسم العظيم الذي هو شهر رمضان وأن يتدبر هذا القرآن، والتدبر من أجله أنزل القران كما قال الله تعالى كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب" وقال " أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها " وقال " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " والتدبر قسمان القسم الأول تدبر المعاني وهو في حق الناطقين بالعربية، فمن كان ينطق بالعربية يمكن أن يتدبر ويفهم معانيه فإذا أشكل عليه شيء رجع فيه إلى أهل العلم، والقران حينئذ أربع أقسام :

القسم الأول ما يفهمه كل ناطق بالعربية على وجه السليقة .

القسم الثاني ما هو من غريب اللغة التي لم تعد مستعملة في كلام الناس فيما بينهم.

القسم الثالث ما هو من أدلة الأحكام وتوجه الاستنباط وهذا يختص بالراسخين في العلم أي أهل الأصول.

القسم الرابع ما كان من المشكل والمتشابه وهو خفي الدلالة من القرآن و المرجع فيه إلى أهل الأثر وأهل الرواية.

والقسم الثاني من التدبر هو تدبر المحبة، وهذا لجميع المؤمنين، سواء كانوا من الناطقين بالعربية أو لم يكن يفهم حرفا في العربية، بأن يقول هذا كلام ربي سبحانه وتعالى فيحبه حبا شديدا كحبه لله، فبقدر محبة الإنسان لله تكون محبته لكتاب الله وكلامه سبحانه وتعالى ولذلك كان عكرمة بن جهل عند موته يقلب المصحف على خديه ويبكي ويقول كتاب ربي محبة القرآن، فكل مؤمن أيا كان سواء كان ذكرا أو أنثى كبيرا أو صغيرا عالما أو جاهلا يجب عليه أن يحب هذا القرآن حبا شديدا وهذا حظ غير الفاهمين له من تدبره، فيصلهم منه أنوار وبركات لا حصر لها "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا يجعل لكم فرقانا" وكم من إنسان لم يكن من أهل هذا الشأن هدي بسبب لحظة تدبر لكتاب الله.

فهذا القران إذن هدى للناس الذين أراد الله بهم الهداية ولذلك قال الله تعالى " لا ريب فيه هدى للمتقين"وقال "إن هذا القرآن يهدي لتي هي أقوم"، وهو شفاء مع الهدى كما قال الله تعالى "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"، لكن لا ينال ذلك إلا مقصده وتدبره فإن البركات والرحمات تتنزل عند تلاوته كما قال الله تعالى وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون"، فمن استمع له وأنصت فإنه يرحم برحمات الله وبركاته المتنزلة، ويكون نصيبه منها أوفر، وهذا الشهر الكريم ينبغي للمؤمنين أن يأخذوا نصيبهم منه فهو شهر الانتصارات، وقد هيأ الله فيه النفوس لتنتصر والإنسان إذا انتصر على نفسه بترك الشهوات والآثام والمعاصي فان ذلك يسهل له الانتصار في كل جبهة أخرى، فإذا أراد الإنسان أن ينتصر على نفسه فليصلحها أولا ولينتصر عليها أمام الشبهات وأمام الشهوات، فالشهوات لا يقهرها الإنسان إلا بالصبر والشبهات لا يقهرها إلا باليقين، وعندما يجمع الصبر باليقين ينال الإمامة في الدين كما قال تعالى "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون "، وقد نصر الله المؤمنين في هذا الشهر انتصارات كبيرة منها ما كان يوم بدر وهو يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، ومنه ما كان في فتح مكة، وكانت فيه معارك إسلامية كبرى كعين جالوت وحطين والزلاقة فقد خرج المغاربة مع يوسف بن تاشفين في رمان لنصرة إخوانهم في الأندلس بعد أن جاءه المعتمد بن عبا د مستنصرا مستنجدا فلما دخل الأندلس بجيشه المرابطي أرسل إليه ملك الإسبان فقال اليوم يوم جمعة وهو يوم عيدكم وغدا يوم السبت وهو يوم اليهود، ويوم الأحد هو عيدنا فلذلك نترك القتال إلى يوم الاثنين، وكانت هذه خدعة لم ينخدع لها يوسف بن تاشفين فلبس السلاح تحت لباسه فلما وقف في الناس يخطب الجمعة ثارت الخيل في وجهه فصلى صلاة المسايفة.

الشيخ محمد الحسن ولد الددو

الأربعاء, 06 حزيران/يونيو 2018 15:25

من السنة الإكثار من الخيرات في رمضان

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ( وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان: الإكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن الكريم في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسله، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما لا يخصُّ غيره به من الشهور)

فرمضان مناسبة سنوية عظيمة لأهل الإيمان يتداركون فيه أنفسهم وأحوالهم، ويغتنمون فيه فرصة مضاعفة الأجور، فإذا كان من السنن الكف عن فضول الأقوال والأفعال، فمن اللازم إشغال النفس بمختلف أشكال الطاعات، بدءا من إخراج الزكاة لمن غفل عنها أو جعل رمضان موعدا لأدائها، وبذل ما يستطيع من الصدقات والإحسان وتفطير الصائمين ففي مسند أحمد عن زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من فطر صائما كتب له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ومن جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب له مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الغازي شيء"

ومما ينبغي الاشتغال به الإكثار من تلاوة القرآن ومدارسته، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الشاطبي رحمه الله:

وكل عام على جبريل يعرضه .. وقيل آخر عام مرتين قرا

واقتداء أيضا بعمل السلف في هذا الشهر الفضيل، فمما يذكر عن الإمام مالك رحمه الله أنه كان اذا دخل عليه شهر رمضان أغلق على كتبه وأخذ المصحف ومنع الفتوى والمساءلة مع الناس وقال: هذا هو شهر رمضان، هذا هو شهر القرآن، فيمكث في المسجد حتى ينسلخ شهر رمضان.

ومما ينبغي فعله والمواظبة عليه بعد أداء فريضة الصلاة في الجماعة قدر المستطاع، الإكثار من نوافل النهار وقيام الليل وصلاة التراويح، وفي الحديث الصحيح" من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ثم ملازمة الذكر في عامة الأحوال.

كما يستحب أن يعتكف المسلم في رمضان، لا سيما في العشر الأواخر منه رجاء مصادفة ليلة القدر، وعلى الغيورين على إحياء سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم في أي موقع كانوا في الجهات الرسمية أو الشعبية الاجتهاد بما في وسعهم لإحياء هذه السنة المهجورة في مساجد بلدنا الحبيب، وذلك من باب ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا" وقال الترمذي هذا حديث حسن.

أصدر مركز المقاصد للدراسات والبحوث كتابا جديدا ضمن سلسلة دراسات العدد الأول بعنوان "جماعة عباد الرحمن في السنغال – التاريخ والمنهاج" لمؤلفه "نجوغو بن مبكي صمب".

ويقع الكتاب من الحجم الكبير في 287 صفحة وتعد الطبعة الأولى من المؤلف بتاريخ فبراير 2018 لمطبعة شمس برانت بالرباط.

ويفتتح الكتاب بشهادة أمير جماعة عباد الرحمن في السنغال الشيخ عبد الله لام على تجربة جماعة عباد الرحمن وتقديم للكتاب من قبل رئيس التجمع الإسلامي في السنغال والأمين العام لمنتدى الوسطية بأفريقيا سابقا الشيخ مختار كيبي وشهادة في حق المؤلَّف بعنوان "كتاب جمع بين التعريف بالجماعة والتأصيل للمنهج" للأستاذ حماد تيام الكرمجبلي (سالوم).

ويتألف الكتاب من مقدمة منهجية للكاتب وخمس فصول، تتناول على التوالي: مراحل الدعوة الإسلامية وأطوارها في السنغال، وجماعة عباد الرحمن – النشأة وجيل التأسيس، والمنهج الدعوي والحركي لجماعة عباد الرحمن، ومجالات عمل جماعة عباد الرحمن وميادين جهادها، وفصل بعنوان "حركات مندمجة ومؤسسات متخصصة، وأخيرا "المنجزات والآفاق المستقبلية".

ويعتبر هذا الكتاب، حسب أمير جماعة عباد الرحمن في السنغال الشيخ؛ عبد الله لام، إضافة نوعية جديدة إلى المكتبة الإسلامية عامة، وإلى مكتبة الجمعيات والمنظمات الإسلامية خاصة، بأسلوب عربي سلس، وبلغة فصيحة رفيعة، مع تأصيل علمي لكل ما يذهب إليه، والاعتماد على مصادر موثوقة، من كتابات حملة الدعوة أو من أفواههم، من مؤسسي الجماعة ومن لحق بهم من الشباب والدعاة وغيرهم ممن تربوا على أيديهم.

ويضيف أمير الجماعة أنه مما ساعد الكاتب في تأليفه هو معايشته لجيل المؤسسين وقادة جماعة عباد الرحمن في السنغال عن قرب، وشاهد عن كثب الجهود التي بذلوها ويبذلونها، وما حققوا من إنجازات، بل وما عاشوا من إخفاقات، كما عرف الكاتب بمناقشة القادة وإسداء النصح لهم، مما يزيد الكتاب قيمة علمية، ناهيك أن الكتاب خضع لتحكيم لجنة علمية مستقلة، أجازته بعد فحص علمي حر دقيق.

الإصلاح

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 14:55

رمضان شهر الإنتصارات.. (5) فتح مكة

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم فتح مكة.

في العشرين من شهر رمضان المبارك في السنة الثامنة للهجرة كان فتح مكة، وكان عدد جيش المسلمين الفاتح عشرة آلاف مقاتل، يقودهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

• سببها:

أنَّ قريشًا نقضتْ ما كان بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، وقد كان في بنود الصُّلح: أنه مَن أحَبَّ أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه، ومَن أحبَّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.

وحدث أن اقتتلتْ بكر مع خزاعة واعتدَتْ عليها، فساعدت قريش سرًّا بني بَكر بالسلاح؛ كما قاتل رجال من قريش ليلًا مع بني بكر؛ وعليه، فقد نقضوا الصُّلحَ بهذا العمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث لا يَحِق لهم أن يفعلوا ذلك، فانطلق بديل بن ورقاء مع نفر من خزاعة حتى قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما أُصيبوا منهم، وبمساعدة قريش لبني بكر، ثمَّ عادوا.

قدوم أبي سفيان للمدينة:

وقَدِم أبو سفيان إلى المدينة ليَستطلِع الخبرَ، وليُصحِّح خطأ قريش ويُوثِّق صُلْح الحديبية ويَزيد في مدته، فكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَرُد عليه، وذهب إلى أبي بكر ليُكلِّم له رسول الله، فقال أبو بكر: ما أنا بفاعل، وقابله عمر بأشد مما قابله أبو بكر، وذهب إلى عليٍّ فكلَّمه أن يشفع له عند رسول الله، فقال له علي: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمرٍ ما نستطيع أن نُكلِّمه فيه، ثَمَّ وجد أبو سفيان أنَّه غير مرغوب فيه بالمدينة، فخاف على نفسه، وانطلق عائدًا إلى مكة خائبًا.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالاستعداد:

وتَجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزْو، وأمر المسلمين بذلك دون أن يُحدِّد لهم وِجهةَ سيره، ثمَّ أخبر الناس بعد ذلك بأنه ذاهب إلى مكَّة، وقال: ((اللهمَّ خذ العيون والأخبار عن قريش؛ حتى نبغتها في بلادها))، وأرسل حاطبُ بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يُخبِرهم بالذي أجمَع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه امرأةً، وجعل لها أجرًا على إيصاله، فوضعَته في رأسها، ثمَّ فتلت عليه شعرها وخرجت به، وأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ من السماء بما فعله حاطِب، فبعث عليَّ بن أبي طالب والزبير وقال لهما: ((أدرِكا امرأة قد كَتَب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يُحذِّرهم ما أجمعنا عليه في أمرهم))، فخرجا فأدركاها واستخرجا منها الكتابَ، واستدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال: ((يا حاطب، ما حملك على هذا؟!))، فقال حاطب: يا رسولَ الله، إنِّي لمؤمن بالله ورسوله، ما غيَّرتُ وما بدَّلتُ، ولكن كنتُ امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عَشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقَه؛ فإنَّ الرجلَ قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما يدريك يا عمر، لعلَّ الله قد اطَّلَع على أصحاب بدر يومَ بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)).

وخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان، فصام وصام معه الناس حتى إذا كان بالكَديد[1] أفطر، ثمَّ مضى حنى نزل في مرِّ الظهران قريبًا من مكة.

أبو سفيان يستطلع حول مكة:

وخرج أبو سفيان في نفر يَستطلِع حول مكَّة، فقد كان به هاجس لا ينام ورأى نيرانًا كثيرة، فاقترب فلقيه العبَّاس وأخبره بأنَّ هذا جيش المسلمين، فخاف أبو سفيان، ثمَّ إن العباس أجاره وأردفه وراءه على بَغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل به إلى النَّبي، ثمَّ أسلم أبو سفيان في الصباح، وشهِد استعراضَ النبي صلى الله عليه وسلم لجيشه، فقال أبو سفيان: لا طاقة لقريش به، فأسرع إلى مكَّة، وأخبرهم بذلك وقال لهم: مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومن دخل المسجد فهو آمِن، ومَن أغلق عليه بابَه فهو آمن، ووزَّع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجيشَ ليَدخُل مكَّة من أربعة مداخل، وعلى رأس كلِّ جيش قائد، وهم: الزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وسعد بن عبادة، وشهِد جيش خالد قتالًا مع المشركين، فقَتَل منهم ما بين اثني عشر رجلًا وثلاثة عشر، ثمَّ انهزموا.

وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أُناسٍ من المشركين وأهدر دمَهم ولو تعلَّقوا بأستار الكعبة، فقد آذَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

ولما اطمأنَّ الناس بمكَّة خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وطاف بالبيت سبعًا على راحلته، ثمَّ حطَّم الأصنامَ ومسح صورًا داخل الكعبة وطهَّرها من رجس الشرك.

الإصلاح

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 14:21

العشر الأواخر من رمضان.. أين المتنافسون؟

العشر الأواخر من رمضان أيام عظيمة امتن الله بها على الأمة المسلمة بأن أعطاها نفحات ربانية عطرة، فيها الأجر العظيم مع العمل والطاعة القليلة، وفيها أيضا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.. هي خلاصة رمضان، وزبدة رمضان، وتاج رمضان قد قدمت، فيا ترى كيف نستقبل العشر الأواخر من رمضان؟

يبدأ الصائم لقاءه مع العشر الأواخر من رمضان، لقاء مع أيام مباركة لكي تحكي لنا قصة "قرب الوداع" لهذا الشهر الكريم.. ولكي تحكي لنا "ليلة القدر" لعل النفوس أن تنافس.. فأين المتنافسون؟!

لقد بدأت العشر وبدأ السباق، وهذا رسول الله يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، وهو القدوة في علو الهمة.. فأين المقتدون المهتدون؟ إن ليالي العشر قد آذنت ولسان حالها: "أدركني فإنما أنا ساعات"، وقد لا تدركني في أعوام قادمة...إنها ليالي العابدين، وقرة عيون القانتين، وملتقى الخاشعين، ومحط المخبتين، ومأوى الصابرين..


«وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» (القصص 68) ، وقد اختار سبحانه العشر الأواخر من شهر من رمضان، من بين سائر أيام الشهر، وخصها بمزيد من الفضل وعظيم الأجر.

وكان يحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن، تقول عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم.

فكان يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذكر، حرصا على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة، قال ابن رجب: " ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الاعتكاف فيها حتى قبض، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده).

وما ذلك إلا تفرغاً للعبادة، وقطعا للشواغل والصوارف، وتحريا لليلة القدر، هذه الليلة الشريفة المباركة، التي جعل الله العمل فيها خيرا من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: (ليلة القدر خير من ألف شهر) ( القدر 3).

في هذه الليلة تقدر مقادير الخلائق على مدار العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء، والآجال والأرزاق، قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان:4).

وقد أخفى الله عز وجل علم تعييين يومها عن العباد، ليكثروا من العبادة، ويجتهدوا في العمل، فيظهر من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها، ومن كان عاجزاً مفرطا، فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهان عليه ما يلقاه من تعب في سبيل الوصول إليه.

الاجتهاد في العشر الأواخر

اهم ما يدعى إليه المسلم في هذه الأيام المباركة أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويجتهد في هذه الأيام والليالي، ويعرض لنفحات الرب الكريم المتفضل، عسى أن يصيبه نفحة من نفحاته لا يشقى بعدها أبدا، كما يستحب الإكثار من من الدعاء والتضرع، وخصوصا الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها ؟ قال: ( قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) رواه أحمد وغيره.

وعليه، ينبغي اغتنام بقية شهر رمضان فيما يقرب من الله، وبالتزوُّد للآخرة من خلال القيام بما يلي:

1 - الحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والقراءة وسائر القربات والطاعات، وإيقاظ الأهل ليقوموا بذلك كما كان يفعل. قال الثوري: أحب إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك.

وليحرص على أن يصلي القيام مع الإمام حتى ينصرف ليحصل له قيام ليلة، يقول النبي: "إنه من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". رواه أهل السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح.

2 - «اجتهد في تحري ليلة القدر في هذه العشر، فقد قال الله تعالى:  «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر: 3). ومقدارها بالسنين ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. قال النخعي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر. وقال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر ما تقدم من ذنبه". وقوله : (إيمانًا) أي إيمانًا بالله وتصديقًا بما رتب على قيامها من الثواب، و(احتسابًا) للأجر والثواب.

وهذه الليلة في العشر الأواخر كما قال النبي: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان". وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع؛ لقول النبي : "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان". وهي في السبع الأواخر أقرب؛ لقوله : "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي". وأقرب السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين؛ لحديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- أنه قال: (والله إني لأعلم أي ليلة هي الليلة التي أمرنا رسول الله بقيامها هي ليلة سبع وعشرين).

وهذه الليلة لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام، بل تنتقل في الليالي تبعًا لمشيئة الله وحكمته.

قال ابن حجر عقب حكايته الأقوال في ليلة القدر: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأواخر وأنها تنتقل. قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها.

وعليه، فاجتهد في قيام هذه العشر جميعًا وكثرة الأعمال الصالحة فيها، وستظفر بها يقينا بإذن الله عز وجل. والأجر المرتب على قيامها حاصل لمن علم بها ومن لم يعلم؛ لأن النبيلم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر.

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 13:07

ترشيد الاستهلاك الأسري

مدخل 

تعتبر الحاجة اليوم إلى فقه ترشيد الاستهلاك الشخصي والأسري من مقتضيات العصر الاجتماعية والاقتصادية، بل والأمنية أيضا، نظرا إلى عدة اعتبارات منها: أن حماية المستهلك بالتوعية وحماية الحقوق المادية والمعنوية له، يعتبر ذلك من صميم حماية حقوق الإنسان والوطن معا.كما يعتبر سعي المستهلك نفسه إلى الوعي بذلك من تمام ذكائهوصميم فطنته، إذا أراد النجاح في حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية والأخروية.

ومن ذلك أيضا أن التغيرات النوعية التي يعرفها العالم على كل المستويات وخصوصا المستوى الاقتصادي منه، والتقدم الرهيب التي تعرفه الشركات والماركات العالمية على مستوى الوعي بنفسية المستهلكين، والإمكانات الرهيبة التي تتوفر عليها على مستوى التسويق مما يجعل المستهلك يشتري السلعة شاء أم أبى، كان قادرا على الأداء من مورده الشهري أو يستلفها إلى أجل غير مسمى، وكل ذلك وغيره يفرز تحديات، وينتج آثارا حقيقية يؤدي عدم الوعي بها مسبقا إلى مشاكل شخصية وأسرية واجتماعية خطيرة...كانتشار المديونية وتضاعفها على مستوى الأفراد والأسر، من أكثر من جهة، مما يؤدي إلى التفكك الأسري والاجتماعي، وانتشار الأمراض النفسية والعضوية، والانتحار... 

وبما أن الشركات تتمتع -من جهتها-بحرية كبيرة في التسويق، وقدرة رهيبة في تجميل سلعتها، وتستطيع أن تصل إلى المواطن في أي بقعة من وطنه الحبيب، لتقنعه بقيمة منتجاتها، حيث يجد المسكين إعلاناتها تطارده في كل مكان واقعيا وافتراضيا، ولانشك بأنهاتطارده أيضا حتى في عالم النوموالأحلام، من كثرة ما يجد ملصقاتها في الشارع، وفي التلفاز، بل وتصله رسائلها التسويقية إلى هاتفه الشخصي، وبريده الإلكتروني، بل وإلى كل حساباته الافتراضية ..فإن كل ذلك يفرض على كل القوى الحية في هذا الوطن أن تحمي الطرف الذي لا حيلة له ولاقدرة، حتى يحصل شيء من التوازن بين الطرفين - على الأقل - على مستوى الوعي تحديدا، وذلك أضعف الإيمان. نعم تساهم في ترشيد الاستهلاك الشخصي والأسري، وتقابل ذلك القصف المتواصل للإعلانات من كل الجهات، بقصف مثله من المعلومات، كل ذلك وفق قانون الكل رابح؛ الشركات تربح ببيع سلعها، والمواطن يربح باستهلاك راشد، والمجتمع رابح لأن العلاقات الاقتصادية فيه تسير بمنطق يحفظ تماسكه، ويحمي وجوده ويضمن تقدمه.

وقد بقي العالم المعاصر ساكتا عن هذه الحقيقة حتى أعلنها الرئيس الامريكي جون كندي في 15 مارس عام 1962 في الكونغرس الامريكيبالقول :(ان شريحة المستهلكين هي الشريحة الكبيرة التي تؤثر وتتأثر بالاقتصاد إلا ان صوتها غير مسموع)، ومن ذلك اليوم اطلق جون كندي الحقوق الأربعة للمستهلك:

- الحق في السلامة.

-الحق في المعرفة.

-الحق في التثقيف.

-الحق في التعويض.

وهكذا تبنت الامم المتحدة هذه الحقوق لحماية المستهلك وترشيده.

مفهوم ترشيد الاستهلاك الاسري 

ويمكننا أن نبيّن المقصود بترشيد الاستهلاك الأسري بعيدا عن التعريفات الأكاديمية، ومكتفين بالمضمون الذي يقرب المعنى لعموم القراء فنقول بأنه: "الإنفاق المادي والمعنوي لسد حاجات الأسرة بمسلك إيجابي وراشد يضمن راحتها وتقدمها."

والمقصود بالإنفاق المادي؛ هو مصروفات الأكل والملبس وغيرها .. لكن الاستهلاك المعنوي على خطورته هو الغائب – للأسف - في اهتمامات جل الباحثين في مجال حماية المستهلك، وسوف أوضحه في هذا العرض بحول الله. 

ومقصودي بمسلك إيجابي؛ بمعنى غير مدفوع بتسرعوتأثر معين من إعلانات أو غيرها. 

والمقصود بالراشد؛ وهو الذي يقوم على وعي حقيقي بطرق الاستهلاك السليم.

يضمن راحة الأسرة: وذلك بتحقيق حاجياتها.

وتقدمها: بالتوفير المادي والمعنوي في صندوق التوفير العائلي والذي يحمي استقرار الأسرة ويزيد من رصيدها. 

بعض المظاهر السلبية للاستهلاك الاسري:

على مستوى الفردي:

هناك مظاهر متعددة، منها ما يتعلق بالرغبة الجامحة في امتلاك الأشياء ومنها أيضا بالشراهة في الأكل والشرب، إلى غير ذلك من المظاهر، ونبدأ بالأول، فنقول بأن العين لا تخطئ مجموعة من المظاهر الواضحة للعيان ولا تحتاج لا إلى دراسة ولا استبيان، ومن ذلك:

- حب الظهور والتفاخر بامتلاك الجديد: في الملبس، وهذا يفرض على أفراد الأسرة كثرة التسوق وشراء الألبسة المتعددة والمتنوعة والمواكبة للموضة ...وأيضا المنافسة الحامية في امتلاك الأشياء الجديدة، منها الهواتف النقالة، ومتابعة آخر الأنواع في ذلك، وكذا الحواسيب بأنواعها المكتبية والمحمولة، وكثرة استبدالها، رغم أن الأنواع السابقة كانت تعمل بشكل جيد، ولا ينقصها شيء؛ إلا متابعة الصعود في الأرقام الخاصة بهذه الماركة أو تلك..

طبعا هذه المظاهر تختلف من فرد في الأسرة إلى آخر، بحسب السن والوعي والجنس، فقد تكون الظاهرة أبرز لدى المراهقين من غيرهم، لما تمثله تلك الأشياء من قيمة نوعية تعزز من قيمتهم الشخصية ومعنوياتهم النفسية..

ومن المظاهر النوعية التي تبرز للعيان في جل المجتمع بدون استثناء نجد:

- الاهتمام الكبير بالمكياج والموضة: ولعل حجم هذا النوع من التجارة يظهر هذه الحقيقة في المجتمع؛ في كل الأسواق؛ الشعبية والكبيرة وغيرها.

وعلى مستوى المأكولات والمشروبات نجد بعض المظاهر الواضحة منها:

- البدانة: بكل مستوياتها الدنيا والمتوسطة والعليا، وأكبر مظاهرها بروز الكرش، وترهل عضلات الجسد بكثرة الدهون وقلة الرياضة،ومشكل البدانة الظاهرة تغذيها شراهة قاهرة، هي عند الكثير تنفيس كبير عن ضغوط نفسية، لكن ما تنتجه تلك الشراهة من تخمة قاتلة، قد لا يعلم الكثير ممن ابتلوا بتلك العادات السيئة؛ بآثارهاالمدمرة؛ من أمراض قلبية وكلوية وسكرية وغيرها من المتاعب البدنية والمصائب الصحية..

- على مستوى الجماعي:

- ارتفاع نسبة الديون الطويلة والقصيرة والمتوسطة، من المؤسسات البنكية، ومن الأفراد؛ كالأصدقاء أو الأقارب.

- هوس الشراء الواضح في المناسبات المتعددة: رمضان، العشر الأواخر، الأعياد، الأفراح المتنوعة، العطل، الدخول المدرسي... 

كثرة الطعام التي ترمى في القمامات: والتي قد لا تعفى منها أسرة، وهذه من العادات السيئة والمرفوضة في شريعة الإسلام، ويعلم الجميع بلا شك أن الطعام نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، ونعم الله ينبغي أن تصان عن الامتهان والاحتقار، ورمي الطعام عمداً في القمامات يدخل في كفران نعمة الله جل جلاله. والطعام له كرامة مقدرة في الإسلام فقد ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال :"أكرموا الخبز." ورأى مرة في منزله صلى الله عليه وسم كسرة خبز يابسة قدسقطت على الأرض فرفعها وأزال ما فيها من التراب، وقال: "ياعائشة أكرمي جوار نعم الله، فقل مانفرت من قوم فكادت أن ترجع إليهم"، والنصوص في هذا كثيرة. ومن كلام الحكماء في هذا الباب :[ الخبز يُباس ولايُداس ] .

أنواع الاستهلاك الأسري

- الاستهلاك المادي: 

وهو ما يخص الناس من أمور مادية كالأكل والشرب واللباس و المركب والسكن وغير ذلك.

- الاستهلاك المعنوي: 

وهذا النوع من الاستهلاك هو الأهم في نظري، لسبب بسيط؛ وهو عدم اهتمام الدارسين والمهتمين بحقوق المستهلك وتوعيته به. ويتعلق الأمر بأنواع متعددة ومتنوعة من الاستهلاك التي تدخل في هذا النوع منها:

- استهلاك الوقت والزمن:وذلك في الاهتمامات التي قد لا تعود بالنفع على الأسرة وأفرادها، بل ينعكس ذلك سلبا على حياتهم ومستقبلهم. وهذا النوع هو الأخطر والأعظم...حيث يستهلك الانسان ذاته ووجوده، وما الإنسان في حقيقته إلى أيام وساعات، إذا ذهب يوم ذهب بعضه...دون أن يلقي بالا واهتماما لخطورة ذلك.

وإذا ألقينا نظرة على فاتورة استهلاك الوقت عند الأسرة؛ فقد نصدم لهول ما نجد من حقائق مرعبة، حيث نجد معدلات إهدار الوقت خارج حسابات خدمة الأسرة خصوصا، مثلا معدلات جلوس الأزواج والأباء في المقاهي على حساب لقاء أفراد الأسرة..نسبة مشاهدة التلفاز والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على حساب اجتماع الأسرة وتواصلها واستمتاع بعضهم بلقاء بعض...وهذا الهدر وذلك الاستهلاك لن تجده محسوبا ضمن خسائر جل الأسر، في حين ذلك هو الربح ورأس المال العائلي الحقيقي. وللأسف قد يعيش الإنسان طول حياته ويلقى ربه دون أن يعلم بخطورة ذلك.

صدمت لما رأيت أحد الأصدقاء نشر على حائطه في الفايسبوك إحصائية خاصة بمكوثه في ذلك العالم الافتراضي حيث كان الرقمكالتالي.:قضى في الفايسبوك مدة4801 ساعة، بما يعادل 200 يوم على الفايس لسنة واحدة فقط، وهي سنة 2016 ميلادية.يعني أن صديقي هذا يقضي وقته في الفايس بمعدل 13 ساعة و 20 دقيقة يوميا. ألا يعتبر هذا إنذار خطير وإهدار رهيب لأوقات الأسرة والعمل والحياة الخاصة والعامة.

ومنها الاستهلاك العاطفي داخل الاسرة :

وقصدي في هذا أن كل أسرة قصدت أم لم تقصد؛ فإن لها رصيدا عاطفيا،وبنكا عاطفيا للعائلة ، وكل السلوكات تؤثر في رصيد هذا البنك سلبا وإيجابا، فمن قدم خدمة للأسرة فإن رصيده ينمو بقدر ذلك العمل،والعكس بالعكس. ولذلك فإن الأم هي صاحبة الرصيد الأوفى والأوفر لخدماتها الجليلة والرائعة لعائلتها. لكن المهم في هذا الموضوع أن ننتبه إلى سلوكاتنا داخل أسرنا، فإنها تؤثر في رصيد أسرتنا ورصيدنا فيها، فمثلا الذي يسيء إلى أسرته بشكل متكرر فقد يفقد أسرته بالكامل في يوم ما، وقد يتخلى عنه الجميع لسوء خلقه، ويظهر ذلك جليا في نسبة الطلاق التي بدأت ترتفع بشكل ملحوظ ومخيف في السنوات الأخيرة...ولذلك الكثير من الأسر لا تنتبه إلى الإسراف الرهيب والاستهلاك غير المبرر للعواطف السلبية بكثرة اللوم والتواصل السلبي والخلافات الأسرية غير المبررة وسوء الأخلاق وبذاءة اللسان وسخط الوالدين وغير ذلك، فكل هذا استهلاك معنوي، سيؤدي لا محالة إلى هلاك مادي ومعنوي للأسرة إذا لم تنتبه لخطورة ذلك. ومن هنا نفهم الميزان النبوي الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي." ونفهم الإنفاق المعنوي الذي يقدمه المسلم في أسرته، كما قال صلى الله عليه وسلم :"الكلمة الطيبة صدق...واللقمة يضعها الرجل في فم زوجته صدقة.."

ومنها الاستهلاك الثقافي والفكري:

الاستهلاك الثقافي والفكري جزء لا يتجزؤ من الاستهلاك المعنوي، ويتعلق الأمر باهتمام أفراد الأسرة بالجرائد والكتب والمجلات، والتيارات الفكرية والتنظيمات الجمعوية...وماذا يقرؤون، وماذا يهمهم من أفكار وأخبار؟؟..ومع أي توجه يتعاطفون؟ ومع من يحضرون ويستفيدون في التأطير الثقافي والتوجيه الفكري ..

ولا شك أن في كل ذلك توجيه لاهتمامات الأسرة واختياراتها في الحياة، وترتيب أولوياتها فيها، بل ومؤطر أساس في توجيه استهلاكها المادي كما ونوعا، بوجه من الوجوه.و قد يكون محددا لمصير الأسرة في الدنيا والآخرة.

وقد يتطور الأمر في هذا النوع إلى أن تصبح الأسرة ليست مستهلكة فقط للأفكار والقيم والتوجهات، بل تصبح منتجة ومساهمة في خدمة مجتمعها بما تستفيده من كل في عالم الثقافة والفكر والتربية والتوجيه.

ومنها الاستهلاك الإعلامي:

ويتعلق الأمر بكل منتوج إعلامي؛ فيلما كان أو أغنية او مسرحية أو غير ذلك، لأن كل ما يعرض في الاعلام يعتبر سلعة إعلامية، وقبل ذلك هو منتوج إعلامي مصنوع، له صنّاعه الذين لهم أهدافهم الخاصة والخالصة منها القيمية ومنها الاقتصادية .. ومنها غير ذلك. وكل أولئك لهم أهدافهم المادية والأدبية قطعا وطبعا، وإلا كانوا أغبياء .. وهذا يطرح السؤال على الأسرة؛ كيف تستفيد من هذا النوع من البضاعة؟ وتحافظ على هويتها وهوية أبنائها وقيمهم ومستقبلهم. كيف تنفتح على الثقافات الوافدة؟ وكيف تكسب أفرادها المناعة الفكرية والثقافية اللازمة لحماية هويتهم وقيمهم ووجودهم الثقافي والحضاري في هذا العالم المتغير؟

والعلاقة بين الاستهلاك المادي والاستهلاك المعنوي وأثر كل منهما في الآخر:

لا شك أن الاستهلاك المعنوي له أثر كبير في توجيه الأسرة وتشكيل وعيها وثقافتها ومسار حياتها، وهو بذلك مؤثر بوضوح في الاستهلاك المادي، ومن الدوافع الرئيسية إليه..أعطي مثالا واحدا فقط لذلك، يتأثر الزوجان مثلا بإعلان على التلفاز، فيذهبان لشراء المنتوج في السوق، لكن مسلك الرجل في التسوق غير مسلك المرأة، الأنثى غالبا ما تجد متعة كبيرة في التسوق، وخصوصا بجانب زوجها، لكن الزوج يغتاظ كثيرا في التسوق مع زوجته، والسبب في ذلك أن الزوجة مثلا لتشتري شيئا لا بد أن تمر على السوق كله، طولا وعرضا وعمقا، لتقارن بين الأنواع والألوان والأثمنة والمحلات وطريقة تعامل بائعي المنتوج.. بينما الزوج يحتاج للذهاب مباشرة لشراء المنتوج الذي يريد، ويرجع إلى البيت. وهذا الفرق الجوهري في التعامل مع التسوق؛ يسبب مشاكل كبيرة للكثير منالأسر، فالزوج يتهم زوجته بعدم امتلاكها للذكاء الكافي في التسوق، وأنها تضيع الأوقات والأشغال والفرص، بينما تتهم الزوجة زوجها بأنه لا يهتم بها ولا يكثرت لها، ودائما يعلق على تصرفاتها بما يقلقها ويقصد احتقارها، ولا يشتري لها الشيء حتى تندم على اليوم الذي ولدت فيه...وقد تتطور الأمور بين تسوق وآخر إلى انهيار العلاقة الزوجية لا قدر الله. والسبب هو عدم الاهتمام بالاستهلاك المعنوي، والمتمثل في أمرين مهمين على الأقل وهما : الوقت، والرصيد العاطفي للأسرة. والسؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذه المواقف؛ هل يستحق ذلك المنتوج في السوق كل ذلك الاستهلاك منالوقت.؟ وهل يستحق ذلك الخلاف حوله بين الزوجين إلى درجة تهديد العلاقة الزوجية؟ 

العوامل المؤثرة على الأسرة والموجهة لها في منهج الاستهلاك

لا شك أن هناك عوامل كثير رصدها علماء الاقتصاد وعلماء نفس وغيرهما، يمكن الاطلاع على ذلك بتفصيل في مظانه، لكن سأذكر بعضها باختصار، من ذلك:

- العامل المعرفي:
أهم سبب يدفع الناس إلى كثرة الاستهلاك السلبي؛ هوغياب الوعي، إذ أن طريقة تعامل فئة من الناس مع المال تنطلق من فهم خاطئ، باعتباره وسيلة للإنفاق ليس إلا، وهذا المسلك في الفهم قاصر جدا في استعياب قيمة المال ووظيفته الحقيقية في حياة الانسان.

العامل النفسي :
حيث يجد عدد مهم من الناس أحيانا في كثرة الشراء والاستهلاك متنفسا لنسيان هموم الحياة اليومية وتغيير اللأجواء وتفريغ الشحنات السلبيةوالضغوطات النفسية المتراكمة في البيت والعمل ورتابة الحياة لذلك فهم يهربون أكثر الأوقات من أنفسهم لكي تستعيد وجودها من خلال التسوق. بل منهم من يعتبر الشراء هو إثبات لوجوده، ولسان حاله يقول :"أنا أشتري إذن أنا موجود".

العامل الإجتماعي: 

حيث يلعب حب الظهور والتباهي والمقارنة بالغير عملا مهما في دفع الناس نحو التنافس في الشراء. ومن الأقوال الاجتماعية المشهورة في هذا الباب:" الكم الذي عندك ..يحدد قيمتك"

العامل الإعلامي:

حيث تلعب الإعلانات دورا كبيرا في إغراء المستهلكين وإغوائهم في الحقيقة بما تحمل كلمة إواء من معاني سلبية، واستمالتهم نحو شراء المنتج، بشتى أنواع التدليس والتزييف.

قواعد شرعية لتوجيه السلوك الاستهلاكي الأسري

هناك قواعد قرآنية ناطقة ناصعة البيان والدلالة سأثبتها بدون تعليق، وكفى بكلام الله تعالى بيانا وتفصيلا.

قواعد قرآنية:

قال الله تعالى :"وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَتُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ."( سورةالأعراف31).

قال الله تعالى :"وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً." (سورةالفرقان67)

وقال الله تعالى: "وَلَاتَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةًإِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَاتَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا" (سورةالاسراء 29)

وقال الله تعالى: "لِيُنْفِقْ ذُوسَعَةٍمِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا"(الطلاق: 7).

وقال الله تعالى: "وَلاَتُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوْا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ."﴿الإسراء: 26 - 27﴾.

قواعد منهجية لتوجيه السلوك الاستهلاكي الأسري

رتب حاجياتك وفق ميزانياتك:

دائماضع قائمة باحتياجاتك الأسبوعية والشهرية، والموسمية والسنوية، ورتب هذه القائمة ترتيبا تنازليا من الضرورات، إلى الكماليات، إلى الترفيهيات، وضع جدولا زمنيا لتحقيق وتوفير كل احتياج في حالة سماح ميزانيتك الخاصة، مع مراعاة الأولويات في كل ذلك.

لا للديون –القروض- مهما كانت الظروف: 

الكثير من الناس يعتبر القروض – وأعني الشرعية منها – حلا طبيعيا لسد حاجياته كلما انقضى راتبه، ولا يعلم المسكين بأن تبير الظروف بأقل الإمكانيات، والاستفادة من دروس الحياة بتدبير المصروف وفق رؤية استشرافية حكيمة ومدروسة، وبعيدة عن المزاجية، هو أفضل الحلول على الإطلاق. ألميستعذالرسول- صلىاللهعليهوسلم - مِن "غلبةالدَّين،وقهرالرجال"؟ لذلك فالعاقل هو الذي يفرَّمِنالدَّينفرارهمِنالأسد حتى لا يفترسه،وكم من الناس من افترسته الديون، وأصبح مهموما بين الناس، بل منهم من هرب من الحياة بطرق أليمة بسبب ذلك. 

ومن الصور المغرية – المغوية - في شأن الشراء بالقروض ما شاع في بعض المحلات من البيع بالتقسيط، فيفرح الكثير بشراء الجديد بالتقسيط وهو يتوهم أن ذلك مقدور وميسور، وينسى أنه سيدفع ثمن هذه الفرحة باهظًا إذا لم يستطع التسديد، ولن تشفع له إغراءات الإعلان، وتشويق الدعاية، وفرحته وسعادته بكل ذلك. ويجمع عليه ديون من هذا التقسيط ومن ذلك التقسيط ومن ذلك أيضا، وهكذا ..حتى يتمكن منه القرض فيصبح في الأرض حيران يقول يا ليتني ما فعلت.

ادخر 10 في المائة على الأقل من دخلك مهما كانت الظروف:

وهذا المسلك هو أفضل وسيلة للقضاء على كثرة الاستهلاك غير المجدي، وذلك بالتوفير للمستقبل، لأن الإنسان لا يعلم ما تخفيه الأيام في المستقبل، نسأل الله تعالى الخير في أيامنا كلها.

قواعد تربوية لتوجيه السلوك الاستهلاكي الأسري:

- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أو كلما اشتهيت اشتريت." حكمة عمرية خالدة، تعلمنا كيف نتحكم في نزواتنا وغرائزنا التي تدفعنا غالبا إلى الإسراف والتبذير.

- من الأقوال المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم :"نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع." ومن كانت هذه عادته لم ير الطبيب طول حياته، ويكون قد وفر علي نفسه ثمن الطبيب والدواء، وربح الصحة والعافية والزيادة في ادخاره.

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم - :"ما نقص مال من صدقة". وفي الصدقة بركات لا يعلمها إلا الله تعالى، ونجاة من الكثير من الابتلاءات. والصدقة زيادة في المال ومضاعفة له، قال تعالى  "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون" (البقرة245 ). وفي سورة الحديد " مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ." (سورة الحديد11)

وختاما فإنما الأسرة الناجحة هي الأسرة الحكيمة المحسنة في تصرفاتها، والتي لا تتأثر بالدعاية الإعلامية ولا الغواية الإعلانية، تملك إرادتها بالقوة والعزيمة الواعية، وتحسن إدارة مواردها المالية وفق الحكمة الإلهية، تدرك بعمق مقام الضروريات والحاجيات والترفيهيات، وتعطي لكل واحد مقامه بالميزان، ودون خسران، والله المستعان. 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

بقلم محمد الإدريسي

تواصلت سلسلة محاضرات البرنامج الرمضاني الذي ينظمه فرع حركة التوحيد والإصلاح بالرباط من خلال محاضرة ألقاها الداعية المغربي الدكتور عز الدين توفيق في محاضرة بعنوان "رمضان شهر الفرقان".

واستحضر عز الدين توفيق ثلاثة معاني للفرقان مذكورة في القرآن، وهي القرآن ويوم معركة بدر الكبرى وعلى المستوى الفردي.

وأشار الداعية أن معنى الفرقان في الموضع الأول ذكر في آية الصيام حيث أن هذا القرآن أنزل في ليلة مباركة وهي ليلة القدر وهي إحدى ليالي رمضان والراجح أنها في النصف الثاني وقع هذا الحدث العظيم وصفه الله تعالى بأنه الفرقان.

وأضاف المحاضر أن الله عز وجل عرف كتابه في آية الصيام وذكر كلمات ثلاثة هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فهو هدى وأدلته بينات وهو فرقان.

الفرقان بمعنى القرآن

 وأوضح توفيق أنه قبل نزول الوحي كان الناس لا يعرفون أين الخطأ وأين الصواب وأين الحلال وأين الحرام وكانت هناك جاهلية في الشريعة وجاهلية في العقيدة والأخلاق ولم تكن باقي المناطق في العالم أحسن حالا، إما رسالة سماوية محرفة حل محلها الشرك أو دين مبتدع لا يمسك بأثر سماوي.

وأكد عز الدين توفيق أنه بعد نزول القرآن أصبح في الأرض رجل يمثل الحق الذي سار عليه الأنبياء وأصبح في الأرض طائفتان واتجاهان الحق والباطل وبدا هذا الحق حتى أصبح له أتباعه يسيرون في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وانه دائما في كل زمان يكون مد وجزر من ينحاز إلى الحق ومن ينحاز إلى الباطل ومرة أهل الحق قلة ومرة كثرة.

ونبه المتحدث أن الله تكفل بهذا الكتاب حتى يبقى مستقلا عن الواقع البشري حتى إذا قرروا أن يكفروا به يبقى المرجع ويبقى محفوظا، والحق يتدافع مع الباطل في واقع الناس لكن المرجع محفوظ منصوب لكي يرجع له أهل الحق في كل مرة ولا يوجد كتاب بعده حتى قيام الساعة.

واسترسل الداعية الإسلامي أن عقائد الناس تعرض على هذه المرجعية التي هي القرآن فيميز الناس بين الحق والباطل والعدل من الظلم وسيبقى القرآن الكريم فرقانا في أيدي الناس الذين يحتاجون إلى الهدى وهي العقيدة والشريعة ويريدون هداية في مجال الاعتقاد وهداية في مجال السلوك والبينات هي حججه التي استدل بها أن هذا الغيب حق وأن هذا الشرع عدل وهي الحجج التي تأتي لتدعم الهدى وهو فرقان لأنه لم يكتفي ببيان الحق وحده بل بين الباطل الذي يقابله حيث ينسف الأديان الوضعية من الأصل وأما الأديان السماوية فهو يميز بين ما هو من البشر محرف وما هو من الوحي.

الفرقان بمعنى يوم معركة بدر الكبرى

وفي الموضع الثاني استحضر الدكتور عز الدين توفيق الفرقان بمعنى يوم معركة بدر الكبرى التي سمى فيها الله تعالى يوم بدر يوم الفرقان وفي هذا اليوم وقع فرقان فرعي، وكان المشركون يراهنون أن هذه المعركة ستستأصل المسلمين فظهر النفاق ودخل الكفار للإسلام نفاقا للوقيعة والدسائس.

وأوضح المحاضر أنه مضت الأحداث حتى وقع فتح مكة بعد ست سنوات من نصر بدر والجديد هو أنها انتهت قريش المشركة وانتهت مكة الجاهلية وأضحت دار الإسلام وبدأ عهد جديد في تاريخ الإسلام ومن تقدير الله أن فتح مكة جاء في رمضان والحقيقة أن فتح مكة هو امتداد لمعركة بدر فإذ لم تكن بدر ما كان فتح مكة فهو فرقان فرعي للفرقان الأول.

الفرقان بمعنى الفرد

كما استعرض الدكتور عز الدين توفيق الموضع الثالث من معنى الفرقان وهو فرقان لأهل الأرض حيث جاءت غزوة بدر لتكون فرقانا لمسيرة الدعوة الإسلامية قبل عهد كان ينظر للمسلمين أنهم قلة مستضعفون لكن الله ربط هذا الفرقان الفردي بالتقوى إذ لا يكفي أن يكون عند الإنسان العلم بالإسلام ليكون عنده الفرقان لأن هناك الكثير من الناس يكون عنده العلم ولا يكون عنده التقوى ويكون العلم بالدين ولا تكون هناك الخشية.

وأضاف توفيق أن الحقائق تكون مشوشة قبل محطة رمضان بالذنوب والمعاصي لكن في رمضان يقترب من الصورة أكثر وضوحا ويتمنى أن هذا  الحال سيستمر حتى يصل إلى اليقين وهل هذه الحقائق ساطعة لامعة أم مشوشة ومضببة.

والتقوى - يضيف المحاضر - هي أن يكون أكثر تحرجا من المعاصي ولا فرق لديه أن يكون وحده أم مع الناس وحتى يأتي آخر الشهر يجد منسوب الإيمان قد ازداد وهذا هو الفرقان.

يذكر أن المحاضرة التي ألقاها الدكتور عز الدين توفيق بالمقر المركزي لحركة التوحيد والإصلاح بالرباط تعتبر المحاضرة ما قبل الأخيرة في البرنامج الرمضاني الذي ينظمه فرع الرباط.

الإصلاح

السبت, 02 حزيران/يونيو 2018 13:37

رمضان شهر الإنتصارات.. (4) غزوة بدر الكبرى

شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم غزوة بدر الكبرى.

في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى، التي أطلق عليها القرآن الكريم “يوم الفرقان”، وهي أولى المعارك المهمة في التاريخ الإسلامي، حيث كان عدد المسلمين فيها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وعدد المشركين تسعمائة و خمسين رجلاً.

غزوة بدر هي غزوةٌ وقعت بين المسلمين وكفّار قريش، في السابع عشر من شهر رمضان المبارك في العام الثاني للهجرة. وكانت هذه الغزوة المعركة الفاصلة في تاريخ الدولة الإسلاميّة، حيث انتصر فيها المسلمون رغم الفرق في القوّة العسكريّة بين المسلمين وكفّار قريش، إذ كان عدد المسلمين حوالي ثلاثُمائةٍ مقاتل في حين كان عدد المقاتلين كفّار قريش حوالي ألف مقاتل.

تولّى قيادة المعركة في صفوف المسلمين رسول الإسلام محمّد وحمزة بن عبد المطّلب وعلي بن أبي طالب، وتولّى قيادة صفوف المشركين أبو جهل وعتبة بن ربيعة وأميّة بن خلف.

مكان وقوع غزوة بدر

وقعت غزوة بدر في منطقة بدر التي تشتهر بوجود الآبار، حيث تقع جنوب غرب المدينة المنوّرة، وتقدّر المسافة الّتي تبعدها عن مكّة المكرّمة 343 كيلومتر، في حين تبعد عن المدينة المنوّرة حوالي 153 كيلومتر. وسُمّيت هذه الغزوة باسم غزوة بدر نسبة إلى مكان وقوعها. ولها عدّة أسماء مثل غزوة بدر الكبرى، وغزوة بدر القتال، وغزوة يوم الفرقان.

أحداث غزوة بدر

في السنة الثانية من الهجرة هاجر المسلمين من مكة إلى المدينة، وتركوا أموالهم في مكة، فاستولى عليها كفّار قريش، وعندما علم المسلمون بقدوم قافلة من الشّام لتجارة قريش بقيادة أبي سفيان قبل إسلامه، قرّر الرسول عليه الصلاة السلام ملاقاة هذه القافلة لاسترجاع أموال المسلمين التي أخذتها قريش من المسلمين قبل الهجرة.

وصل خبر نيّة المسلمين بملاقاة القافلة لأبي سفيان فسلك طريقاً آخر ووصل إلى قريش وأخبر أهل قريش، فعزموا على قتال المسلمين والقضاء على الدولة الإسلاميّة نهائيّاً.

علم المسلمون باستعداد كفّار قريش لمحاربتهم، فجمع الرسول عليه الصلاة والسلام المسلمين لأخذ مشورتهم فأيّدوا جميعهم ملاقاة كفّار قريش. استعدّ المسلمون للحرب نفسيّاً ومادّيّاً وتكتيكيّاً، وأنزل الله سبحانه وتعالى السكينة والهدوء عليهم قبل المعركة، لقوله تعالى:" إذ يُغشّيكمُ النّعاسَ أمنةً مِنهُ ويُنَزّلُ عليكُم منَ السّماءِ ماءً لِيُطهّرَكُم بهِ ويُذهِبَ عَنكم رِجزَ الشّيطانِ ولِيَربِطَ على قُلوبِكُم ويُثَبّتَ بِهِ الأقدامَ" صدق الله العظيم.

خطّط الرسول عليه الصلاة والسلام للمعركةِ، حيث جعل صفوف المسلمين تقابل المغرب بمعنى أنّ الشمس في ظهر المقاتلين المسلمين، وقام الرسول الكريم عليه السلام بترتيب وتسوية صفوف المسلمين لتكون مستقيمة ومتراصّة.

أنزل الله ملائكته لمؤازرة المسلمين وتثبيتهم لقوله تعالى:" وأَعِدّوا لَهم ما استَطَعتُم مِن قُوّةٍ وَ مِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوّ اللهِ وَعَدُوّكُم وآخرين مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُم الله يَعلَمُهم وما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سبيلِ الله يُوَفّ إليكُم وأنتُم لا تُظلمون" صدق الله العظيم.

الإصلاح

 

تستضيف أمواج إذاعة "إم.إف.إم راديو mfm radio " رئيس حركة التوحيد والإصلاح "الأستاذ عبد الرحيم شيخي" مساء اليوم الجمعة فاتح يونيو 2018 بداية من الساعة الحادية عشر مساء (23:00) إلى غاية الساعة الواحدة بعد منتصف الليل (01:00).

ويحل رئيس حركة التوحيد والإصلاح ضيفا بالإذاعة المذكورة من خلال برنامج "المواجهة" الذي يعده الزميل الصحفي "عادل بلحجام".

الإصلاح

كتب العلامة محمد الروكي قصيدة يرثي فيها الراحل المفكر والعلامة والمجاهد الدكتور إدريس الكتاني الذي توفته المنية مؤخرا ووري جثمانه إلى مثواه الأخير نهاية الأسبوع الماضي.

وكتب الروكي في صفحته على الرسمية على فضاء التواصل الاجتماعي "فايسبوك" "إلى روح العلامة الكبير والمفكر القدير ومربي الاجيال ومحقق الآمال المدافع عن الشريعة الإسلامية وحرماتها والمنافح عن اللغة العرببة .

إلى روح مؤسس نادي الفكر الاسلامي الذي جعله للقيام برسالة الثقافة الاسلامية والدفاع الهوية المغرببة والذات الاسلامية باللسان والقلم والحوار ..
إلى الذي جاهد من أجل حفظ الثوابت الدينية والوطنية للمغرب 

إلى روح الأستاذ الدكتور مولاي ادريس بن محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله ورضي عنه وأرضاه واسكنه فسيح جناته وقدس سره ونور ضريحه أهدي هذه القصيدة".

وعنون العلامة الروكي قصيدته التي ينعي فيها الراحل إلى دار االبقاء العلامة والمجاهد إدريس الكتاني ب"دموع على الفراق" وإليكم نص القصيدة كما نقلها موقع "الإصلاح" عن صفحته الرسمية على الفضاء الأزرق:

دموع على فراق عالم
**********
أيُّ خطب من الزمان رماني***ومُصابٍ قد حلَّ بـي فدهانــــي 
أي رزءٍ من الرزايا تــــمطّى***عابساً مثقلاً بأحــمرَ قـــــــــانِ
قد أتانا النَّعِيُّ وهو ينـــــــادي***بلسانٍ ويـاله من لســـــــــــــان
قائلاً: مات مات شيخ المعالي***غاب إدريسُ عن عيون زماني
مات أُستاذنا الحبيبُ وَولــَّــى***عن وجوه الأحباب في رمضانِ
غاب عنا من عاش شهما أبياًّ***ووفياَّ للحـق دون تــــــــــــوان
وطنياًّ مجاهدا وغــــــــــيورا***وشجــاعا يرتاد فوق عنــــــان
رحل الفارس المنافح، عـــنا****ومضى يبــتغي نعيم جنــــــان
رحل العالم المفكر عـــــــــنا*** وتوارى عــن الورى في أمان
فعيون الأحباب تذرف دمـعاً***قد تلظَّى بساخنات الزمــــــــان
وجفون النادي تكفكف دمــعا*** ساخنا قد جرى بكل معـــــان
و مداد القرطاس سال دموعاً***حزنا أن يجف سيل بنـــــــــان
وحقول التأليف أضحت قفاراً***من زهور تعانقت وأغـــــــــان
لَهْفَ نفسي ولهْف لهف فؤادي*** إنني من فراقه لأعـانــــــــي
فلقد كان في الجلاد هزبـــــرا***حذرا كل لحـظة و ثـــــــــوان
وإذا ما الطعون في الدين لاحت***يتصـدى لها بكـل سنـــــــان
لغة الضاد قد حباها بسيــــفٍ*** من خطـاب يصـد كل هـوانِ
كم له من مواقف العز تعلـــو***صفحـات التاريخ فهي عـــوان
إنه أن يغب بشخصه عـــــنا***فهو بـاقٍ بفكره المتدانــــــــي
نَوّر الله بالبهاء ضريـــــــــحا*** فيه إدريس قد ثـوى بأمـــــان

محمد الروكي 
فاس في : 11 رمضان 1439 هــ
الموافق: 27.05.2018 م