شهر رمضان المبارك هو شهر الخير والبركات، شهر الجهاد والانتصارات والفتوحات، شهر تجلت فيه الملاحم والبطولات الإسلامية في أبهى صورها على أيدي رجال المسلمين أبطال اتّبعوا نبيهم اتباعًا كاملاً وأحبوه، رجال صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، نصروا دين الله تعالى وطبقوا شرعه الحنيف فنصرهم الله وأيدهم بجُندٍ من عنده وأعزّهم، رجال أبطال مجاهدين كانوا يخافون الله عزّ وجلّ ويُطيعونه فإذا أشرقت شمس الصباح كانوا أسودًا فرسانًا يصومون ويصلون ويتقون الله عز وجل حقّ تقاته وإذا ما جنّ عليهم الليل كان لهم دويّ بقراءة القرءان كدويّ النحل فنصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم وأعزَّهم في دنياهم.

وإنَّ المتتبع للانتصارات العظيمة التي أحرزها هؤلاء المسلمون الأبطال في الماضي يجد أن كثيرًا منها ما كان في شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات؛ فغزوة بدر الكبرى كانت في شهر رمضان قال الله تعالى :{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}، والفتح العظيم فتح مكة كان في شهر رمضان، قال الله تعالى :{إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، وفتح الأندلس على يد القائد العظيم المظفّر "طارق ابن زياد" كان في رمضان، ومعركة عين جالوت التي قضى فيها المسلمون على الزحف التتاريّ البغيض وانكسار الروم في تبوك كل ذلك كان في شهر رمضان المبارك شهر الجهاد والفتوحات والبركات شهر الخير والبركات ومن أبرز هذه الملاحم معركة فتح الأندلس.

alhambra4

بعد أن ولَّى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك قائده موسى بن نصير على المغرب ، استطاع أن يفتح طنجة ، وترك بها حامية يقودها مولاه طارق بن زياد ، ومنذ ذلك الحين بدأ طارق يتطلع لفتح بلاد الأندلس التي لم يكن بينهم وبينها إلا خليج يسير ، وكان ميناء سبته هو أقرب المدن إليه ، وكان حاكمها هو الكونت يوليان الذي كان نائباً للإمبراطور البيزنطي لذريق حاكم طليطلة ، ولكنه تحرر من سلطان الدولة البيزنطية ، وأصبح كالحاكم المستقل في سبتة وما حولها ، بسبب أحقاد كانت بينهما، وذلك أن لذريق اعتدى على عِرض ابنةيوليان بعد أن بعث بها إليه لتخدمه واستأمنه عليها. وقد استفاد موسى من هذه الخصومة وراسل يوليان حتى كسب وده ، وصار دليلاً لهم في تلك البلاد.

وعندها كتب موسى بن نصير يستأذن الخليفة في أن يوسع دائرة الفتح لتشمل بلاد الأندلس ، فرد عليه الوليد بن عبد الملك قائلاً له : " خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها ، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال"، فكتب إليه موسى مبيِّنا له أنه ليس ببحر خِضَمّ، وإنما هو خليج يبين للناظر منه ما خلفه " ، فرد عليه الوليد بأنه لا بد من اختباره بالسرايا قبل خوضه واقتحامه.

فأرسل موسى رجلاً من البربر يسمى طريفاً في مائة فارس وأربعمائة راجل ، وجاز البحر في أربعة مراكب ، مستعيناً بيوليان ، وكان دخوله في شهر رمضان سنة (91هـ)، فسار حتى نزل ساحل البحر بالأندلس ، فيما يحاذي طنجة ، وهو المعروف اليوم بـ" جزيرة طريف " التي سميت باسمه لنزوله فيها ، فقام بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل ، وغنم فيها الشيء الكثير ، ثم رجع سالماً غانماً ، وكان في ذلك تشجيعاً لموسى بن نصير على فتح الأندلس.

وبعدها انتدب موسى لهذه المهمة طارق بن زياد ، فركب البحر في سبعة آلاف من المسلمين ، أكثرهم من البربر ، وتذكر الروايات أنه لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحوله المهاجرون والأنصار ، قد تقلدوا السيوف ، وتنكبوا القِسيّ ، ورسول الله يقول له: " يا طارق تقدم لشأنك" ، ونظر إليه وإلى أصحابه وقد دخلوا الأندلس قدّامه ، فهب من نومه مستبشراً ، وبشَّر بها أصحابه ، ولم يشكوا في الظفر.

ورست السفن عند جبل لا يزال يعرف حتى اليوم بـ " جبل طارق " ، وكان نزوله في رجب سنة (92هـ)، ولما نزل فتح الجزيرة الخضراء وغيرها، وبلغ لذريق نزول المسلمين بأرض الأندلس، فعظم ذلك عليه، وكان غائباً في بعض غزواته، فجمع جيشاً جراراً بلغ مائة ألف.

hqdefault

وكتب طارق إلى موسى يطلب منه المدد ويخبره بما فتح الله عليه ، وأنه قد زحف عليه ملك الأندلس بما لا طاقة له به ، فبعث إليه موسىبخمسة آلاف مقاتل معظمهم من العرب، فتكامل المسلمون اثني عشر ألفاً ومعهم يوليان يدلهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار، فأتاهم لذريق في جنده والتقى الجيشان على نهر لكة ، يوم الأحد لليلتين بقيتا من رمضان سنة (92هـ)، واستمرت المعركة ثمانية أيام، وأخذ يوليان ورجاله يخذلون الناس عن لذريق ويقولون لهم: " إن العرب جاؤوا للقضاء على لذريق فقط ، وإنكم إن خذلتموه اليوم صفت لكم الأندلس بعد ذلك"، وأثر هذا الكلام في الجنود فاضطرب نظام جيشه، وفر الكثير منهم، وخارت قوى لذريق ، لما رأى جنده يفرون أو ينضمون للمسلمين، وهجم طارق على لذريق فضربه بسيفه فقتله، وقيل: إنه جرحه، ثم رمى لذريق بنفسه في وادي لكة فغرق ، وهزم الله لذريق ومن معه وكتب الغلبة للمسلمين.

وبعد هذه المعركة توسع طارق في الفتح، وتوجه إلى المدن الرئيسية في الأندلس، ففتح شذونة ومدوّرة، وقرمونة، وإشبيلية، واستجة، واستمر في زحفه حتى انتهى إلى عاصمة الأندلس "طليطلة" وتمكن من فتحها، وحينها جاءته الرسائل من موسى بن نصير تأمره بالتوقف.

ودخل موسى الأندلس في رمضان سنة (93هـ) في جمع كثير قوامه ثمانية عشر ألفاً، ففتح المدن التي لم يفتحها طارق كشذونة، وقرمونة، وإشبيلية، وماردة.

وهكذا تُوِّجت هذه الانتصارات التي تحققت في هذا الشهر المبارك ، وكان لها أعظم الأثر في بقاء سلطان المسلمين في الأندلس لمدة ثمانية قرون من الزمان، أقاموا فيها حضارةً لم تعرفها البشرية كلها، حتى حل بهم داء الأمم قبلهم، وفشا فيهم التنازع والاختلاف والأثرة، فانشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم، فحقت عليهم سنة الله التي لا تحابي أحداً: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} (الأنفال:46).

تتواصل الاستعدادات في قطاع غزة للجمعة العاشرة من فعاليات مسيرة العودة الكبرى التي أعلنت الهيئة الوطنيّة العليا لمسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار أنها ستحمل اسم "من غزة إلى حيفا وحدة دم ومصير مشترك".

كما ستشهد مدينة حيفا في الداخل الفلسطيني المحتل بالتزامن مظاهرة تلاحم وغضب؛ تضامنًا مع غزة بدعوة من الحراك الشبابي "اغضب مع غزة".

وشهدت الجمعة التاسعة لمسيرة العودة تفاعلا كبيرا ومشاركة واسعة؛ إذ أشعل مئات الشبان الإطارات المطاطية في محاولة للتغطية على قناصة جيش الاحتلال الذين يستهدفونهم بالرصاص المتفجر والحي، فيما عمل آخرون على قص وإزالة أجزاء من السياج الشائك.

ووصل عدد من قادة الفصائل الفلسطينية المختلفة وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي إلى هذه المخيمات، لمشاركة الجماهير.

وقالت الهيئة في بيان: "نوجّه التحيّة لصمود أهلنا بالداخل الصامد عام 1948. وانطلاقًا من وحدة الدم ووحدة الهدف ووحدة المسار والمصير، فإنّنا نعلن أنّ الجمعة القادمة يوم 1-6-2018، هي جمعة "من غزّة إلى حيفا.. وحدة دم ومصير مشترك".

وأكّدت "استمرار مسيرات العودة في غزة بمشاركة كافّة القوى والقطاعات الشعبيّة، كمسيرات جماهيريّة شعبيّة بطابعها وأدواتها السلميّة، لحماية حقّنا في العودة وكسر الحصار".

وأضافت "نؤكّد على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة أهدافه، موجّهين التحيّة لأهلنا في الداخل 48، وخاصّة جماهير شعبنا في حيفا، عروس الكرمل".

أما في حيفا، فستُنظم المسيرة الساعة التاسعة مساءً في مفرق الشهيد باسل الأعرج في جادة الكرمل (بنغوريون).

وأكد الحراك الشبابي أن "نداء غزّة للتظاهر من غزّة إلى حيفا خطوة واحدة مهمّة وجذريّة في الطريق الذي بدأنا السير فيه".

وأضاف أنه "لسنوات طويلة واجه شعبنا جميع أشكال الجريمة الإسرائيليّة، ولعلّ أخطر ما واجهه شعبنا في الداخل، السعي الصهيونيّ إلى تقسيمنا: تقسيم فلسطين، وقطعنا عن إخوتنا اللاجئين المهجّرين من الوطن، ومحاولة إقناعنا بأنّنا لسنا جزءًا من الشعب الفلسطيني، ومحاولة سلب حقّنا في أن نعيش مستقبلًا واحدًا مشتركًا حرًّا وكريمًا في كل بلادنا".

يُذكر أن شرطة الاحتلال قمعت المظاهرة ذاتها الجمعة الماضية في حيفا، واعتقلت عشرات المشاركين فيها بعد الاعتداء عليهم بالضرب، ثم أفرجت عنهم مانحة نيابة الاحتلال حتى الاستئناف على الإفراج.

وشهدت حيفا مؤخرًا سلسلة تظاهرات داعمة وغاضبة إثر المجزرة التي ارتكبها الاحتلال بحقّ المتظاهرين الغزّيّين السلميّين في عدة مواقع متاخمة للسياج الأمنيّ والتي استشهد خلالها وعلى إثرها 116 متظاهرًا، إضافة لإصابة الآلاف.

وكانت أبرز التظاهرات التي شهدتها حيفا وأكبرها بعنوان "اغضب مع غزّة"، التي قمعتها قوّات الشرطة الإسرائيليّة بوحشيّة، واعتقلت خلالها 21 متظاهرًا أُفرج عنهم جميعًا بأمر قضائيّ، نُقِل بعضهم إلى المستشفيات لتلقّي العلاج.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

إن رمضان شهر الصيام والقيام، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، لذلك فإن هذا الشهر العظيم يعد محطة يتزود فيها المسلم بزاد التقوى والإيمان. والناظر في هذا الشهر الكريم، يجد أن أيامه كلها رحمة بهذه الأمة، لذلك فإننا نلاحظ أن ظاهرة التدين عند المغاربة في هذا الشهر الفضيل تشهد ارتفاعا ملحوظا، حيث الإقبال على المساجد يزداد، كما يكون هناك أيضا إقبال على القرآن الكريم تلاوة وحفظا وتجويدا، لذلك فإن الناس يتنافسون فيما بينهم في الحرص على قراءة الحزب للتمكن من ختم قراءة القرآن، ومنهم من يتعهد نفسه بختم القرآن أكثر من مرة في هذا الشهر الكريم، بل إننا نجد الآباء والأمهات يشجعون أبناءهم على حفظ كتاب الله، ويدفعونهم للمشاركة في مسابقات تجويد القرآن.

ومادام أن شهر رمضان هو شهر الرحمة واغتنام الحسنات، واقتداء بسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام" لأنه كان أجود من الريح المرسلة" نجد أن المغاربة يقومون بأعمال البر والإحسان بشكل مكثف، ويتضامنون مع الفقراء والمساكين، كما أن ذلك العري الفاضح يقل ـ على الأقل ـ في هذا الشهر الكريم، وبما أن الشياطين تسلسل في هذا الشهر يستحي المرء من فعل المنكرات نهارا جهارا، بل إن حانات الخمور تغلق أبوابها وتكسد تجارتها رهبة من شهر القرآن. وهكذا نعيش جوا مفعما بالإيمان في شهر الصيام، ونلحظ تدينا مرتفعا، وكل هذا مطلوب ومرغوب، لكن ما نخافه أن يرتبط كل هذا بعدد أيام رمضان؛ فإذا انقضت أيامه عادت حليمة إلى عادتها القديمة، فينقص الحرص على أداء الصلوات في المساجد، ويهجر القرآن، وينتشر العري، وتكثر المنكرات، فمن كانت هذه حاله فليعرف أن ربه الذي يعبده في رمضان هو رب الشهور كلها، وبذلك يجعل من رمضان فرصة للتعلم والتدريب بدل العادة والتقليد، وفرصة لتعديل السلوك وترشيده، وبذلك يتحقق التدين المطلوب.

كما ينبغي التنبيه في هذه الإضاءة إلى أن الصيام قد شرع لمقاصد عظيمة وغايات كبرى يعود أثرها على الفرد والمجتمع، ويعد مقصد التقوى المقصد الأساس من تشريع الصيام كما بين ذلك المولى عز وجل في قوله: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

ولما كانت للصيام مقاصد جمة وجدنا أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يستعدون له بستة شهور قبله، وبعد مروره تبقى آثاره عليهم عدة شهور فيتحصلوا مقاصده وغاياته، إذ يجعلون منه شهرا استثنائيا للتعلم، فكانوا يعيشونه يوما بيوم، بل لحظة بلحظة حتى لا يفوتهم أجر الشهر الفضيل وحسناته المضاعفة، فإذا حل شهر رمضان فرحوا واستبشروا وعقدوا العزم على اغتنام أكبر قدر من الحسنات، فتراهم يصومون ويقومون ويتلون آيات القرآن آناء الليل وأطراف النهار، لسانهم يلهج بذكر الله تعالى عساهم ينالوا رحمة ربهم في أول رمضان، فإذا مضى ثلثه جددوا العزم عساهم يدركوا ما بقي منه من خيرات وبركات، فيجتهدون أكثر في تحصيل الطاعات، فيكثرون من العمل الصالح، ويقومون بكل أعمال الخير، أما إذا حلت العشر الأواخر من رمضان فإنهم يعلنون النفير عسى ربهم أن يعتقهم من النار، فيتوجهون إلى خالقهم بقلوب خاشعة وأعين دامعة، فكانوا لا ينامون بالليل تعبدا وتهجدا، وبالنهار تجدهم جنودا مجندين لخدمة دين الإسلام.

هكذا كانت أيام رمضان فرصة للتأمل والتعلم وترشيد السلوك، فإذا انقضت أيامه ظهرت آثاره على الفرد من ناحية زيادة الإيمان، حيث يتعلم المحافظة على الصلوات في المساجد، ويحافظ على تلاوة القرآن، وتتحسن أخلاقه، ويتهذب سلوكه، وتتعلم نفسه المراقبة والمحاسبة، بل إنه يتعلم من مدرسة الصيام قيم التعاون والتضامن، وبذلك يكون شهر الصيام قد حقق مقاصده وظهرت آثاره على الفرد والمجتمع.

توافد آلاف المواطنين من أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى مدينة القدس، منذ ساعات الفجر الباكر لأداء صلاة الجمعة الثانية من رمضان في المسجد الأقصى، فيما شددت قوات الاحتلال الصهيوني من إجراءاتها الامنية داخل المدينة المحتلة لا سيما في البلدة القديمة ومحيطها.

ونشرت قوات الاحتلال المئات من عناصرها في أنحاء القدس، وأغلقت المدينة من أربعة محاور: الشمالي من مفترق التلة الفرنسية باتجاه وادي الجوز، ومن الغرب من باب الخليل وباب الجديد، ومن الجنوب من راس الثوري ورأس العامود، ومن الشرق من مفرق كبسا والشياح وجبل الزيتون ومنطقة الزعيم.

ومنعت سلطات الاحتلال، صباح اليوم، الشبان من الضفة الغربية، ومن هم أقل من 40 عاما من دخول القدس للصلاة في المسجد الأقصى المبارك، فيما شهد معبر قلنديا مشادات ومواجهات محدودة بين الجنود والشبان الممنوعين من دخول القدس.

وحولت شرطة شرطة الاحتلال وما يسمى جنود حرس الحدود، مدينة القدس المحتلة إلى ثكنة عسكرية بعد فرض إجراءات ونشر قوات كبيرة من أفرادها وعناصرها؛ استعدادًا لصلاة الجمعة الثانية من شهر رمضان.

وقالت الشرطة في بيان لها: إنها نشرت الآلاف من أفرادها في جميع أنحاء القدس، بما يتضمن البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى، وذلك بإشراف من مسؤول شرطة الاحتلال القدس.

واضطر شبان صغار السن إلى القفز عن الجدار عبر استخدام سلالم وحبال رغم ملاحقة دوريات الاحتلال لهم، حيث يتعرضون للكسور والاعتقال خلال مخاطرتهم بتخطي الجدار المحيط بالقدس المحتلة.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

أكد المستشار التربوي البروفسور عبد المجيد الوكيلي أن تجديد طريقة تربية الأبناء اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت سابق نظرا للواقع الذي نشعيه اليوم ونوعية العيش وجودته مقارنة مع ما تقضي به المرجعية الدينية الإسلامية والنظريات الحديثة في التربية.

وأشار الوكيلي إلى ضرورة التأمل والاقتداء بتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم داخل وخارج البيت مع أبنائه وبناته وتلامذته الذي كان عاليا بامتياز من خلال خلقه ومقاربته في التربية نموذجا على ذلك كيفية معالجته لأخطاء الغير وتفريقه بين المخطئ والخطإ، حيث كان يتجه للخطإ مباشرة من أجل أن يجعل له ميكانيزمات قوية لمعالجته.

ونوه المستشار التربوي في محاضرة ألقاها بعنوان " جدد طريقتك في تربية الأبناء" إلى أن العلم الحديث أصبح فعالا في التربية خصوصا علم الأعصاب الذي يتوفر على قواعد وميكانيزمات مهمة في تجديد طريقة تربية الأبناء والهدف من الاحتكام إلى هذه المراجع وغيرها تغيير طريقة التربية للأفضل.

ونبه الوكيلي أن التربية الحالية تقوم على برمجة قديمة وخاطئة والاعتقاد أن هذه الطريقة الأسلم ضاربا المثل بنموذج العنف التربوي الاعتيادي من خلال اتخاذ ممارسة العنف كوسيلة للتربية لذلك كان الضرورة على تجديد التربية عبر تجديد طريقة التفكير وبث أشعة إيجابية في الأبناء عبر كلمات إيجابية بدل بث أشعة سلبية عبر عبارات وكلمات سلبية تتخذ طريقة في التربية والتلقين والتي تؤثر على الإفرازات التي يستقبلها الدماغ.

ودعا المحاضر إلى ضرورة سماع الأبناء بهدوء وراحة بدون عصبية ولا فرض اقتداء بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في بدايته الأولى وتصحيح الأمور بشكل هادئ وتجديد طريقة التفكير والاختيارات في التعاطي مع الأبناء والتواصل معهم.

واستحضر البروفسور ضرورة إيجاد احتياجات الأبناء وعدم الكلام في الهواء والطلق وأن تكون الأمور مضبوطة بشكل كبير عن طريق تنمية الوعي وإعادة بناء الأبناء من جديد والدخول في مقاربة إصلاحية تجديدية حقيقية وأن تكون واجبات الأبناء وفروضهم عن قناعة وليس اتباعا.

وركز الوكيلي على التأمل القرآني لتجديد تربية الأبناء وتصحيح الأمة ذاتها وتجديد علاقتها بالله وصفائها الداخلي والعيش مع الله ومراجعة النفس مؤكدا على أن الذي لا ينتقد نفسه وذاته لا يمكن أن ينجح.

يذكر أن المحاضرة التي ألقها المستشار التربوي البروفسور عبد المجيد الوكيلي بعنوان " جدد طريقتك في تربية الأبناء" تأتي في إطار المحاضرة الثانية من البرنامج الرمضاني الذي سطرته حركة التوحيد والإصلاح فرع الرباط والذي يستضيف عددا من العلماء والمفكرين والمتخصصين بمناسبة هذا الشهر الكريم.

الإصلاح

توفي صباح اليوم السبت العاشر من رمضان بمدينة الرباط المفكر الإسلامي والعلامة المجاهد الدكتور إدريس الكتاني أحد مؤسسي رابطة علماء المغرب في الستينيات والأمين العام لنادي الفكر الإسلامي عن عمر يناهز 100 سنة. وستقام صلاة الجنازة بمسجد السنة اليوم عصرا ومراسيم الدفن بمقبرة لالة خديجة المحاذية لمرجان حي الرياض بالرباط.

وخلال بداية الستينيات، كلف الدكتور إدريس الكتاني، مع مجموعة من المسؤولين في وزارة التعليم، من طرف وزير التعليم الدكتور يوسف بن العباس، بوضع مشروع لتطوير التعليم في المغرب وعرضه على الملك الراحل الحسن الثاني.

بعد وقوع محاولة انقلاب قصر الصخيرات عام 1972، وجه الدكتور إدريس الكتاني مذكرة سرية، لم تنشر من قبل، إلى الديوان الملكي تحت عنوان «مخطط الماركسيين المغاربة لإسقاط الإسلام والدولة من الداخل بواسطة المناهج والكتب المدرسية للسيطرة على الحكم» يكشف فيها ما يسميه مخطط الشيوعيين المغاربة لهدم صرح الدين في المغرب.

وكان الفقيد قد عرف بمواقفه الدفاعية عن قضايا الأمة والقضايا الوطنية ومنها قضية التعليم وخاصة اللغة العربية أصدرها في خمسة إصدارات جاءت تحت عنوان مشترك هو «ملفات وثائقية في تاريخ المغرب العربي الإسلامي المعاصر»، وتعكس طبيعة المعارك الفكرية والثقافية التي كان الكتاني طرفا فيها، مثل تعريب التعليم والازدواجية اللغوية في المغرب والفرانكوفونية والتطرف الديني، وصولا إلى الفتوى التي وضعها عدد من العلماء والمثقفين المغاربة في فبراير عام 2003 للرد على بيان وقعه ستون مثقفا أمريكيا يدافعون فيه عن عدالة الحرب الأمريكية على أفغانستان.

ومن مؤلفات الدكتور الكتاني:

– المشروع الصهيوني في فلسطين – التسويات والحلول – المقاومة والانتفاضة.

– استراتيجية الدفاع عن الأمن الإسلامي.

– ثمانون عاما من الحرب الفرونكفونية ضد الإسلام واللغة العربية.

– ازدواجية لغة التعليم الأساسي أخطر عمليات الاختراق الاستعماري لمقومات الشعب المغربي للمسلم.

الجدير بالذكر أن وفدا من قيادات حركة التوحيد والإصلاح قد قام بزيارة تواصل ووفاء للفقيد المفكر الإسلامي العلامة المجاهد الدكتور إدريس الكتاني، رحمه الله تعالى، في وقت سابق بتاريخ الجمعة 12 رجب 1436هـ موافق فاتح ماي 2015م.

e76f0a9ecf6422e56bb8aee7533d9edd XL

نتقدم إلى أسرة الفقيد بأحر التعازي وأن يلهمهم الصبر والسلوان ونسأل الله أن يتغمده في واسع رحمته ويسكنه فسيح جناته إنا لله وإنا إليه راجعون.

الإصلاح

بحضور وزارتي العدل ووزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية أُعلن عن الشبكة المغربية -شمل- للوساطة الأسرية في ندوة صحفية تحت شعار “شبكة قوية، وساطة ناجعة، أسرة آمنة”، يوم الخميس 24 ماي 2018 بمقر نادي المحامين بالرباط بمناسبة اليوم العالمي للأسرة.
 وأكدت أسماء المودن رئيسة الشبكة المغربية للوساطة الأسرية، أن الإحصائيات المهولة لمعدلات التفكك الأسرية التي كشفت عنها وزارة العدل عجلت بتكتل الجمعيات وتوحيد جهودها من أجل المساهمة في تدبير وحل المشاكل الأسرية.
 وأوضحت المودن أن المراكز والجمعيات المنضوية تحت لواء الشبكة اشتغلت على أزيد من 8000 حالة تتعلق بإطلاق وثبوت الزوجية والحالة المدنية والطرد من بيت الزوجية، مضيفة أن نسبة تحقيق الصلح ورأب الصدع وصل إلى 40 في المائة.
 ونبهت المحامية بهيئة طنجة أن أرقام وزارة العدل مخيفة مذكرة ببلوغ عدد حالات التطليق قرابة 100 ألف حالة سنة 2017، علاوة على بلوغ قضايا النفقة في نفس السنة 35 ألف حالة علاوة على أزيد من 35 ملفا متراكما في المحاكم.
 ووصفت المودن الأرقام المتعلقة بالمنازعات الأسرية بـ"المهولة"، مؤكدة على أنها تدل على وجوب الانتباه للأسرة وتستوجب على المجتمع المدني تحمل مسؤوليته في رأب صدع وضمان تماسك المجتمع، قائلة "إن الأسرة هي نواة تكوين المجتمعات".  
 وطالبت الناشطة النسائية بضرورة مأسسة الوساطة الأسرية وتمكين الجمعيات والمراكز من لعب دورها في حفظ تماسك المجتمع عبر إقرار قانون في الموضوع، مشددة على ضرورة اللجوء إلى الترافع كآلية دستورية من أجل مأسسة الوساطة الأسرية.
 شدد نور الدين الإبراهيمي ممثل وزارة العدل على ضرورة إحداث إطار قانوني لحماية المراكز والجمعيات الفاعلة في مجال الوساطة الأسرية، موضحا ان سياسة الدولة هي إيجاد آليات لحل المنازعات بطرق بديلة بدون اللجوء للقضاء.
 وأوضح القاضي الملحق بوزارة العدل أن المشرع أوجد عدة آليات للوساطة منها المجالس العلمية والمساعدات الاجتماعية والوساطة القضائية، مشددا على ضرورة إضافة الوساطة الأسرية إلى تلك الآليات وذلك بمأسستها وإعطائها الإطار القانوني.
 بدورها أكدت سكينة يابورة ممثلة وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية أن مؤتمرا دوليا للوزارة سنة 2015 أوصى على ضرورة اعتماد الوساطة الأسرية حلا بديلا لحل النزاعات داخل المجتمع، موضحة أن الوساطة تتميز بالمرونة والسرعة والقرب والسرية والمجانية عكس القضاء.
 ونبهت ممثلة وزارة الأسرة إلى أن المجتمع المغربي بعرف تحولات عدة منها تراجعات على المستوى الديمغرافي ونسب الزواج والقيم موضحة أن تلك التحولات تشكل تحديات على استقرار وتماسك الأسرة، قائلة "استقرار الأسرة من استقرار المجتمع".
 وتهدف الشبكة المغربية للوساطة الأسرية إلى تكثيف وتوحيد الجهود وتعبئة الطاقات لكل الهيئات والفعاليات العامة في مجال الاستماع والإرشاد الأسري من أجل تشجيع التأهيل للزواج وبناء العلاقات الزوجية على مفهوم التكامل والتعاون.
 كما ترمي إلى العمل على إشاعة ثقافة الوساطة الأسرية باعتبارها السبيل الأنجع لتدبير الخلافات بين أفراد الأسرة، علاوة على تطوير التدريب والتكوين في الوساطة الأسرية للارتقاء بأدائها، وبلورة إستراتيجية في موضوع الوساطة الأسرية.
 وترنو الشبكة إلى الترافع من أجل سياسة عمومية مندمجة للنهوض بأوضاع الأسرة المغربية ومأسسة الوساطة الأسرية، بالإضافة إلى تشجيع الدراسات الميدانية والبحث الجاد لرصد الظواهر والإشكاليات المعيقة لأدوارها والمهددة لاستقرارها.

أشرف أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، اليوم الجمعة بعمالة مقاطعات ابن مسيك (جهة الدار البيضاء -سطات)، على تدشين مسجد تفضل جلالته فأطلق عليه إسم “مسجد فلسطين”، قبل أن يؤدي به صلاة الجمعة.

ويعكس تدشين أمير المؤمنين لهذا الصرح الديني، في شهر رمضان المبارك، الاهتمام الخاص الذي يوليه جلالته للشؤون الدينية وعزمه الموصول على تمكين المملكة من مساجد تزاوج بين عنصري الوظيفية والجمالية، حتى يكون بوسع المؤمنين تأدية شعائرهم في أفضل الظروف.

ويشكل “مسجد فلسطين” الذي تم إنجازه وفقا للنمط المعماري المغربي الأصيل جزءا من البرنامج الوطني لتأهيل المساجد وقاعات الصلاة الآيلة للسقوط، الذي أطلقه جلالة الملك في 14 ماي 2010 بوجدة، والذي يهدف على الخصوص إلى إعادة بناء أو إصلاح أو ترميم المساجد المغلقة وإعادة فتحها.

وقد شيد “مسجد فلسطين” الذي يتسع لأزيد من 1630 مصل ومصلية، من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، على قطعة أرضية تبلغ مساحتها 2056 متر مربع، بغلاف مالي تناهز قيمته 14 مليون درهم.

   ويشتمل المسجد الجديد على جميع المرافق الضرورية للمصلين والقيمين على أداء الشعائر الدينية، حيث يحتوي على قاعتين للصلاة (رجال ونساء)، ومكتبة وقاعة متعددة التخصصات، ومسكنين للإمام والمؤذن، ومحلات تجارية.

و.م.ع - الدار البيضاء

أكدت المرجعيات الدينية في القدس أن المسجد الأقصى المبارك سيبقى للمسلمين وحدهم رغم أنف السفير الأمريكي لدى الاحتلال.

وقالت المرجعيات في بيانٍ صحفيّ، اليوم: "في الوقت الذي يعتكف ويرابط ويصلي في الأقصى آلاف المسلمين، وتعيش الأمة المسلمة أجواء رمضانية تعبدية تتطلع به إلى اليوم الذي ينال فيه الأقصى حريته، والشعب الفلسطيني حق تقرير مصيره، تصر الإدارة الأمريكية وسفيرها في الكيان ديفيد فردمان على المساس بالأقصى ومشاعر 1.8 مليار مسلم من خلال الصورة التي تناقلها الإعلام، والتي يظهر فيها السفير فرحا مسروراً وهو يتلقى الهدية التي زال منها وجود الأقصى، ووضع مكانه الهيكل المزعوم".

والمرجعيات هي: مجلس الأوقاف والشؤون والـمقدسات الإسلامية، والهيئة الإسلامية العليا، ودار الإفتاء الفلسطينية، ودائرة قاضي القضاة في القدس، ودائرة الأوقاف الإسلامية وشؤون المسجد الأقصى في القدس.

وأشارت إلى أننا والمرابطين في فلسطين خاصة وفي العالم عامة نؤكد على رفضنا هذا الفعل ونستنكره، ونطالب الإدارة الأمريكية بسحب سفيرها العنصري الذي يتحدى المسلمين، ويستفزهم في أقدس مقدساتهم في ديارنا المقدسة والأقصى الذي هو حق خالص للمسلمين ولا يقبل الشراكة أو القسمة من أحد.

وطالبت المرجعيات أن تعتذر الإدارة الأمريكية وسفيرها للأمة الإسلامية بشكل علني وواضح، وأن تؤكد الإدارة الأمريكية حيادها واحترام الوضع التاريخي للمقدسات في مدينة القدس وفي المسجد الأقصى.

ورأت أن مثل هذه التصرفات الرعناء تشعل حرباً دينية لها أول وليس لها آخر، وأن الذي ينادي بهدم المسجد الأقصى سيهدم بيته ويهدم كيانه، وأن الذي ينادي ببناء أمجاده الخرافية على أمجاد غيره إنما يعيش حالة هستيرية جنونية تؤدي إلى دمار البشرية.

وطالب بيان المرجعيات الدينية منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهم وإدانة هذه السياسة من السفارة الأمريكية، ومحاسبة "إسرائيل" على انتهاكاتها تجاه القدس والمقدسات.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

الأربعاء, 23 أيار 2018 14:07

رمضان معجزة إصلاحية.. ولكن

(وأن تصوموا خير لكم) [البقرة:183]، هذه الآية تبين أن الصيام خير مطلق ومصلحة مقطوع بها للفرد والجماعة، بل هو مصلحة بشرية خالدة ثابتة تشابهت فيها الأمم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)[البقرة: 183]، قال ابن عاشور في تفسيره: وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها. ولهذا فرمضان شهر الإصلاح والإحياء كسائر الشرائع الإسلامية، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" [سورة الأنفال24] ، ولا بد من تتبع أوجه ذلك ومكامنه ومعيقاته.

لماذا رمضان معجزة إصلاحية؟

رمضان منظومة ربانية تهدف إلى إيجاد حالة إنسانية مجتمعية راقية من الصلاح والقطيعة مع الفساد، عن طريق تحرير الإنسان من الآسار الظاهرة والباطنة، المادية والمعنوية، التي تحاصر اختياراته ومواقفه وسلوكه. وهذا هو المقصد الأكبر لرمضان المعبر عنه في القرآن بالتقوى، وهي أرفع مستوى بشري يكون فيه البشر أقوى على فعل الصلاح وأقوى على القطع مع الفساد، في جميع مجالات الحياة.

وهذه الحالة الراقية من الصلاح والقطع مع الفساد تتجدد كل رمضان لتستمر خلال بقية السنة، فهي صوم مؤقت عن الفساد والمنكرات يراد به أن يكون صوما سرمديا دائما بعد رمضان، ولهذا عطفت آيات الصيام في القرآن بآيات تنهى عن الفساد المالي وأكل المال بالباطل. فمن يمتنع عما هو له خلال رمضان يرتقي إلى أن يمتنع عما ليس له في رمضان وغير رمضان، ولهذا فهو مضاد حيوي ضد الفساد على حد تعبير أستاذي الريسوني.

فهو إذا "تحرير للنفس الإنسانية من قيود العادات وأدران الشهوات وتقوية للإرادة في الخير حتى تنتصر دائمًا على نزعات الشر، وفيه بعد ذلك مآرب أخرى، وإن أسمى ما يحرص عليه الإنسان أن يكون حرًا مريدًا وبذلك يمتاز عن الحيوان، ومَن تحرر من أهواء نفسه فقد ملك أمره ". (حسن البنا)

وحق لمصطفى الرافعي أن يقول:"يتوجه الصيام على أنه شريعة اجتماعية إنسانية عامة، يتّقي بها المجتمع شرور نفسه، ولن يتهذب العالم إلا إذا كان له مع القوانين النافذة هذا القانون العام الذي اسمه الصوم".

ولهذا فرمضان "معجزة إصلاحية" على حد تعبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله، وهذا المعنى مشار إليه في القرآن حيث ختم الله آيات الصوم بقوله {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]، فالصيام آية من آيات الله ولا ريب.

وقد لخص د. بول براج وابنته باتريكا دور الصيام بكلمة "المعجزة"، وذلك في كتاب مشترك طبع بأمريكا بعنوان ( معجزة الصيام..مثبت على مدار التاريخ تجديده الشباب البدني والعقلي والروحي The Miracle of Fasting..Proven Throughout History For Physical, Mental & Spiritual Rejuvenation)، وبينا أن الصيام ميلاد جديد للصائم. يقول د. Brag في خاتمة مقدمة الكتاب عن الصيام:"ستشعر بأنك شخص جديد، ستكون منظفا، ومصفى، ومولودا من جديد"، وقالت ابنته في ختام مقدمتها:"الصيام يعطي معجزات صحية عظيمة روحيا، وعقليا، وعاطفيا، وبدنيا".

وهكذا فالإصلاح الذي يكون في رمضان وبسبب رمضان عميق شامل متنوع، فهو إصلاح روحي تربوي، وإصلاح علمي ثقافي، وإصلاح أخلاقي، وإصلاح اجتماعي، وإصلاح اقتصادي، وإصلاح سياسي. وفيما يلي وقفة مع هذه الأدوار الإصلاحية الرمضانية.

الإصلاح الروحي

رمضان مدرسة سنوية في إصلاح الذات، عنوانها أن تسمو الروح على الجسد، والمبدأ على الهوى، والنفس المرضية على النفس الأمارة بالسوء، ويمتنع الفرد عن بعض الشهوات الحلال، فما بالك بالشهوات الحرام، والفرد في ذلك حر لا يستطيع أن يضغط عليه أحد، ولا أن يراقبه أحد، ولهذا فالصيام التزام فردي خالص لا تشوبه شائبة الرياء أو الإكراه ولو كان اجتماعيا في توقيته وبعض توابعه، ولهذا نسبه الله تعالى لنفسه، ففي الحديث عند البخاري: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها). وهذه الرقابة الإلهية، وهذا السمو الروحي هو الإصلاح الذي يحدثه رمضان في الصائم، وهو السر العظيم لرمضان، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السر العظيم في قوله:"من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه أي تصديقا بفرضيته وبخيريته، واحتسابا للأجر من الله تعالى وحده.

ولا شك أن هذا الإيمان والاحتساب والارتباط بالله، ينعكس – بحسب قوة العوامل الإصلاحية الأخرى غير الصيام- على الإيمان والاحتساب في الأفكار والمواقف والأعمال والوظائف والعلاقات، والحياة والممات. فالصائم إيمانا واحتسابا إذا كان عالما اجتهد وبلغ رسالات الله إيمانا واحتسابا لا يخشى في الله لومة لائم، وإذا كان مفكرا فكر إيمانا واحتسابا، وإذا كان مزارعا زرع إيمانا واحتسابا، وإذا كان صحفيا كتب إيمانا واحتسابا، وإذا كان وزيرا عمل إيمانا واحتسابا. ولا شك أن من يعمل ويدع، ويفكر ويبدع، إيمانا واحتسابا، سيكون حرا طليقا منطلقا، وستكون إرادته أقوى، وعزيمته أمضى، وصبره أسمى، وأداؤه أرقى، فإنه يتعامل مع الله قبل أن يتعامل مع البشر. وهذه هي الروح الحرة التي يحييها ويوقظها الدين عموما. فإن "المطامع أساس الاستعباد والشهوات قيود الأسر، وأساس الحرية الاستغناء، والاستغناء يستتبع المشقة، ولكنها مشقة عذبة لذيذة لأنها ستنتج الحرية، والحرية أحلى من الحياة" (حسن البنا).

ويقظة الروح وتحريرها هو جوهر تغيير ما بالأنفس الذي هو القانون الأول في النهضة والإصلاح."ومحال أن تنهض أمة بغير هذه اليقظة الحقيقية في النفوس والأرواح والمشاعر:(إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ([الرعد:11] .. فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح، حياة القلوب، صحوة حقيقية في الوجدان والمشاعر، نحن نريد نفوسًا حيةً قويةً فتيةً، قلوبًا جديدةً خفَّاقةً، مشاعر غيورة ملتهبة مضطرمة، أرواحًا طموحة متطلعة متوثبة، تتخيل مُثُلاً عليا، وأهدافًا ساميةً لتسمو نحوها" (hassanelbana.com/news.php?action=view&id=156)

ولكن هذا الإصلاح الروحي يضعف ويقوى بحسب قوة وضعف الصائمين وبيئاتهم، وأحظهم نصيبا فيه صفوة "أدوا ما أمرهم الله به من صلاة وصيام وتلاوة وقيام ومسارعة إلى الخيرات وإحسان وصدقات، ولكنهم لم يقفوا عند ظواهر الأعمال بل فهموا عن الله فيها، وعرفوا ما يراد بهم منها، وتغذت بصائرهم إلى لباب أسرارها، فعرفوا لرمضان معنى لم يعرفه غيرهم وفازوا بربح لم يفز به سواهم، واكتسبوا منه تزكية النفوس وتصفية الأرواح. وأولئك خلاصة المؤمنين وصفوة العارفين" (مقال رمضان شهر الحرية لحسن البنا).

الإصلاح العلمي والثقافي

بعد أن طلب الله تبارك وتعالى الصيام من المؤمنين، ثنى بمدح شهر الصيام بأنه " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"[البقرة:185]، وهذا فيه إيماء إلى أن رمضان هو شهر القرآن كما هو شهر الصيام، ولهذا فإن رمضان هو حملة سنوية من أجل تجديد ورفع الوعي بالقيم المثلى في القرآن، الذي هو كتاب التغيير والإصلاح الأول في العالم كله والتاريخ كله، فهو يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وفيه الهداية التي لا نظير لها للبشرية. وجعلت صلاة القيام والتروايح سنة مؤكدة من أجل القرآن، ولتكون وسيلة جماعية أو فردية للاتصال بالله والاتصال بالقرآن، ففي الصحيحين (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). و"السنة فيها الإطالة ، وليس الغرض سرد العدد فحسب كما يفعله كثير من الناس الآن مع الإسراع المخل ، وفاتهم أن النظر في التراويح إنما هو المتعة بكتاب الله وهو السر فيه"(حسن البنا). وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم " أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين" أي العام الذي توفي فيه، متفق عليه.

ولهذا يتوسع المسلمون في مدارسة القرآن، وفي الدروس العلمية في رمضان ما لا يتوسعون في غيره، ومن السنن الحميدة في عصرنا الدروس الرمضانية للملك في المغرب، وقد استن بهذه السنة عدد من الملوك والرؤساء العرب. وهي من بركات رمضان. ومن السنن الحميدة أن العلماء إذا جاء رمضان تركوا ما هم فيه واعتكفوا على مدارسة القرآن. ومنها أيضا نشر عدد من الكتب الجديدة في شهر رمضان في الصحف وغيرها. ومنها أيضا إنتاج عدد من الأعمال الدرامية والفنية الرصينة التي تترجم قيم الإسلام دراميا ومسرحيا وفنيا، وهي أدوات مؤثرة أيما تأثير في غرس القيم الصالحة. وإذا فإن الميدان العلمي والثقافي الرصين يزدهر في هذا الشهر الكريم، وهنا أذكر ببعض الأحداث العلمية والدينية البارزة في رمضان في التاريخ الإسلامي، ومنها: بناء مسجد القيروان على يد عقبة بن نافع في العشرين من شهر رمضان 51 هـ الموافق 29 سبتمبر 671 م، والشروع في حفر أساس جامع القرويين في الأول من رمضان عام 245هـ، 30 نوفمبر عام 859م، ووضع حجر أساس الجامع الأزهر في 14 رمضان سنة 359 هـ / 970م.

الإصلاح الأخلاقي

رمضان تدريب سنوي لمدة شهر كامل من أجل تحسين الأخلاق العامة، وخفض المشاكل والجرائم ، فحقيقة الصيام أنه جُنَّة كما في الصحيحين، قال النووي: "أي: سترة ووقاية ومانع من الرفث والآثام والمعاصي، كما أنه كذلك مانع من النار". ولهذا فقانون السلوك والتعامل للصائم هو: "فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم مرتين" حديث متفق عليه. فالصائم ممنوع من الأخلاق السيئة، بل ويكره للصائم حتى الرد على الأخلاق السيئة باستخدام حقه في الجهر بالسوء لو ظلم، وجزاء السيئة بالسيئة، بل يقول مذكرا نفسه ومخاصمه: إني صائم إني صائم. وأثر هذا الإصلاح الأخلاقي في رمضان لا شك سيمتد إلى غيره من الشهور، لا سيما لمن صام إيمانا واحتسابا، وظل مؤمنا محتسبا.

الإصلاح الاجتماعي

رمضان حملة سنوية لتعزيز التضامن الاجتماعي، من خلال وسائل إجبارية وأُخَرَ مندوبة، فأما الإجبارية فهي الصيام الذي هو حرمان مؤقت يعزز قيمة التراحم والتعاطف مع المحرومين ومشاركتهم في إحساسهم ومعاناتهم، وهي وسيلة نفسية، و"من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعض السرّ الاجتماعي العظيم في الصوم" على حد تعبير مصطفى صادق الرافعي، وقد أضاف إليها الإسلام وسيلة إجبارية مالية وهي زكاة الفطر التي هدفها التضامن العام الإجباري مع الفقراء. وأما الوسائل المندوبة المحققة للتضامن فأهمها الإنفاق المطلق، وقد جعل الرسول للإنفاق في هذه الشهر مزية ليست في غيره، وأضحى سنة محمدية في رمضان، فعن ابن عباس قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، إن جبريل عليه السلام، كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أجود بالخير من الريح المرسلة". متفق عليه.

كما يعزز رمضانُ قيمةَ التضامن الاجتماعي بالحض على صلة الرحم وصلة الأخوة، والرحم من الرحمة، والأخوة أعلاها الإيثار وأدناها سلامة الصدر كما قال حسن البنا. والصائم الذي يحب أن يرفع جوعه وعطشه، وقيامه وسهره، وإنفاقه وبره، إلى الله تعالى، لا بد أن ينهي خصوماته، ففي صحيح مسلم:" تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا". ولهذا فرمضان " شهر المواساة" كما في صحيح ابن حزيمة وغيره.

الإصلاح الصحي

لقد قال الله تعالى عن الصيام (وأن تصوموا خير لكم) [البقرة: 184]، وهذا يعني أن صيام رمضان خير للصحة كما لغيرها. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"الصيام جنة" فهو يشمل الوقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات كما قال ابن عاشور. ويكفي للدلالة على الإصلاح الصحي الذي يقوم به الصيام أنه أمر معروف دائما في تاريخ البشرية.

وقد لخص د. بول براج وابنته باتريكا الدور الصحي بكلمة "المعجزة"، وبينا أن الصيام ميلاد جديد للصائم. ونقلا في أول صفحة عن كتاب (الصيام أسلوبا للحياةFating as stile of life ) لـ Patrica Bragو Allan Cott فوائد للصيام؛ منها:

- يجدد الثقة في النفس وفي الله.

- هو أسهل من أي حمية، وأسهل طريق لنقص الوزن إلى 10 باوند (= حوالي 5 كغم) أو أكثر في الأسبوع الأول.

- يضبط الحياة المشغولة، ويسرع إعطاء الجسم راحة نفسية.

- يستخدم علاجا ناجحا لعدد من الأمراض.

- يزيد عادات الحمية الغذائية، ويزيد متعة الأكل الصحي.

- مهدئ ، وعادة ما يخفف التوتر والأرق.

- يحث في العادة مشاعر النشوة إلى المستوى الطبيعي.

- معجزة تشبيبية، ويبطئ عملية الشيخوخة.

- منبه طبيعي لتشبيب نمو مستويات الهرمون.

- منشط وليس مفترا.

- منظم ومعلم للجسد أن يستهلك الطعام حسب الحاجة.

- روتين في مملكة الحيوان.

- ممارسة معروفة من بداية الوجود البشري.

- تحت الشروط السليمة هو آمن قطعا.

- الصيام ليس تجويعا، بل شفاء طبيعي منحنا إياه الله.

وفي كتابه الشهير (الإنسان ذلك المجهول) يقول الدكتور الكسيس كارل الحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس البشرية وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصيام أحياناً).

الإصلاح الاقتصادي

يسهم رمضان في الإصلاح الاقتصادي عن طريق معادلة تقوم على تنمية تقدير السلع والنعم عن طريق الحرمان منها خلال الصوم، مما يزيد في حفظها، كما أن الصيام خلال ساعات طويلة يؤدي قطعا إلى خفض الاستهلاك الخاص والعام، كما يفترض أن يؤدي إلى زيادة إنتاجية الفرد حيث أن وقته خلال النهار غير مشغول بالطعام والشراب وتوابعهما، وألاحظ -شخصيا- أن إنتاج الموظفين يزيد، وانشغالهم المعطِّل للعمل يقل، ويمكن عمل دراسة ميدانية للتأكد من المعادلة الاقتصادية الرمضانية التي يفترض أن تكون: إنتاجية أكثر واستهلاك أقل. وإذا علمنا أن شرب الخمر وإخوانه من المخدرات يتوقف في رمضان، وتغلق الحانات، في البلاد الموبوءة بذلك، علمنا أيضا أي فساد اقتصادي وما يتبعه يقوم رمضان بمحاربته وتضييق الخناق عليه، وبدون شك فإن العائدين إلى الخمر أقل قطعا بعد رمضان من الذين كانوا فيه قبله ببركات سيدنا رمضان.

ولا ننسى هنا الإصلاح الاقتصادي الذي تقوم به زكاة الفطر، وهي وسيلة إصلاحية اقتصادية إجبارية على كل مسلم له فضل مال يزيد عن قوته وقوت عياله حتى لو ولد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان على رأي وقبل فجر يوم العيد على رأي آخر، وهدف هذه الزكاة كما في الحديث أنها: "طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين" رواه أبو داود وابن ماجه، أي أنها اقتصاديا تقوم بإعادة توزيع الثروات ولو بشكل جزئي، والقضاء النهائي على الفقر في يوم العيد، ولو فرضنا أن كل مسلم يدفع دولارا واحدا، نضربه في عدد المسلمين (حوالي 1.93 مليار في 2011 حسب موقع islamicpopulation.com)، وبالتالي نعرف حجم الثروة التي يتم إعادة توزيعها خلال يوم العيد فقط.

الإصلاح السياسي

لا شك أن من لا يصلح نفسه برمضان وفي رمضان، ومن لا يقطع مع الفساد والخراب في رمضان، حاكما كان أو محكوما، فأبعده الله، ففي الحديث "من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قلت: آمين" رواه ابن حبان والطبراني. وهذا الإبعاد الإلهي للفاسدين له تجل في الآخرة كما له تجل في الدنيا، وتجليه في الدنيا أنه واجب على الأمة نحو الفاسدين الذي لا أمل في صلاحهم ولم يرعووا بما شهدوه من رمضانات ولم يستجيبوا لنداءات الإصلاح فيه وفي غيره، وكلما زاد فسادهم وخطرهم وخاب الأمل في إصلاحهم عظم واجب إبعادهم على الأمة، ولا شك أن فساد الحكام أشد وأنكى، ولهذا فإبعاد من لا يرعوي منهم عن فساده أولى وأولى، ولكن لا بد أن يكون ذلك عند أهل السنة بالحسنى.

وهكذا فرمضان امتحان حقيقي لتقييم حجم ودرجة الفساد السياسي، يلي في الأهمية امتحان إقامة الصلاة.

ومن الأدوار الإصلاحية السياسية الأخرى التي تلاحظ في رمضان: دوره في رفع الاهتمام بالشأن العام للمسلمين، سواء المحلي أو الوطني أو الإسلامي والعالمي، ويتجلى هذا الأمر في كثرة الدعاء والقنوت للمسلمين وخاصة المأزومين منهم، ولعل هذا من مقاصد حديث القرآن عن الدعاء في آيات الصيام، كما يتجلى في زيادة الدعم المالي للمضرورين.

وهناك دور سياسي آخر لرمضان هو إسهامه في توفير الدعم الروحي لأي عمل سياسي يحتاج إلى الطاقة الروحية، ولهذا نفهم لماذا تحقق عدد من الانتصارات الكبرى في التاريخ الإسلامي في رمضان بداية من غزة بدر (17رمضان 2 هـ) مرورا بفتح مكة (20 رمضان 8 هـ) والقسطنطينية (12رمضان 850هـ) ووصولا إلى حرب 10 رمضان 1973م.

ولكن.. ما لم يُخرق

في الحديث" الصيام جنة مالم يخرقها"رواه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي والدارمي، وهذا يعني أن الدور الإصلاحي لرمضان مرتهن بعدم خرقه بالمفسدات سواء من الصائم أو من بيئته. ولهذا جاء في الحديث "من يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري، "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" رواه أحمد وابن ماجه والنسائي والحاكم.

نعم، لقد سهل الله تعالى الوظيفة الإصلاحية الإحيائية لرمضان بتصفيد الشياطين ومردة الجن في أول ليلة كما في الحديث عند الترمذي وابن ماجه، أي أن المصدر الأكبر للشر والفساد يغلقه الله تعالى في هذا الشهر، ولكن المصدر البشري للشر باقٍ، وشياطين الإنس طليقة، وهذه نراها تخوض عملية إفسادية ممنهجة في رمضان، ولهذا أصبحنا نرى من الإفساد والفساد ما لا نراه في غير رمضان، فالآلة الإعلامية والفنية تضخ القيم الفاسدة ضخا مهولا، وراءها رؤوس أموال ضخمة، والطاحونة الاقتصادية تحول رمضان إلى موسم استهلاكي بامتياز، وتغري الناس بالشراء والاستهلاك ليل نهار، وتزين لهم وتحتال عليهم بكل سبيل حتى تكاد تفرغ رمضان من مقاصده. ولا شك أن وراء هذا التحريف لرسالة رمضان أهدافا سياسية تسعى إليها الأنظمة المستبدة، وهذا أمر ظاهر للعيان، ولقد جاءت الأخبار من مصر بعد سقوط دكتاتورها المشؤوم بأن أموالا ضخمة كانت ترصد للمسلسلات بهدف إفساد الشعب، وإلهائه، ورمضان هو موسمها المفضل، وصيدها الثمين.

فيا ساهرا ليله في الموبقات أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري، ويا مبالغا في الشراء والأكل والشراب أما علمت "أن الله تعالى ما فرض علينا صوم رمضان إلا إضعافا للشهوة المتولدة من الأكل، فمن بالغ في أكل الشهوات والدسم في رمضان، فقد أبطل حكمة الصوم في حق نفسه، ولم يَسد مجاري الشيطان من بدنه، فركض فيه إبليس بخيله ورجله فأتلف عليه دينه" (خاتمة الميزان الكبرى للشعراني ص 32-33)

يريدون ليطفئوا نور الله ولكن...

ولكن الأمة لا تموت، وهناك طائفة صالحة مصلحة ضمن الله بقاءها في الأمة في جميع الأزمان، تسعى في إنجاز البدائل لهذه الردائل، والحسنات لهذه السيئات، و(إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين)[هود:114]، والعملة الجيدة تطرد العملات الرديئة ولو بعد حين، وإذا كان الإشعاع الإصلاحي لرمضان يزيد وينقص حسب الفرد وبيئته، فهو في جميع الأحوال لا ينطفئ، وسيبقى رمضان مصلحا مشعا إلى يوم الدين (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) [الصف: 8].

د. عبد الحكيم أحمين