×

Warning

JUser: :_load: Unable to load user with ID: 64
Sunday, 31 October 2010 15:22

من عقوبات الذنوب

(1) انتكاس القلب :

يقول الله تعالى : {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (سورة الصف /5)

ويقول { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ } (سورة النساء /88)

ويقول صلى الله عليه وسلم عن القلب المنتكس : " والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا ، لا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه " رواه مسلم

(2) حصول الوحشة بين العبد وبين ربه عز وجل ، وبينه وبين عباد الله المؤمنين

 فتراه مكتئبًا حزينًا ، دائم الإحساس بالضيق . وقد قال تعالى : { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } (سورة الأنعام /125)

في قصة كعب بن مالك المشهورة في غزوة تبوك قال تعالى : { وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } (سورة التوبة / 118)

 

(3) استصغار الذنوب واحتقارها

عن أنس رضي الله عنه قال : " إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر ، إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات " . رواه البخاري

وعن ابن مسعود قال : " إن المؤمن يري ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ، وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا " . رواه البخاري

ولذلك قد لا يوفق للتوبة ، ويرى أنه لم يصنع شيئا يستحق منه الندم ، والله يقول : { وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } (سورة الحـج /30)

 

(4) أن العبد يهون على الله عز وجل وعلى عباده :

قال تعالى : { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } (سورة الحـج /18)

فما بالك لو سقطت من عين الله ؟!

(5) تورث ظلمة في القلب

قال تعالى : { اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أولياؤهم الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } (سورة البقرة/ 257)

قال بن عباس : إن للحسنة ضياء في الوجه ، ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق .. وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القبر والقلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضا في قلوب الخلق "

(6) حرمان نور العلم :

قال تعالى : { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (سورة البقرة/ 282)

فكما أن التقوى من أسباب العلم النافع فترك التقوى من أسباب الحرمان

(7) حرمان الطاعة :

يقول سفيان الثوري : حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أصبته "

وقيل لابن مسعود : لا نستطيع قيام الليل ؟ فقال : أبعدتكم الذنوب .

 

(8) سبب لنسيان العبد لنفسه .

قال تعالى : {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة الحشر/ 19) وهنا يبتلى بالغفلة الدائمة حتى يقف بين يدي الله وهو غافل .

قال تعالى : " وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ " [ مريم :39 ]

(9) تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضا

قال بعض السلف : " إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، ومن عقوبة السيئة سيئة بعدها " حتى تحيط به معصيته وهنا تكون الطامة : قال تعالى : " بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " [البقرة :81 ]

(10) كثيرا منها يدخل العبد تحت لعنة رسول الله ولعن الملائكة

فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده ولعن المحلل والمحلل له ولعن السارق ولعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه ولعن المصورين ولعن من عمل عمل قوم لوط ولعن من سب أباه وأمه ...

ومن لعن الملائكة ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : " من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه " .

(11) تزيل النعم وتحل النقم

قال تعالى : {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (سورة الشورى/ 30)

وقال : {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} (سورة النحل /112) إذا فقدت بركة الرزق ، إذا تأخر زواجك ، إذا ابتليت بفساد ابن أو عقوقه ، إذا توالت عليك الابتلاءات وشردت عن ربك فابحث عن الذنوب .

 

(12) ما يحدث في البر والبحر من الفساد

قال تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (سورة الروم/ 41) وهل فسدت البلاد وضاع العباد وضاقت الأرض إلا بما كسبت أيدي الناس ، يا من تشتكون من الغلاء والوباء وهذه الأشياء " ابحثوا عن الذنوب "

 

(13) تسلب العبد أسماء الشرف والمدح وتمنحه أسماء الذم والصغار

قال تعالى : { بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ } (سورة الحجرات/ 11) أليس من العاران يتغير اسمك عنده من عبد مسلم أو مؤمن أو طائع ، ليكون اسمك عاصيا شقيا فاجرا ، عافانا الله وإياكم من ذلك

 

(14) زوال الأمن والاطمئنان

قال تعالى : {الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بظلم أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (سورة الأنعام/82) فلا أمان لمن لا إيمان له ، ولا يكمل الإيمان والعبد مقيم على المعاصي ، فإذا فقدت الهدوء ، وبحث عن الأمان فلم تجده فابحث عن الذنب .

 

 

 
 

وهذه بعض  الأسباب المعينة للابتعاد عن الذنوب:

 1- الدعاء .. وهو أعظم دواء , وأنفع علاج لكل بلاء .. يا أيها التائب .. يا أيتها التائبة يامن يريد ترك الذنوب ..ارفع يديك إلى الذي يسمع الدعاء ويكشف البلاء ... لعل الله أن يرى صدقك ودموعك وتضرعك فيعينك ويمنحك القوة على ترك الذنوب قال تعالى :( وقال ربكم أدعوني استجب لكم ) وقال ( {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } ..

 2- المجاهدة... لا تظن أن ترك المعصية يكون بين يوم وليلة .. إن ذلك يحتاج إلى مجاهدة وصبر ومصابرة , ولكن اعلم أن المجاهدة دليل على صدقك في ترك الذنوب وربنا تبارك وتعالى يقول ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ).

3- معرفة عواقب المعصية ونتائجها...إنك كلما تفكرت في النتائج المترتبة على الذنوب فإنك حينها تستطيع تركها .. فمن عواقب الذنوب ( الهم والغم والحزن والاكتئاب والضيق والوحشة بينك وبين الله وغيرها من عواقب الذنوب ..

 4- البعد عن أسبابها ومقوياتها , فإن كل معصية لها سبب يدفع لها ويقويها , ويساهم في الاستمرار فيها , ومن أصول العلاج البعد عن كل سبب يقوي المرض.

 5- تذكر فجأة الموت,( كل نفس ذائقة الموت ) فهل تخيلت أن الموت قد يأتيك وأنت تنظر إلى القنوات ؟؟ لو جائك الموت وأنت نائم عن الصلاة ؟؟ حينها ماذا تتمنى ؟؟ ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون - لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) ..

6- تذكر عندما توضع في القبر ..هناك يتركك الأهل والأصحاب ولكن أعمالك ستدخل معك في قبرك .. فيا ترى ما هي الأعمال التي ستكون معك في قبرك .. هل هي القنوات؟ والملهيات ؟ والصور والمجلات؟؟

 7- تذكر العرض على الله ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ). ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) ..

 8- إذا أردت أن تترك المعصية فتذكر المرور على الصراط .. ذلك الجسر الذي يوضع على متن جهنم .. ( أحد من السيف .. وأدق من الشعرة ) قال تعالى ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) ..

9- تذكر الميزان الذي يوضع يوم القيامة , وتوزن فيه الحسنات والسيئات .. إنه ميزان دقيق .. ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )..

 10- تذكر الحوض الذي يكون لنبينا صلى الله عليه وسلم , طوله شهر وعرضه شهر, أحلى من العسل وأبيض من اللبن , وأطيب من المسك , من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا , إن ذنوبك قد تمنعك من الشرب من ذلك الحوض , فاترك الذنوب الآن .

 11- الإرادة القوية , لابد أن تكون صاحب إرادة قوية .. لكي تقوى على ترك الذنوب والشهوات.

 12- تذكر اسم الرقيب ( وكان الله على كل شيء رقيبا ) فالله يراقبك .. ويعلم بحالك .. ويراقبك تحركاتك .. ونظراتك .. وسمعك .. وقلبك ( والله يعلم مافي قلوبكم ) فإذا دفعتك نفسك للذنوب فقل لنفسك ( إن الله يراني ).

 13- احذر من أن تكون من هؤلاء: قال صلى الله عليه وسلم( ليأتين أقوام من أمتي بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباء منثورا .. قال الصحابة : منهم يا رسول الله ؟ قال : أما إنهم مثلكم يصلون كما تصلون ويصومون كما تصومون ولهم من الليل مثل مالكم ولكنهم إذا خلو بمحارم الله انتهكوها ) ..

 14- تذكر شهادة الجوارح عليك .. تذكر يا أخي قبل أن تفعل أي معصية أن الجوارح التي سوف تعمل المعصية بها أنها ستشهد عليك وستفضحك ليس هنا بل في أرض المحشر ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون )

 15- تذكر كتابة الملائكة لأعمالك , فالملائكة تكتب أعمالك وأقوالك كما قال تعالى ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) ولا يخفى عليهم شيء , وتستمر الملائكة في كتابة أعمالك حتى تخرج روحك من الحياة ,

 16- جالس التائبين من تلك المعصية ليخبروك بكيفية تركهم لها , لأن هؤلاء التائبين قد سبق أن فعلوا تلك المعاصي وسبقوك لها وعرفوا نهاياتها..

17- طلب العلم , لأن العلم ينير لك الطريق فتعرف به الخير من الشر.

 18- التفكير في الفوائد المترتبة على ترك الذنوب , فمنها : انشراح الصدر وسلامة الروح وصفاء النفس ومحبة الله والفوز بالجنة وغير ذلك.

 19- تذكر لو كنت من أهل النار , اعاذنا الله منها يوم تقلب في النار, قال تعالى ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا )

20- الصدق مع الله ...واعلم بأن من صدق مع الله في ترك الذنوب فسوف يشرح الله صدره ويفتح له أبواب التوبة .

 

موقع جدد حياتك

 

 

Wednesday, 20 October 2010 16:43

الحج.. هل يكفر كل الذنوب؟

 

السؤال: هل يكفر الحج الذنوب كلها سواء كانت صغائر أو كبائر، في حق الله أو في حق الناس؟ 

  

المفتي: فضيلة الدكتور عبد الرحمن البوكيلي

  

الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وبعد، الحج من أركان الإسلام، ومن أعظم العبادات التي أكرمنا الله تعلى بها، تكفيرا للسيئات ورفعا للدرجات.في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: +الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا.وَالْحَجّ الْمَبْرُورُ، لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاّ الْجَنّةُ؛

ولا شك أن العبد يتقدم قصده بيت الله حاجا ومعتمرا بتوبة نصوح تتحقق فيها شروط التوبة من ندم وإقلاع وعدم التفات إلى الذنب ثم اجتهاده في ردّ المظالم إلى أهلها.وذلك طاعة له تعالى وابتغاء وجهه الكريم.والملاحظ للأسف أن البعض يستهين بحقوق العباد ولا يقابلها بما يجب عليه من تصفيتها، مع ما خرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: +من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثَمَّ دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه.؛ فإذا فعل العبد واجتهد ما وسعه الاجتهاد في التوبة، وتوجه إلى حج بيت الله الحرام، فإن الله تعالى سيكفر عنه سيئاته مهما كانت، وسيكفيه سبحانه ما ثقل عليه وعجز عنه.ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يقول: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: أي بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات.

أما أن يحج وهو يعلم ما عليه من مظالم لغيره وهو قادر على أدائها، ومع ذلك هو عازم على ألا يفعل فهذه سيئة تحتاج منه إلى توبة أخرى.والله نسأله الهداية والسداد. والله أعلم

  

كلما حدث تراجع لنتائج الإسلاميين في الانتخابات في بعض البلدان العربية إلا ويطرح سؤال الجدوى من مشاركتهم السياسية عموما والانتخابية على وجه الخصوص، وهو ما تجدد بحدة أكبر مع اقتراب موعد الانتخابات في كل من الأردن ومصر، رغم أن الجواب عنه لا زال غير محسوم حتى داخل الجماعة الواحدة، فالإخوان المسلمون في الأردن مثلا اتخذوا القرار بمقاطعة الانتخابات المقبلة وعدم المشاركة فيها نظرا لفقدانهم الأمل في جدوى هذه المشاركة ما دامت مطالبهم لم تتحقق، في حين أن الإخوان المسلمين في مصر مصرون على المشاركة رغم كل ما يمارس ضدهم من قمع وتضييق ورغم علمهم المسبق والأكيد بما سيشوب هذه العملية من تجاوزات مخلة بنزاهتها ومصداقيتها ومن تشديد للخناق في حقهم وتضييق على مناصريهم.

  في ظل هذا الجو من التردد ومن حالة التساؤل المستمرة، تأتي النتائج التي حققها التيار السياسي ذي المرجعية الإسلامية المحافظة في تركيا، والتي تجاوزت النجاحات الانتخابية، إلى التعديلات الدستورية،  التي تضمن مزيدا من الحقوق للمواطنين وتعزز المسار الديمقراطي وتحد من نفوذ الجيش، فما هو يا ترى السر الكامن وراء هذه النجاحات؟

إن أول ما يتبادر إلى الذهن هنا هو: هل كان للإسلاميين الأتراك أن يحققوا هذه النتائج لو لم يخوضوا تجربة المشاركة السياسية ويدخلوا غمار التدافع السياسي الإيجابي مع العلمانيين والمتطرفين ومؤسسة الجيش وخاصة منهم المتعصبين لإرث أتاتورك؟ وهل كان لهم أن يحققوا أي شيء من ذلك لو أنهم آثروا المقاطعة منذ البداية؟ أو لو أنهم يئسوا من جدوى المشاركة السياسية واستسلموا لفكر المقاطعة في إحدى المحطات؟ ثم ما هو السر الذي تميز به الإسلاميون الأتراك عن نظرائهم العرب؟ وهل يكمن سر ذلك في اختلاف النظام التركي عن الأنظمة العربية؟ أم في اختلاف العقليات وطرق التفكير بين الإسلاميين هنا وهناك؟

إن الواقع التركي والنظام التركي يختلفان بكل تأكيد عن واقعنا العربي وأنظمتنا، وهذا أمر حاصل حتى بين الدول العربية نفسها، حيث أن كل بلد مدعو لإبداع نموذجه الخاص في الإصلاح مع الاستفادة والانفتاح على التجارب الناجحة. لكن هل كان واقع الأتراك مرحبا بالمشاركة الانتخابية للإسلاميين ومساعدا على نموها وتطورها، أم أنه هو الآخر له إكراهاته وموانعه؟.

لقد عمل الإسلاميون هناك في ظل دولة ليست فقط علمانية بل متطرفة في علمانيتها، كانت تحارب أبسط مظاهر التدين، وترزح تحت القبضة الحديدية لمؤسسة الجيش حارس المبادئ الكمالية والعلمانية، والتي نفذت انقلابات عسكرية بمعدل انقلاب في كل عشر سنوات تقريبا. وهي قبضة تعززت فضلا عن ذلك بنصوص دستورية، بحيث أن رجال القانون والساسة الأتراك أصبحوا يصفون دستور 1982 الذي جاء بعد انقلاب 1980، بعسكرة الدولة والمجتمع، نظرا لكونه زاد من تعزيز النفوذ العسكري، ووسع من صلاحيات تدخل الجيش المباشر وغير المباشر في كافة مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تركيا، بل أعطى الحق للمؤسسة العسكرية في تعيين جنرالات داخل عدد كبير من مجالس إدارات مؤسسات الدولة مثل المجلس الأعلى للتعليم، واتحاد الإذاعة والتلفزيون وغيره ...، وأكثر من ذلك فإن الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي اختصت بالحق الكامل في مراقبة الجهاز التنفيذي وتوجيهه والتدخل في إدارته، بل ولها الحق الصريح في الحصول على كافة المعلومات والوثائق السرية على كل درجاتها وبشكل مستمر من الوزارات والمؤسسات العامة والأشخاص، بما يعني أن الوزير نفسه يصبح مجرد مخبر عند العسكر.

وهو ما يعني أن الحكومة ومعها مختلف الفاعلين السياسيين هم تحت حصار ورقابة دائمين من الجيش، وصلاحيات الحكومة وسقفها محدود للغاية، ومع ذلك فإن الإسلاميين الأتراك حسموا مبدئيا ونهائيا مع قضية التساؤل حول المشاركة السياسية أو عدمها، وقطعوا نهائيا مع قضية التشكيك في جدواها أو في نتائجها بعد كل انقلاب أو حل لحزبهم، بل رأينا منهم إصرارا عجيبا على المشاركة وإعادة الكرة والمحاولة في كل مرة، ورأينا منهم إيمانا راسخا بسنة التدافع الإيجابي.

بل إنهم رغم كل ما حققوه، ورغم التعديلات الدستورية الأخيرة ما زالوا إلى اليوم يعملون بحذر شديد في حقل من الألغام للدفع بمسيرة الإصلاح السياسي والتبشير به وجلب الأنصار له داخل تركيا وقواها المعتدلة وخارجها على مستوى عواصم القرار العالمي، وفي سقف يعتبرونه محدودا. فالدولة ما زالت علمانية، والعلاقة مع "إسرائيل" ما زالت قائمة، وصلاحيات الحكومة مازالت محدودة، والتحركات ما زالت محسوبة ومراقبة، والاحتمالات كلها مفتوحة وواردة، ولكن الأمر الثابت والراسخ عند الإسلاميين هناك هو الإيمان العميق والإصرار الكبير على الاستمرار في معركة التدافع والمزيد من الحث والحرص على المشاركة.

في مقابل هذه الصورة نجد في عالمنا العربي قسما من الإسلاميين حسم ضد خيار المشاركة منذ البداية وآثر مقاطعة العملية السياسية برمتها بدعوى فسادها وفساد الأنظمة القائمة، وضعف الضمانات الدستورية والقانونية والتزوير المكشوف لإرادة الناخبين، واعتصم بمبدأ الطهرانية السياسية، والابتعاد عن أوحال السياسة وأوساخها، وعن تزكية الأنظمة الطاغية والفاسدة والظالمة إلخ...

أما القسم الآخر ممن تقدموا خطوة إلى الأمام وخاضوا تجربة المشاركة، فجزء منهم متردد مثل ما حصل في حالة الأردن، وبمجرد أن تواجههم عقبات هنا أو هناك، أو تضييق أو تزوير أو مشاكل داخلية أو خارجية أو ضغوط أو ما إلى ذلك، حتى يبدؤوا بالتراجع، بدعوى أنهم جربوا ولكن بدون جدوى، وأن دار لقمان ما زالت على حالها، وأن الأفق أو الآفاق مسدودة وأن لا وجود للإرادة أو الرغبة في الإصلاح لدى الفاعلين في الواقع وأن الهامش الموجود يضيق يوما بعد الآخر.

هنا يحتاج الإسلاميون إلى السير في الأرض والتأمل في تجارب الأولين والمعاصرين للنظر في كيفية عملهم والنفاذ إلى أسرار تحول المجتمعات ونجاح المصلحين عبر التاريخ.

إن سر نجاحات الإسلاميين الأتراك يكمن في إدراكهم لواقعهم واستيعابهم لكيفية التعامل معه، في ظل ما هو متاح وممكن. وإن كان من درس يجب على الإسلاميين العرب استنباطه من نظرائهم الأتراك فهو الكف عن تبرير العجز عن إبداع وابتكار البدائل المتعددة والمتنوعة التي تمكن من إحداث اختراقات في جدار الموانع والتحديات مهما كان نوع هذا الجدار أو سمكه، وذلك بما يتلاءم مع واقعهم، والابتعاد عن التعلل بكون الأنظمة العربية من طبيعة أخرى أو أنها فريدة من نوعها لا يوجد مثلها في العالم وأنها الأسوأ على الإطلاق وربما على مر التاريخ. عليهم ألا ينتظروا تغير هذه الأنظمة من تلقاء نفسها أو بمعجزة خارقة، وأن يتكيفوا مع واقعهم وينطلقوا مما هو موجود ويعملوا بما هو متاح، ثم يتدافعوا ويتزاحموا ويطالبوا ويتقدموا خطوة بعد خطوة، فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، وبداية الغيث قطرة.

محمد الحمداوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح

إن التدافع ليس انتظارية وسكونا أو مبالغة في التحصين والمحافظة، أو ردود فعل تجاه "متغيرات لحظية"، بل هو في العمق عامل نماء وارتقاء وتوسع وتطور. ولذلك فإن المنخرط في عملية المدافعة مطالب بالتطور والارتقاء والتجديد سواء في الخطاب أو في المواضيع أو في زوايا التناول والتحليل، وذلك بشكل مستمر ومتواصل وبدون جمود أو انقطاع في عملية التجديد والتطوير.
وفي هذا المحور سنحاول أن نقف على التحول والتطور الذي طرأ على مقاربة حركة التوحيد والإصلاح وعلى خطابها خلال السنوات الأخيرة، كما سنحاول تلمس بعض المعالم أو الخطوات الاستراتيجية التي يمكن اعتمادها في عملية التدافع، ثم بعد ذلك سوف نقف بإذن الله تعالى على عدد من الخطوات الإجرائية التي نرى أنه يتعين القيام بها لكسب رهان هذا التدافع.
لقد عرفت مقاربة حركة التوحيد والإصلاح لعملية التدافع خلال السنوات الأخيرة عددا من التحولات والتغيرات، والتي يمكن القول أنها لم تكن نتيجة لتخطيط معد سلفا أو مبرمج مسبقا، بقدر ما أنها قد توَلّدت من خلال الاحتكاك والتفاعل مع الأحداث المتتالية ومع وقائع العملية التدافعية. ويمكن اعتبار صدور "مدونة الأسرة" على إثر معركة ما سمي وقتها بـ"الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" بمثابة الانعطافة في المقاربة وفي الخطاب المعتمد من طرف الحركة، بل يمكن القول أن هناك خطاب ما قبل "الخطة" وخطاب ما بعد "المدونة".
لقد تركز الخطاب إبان المعركة حول ما سمي بخطة إدماج المرأة في التنمية حول إنكار المنكر ومواجهة الانحرافات والمخالفات الشرعية واحترام النصوص والأحكام الشرعية، ومن ناحية أخرى تم التركيز على التوجه بالخطاب من جهة إلى الدولة لتتحمل مسؤولياتها في الحفاظ على الملة والدين، ومن جهة أخرى إلى الجماهير أو الرأي العام من أجل التعبئة الشعبية وتشكيل رأي عام مضاد للخُطة.
أما بعد صدور مدونة الأسرة، فقد عرف هذا الخطاب تحولا نوعيا وملحوظا، خاصة بعد أن تشكلت لجنة ملكية استشارية بمشاركة العلماء للبت في تعديل مدونة الأحوال الشخصية وإصدار مدونة الأسرة، حيث أصبح يتركز في المطالبة بالحفاظ على السيادة والثوابت الوطنية وعلى حماية مقومات الوحدة والاستقرار الاجتماعي.
كما أصبح الخطاب يتوجه نحو تحميل المسؤولية لمختلف الفاعلين من العلماء والفاعلين المجتمعيين والهيئات والمؤسسات الرسمية والأهلية، وأصبح التركيز بالأساس على مواجهة الاستئصاليين والإباحيين الجدد المروجين للشذوذ والميوعة والإباحية والخمر والمخدرات.
كما بدأت الحركة تتجاوز الاقتصار على منطق ردود الأفعال إلى المبادرة بتنظيمحملات حول الأسرة والعفة والحجاب، وضد التدخين والمخدرات، وغير ذلك من المبادرات.
يتعين علينا ونحن نخوض هذه العملية التدافعية التركيز على أربعة عناصرمهمة: الأول وهو الرصد المستمر لتطورات عملية التدافع، والثاني العمل على اعتماد الفعل الاستباقي، والثالث تحديد الخطوط الأمامية والخلفية في عملية المدافعة، والرابع العمل على استشراف الخطاب المستقبلي.
العنصر الأول،الرصد والتتبع الدقيق والمستمر للتحولات والتطورات والتغيرات التيتعرفها عملية المدافعة، سواء على المستوى التكتيكي أو الاستراتيجي، أو التمظهراتالتي تتخذها في كل مرحلة من مراحل التدافع ومجالاته، ورصد الآليات والمنهجية التي يعتمدها الآخروالعوامل التي يستغلها، والظروف التي يوظفها والجهات التي يعتمد عليها سواءالمعلنة أو الخفية، وذلك من أجل استخراج الخلاصات والعبر والدروس، واستخلاص القواعدالجديدة لإدارة عملية التدافع ومداخله المعرفية والفكرية والسياسية. وهو مايستدعي إحداث المؤسسات المؤهلة للقيام بهذه الأدوار وتأهيل القائم منها وترشيدإمكاناتها وطاقاتها لكسب هذه المعارك.
العنصر الثاني،اعتماد الفعل الاستباقي بالانتقال من مرحلة ردود الأفعال والاحتجاج إلى مرحلة الفعل والمبادرة واقتحام هذه الميادين الجديدة، والانفتاح علىالفضاءات التي انتقل إليها مجال التدافع، وتهيئ الأطر والكفاءات القادرة والكفيلةبحمل هذا التحدي إلى مداه.
العنصر الثالث،تحديد الخطوط الأمامية والخلفية، بحيث أنه في كل عملية مدافعة لابد من تحديد الخطوط الأمامية التي تتصدر لعملية التدافع وتتحمل نتائجها، ثم بعد ذلك لابد من تحديد الخطوط الخلفية التي تؤمن الدعم والمساندة أو الإسناد، وخطوط الوسط التي تؤمن التنسيق بين مختلف الفاعلين والعاملين في المشروع المتكامل والمندمج، سواء في العمل الدعوي والتربوي أو في العمل الجمعوي المتخصص أو السياسي أو النقابي أو الإعلامي، ثم تحديد العلاقة بينها. هل تكون عبارة عن شراكة أم تكامل أم فك ارتباط أم غير ذلك من الأشكال المناسبة في العلاقة حسب المجال وبحسب ما يسمح به الواقع وما تسمح به الظروف.
العنصر الرابع، استشراف الخطاب المستقبلي، إذ لابد من التفكير العلمي المبني والمدروس لنوعية الخطاب الذي يتعين اعتماده في المستقبل على ضوء ما سبق، وما إذا كان يكفي مثلا الاكتفاء بخطاب احتجاجي دفاعي، أو أنه يتعين الانتقال إلى خطاب هجومي مبادر. وما إذا كان يتعين إثارة جميع الملفات دفعة واحدة أم أنه يستحسن ترتيبها حسب الأولويات، وما إذا كان من الأفضل التركيز على الخطاب الديني المباشر أم أنه يكون من الأفضل لو يتم اعتماد خطاب آخر ليس بالضرورة مباشرا.
إن التباري والتنافس والتدافع حول القيم يتركز بالأساس في أربعة ميادين أساسية، الأول يمثله الجمهور أو الرأي العام، والثاني تجسده النخبةوالطليعة، والثالث يتركز على مستوى مراكز السلطة ومحيط اتخاذ القرار، فيما يتركز الرابععلى مستوى الهيئات والمنظمات والمنتديات والمحافل الدولية.
وبناء على ذلك، لابد من التنبيه على ضرورة الوعي بأن الاقتصار على ميدان واحد فقط من هذه الميادينوتركيز الجهد على جبهة واحدة مع إغفال بقية الواجهات الأخرى، سيؤثر سلبا علىمسارات عملية التدافع ونتائجها، لأنه حتى في حالة تحقيق النتائج المرجوة والأهدافالمسطرة على مستوى جبهة واحدة، فإن الجبهات الأخرى ستكون بمثابة ثغرات يمكن أن تتلقىفيها الثوابت ضربات مفاجئة.
وعليه فإن المطلوب من كل المدافعين عن الإجماعالمغربي، وعلى الثوابت الدينيةوالوطنية، أن يكونوا حاضرين ومتواجدين في كل هذهالميادين، وعلى جميع هذه المستويات:
‌أ)       على مستوى الرأي العاموالجمهور: وهو ميدان لم يعد المتنافسون يقوون فيه على منافسة شريفة، ومع ذلكفالمطلوب من ناحية أولى العمل على التوعية والتحسيس الدائم والمتواصل للمجتمعبخطورة الأهداف وحقيقة الغايات المبيتة التي تقف وراء كل هذا الهجوم وهذا الاستهدافالموجه ضد الأخلاق والقيم والثوابت والمبادئ. ومن ناحية ثانية العمل على إشراكه فيالنقاش والتفكير وفي الفعل والتفاعل، وفي التعبير عن رأيه ورفض كل محاولة لتهميشهأو تحييده أو عزله عن عملية التدافع، لأن وعي المجتمع وتحركه وتعبيره عن رأيه، يمكنه من القيام بواجبه في حماية الثوابت والقيم المركزية الضامنة لوحدتهواستقراره، وذلك من خلال ممارسة الرقابة النقدية الواعية على فكر النخبة وعلىسلوكها وأدائها الاجتماعي، ودفعها نحو القيام بواجبها كذلك في حماية الثوابتوالقيم.
‌ب) على مستوى النخبة: لا بد من العمل على ثلاث واجهات، الأولى تهم تكوين تحالفات مع المتضررين من الفساد على اختلاف توجهاتهم وقناعاتهمالفكرية، والعمل على توسيع جبهة مقاومة الفساد من خلال إشراك الجميع في إدارةالمعركة وعدم التفرد بها، وذلك من أجل تعاون الجميع على مواجهته وفضحه والتقليلمنه، والتضييق على المفسدين والحد من نفوذهم. والثانية تقوم على العمل من أجلالوصول إلى أصحاب المبادئ والتواصل معهم للبحث عن المشترك الإنساني والاجتماعيوالحقوقي والثقافي، ومن أجل توضيح وجهات النظر وتسليط الضوء على المناطق الغامضة، ورفع اللبس في حال وجوده. أما الثالثة فهي العمل على إدارة عملية المدافعة بمنطقاستيعابي تواصلي إقناعي وبأسلوب عقلاني، عوض المنطق الصراعي العدمي.
‌ج)    على مستوى مراكز السلطة ومحيط اتخاذ القرار: وهو ميدان أسهم غيابنا من جهةوخطابنا قبل مرحلة المراجعات في ترك مجاله حكرا على الآخر الذي تمكن من بث خطابيصورنا عدوا لدودا وبديلا مخلا بالتوازنات. ولذلك لا بد من العمل على دعم القائمينعلى المسؤولية العمومية في هذا المحيط للقيام بواجبهم، خصوصا في قضايا الهويةوالقيم والثوابت وفي الحفاظ على الأسس الدينية والثوابت الوطنية والمبادئالأخلاقية التي بنيت عليها، والحفاظ على الإجماع المغربي وعلى المرجعية الإسلاميةالتي أجمع عليها المجتمع لما توفره من عناصر الوحدة والاستقرار، والعمل على مواجهة الخطابالمؤدلج الذي يدفع في اتجاه تحييد وإضعاف أسس المشروعية الدينية والأخلاقية للدولة المغربية وعناصر تماسكواستقرار المجتمع وضمانات وحدته ورقيه.
‌د)      على مستوى الهيئات والمنتدياتوالمحافل الدولية: وهي ميادين ما يزال ولوجنا إليها محتشما، وإدراكنا لآلياتالعمل فيها محدودا، ومع ذلك لا بد من البناء على هذا الوعي والسعي من أجل أمرين، أولهما العمل على تأهيل وتكوين الكفاءات القادرة من جهة على الإبداع والاجتهاد فيالتعاطي مع المواثيق الدولية والتعامل مع مقتضياتها بما يكفل الاستفادة القصوى منمزاياها ومقاصدها التي تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية ولا تتعارض معها، وفي نفسالوقت الاجتهاد في مناقشة المختلف حوله وتوضيحه حتى لا يبقى المجال مفتوحاللتأويلات المغرضة والمحرضة ضد الدول الإسلامية، وضد الشريعة. وثانيهما الاجتهاد منأجل الحضور في المحافل والهيئات والمنظمات الدولية، وعدم ترك هذه الساحة للمتغربينوالمستلبين يدعون تمثيلنا فيها، والعمل من خلالها على تكوين تحالف عالمي يضم جميعالمدافعين عن الأخلاق والقيم في العالم، بغض النظر عن أديانهم أو توجهاتهم، والمدافعين عن الأسرة، وغير ذلك من المواضيع التي تستهدفها تيارات الشذوذ أوالانحلال والتفسخ.
وفي ختام هذه الورقة فإنه لابد من الإشارة إلى أنها تبقى إطارا نظريا، وهي محاولة تسعى لطرح صورة متكاملة لإدارة عملية التدافع والمساهمة في ترشيدها، حتى تؤتي أكلها والنتائج المرجوة منها.
محمد الحمداوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح

تأتي هذه الورقة حول أهمية المدافعة والتدافع في مشروع الإصلاح، الذي اتخذته حركة التوحيد والإصلاح أساسا لعملها وتحركها في المجتمع، وبغرض مشاركة أعضاء مجلس الشورى في رسم خارطة الطريق أو التوجهات العامة لعملية التدافع، تأتي هذه الورقة على شكل تساؤلات أو أسئلة عامة، تنطلق من الواقع لتحاول رسم معالم التحرك في المستقبل، وذلك من خلال التركيز على أربعة عناصر أساسية أو أربع ضرورات؛ وهي أولا ضرورة التحلي بالروح التدافعية، وثانيا ضرورة الوعي بطبيعة التدافع، وثالثا وجوب تحديد الآخر، ورابعا ضرورة العمل على تطوير آليات التدافع.

1- التحلي بالروح التدافعية

إن مشروع الإصلاح يقوم أساسا على التدافع اليومي والمستمر مع الفساد والمفسدين، وهو عملية متواصلة. ولذلك فإننا في حاجة دائمة ومستمرة إلى التحلي بالروح التدافعية والاستعداد الجيد لهذه العملية والتسلح بالنفس الطويل، من خلال الوعي أولا بأن عملية التدافع سنة كونية من سنن الله تعالى في خلقه، وثانيا بأنها عملية مستمرة ومتواصلة، ثم ثالثا من خلال الإيمان بمركزية التدافع القيمي في مشروع الإصلاح.

أولا: الوعي بأن عملية التدافع سنة كونية

جعل الله سبحانه وتعالى "سنة التدافع" في هذا الكون من أجل استقامة الحياة وصلاحها، حيث يقول سبحانه (وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).

وقد جعل سبحانه من سنته في خلقه أن يكون الحد من الشر أو التقليل من انتشاره بوجود الخير وأهله، تماما كما يقلل أويوقف انتشار الأوبئة والأدواء من خلال وجود الأدوية والعلاجات.

وهذا دليل على أنه ليس في هذه الأرض صلاح مطلق ولا فساد مطلق، ولكن بينهما تدافع، وهو ما يوجب على الرساليين والمصلحين أن يستحضروا دوما هذه الحقيقة وأن يعيشوا بهذا النفس، وأن يستمروا في التدافع على هذا الأساس.

ثانيا: الوعي بأن التدافع عملية مستمرة

إن عملية التدافع عملية مستمرة، وستبقى مستمرة ما دامت الأرض مستمرة. يقول الشيخ محمد الحسن بن الددو في تعليقه على الآية السابقة إن الأرض لا زالت مستمرة وستبقى مستمرة ما دام التدافع فيها مستمرا، ولو عم الصلاح بشكل مطلق، لكان مكان أهلها هو الجنة وليس الأرض، ولو عم الفساد بشكل مطلق وانتهى منها أهل الصلاح، وبقي فيها فقط أهل الفساد، لخسف بهم، وانتهت الحياة الإنسانية من على فوق الأرض. ولكن ما دامت الأرض مستمرة فهذا يعني أن المدافعة لازالت مستمرة، وستبقى مستمرة ومفتوحة بين جمهور الأمة المعتز بثوابتها الحضارية والثقافية والدينية والمتشبث بحاكمية المرجعية الإسلامية على ما سواها من المرجعيات، وبين تلك الأقلية المسنودة من الخارج، والمستقوية بمراكز النفوذ وممارسة الضغوط لفرض حاكمية المواثيق الدولية على المرجعيات الدينية والدستورية الوطنية.

ولذلك فإن استمرار حيوية المدافعة، وتجديد بواعثها، وتطوير آلياتها شرط أساسي لنجاح أي إصلاح اجتماعي أو تجديد حضاري.

ثالثا: الوعي بمركزية التدافع القيمي في مشروع الإصلاح

وذلك بالأساس من خلال استحضار قول الله تعالى (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خاصة وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال : 25)، فالله سبحانه وتعالى يبين من خلال هذه الآية، أن الفتنة إذا عمت فإنها لن تصيب فقط الذين ظلموا، ولن تكون فتنة خاصة بهم وحدهم، بل ستعم الجميع. ولذلك فإنه يتحتم على رافعي شعارات الإصلاح، والمنخرطين في مشاريعه التجديدية، أن يكونوا أكثر حرصا من غيرهم، على منع الاتجاهات الاستئصالية المستلبة من تدمير الرصيد القيمي للمجتمع، وتعريض مناعته الحضارية للأخطار الأخلاقية والاجتماعية والثقافية.

ولنا في حديث السفينة عبرة: حيث يقول النبيe  : (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) رواه البخاري.

2- الوعي بطبيعة التدافع

قبل الشروع في أي عمل أو الدخول في أي تدافع أو تنافس، فإنه لابد من البدء بتحديد طبيعة هذا العمل أو هذا التدافع، ولذلك فإننا سنحاول التركيز أولا على مجالات هذا التدافع حول القيم، ثم بعد ذلك نتطرق لميادينه.

-       ففيما يخص مجالات التدافع فإنه يمكن تحديدها على الأقل خلال هذه المرحلة، في خمسة مجالات أساسية وهي:

أولا المرجعية  الإسلامية، حيث إن المتأمل في عدد من الحملات والخرجات الإعلامية والتحركات التي تقوم بها بعض الجهات بشكل محموم، يجد أنها نصبت نفسها في موضع الخصومة، بل والعداوة بشكل فاضح، للمرجعية الإسلامية. كما يجدها قد ندبت نفسها وكرست كل جهودها وتحركاتها من أجل اختراق البنية المجتمعية وإضعافها من الداخل، دون الخجل من الإعلان عن التنسيق مع الخارج والاستقواء به وطلب الحماية والمدد والعون والتمويل منه، إضافة إلى سعيها إلى ممارسة الضغوط على الدولة وابتزازها، سواء من خلال بعض الدول الأجنبية وسفاراتها، أو من خلال منظمات خارجية ودولية، في سعى منها للدفع نحو تجاوز المرجعية الإسلامية والقفز عليها، وذلك من خلال الدعوة إلى جعل المرجعية العليا للمواثيق الدولية دون أي تحفظ على أي بند من بنودها المخالفة أو المصادمة لمرجعية الشعب المغربي وهويته.

ثانيا الهوية، سواء اللغوية أو الدينية، حيث يتم التهجم على اللغة العربية وافتعال معارك ممنهجة ضدها، لإجهاض أي محاولة لإعادة الاعتبار لها في الإدارات والمؤسسات العمومية، وذلك من طرف فئة فرنكوفونية تسعى إلى الحفاظ على سيطرة اللغة الفرنسية داخل الإدارة وفي المعاملات الرسمية. ويتم في سبيل ذلك أحيانا الركوب على الثقافة الأمازيغية في محاولة لتوظيفها ضد اللغة العربية واختلاق التضاد بينهما، وأحيانا أخرى بالدعوة إلى تبني الدارجة في مناهج التدريس والكتابة والقراءة.

كما يتم، بنفس الأسلوب والمنهج، التهجم على القيم الإسلامية وعلى تاريخ الإسلام، والعمل على تحييد أحكام الإسلام عن الحياة العامة وتهميشها وإقصائها.

ثالثا مجال الأسرة والمرأة، الذي أصبح يمثل مجالا حيويا في معركة التدافع الحضاري، بين النموذج الأصيل والنموذج المستورد. بين النموذج الجماعي المتضامن المتآزر المتكامل المتعاضد، والنموذج الفرداني الأناني الاستهلاكي المستلب. بين نموذج الالتزام والمسؤولية والاستقامة، ونموذج الانحلال والتفسخ والعفوية والعبثية. بين القيم والمعاني والمبادئ والآداب، وبين اللاقيمة واللامعنى واللامسؤولية. إنها معركة القيم ومعركة الغزو الثقافي، التي تسعى لزعزعة الأسس التي تقوم عليها الأسرة، وزرع بذور الشقاق بين الرجال والنساء، والعمل على رفع سن الزواج، والمطالبة بمراجعة نظام الإرث الذي يقوم على أساس الشريعة الإسلامية، وغير ذلك من المواضيع التي تعرقل الزواج وتقوض استقرار الأسر.

رابعا مجال الأخلاق والسلوك والعادات، الذي أصبح مجالا للاستهداف من طرف دعاة الشذوذ والتحرر الجنسي والتفسخ والانحلال الأخلاقي الذين يتبنون المدخل الحقوقي في سعيهم لهدم الأخلاق، ومن طرف سماسرة شبكات الدعارة ولوبيات الاتجار في الجنس الذين يتبنون المنطق الاقتصادي في دعمهم للسياحة الجنسية وسياحة الشواذ والمطالبة بتقنين الدعارة والدفع في اتجاه الإقناع بجعلها موردا ماليا للدولة.

خامسا مجال الفن والإعلام، وذلك من خلال استغلال بعض الفنون مثل السينما من أجل الترويج للظواهر الشاذة ونشرها وإشاعتها في المجتمع، واستغلالها كمنبر للتهجم على الأخلاق وعلى الهوية وتوظيفها في محاربة التوجهات الإسلامية، وتشويه الذوق العام، والتحقير من اللغة العربية، ثم من خلال استغلال النفوذ والسيطرة على القنوات التلفزية العمومية، وتوظيفها في المعارك الإيديولوجية ومحاصرة أصحاب التوجهات الإسلامية، وأنصار الهوية واللغة العربية.

-       أما فيما يخص ميادين التدافع فإننا نقصد بها الميادين أو الفضاءات التي يتم التنافس بين الفاعلين على استقطاب نخبها أو التأثير في توجهاتها وقراراتها، باعتبارها أطرافا فاعلة بشكل أو بآخر في صياغة التوجهات العامة للمجتمع وفي صناعة القرارت والقوانين الحاكمة، ويمكن حصرها في أربع فئات:

أولا الجمهور أو الرأي العام باعتباره الطرف المعني أولا وأخيرا بالتوجهات المجتمعية وبالاختيارات والقرارات المصيرية للمجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى باعتباره قوة ضاغطة وكتلة ناخبة لها رأيها الذي يتوجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، والذي يجب أن يكون محددا أساسيا في صياغة التوجهات العامة للمجتمع.

ثانيا النخبة، باعتبارها قائدة المجتمع وفاعلة في صياغة قناعاته وتوجهاته العامة، سواء الفئات المثقفة والعالمة التي تتولى مهمة التفكير والتوجيه داخل المجتمع، أو فئات الفاعلين الاقتصاديين وأصحاب المال والأعمال التي تمتلك القوة الاقتصادية والمالية، وتتولى التمويل والدعم المادي للمشاريع والأفكار على أرض الواقع.

ثالثا الدولة، باعتبارها المسؤولة عن تطبيق القوانين وعن حماية المجتمع وحماية أمنه واستقراره المادي والمعنوي، وعن الدفاع عن ثوابته ومبادئه وهويته، وعن أسس اجتماعه ووحدته وتماسكه، وباعتبارها الجهة التي تمتلك الشرعية القانونية والقوة المادية لتنفيذ التوجهات العامة والقوانين الحاكمة في البلاد.

رابعا الخارج، أو المؤسسات والهيئات والمنظمات الأجنبية والدولية، التي تعتبر جهات ضاغطة على الدول والحكومات من منطلق الكونية والعالمية، خاصة بعد أن تم حسم عدد من المواضيع داخليا على مستوى الرأي العام، فعمدت بعض الأطراف إلى نقل المعركة للخارج وإلى أروقة المؤسسات الأجنبية والهيئات الدولية، من أجل الاستقواء بها في وجه الدولة، باعتبار أن العالم يشكل وحدة موحدة ومصيرا مشتركا، وبالتالي يجب أن يتبنى قيما واحدة موحدة، وهذه القيم ليست إلا قيم الغرب الغالب والسائد.

ويبقى التساؤل هنا مطروحا على الحركة الإسلامية وعلى أنصار الهوية والقيم والأخلاق، حول مدى الحضور في هذه الميادين كلها، ومدى استيعابها وامتلاك أدوات مخاطبتها، ومدى القدرة على التواصل معها والتأثير فيها.

3- العمل على تحديد الآخر

بعد تحديد طبيعة التدافع ومجالاته وميادينه، وقبل تحديد آليات الآخر وأهدافه، يجب أولا التعرف على الساحة وعلى الفاعلين فيها، من أجل تحديد الخصم من الصديق، وذلك من خلال تصنيف مختلف الفاعلين المجتمعيين بناء على مواقفهم ومواقعهم من عملية المدافعة، ثم بعد ذلك ننتقل إلى تحديد آليات اشتغال الخصوم، ثم أهدافهم التي يعملون من أجلها ويركزون على تحقيقها.

·         أولا بالنسبة لتصنيف الفاعلين المجتمعيين، فإنه من زاوية نظرنا كمدافعين عن المرجعية الإسلامية وعن الهوية والقيم والأخلاق، يمكن تصنيفهم إلى أربعة أصناف: صنف الأصدقاء وصنف الحلفاء ثم المحايدون، وأخيرا الخصوم.

ونقصد بالأصدقاء كل الفاعلين في الحقل الديني، والوطنيين الغيورين على الثوابت الدينية والوطنية وعلى الهوية والمرجعية الإسلامية. أما الحلفاء فنقصد بهم كل المتضررين من الفساد، لأنه قد يكون من بين العلمانيين أو من بين من لا يتقاسمون معنا نفس المرجعية ولا نفس الاهتمامات، متضررون من الفساد ويعانون من انتشاره وتفشيه، ومتضررون من سياساته ونتائجه وعواقبه، سواء على أبنائهم ومجتمعاتهم ومحيطهم، أو على مصالحهم وأعمالهم وفرص نجاحهم. وهؤلاء يتوجب علينا البحث عنهم والتواصل معهم والتنسيق من أجل التعاون على مواجهة الفساد ومحاصرته أو على الأقل التقليل منه. ونقصد بالمحايدين كل من يعتزل عملية التدافع وينأى بنفسه بعيدا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فهو غير مستعد للتعاون ضد المفسدين خشية أن يؤدي الثمن، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعم الفساد ولا يعين أهله. أما الخصم فهو كل من يعمل على استهداف المرجعية الإسلامية ويعاديها، ويستهدف القيم والأخلاق، ويسعى إلى تحطيم الثوابت تحت شعار كسر الطابوهات، ويعمل على طمس الهوية وتمييعها بدعاوى الحرية الفردية وحقوق الأقليات، وعولمة الهوية وكونيتها.

 

·         ثانيا بالنسبة لآليات اشتغال الخصوم على وجه الخصوص، فإنه لابد من الانتباه إلى التغيرات الحاصلة على مستوى الأشكال والتمظهرات وتغيير المواقع وتعديد الجبهات والواجهات، بحيث لم يكتف خصوم المرجعية الإسلامية بالظهور من خلال الأحزاب السياسية الإيديولوجية فقط، كما لم يكتف المفسدون والمنتفعون من الفساد بالاحتماء في دواليب السلطة، بل أصبح كل من هؤلاء وأولئك يبادرون إلى اقتحام مؤسسات المجتمع المدني من خلال إنشاء الجمعيات والمنتديات والتجمعات، وإلى اقتحام عالم الصحافة والإعلام من خلال إنشاء ودعم منابر إعلامية وقنوات تلفزية تروج لأفكارهم وأهدافهم. ولذلك وجب الوعي بكل ذلك والعمل على التعامل معه بما يتناسب.

 

 

·         ثالثا وأخيرا بالنسبة للأهداف التي يشتغل عليها خصوم المرجعية الإسلامية، والتي يسعون إلى تحقيقها، فيمكن إجمالها أو تركيزها في أربعة أهداف أساسية، وهي: أولا العمل على تكسير الإجماع المغربي حول المرجعية الإسلامية، وثانيا الضغط من أجل تحييد الدولة في قضايا الأخلاق والقيم، وثالثا المطالبة بتغيير القوانين في اتجاه مزيد من التضييق على الحلال، ورابعا تجريم الرافضين والمناهضين للانحراف. وفيما يلي سنعمل على تناول هذه الأهداف الأربعة بمزيد من التوضيح والبيان.

الهدف الأول:

ويتجلى في العمل على تكسير الإجماع المغربي حول المرجعية الإسلامية وحول الثوابت الدينية، من خلال استدعاء النقاش حول التسامح الديني وحرية الاعتقاد والتعددية الدينية، والحديث عن الأقليات بشكل فج، من خلال التساؤل مثلا عن لماذا لا يقبل المغرب أن يكون عنده أقليات من المسيحيين وأخرى من الشواذ وغير ذلك من أنواع الأقليات. فكأنه يتوجب على المغرب أن يبحث عن الأقليات الأخرى التي لا تشكل جزءا من نسيجه المجتمعي، أو يصطنعها، ليزرعها داخله ويوطنها، وكل ذلك من أجل أن ينال شهادة حسن السيرة والسلوك فيما يصطلحون على تسميته بالتسامح والتعايش.

الهدف الثاني:

ويتجلى في الضغط من أجل تحييد الدولة، وتعطيل دورها في قضايا المرجعية والقيم، ودفعها نحو الاكتفاء بدور المتفرج والمحايد السلبي الذي لا دور له، وبالتالي فهي دعوة إلى إفراغ الدولة من أحد أهم المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها، وإلى دفعها للتخلي عن أحد أهم واجباتها المركزية، وهي حماية الأسس والمقومات التي قامت عليها الدولة أساسا، والتي هي في الحالة المغربية الإسلام، والقيام بمهمة حفظ الملة والدين التي يجسدها نظام إمارة المؤمنين. فهل يعقل مثلا أن يطلب من الدولة أن تظل محايدة في قضية مثل الوحدة الترابية وأن تترك الأمر بين أنصار الوحدة ودعاة الانفصال، وتبقى هي على الحياد، وتكتفي بأن تتفرج على الأوضاع وتتابع عن بعد، وتنتظر ما ستؤول إليه النتيجة. إن قضية الدين الإسلامي والقيم والوحدة الترابية والوحدة المذهبية، وغيرها من الثوابت التي أجمع عليها المغاربة، وشكلت أساسا لتلاحمهم ووحدتهم، تعتبر قضايا مصيرية لا يجوز أبدا للدولة أن تتخلى فيها عن القيام بواجبها، بل عليها دوما أن تكون حاضرة ومبادرة من أجل حماية الثوابت وصيانتها والدفاع عنها في إطار القانون.

الهدف الثالث:

ويتجلى في الضغط من أجل تغيير القوانين في اتجاه مزيد من التضييق على الحلال، وخاصة في مجال الأسرة والزواج، وذلك من مثل المطالبة بالمنع الكلي والنهائي للتعدد في إطار الشرع، في مقابل عدم رؤية أي مانع من التعدد خارج إطار الشرع من خلال الدعوة لتحرير العلاقات الجنسية، بل وعدم التحرج والخجل من الدعوة لتقنين الدعارة، ثم من خلال الدعوة للمنع التام للزواج قبل سن الثامنة عشرة بما في ذلك حالات الاستثناء المعتبرة، ولا يرون مانعا من ممارسة الفتيان والفتيات للجنس دون زواج قبل هذه السن، بل ويشجعونهم على ذلك ويحرضونهم عليه، ويدفعونهم إليه دفعا، بأشكال مختلفة.

الهدف الرابع:

ويتجلى في تجريم الرافضين والمناهضين للانحراف، وتسفيه آرائهم وممارسة الاستبداد والإرهاب الفكري عليهم، بل وعلى المجتمع بأكمله والعمل على حرمانه من حقه في رفض الظواهر الشاذة والمقززة، والأذواق السقيمة والعليلة التي يراد فرضها عليه، وحرمانه من حقه في التعبير عن رأيه فيها أو غضبه منها، وذلك باتهامه بالتخلف وعدم احترام أذواق الآخرين وعدم التسامح معهم، ومن خلال شن الحروب الإعلامية وتخويف الغيورين والشرفاء والفضلاء والعمل على تشويه صورتهم، والتحريض على أهل العلم والدعاة والخطباء والوعاظ من أجل التضييق عليهم وتكميم أفواههم وثنيهم عن القيام بواجبهم في البلاغ والبيان والدعوة والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

محمد الحمداوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح

ذكر مسؤولون أن اضطرابات اندلعت بمدينة كراتشي الساحلية بجنوب باكستان إثر مقتل نائب إقليمي مما أسفر عن مقتل 37 شخصا وإتلاف أو تدمير عشرات المحال والسيارات.

ولقي النائب رضا حيدر وحارسه الخاص حتفهما بعد إطلاق الرصاص عليهما أمام أحد المساجد مساء الاثنين. وبعد انتشار نبأ قتلهما قام أنصار النائب بوضع المتاريس في الشارع وإضرام النار في السيارات والمطاعم وغيرها من الاعمال التجارية.

وقالت مستشفيات مختلفة بالمدينة إنه جرى نقل 37 جثة ومئة مصاب إليها حتى وقت مبكر من صباح اليوم الثلاثاء. ومعظمهم مصاب بجروح ناجمة عن إطلاق الرصاص . وأشارت بعض التقارير الاعلامية إلى أن حصيلة القتلى بلغت 41 شخصا.

وكان حيدر عضوا بحركة قوامي المتحدة التي تمثل السكان الناطقين بلغة الاوردو. وألقت قيادتها باللوم على حزب عوامي الوطني الذي يمثل المواطنين البشتون في مقتل حيدر.

وقال وسيم أحمد مدير شرطة كراتشي إنه جرى اعتقال 20 شخصا من بينهم زعيم لتنظيم محظور للمسلحين الاسلاميين.

وأدان رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني حادث الاغتيال وناشد زعماء جميع الاحزاب التحلي بالنضج وإلزام أنصارهم بالهدوء من أجل عملية التحقيق .

وقامت السلطات بنشر قوات شبه نظامية في المناطق الحساسة بكراتشي حيث لا تزال المؤسسات التجارية والتعليمية مغلقة مع توقف جزء كبير من حركة المرور بالمدينة .

 العرب أونلاين.
أعلن مصدر في وزارة الداخلية العراقية أن مسلحين قتلوا صباح الثلاثاء خمسة شرطيين عند نقطة تفتيش في غرب بغداد.
وقال المصدر: "قرابة الساعة 05,30 أردى مسلحون بواسطة مسدسات مزودة بكواتم صوتية خمسة من رجال الشرطة في ساحة اللقاء في حي المنصور ثم نصبوا في المكان علم (دولة العراق الإسلامية) التي تضم عددًا من التنظيمات المنضوية تحت لواء القاعدة".
وكان عناصر من القاعدة قد قتلوا الخميس ثلاثة جنود في الأعظمية، وهو الحي السني في شمال بغداد، بعدما سيطروا على الشارع لنحو عشر دقائق، ثم عمدوا إلى صب الزيت على جثثهم وأحرقوها.
وبعد هذا الحادث قتل المسلحون 13 شخصًا بينهم ثلاثة شرطيين وثلاثة جنود في سلسلة هجمات بعبوات ناسفة زرعوها في الطرقات المؤدية إلى المكان وفجروها بدوريات للشرطة هرعت للاسناد.
وبحسب مصدر امني عراقي فإن المهاجمين وضعوا راية "دولة العراق الإسلامية" قرب الجثث، قبل أن يلوذوا بالفرار

مفكرة الإسلام.
أثار إعلان وزارة الداخلية بالحكومة المقالة مؤخراً فتح باب التجنيد الاختياري كتوطئة للتجنيد الإجباري تساؤلاً بين أوساط سكان قطاع غزة بشأن إمكانية تطبيق مثل هذا القرار في ظل انقسام سياسي تشهده الساحة الفلسطينية بعد سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عسكرياً على القطاع منتصف العام 2007.

وبدت علامات السخرية واضحةً على وجه المواطن أحمد العسولي (34 عاماً) حين سمع بالقرار، وتساءل "هل يمكن لرجل مثلي أن يخوض غمار حرب طاحنة، وما فائدة القرار الآن، أم أن الحكومة تتنبأ بحربٍ عالمية ثالثة تلوح بوادرها في الأفق".

وعلى العكس منه تماماً أعرب إبراهيم خليل (25 عاماً) عن تأييده لقرار الوزارة، قائلا "من واجب الحكومة فعل ما تراه مناسباً لخدمة مواطنيها، والقرار يسري في العديد من الدول العربية ولا يستهجن، فلماذا لا يلقى قبولاً في غزة وهو يخدم أبناءها".

وكان وزير الداخلية فتحي حماد أعلن بالسابع والعشرين من يوليو الماضي خلال افتتاح مقر المديرية العامة للتدريب شمال القطاع أن وزارته بصدد الإعداد لفتح باب التجنيد بأجهزة الشرطة دون إبداء تفاصيل.

إيضاحات                                                              
وأكد الناطق باسم وزارة الداخلية بتلك الحكومة إيهاب الغصين أن التجنيد سيكون اختيارياً وليس إجبارياً كما فهم البعض "واستيعابهم سيكون ضمن قوات الأجهزة الأمنية والشرطية وليس تحت لواء أي فصيل مقاوم".

وأوضح الغصين، خلال حديث مع الجزيرة نت، أن وزارته شكلت لجنة تدرس حالياً مقترح التجنيد الاختياري فقط، وهي بحاجة لمزيد من الوقت كي تنتهي لعرض المقترح بعد ذلك على الحكومة لاعتماده أو رفضه، مشيراً إلى أن التجنيد الإجباري سيدرس بعد نجاح الاختياري.

وخلال حديثه لم يتطرق الغصين إلى توقيت بدء العمل بالتجنيد الاختياري، وقال "من السابق لأوانه الحديث عن التفاصيل المتعلقة بالقرار, لكننا شرعنا في التفكير به من منطلق شعورنا بأهميته في الوقت الراهن".

وأشار الناطق باسم الداخلية إلى الانقسام السياسي كأبرز الصعوبات التي قد تواجه وزارته في حال فكرت جدياً بتطبيق التجنيد الإجباري.

دوافع ومبررات
ويعزو الغصين القرار لكثرة الطلبات من الشباب للعمل في قوى الأمن الفلسطينية، وفتح المجال أمامهم لخدمة المواطنين كي يشعروا بالانتماء الحقيقي؛ وتزيد ثقتهم بالحكومة ووزارتها.

كما لفت إلى أن الفكرة جاءت بعد استقرار المنظومة الأمنية في قطاع غزة واستتباب عملها جزئياً، وتجهيز بعض من مقارها الأمنية التي دمرت تماماً خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة.

بدوره نفى مصدر حقوقي، رفض الكشف عن اسمه، وجود مادة بالقانون الأساسي الفلسطيني تُشرع للتجنيد الإجباري أو حتى الاختياري، وقال "كل ما يوجد هو قانون الخدمة لقوات الأمن الذي يضمن حقوق منتسبي الأجهزة الأمنية ويفصل في آليات انتسابهم وترقياتهم".

ويرى المصدر أن وقوع الشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال يحتم عليه آليات عمل خاصة فيما يتعلق بتجنيد الأشخاص، مبيناً أن التعامل بمثل هذه الأمور لا يستلزم اتخاذ قرارات أو قوانين إنما يحتاج لآليات عمل غالباً ما تكون داخلية بين الأجنحة المسلحة لفصائل المقاومة.

وعلق على حديث الغصين بشأن استيعاب المُجندين في قوات الأمن وليس ضمن صفوف المقاومة بالقول "(الحكومة) المقالة تنوي تعزيز سلطتها التنفيذية في قطاع غزة لحماية واقعها وليس للأمر علاقة بالدفاع عن الوطن والمواطنين".

واستذكر المصدر طرح تنظيمات فلسطينية للقرار بعد الانتفاضة الثانية في إطار العمل السياسي "لكن خصوصية الواقع الفلسطيني فرضت تأجيل النقاش لعدم وجود قانون ينظم العملية".
المصدر:الجزيرة.
استطلاع الرأي الذي أنجزه المعهد الفرنسي لاستطلاعات الرأي (بي في أ)، حول الشباب المغاربة في أوروبا مؤخرا يحمل دلالات مهمة تتعلق بالحفاظ على ثوابت الهوية الأصيلة والروابط مع المغرب لدى هذه الشريحة من المغاربة. وتستمد نتائج الاستطلاع، أهميتها الحيوية من كونها تعبر عن شريحة الشباب، إذ تتراوح أعمار المستجوبين ما بين 18 و34 سنة.

ويمكن قراءة الدلالات المهمة التي عبرت عنها بشكل قوي نتائج ذلك الاستطلاع، الذي أجري في الفترة الممتدة من 17 ماي إلى 11 يونيو ,2010 وشمل ,2060 في ثلاثة مستويات:

المستوى الأول يتعلق بالارتباط القوي بالبلد الأصل؛ سواء في بعده الاجتماعي أو في بعد الهوية الوطنية؛إذ يرى 94 في المائة من الشباب المستجوبين أنهم مغاربة، و82 في المائة يعتقدون أنهم يعتبرون مغاربة في دول الإقامة. وبالرغم مما يمكن أن توحي به هذه النتيجة من ازدواج في الهوية، فهي تكشف عن نوع من الارتباط لا تنال منه عوامل الاغتراب قد تمتد جذوره إلى الثقافة المتأصلة لدى المغاربة حول ما يمكن تلخيصه في عبارة ''البلاد'' بالدارجة أو ''تمازيرت'' بالأمازيغية، إذ حافظ المغاربة وبشكل كثيف على الزيارة المنتظمة كل سنة لبلدهم الأصل. وفي هذا الصدد يقول 97 في المائة إنهم يزورون المملكة، منهم 69 في المائة يزورونها بصورة منتظمة أو عدة مرات في السنة. ونجد صدى لهذه العلاقة في كون 91 في المائة من الشباب المستجوبين يرون أنه من المهم جدا أو من المهم الحفاظ على علاقتهم بعائلاتهم بالمغرب. إذ يحافظ 92 في المائة على اتصالات مع أسرهم أو أصدقائهم عبر الهاتف أو الإنترنت، وكثيرا ما يواظب 63 منهم على ذلك.

وهذه العلاقة استراتيجية فيما يتعلق بالدور التنموي الذي تلعبه الجالية المغربية المقيمة بالخرج في بلدها الأصلي من حيث إنها هي الضمانة الأساسية للبعد الاقتصادي الذي يمثله المغاربة المهاجرون، والمتمثل في تحويلاتهم المالية وفي الرواج التجاري الذي يعرفه موسم زياراتهم للمغرب.

المستوى الثاني يتعلق بعمق التدين لدا الشريحة المستجوبة، والذي نلمسه في مؤشرين مهمين: التردد على المسجد ودين شريك الحياة. وبالرغم من أن خريطة المساجد في دول المهجر ليست بنفس الثراء مما هي عليه في البلد الأصلي إلا أن 36 في المائة من شباب المهجر يصرحون بمواظبتهم على الذهاب إلى المسجد، و9 في المائة يترددون عليه يوميا، و27 في المائة مرة كل أسبوع، وأن 15 في المائة منهم يترددون عليه من حين للآخر. وفي موضوع الزواج يرى 83 في المائة من الجيل الثاني، بزيادة 1 في المائة عن الجيل الأول، أنه من المهم جدا الزواج من شخص مسلم.

المستوى الثالث يرتبط بالتعلق القوي باللغة العربية وبتعلمها. فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن 93 في المائة من شباب المهجر متمكنون من اللغة العربية بصورة جيدة أو متوسطة، وأن 50 في المائة منهم يتحدثون ويكتبون بها. وأن 31 في المائة منهم تابعوا دروس اللغة العربية بالمساجد، و25 في المائة بالمدارس التي أقامتها الحكومة المغربية في ديار المهجر. في حين أن 13 في المائة تعلموها من خلال جمعيات المجتمع المدني التي تنشط بين الجالية المغربية.

وهذه المستويات الثلاثة تكشف عناصر القوة التي يجب العمل على تدعيمها وتقويتها باستمرار. ومن شأن نتائج الاستطلاع أن تصحح الصورة النمطية التي حاول البعض ترويجها عن شباب المهجر في علاقته بالدين واللغة. كما أنها تكشف ثقل المسؤولية التي تضطلع بها المصالح المغربية الوصية على تأطير مغاربة المهجر بما ينمي فيهم حب الوطن والتفاني في الإسهام في تنميته.

غير أن نتائج الاستطلاع تكشف عن تحديات أمام المؤسسات الرسمية التي تشرف على تأطير شباب المهجر، وتتعلق التحديات بنتائج الأبعاد الثلاثة السالفة الذكر، والتي تجعل شباب المهجر يشعرون بهوية مزدوجة، فالبعض منهم، خاصة الجيل الثالث، يعيشون ''حالة من التيه''، إذ ينظر إليهم على أنهم مغاربة في فرنسا، ولكن فرنسيين في المغرب! مما يتطلب وضع استراتيجة تمد هؤلاء الشباب بمقومات التكيف مع أوضاعهم المرتبطة بالأجيال التي يمثلونها. ولعل معالجة مطالبهم الأساسية المتعلقة بإشراكهم في الحياة السياسية لبلدهم الأصل، وخاصة في الاستحقاقات الانتخابية، على رأس مداخل تلك الاستراتيجية.

حسن بويخف.
رضوان المصمودي رئيس مركز الإسلام والديمقراطية في واشنطن لـلتجديد

الحركة الإسلامية في المغرب مرشحة لتمثل النموذج الإسلامي الديمقراطي في العالم العربي 
 
يرى الدكتور رضوان المصمودي أن صناع القرار السياسي الأمريكي ليس لهم تصور واحد في موضوع دعم الديمقراطية في الوطن العربي، وأنهم ينقسمون إلى ثلاث توجهات بهذا الصدد، فهناك قسم من صناع القرار السياسي الأمريكي لا يهمه نشر الديمقراطية في العالم بقدر ما يهمه الحفاظ على مصالح أمريكا، وهناك قسم يرى أن من واجب أمريكا أن تنشر مبادئها وأن ذلك هو طريق حفاظها على مصالحها، بينما هناك قسم ثالث يرى أن من واجب أمريكا أن تدعم الديمقراطية خارج ترابها لكنه يتخوف من أن تكون الديمقراطية سببا في وصول الإسلاميين إلى الحكم، ولذلك يرون أن من واجب أمريكا أن تنشر الديمقراطية في العالم دون العالم العربي، ويعتبر الدكتور المصمودي أنه لا يمكن أن تتصور ديمقراطية بدون مشاركة للإسلاميين، وأن هذه المشاركة هي التي تساعدهم على تطوير وعيهم السياسي في اتجاه امتلاك برنامج سياسي واقتصادي واضح، والقطع مع منطق الشعارات والتوجه إلى السياسات العمومية، ويعتبر أن الحركة الإسلامية في المغرب تمثل تجربة متقدمة في العالم العربي، وأنه يحتاج إلى أن يتطور ليمثل نموذجا ديمقراطيا في العالم العربي.
 
1ـ مركز الإسلام والديمقراطية له رصيد كبير في برامج دعم الديمقراطية في الوطن العربي، ونشر وتأصيل الفكر الديمقراطي والتقريب بين الإسلاميين والعلمانيين من أجل إنجاز مهمة الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي، دكتور رضوان المصمودي ما حصيلة أداء مركزكم خلال العشر سنوات الأخيرة؟
 
** لا بد أن أقر في البداية أن عملية التقييم تبقى عملية جد صعبة، لأن هناك إيجابيات كما أن هناك سلبيات. مما لا شك فيه أن السنوات العشر الأخيرة كانت سنوات عجاف بمنظور التطور الديمقراطي. لا ينبغي أن ننسى أنه ضمن هذه الفترة كانت أحداث الحادي عشر من شتنبر، وحرب العراق وحرب أفغانستان، وحرب غزة أيضا.
وبالجملة يمكن أن نقول بأنه خلال هذه الفترة كان هناك توتر كبير، إذ ازدادت العلاقة بين أمريكا والعالم الإسلامي تعقدا وسوءا. ولذلك، العوامل السلبية كانت كثيرة.
 لكن مع ذلك، أعتقد أن المركز أسهم إسهامات جيدة في محاولة تحسين هذه العلاقات بالرغم من أن الشروط الموضوعية كانت تسير في خط معاكس، لكن نحن كنا واعين أن هذه العلاقات بدون تحرك نوعي من قبل مركزنا ومنظمات أخرى تعمل في هذا الحقل كانت ستزداد سوءا بشكل أكبر . فقد قمنا بجهد كبير في الانفتاح على أمريكا لشرح حقيقة الإسلام وتقديم هذا الدين على حقيقته النظيفة وإبعاده عن ظاهرة الإرهاب والتطرف.
وأعتقد أن دورنا في هذا المجال كان كبيرا، وأيضا في مجال الديمقراطية، بالرغم من أنها لا تزال تحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل. لكن مع ذلك، هناك إنجازات كبيرة حققناها في السنوات العشر الأخيرة. ويكفي أن نشير إلى أنه من بين هذه الإنجازات أن الديمقراطية أصبحت مطلب الجماهير.
 
أنا أتذكر أنه منذ عشر سنوات خلت، كان النقاش عند بعض الإسلاميين حول سؤال هل تتناقض الديمقراطية مع الإسلام أم لا؟ وهل الديمقراطية هي قيم غريبة مستوردة من الغرب؟ أعتقد أن هذا النقاش اليوم لم يعد له محل. صحيح أنه لم يضمحل تماما، لكنه صار جد محدود ولم يعد له أي تأثير على الغالبية العظمى من مكونات الحركات الإسلامية.
 اليوم، يمكن أن نقول بأن الديمقراطية صارت تمثل إجماعا بين الإسلاميين والعلمانيين وبين مختلف التيارات الفكرية والسياسية في الوطن العربي.
 اليوم، أصبح الجميع يعتقد بأن الديمقراطية أصبحت تشكل ضرورة حياتية للتنمية الاقتصادية والسياسية والمجتمعية في وطننا العربي.

 

ولا يوجد اليوم من يتموقف ضد الديمقراطية. هذه محطة تجاوزناها، ثم هناك إجماع أيضا على أن الديمقراطية لا تتناقض مع الإسلام، وأنه ليس هناك نموذج معين يجب أن ننقله من بلد إلى بلد. ولكن الديمقراطية لا بد أن تحترم قيم المجتمع. وهي لا تكون صحيحة وناجحة إلا إذا تأسست وانبنت على ثقافة المجتمع وعلى قيم المجتمع. فمن المستحيل أن تكون الديمقراطية ضد الإسلام وضد القيم التي جاء بها الإسلام. لأن الإسلام هو جزء كبير من الهوية العربية، والديمقراطية لم تأت لتنسف هذه الهوية، وإنما هي مثل المرآة، جاءت لتعكس قيم الأمة وقيم الشعب وقيم المجتمع. أما في مجال التقريب بين الإسلاميين والعلمانيين، أعتقد أنه قد تم إحراز خطوات جيدة في هذا الاتجاه. ففي كل بلدان العالم العربي حصل هناك تقارب أو على الأقل خفت حدة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين ونقصت كثيرا.

 
2ـ قضية الإصلاح السياسي والدمقرطة يتجاذبها أكثر من وجهة نظر، فهناك من يرى أن عملية الإصلاح ينبغي أن تكون ثمرة حراك ذاتي، وأن الضغوط الخارجية مهما كانت في ظاهرها في صالح الديمقراطية فهي في الأصل معيقة لها، وهناك من يرى ضرورة استثمار الضغوط الخارجية في التمكين للديمقراطية في الداخل، ما هو تصوركم لقضية الإصلاح السياسي وجدل الداخل والخارج في الموضوع؟
 
** في رأيي أن الديمقراطية تأتي من الداخل، فلا بد أن تكون هناك تيارات وقوى وحركات اجتماعية وسياسية في داخل المجتمع تطالب وتعمل من أجل الديمقراطية وتعمل من أجل تحصين المكتسبات الديمقراطية في حال تحققها. حتى إذا ما وصلنا إلى الديمقراطية، فإن مهمة هذه القوى لا تنتهي على جبهة النضال من أجل الديمقراطية، إذ لا بد لها من أن تحمي هذه التجربة، فالديمقراطية دائما تحتاج إلى من يدعمها ويدافع عنها حتى في أعتى الديمقراطيات وأعرقها. لأن الناس إذا تخلوا عن الدفاع عنها وحمايتها وتحصينها فمن الممكن جدا أن تقع عملية نكوص وارتداد عنها في أي وقت من الأوقات. ولذلك، فالديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان من ورائها تيار وطني داخلي ينادي بالديمقراطية ويدافع عنها. هذا أمر ضروري لا غنى عنه.
 
ولكي نكون صرحاء لا بد أن نقر بأنه في كل أقطار العالم العربي، الأنظمة قوية، بل إنها متغولة على في أغلب هذه الدول. المجتمع بكل تياراته، وبمعارضاته وأحزابه غير قادر أن يفرض الديمقراطية لوحده. لأن هذه الأنظمة قوية بجيشها وأجهزتها الأمنية، وهي متمسكة بالسلطة، ولن تتنازل عليها. ولن تتخلى عن السلطة بمجرد وجود حركة مجتمعية تنادي بالديمقراطية وتناضل من أجلها. فالحكومات في أغلب الدول العربية قادرة على أن تقمع هذه القوى المتلطعة نحو الديمقراطية، بل إنها قادرة على أن تمسك بعشرات بل آلاف المناضلين وترميهم في السجن، وتستطيع أن تخمد هذه الأصوات وتقمعها نهائيا إلا إن كانت هناك ضغوط خارجية، فإنها تحمي المجتمع وتفرض على الدولة أن تستمع إلى حقوق الناس، وتصبح الدولة تحت تأثير هذه الضغوط مجبرة على أن تتعامل بشكل لا ينتهك حقوق الإنسان، أو على الأقل تصبح غير قادرة على التنكيل بالقوى الديمقراطية. فلا تستطيع أن تدخل المناضلين إلى السجون من غير سبب. فهذه الضغوط تفرض على الأنظمة السياسية قيودا بدونها لا تستطيع الحركات الديمقراطية أن تتقدم في نضالها الديمقراطي.

3ـ ولكن دكتور، كثير من الدراسات والتحليلات تؤكد بأن صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي حينما يتعلق الأمر بدعم الديمقراطية يختارون دعم الأنظمة الاستبدادية خوفا من أن تؤدي نتائج الديمقراطية إلى صعود الإسلاميين المعتدلين، بل إنهم يتغاضون عن صور كثيرة من التضييق على القوى الديمقراطية وحصارها بذريعة أن الأنظمة السياسية الاستبدادية في الوطن العربي هو أفضل من يدافع عن المصالح الأمريكية والأوربية؟
 
** منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أعيش في وسط صناع القرار في أمريكا في واشنطن، وأعرفهم جيدا. وأقول لك إنهم لا يملكون جميعهم نفس التصور في موضوع دعم الديمقراطية في الوطن العربي، فهناك ثلث تقريبا من صناع القرار السياسي يقولون نحن لا تهمنا الديمقراطية، والديمقراطية شأن داخلي يهم أقطار العالم العربي، وما يهمنا هو مصالحنا، وأن دور أمريكا أن تحمي مصالحها، وأما مسألة الديمقراطية فشأن داخلي نحن لا نتدخل فيه.
 ومهما كان الرئيس نحن نتعامل معه إذا كان يخدم مصالحنا، وإذا كان لا يخدم مصالحنا فلن ندعمه. هؤلاء يمثلون حوالي الثلث ضمن صناع القرار السياسي الأمريكي ومن المفكرين والسياسيين.
 وهناك ثلث ثان، يرى أن مصالح أمريكا تقوى عندما تدافع عن قيمها ومبادئها، وقيم أمريكا هي الحرية والديمقراطي والعدالة والمساواة، وبقدر ما تدعم أمريكا هذه القيم خارج ترابها وتدافع عن فكرة الديمقراطية في العالم بقدر ما تخدم مصالحها.
بكل تأكيد، فالحكومة الأمريكية ليست جمعية خيرية، فدورها هو المحافظة على مصالح أمريكا ومحاولة توسيعها، ولذلك يرى هذا الثلث أن نشر قيم أمريكا ومبادئها ودعم الديمقراطية خارج تراب أمريكا يعود عليها بتحقيق مزيد من المصالح وتحقيق السلام وتحسين العلاقات مع الشعوب، وهذا يؤول في نهاية المطاف إلى تعزيز مصالح أمريكا. وأظن أن حوالي ثلث المثقفين والمفكرين وصناع القرار السياسي في أمريكا يحملون هذه الرؤية. وأهم مقولة يرفعها هذا الثلث، هو أن أصدقاء أمريكا هم الذين يؤمنون بالديمقراطية، أما الذين لا يؤمنون بها فهم أعداء أمريكا الذين يهددون مصالحها ضرورة.
أما القسم الثالث من صناع القرار السياسي الأمريكي، فيؤمنون بالديمقراطية ويؤمنون بأن من واجب أمريكا أن تدعم الديمقراطية خارج ترابها لكن يتخوفون من أن تكون الديمقراطية سببا في وصول الإسلاميين إلى الحكم.
فهؤلاء عندهم إشكالية، هم يريدون أن يدعموا الديمقراطية لكنهم لا يطمئنون ولا يرتاحون إلى الإسلاميين لأن الإسلاميين في نظر هذا القسم ليسوا ديمقراطيين. ولذلك، فوجهة نظر هؤلاء أنهم مع دعم الديمقراطية في كل العالم إلا في الوطن العربي؛ لأنها ستأتي في هذا العالم بالإسلاميين الذين هم حسب وجهة نظر هذا القسم ضد الديمقراطية.
 ومن ثمة، يسوغون بهذا الاعتبار عدم دعم الديمقراطية في الوطن العربي. هذا هو الصراع الموجود اليوم بين صناع القرار السياسي حول قضية دعم الديمقراطية في الوطن العربي. والقرار يتململ مرة إلى هذا الطرف ومرة إلى ذاك. وكل قسم من هؤلاء يدافع عن رأيه، وفي بعض الأحيان نسمع من يدافع عن دعم الديمقراطية في الوطن العربي، وفي أحيان أخرى نسمع عكس ذلك.

 
4ـ تمت في الآونة الأخيرة العديد من الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث ومستودعات تفكير أمريكية تؤكد الدور الهام للحركة الإسلامية في إحداث الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في الوطن العربي، بل إن بعض الدراسات تتحدث عن الدور الهام الذي يمكن أن تقوم به الحركات الإسلامية المعتدلة في المحافظة على الاستقرار ومحاربة التطرف والإرهاب، بل وحتى المحافظة على المصالح الغربية في المنطقة. في نظركم ما هي الأسباب التي توجد وراء تنامي مثل هذه الخلاصات في الوسط البحثي الأمريكي والأوربي؟
 
** مركز الإسلام والديمقراطية في الحقيقة طرف من الأطراف الذين نقول هذا الكلام، ونقول بأن العالم العربي يحتاج إلى ديمقراطية، ومستحيل أن تبني ديمقراطية بدون إسلاميين، هذا خيال. وأن البديل عن دعم الديمقراطية هو دعم الديكتاتورية، ومن ثم قيادة البلدان العربية إلى الانفجار والتطرف وتنامي العمليات الإرهابية. وهذا ليس في مصلحة أي طرف، بل بالعكس هذا سيدفع نحو التطرف، ولذلك ليس هناك أي خيار لأمريكا إلا أن تدعم الديمقراطية وتقبل بمشاركة الإسلاميين لأنهم طرف أساسي في أي إصلاح، وطبعا ليسوا الطرف الوحيد فيه. والتجربة أثبتت أن الإسلاميين عندما يشاركون في اللعبة السياسية يميلون شيئا فشيئا نحو الواقعية والبراغماتية ويبتعدون عن الشعارات التي ربما تكون فضفاضة أو لا تكون لها قيمة حقيقية، لأن الشعارات يمكن أن تكسبك في الانتخابات الأولى قواعد شعبية تجتذبها بخطابك الشعبوي، لكن بعد ذلك يصعب عليك أن تحافظ على هذه القواعد أو توسعها لأن الناس يريدون مشاهدة نتائج عملك، وماذا حققت لهم من مصالح وإنجازات في الاقتصاد والسياسة والخدمات الاجتماعية.
 
فالحركة الإسلامية إذا شاركت في اللعبة السياسية سيفرض عليها أن تحترم هذه اللعبة السياسية وأن تقدم خدمات للمجتمع. وأمامنا النموذج التركي، فلقد كانت الحركة الإسلامية في بدايتها إيديولوجية ترتهن إلى رفع الشعارات الفضاضة، وقد أثمر ذلك العديد من المشاكل، إذ لما وصلت إلى رئاسة الحكومة دخلت في صراعات غير مدروسة وغير محمودة العواقب مع الجيش ومع المكونات العلمانية إلى أن سقطت التجربة. لكن مع الممارسة، شيئا فشيئا، اكتسب الإسلاميون في تركيا الوعي السياسي الكافي، وفهموا قواعد اللعبة السياسيةّ، بل أتقنوها وصاروا محترفين فيها وجمعوا حولهم جماهير واسعة وقطاعات مختلفة، حتى إن شريحة كبيرة من العلمانيين صاروا يصوتون لصالح العدالة والتنمية، وأصبح عندهم برنامج سياسي واقتصادي واضح، وأصبحت لديهم أيضا علاقات سياسية واضحة مع الغرب ومع الشرق ومع كل الأطراف في الساحة. وأصبح عندهم وزنهم وحضورهم الدولي المميز، وأظن أنهم لو تمسكوا بالشعارات الفضفاضة التي كان يرفعها نجم الدين أربكان وأنصاره في البداية، على الرغم من أنه مفكر إسلامي جيد لكنه كان مبدئيا أكثر من اللزوم، أظن أنهم لو استمروا على ذلك، ما وصلوا إلى الآفاق البعيدة التي فتحتها لهم مشاركتهم السياسية بوعيهم السياسي الواقعي الجديد الذي يلتفت إلى مصالح الناس أكثر مما يركز على رفع شعارات تخص المبادئ والقيم.
 
صحيح أن السياسة تحتاج إلى مبادئ وقيم، لكنها تحتاج أيضا إلى معالجة مشكلات الواقع وخدمة الناس وتحقيق إنجازات على الأرض تعود بالنفع على البلاد والمجتمع. وبفضل ذلك أصبحت تجربة العدالة والتنمية نموذجا جيدا، والغرب اليوم تقبل هذا النموذج وأبدى إعجابه بذلك بما في ذلك أمريكا، وكل السياسيين بأمريكا لا يترددون في إبداء إعجابهم بهذه التجربة، وهذا ما يدفع بعض المفكرين والسياسيين وصناع القرار السياسي إلى الدعوة إلى إفساح المجال لغيرهم من الحركات الإسلامية حتى تسهم مشاركتهم في العملية السياسية في ترشيد وعيهم السياسي والالتحاق بالنموذج التركي. وهؤلاء يقولون إذا نجحت التجربة في تركيا فلماذا لا تنجح في المغرب وغير المغرب.
 
5ـ في هذا الصدد تنامت في الآونة الأخيرة العديد من الدراسات المقارنة بين العدالة والتنمية التركي والعدالة والتنمية المغربي، مع الاعتراف بحدوث تقدم نوعي في الحالة المغربية، في نظركم إلى يمكن أت تكون المقارنة بين الحالة المغربية والحالة التركية مناسبة؟
 
** في اعتقادي المقارنة جيدة جدا، بالرغم من أن بين التجربتين اختلافات يحكمها اختلاف السياقين المغربي والتركي، واحتفاظ كل مجتمع بخصوصياته وأوضاعه الخاصة وثقافته الخاصة. وأعتقد أن النموذج المغربي كان قريبا جدا من النموذج التركي، لكن مع الأسف سجلت في الآونة الأخيرة انتكاسة وتراجعات خطيرة في موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهذه التراجعات أصبحت اليوم تهدد المسار الديمقراطي في المغرب. ولا أخفي هنا أني كنت من المعجبين جدا بالمسار الديمقراطي المغربي قبل أربع أو خمس سنوات، لكن الآن أصبحت لدي العديد من نقاط الاستفهام حول هذه التجربة، لأن هناك تراجعات كبيرة.
 لكن، أعتقد أن الإسلاميين في المغرب محتاجون إلى بناء جذور ثقة مع غيرهم، فلا يجب أن تكون عندهم رغبة أو استعداد للعمل المنفرد. فهذا ليس في مصلحتهم وليس في مصلحة أي طرف. وأظن أنهم بقدر ما يوسعون من حلفائهم والمكونات التي يشتغلون إلى جانبها، وبقدر ما يوسعون من علاقاتهم ويطمئنون غير الإسلاميين في المغرب وأيضا القوى الخارجية، فهذا سيصب في مصلحتهم ومصلحة الديمقراطية في البلاد.
وأعتقد أن الحركات الإسلامية، بما فيها الحركة الإسلامية المغربية، لم تقم بخطوات كافية في طمأنة غير الإسلاميين؛ سواء كانوا قوميين أو علمانيين أو يساريين أو ليبراليين حول مشروعهم السياسي، وطمأنة الغرب كذلك بأنهم ليسوا أعداء لمصالح الغرب.

6ـ وما رأيكم في موضوع التمايز بين الحركة والحزب أي الدعوي والسياسي في التجربة الحركية في المغرب؟
 
** أعتقد أن التجربة المغربية تعتبر متقدمة نوعا ما بالمقارنة مع بقية الحركات الإسلامية في الوطن العربي. وأظن أنها فهمت ضرورة هذا التمايز على الأقل منذ عشر سنوات وخطت خطوات جيدة في هذا الموضوع، لأن الخطر كل الخطر أن تصبح عندنا دولة ثيوقراطية في وطننا العربي، أو يصير عندنا الإمام متحزبا، هذا خطر كبير، لأن الأصل في الجامع أن يجمع الناس ويوحدهم، وتحزب الإمام ينقل الصراعات السياسية إلى المسجد ويبعده عن دوره في تجميع الناس وتوحيدهم. ومن ثمة لا بد أن نفرق بين الدعوي والسياسي، ولا بد أن نمايز بين الوظائف الدينية والوظائف السياسية. وأظن أن الحركة الإسلامية في المغرب نجحت في إقرار هذه التصورات، كما خطت خطوات مهمة في إطار ترسيخ هذا الخيار.
 
7ـ أنتم عشتم في أمريكا مدة طويلة ولكم اتصالات مطردة مع المفكرين والسياسيين ومراكز أبحاث ومستودعات تفكير وصناع القرار السياسي. بشكل مجمل كيف تقيمون موقف هذه النخب جميعها من الحركة الإسلامية المغربية؟
 
** أعتقد أنهم يعتبرون الحركة الإسلامية المغربية تمثل نموذجا جيدا وواعدا ومتقدما على بقية الحركات على الأقل في العالم العربي. مايزال ينقصه مزيد من النضج السياسي، لكن بصفة عامة، هذه النخب متفائلة بهذا النموذج، ويعتبرونه نموذجا واعدا يمكن أن يتطور ويقدم نموذجا ديمقراطيا في العالم العربي، وكما هو معروف فالعالم العربي اليوم في أمس الحاجة إلى هذا النموذج، خاصة وأن النموذج التركي ينتمي إلى العالم الإسلامي وله خصوصياته وله سياقه، والمغرب مرشح لأن يقدم هذا النموذج، والحركة الإسلامية في المغرب تطورت وقادرة اليوم على أن تتطور أكثر لكي تصبح هذا النموذج الذي نبحث عنه: نموذج إسلامي ديمقراطي مستنير.
 
حاوره بلال التليدي.
جريدة التجديد.