تباكى أنصار حرية المعتقد بمرارة لتكبدهم خسارة كبيرة بالمغرب أثناء تعديل الدستور. دموع الحداثيين -كما يسمون أنفسهم- لم تسل بالرباط ولكن ذرفت في فرنسا زعيمة معركة عالمية للإلحاد وحرية المعتقد والفكر الحر وفق مصطلحاتهم.
ففي شتنبر المنصرم، تطايرت التهم بالتبادل بين إدريس اليزمي رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وإحدى أعضاء حركة "مالي" المغربية الداعية لحرية المعتقد والجهر بالإفطار في رمضان والحريات الفردية بما فيها الحرية الجنسية.
وتحسر اليزمي بشدة لخسارة المعركة العقدية ضد الإسلاميين في اللحظات الأخيرة من معركة تعديل الدستور، وألقى باللوم الشديد على القوى الحداثية التي خذلت حماة حرية المعتقد، فسحبت عبارة حرية المعتقد من الدستور في الوقت بدل الضائع، وأسقط في أيديهم.
في ردها، هاجمت الناشطة "المالية" اليزمي واتهمته بأنه مجرد مستشار ملكي لا فرق بينه وبين المستشارين الآخرين، لكنها أصرت، وهي تعرف نفسها للجمهور الفرنسي، على أنها ملحدة.
عودة الإلحاد
تشير الدراسات إلى أن أوروبا كلها-الجار القديم للعالم الإسلامي- تعرف تصاعدا في نزعة الإلحاد، إذ في سنة 2001 -وكانت المجموعة الأوروبية تتكون من 15 بلدا- كانت نسبة الملحدين 20.5 بالمئة (الكاثوليك 51 بالمئة، البروتستانت 16 بالمئة، الأنغليكان 6 بالمئة، الأرثوذوكس 3 بالمئة، المسلمون 3 بالمئة، اليهود 0.3 بالمئة).
بعد توسيع الاتحاد الأوروبي بانضمام عشرة بلدان سنة 2004 تغيرت النسب قليلا بسبب الثقل الكاثوليكي لبلد مثل بولونيا، وصارت نسبة الملحدين 19 بالمئة.(الكاثوليك 55 بالمئة، البروتسانت 15 بالمئة، الأنغليكان 5 بالمئة، الأرثوذوكس 3 بالمئة، المسلمون 2.5 بالمئة، اليهود 0.5 بالمئة).
في عام 2009 انضم بلدان آخران أغلبيتهما من الأرثوذوكس- بلغاريا ورومانيا- فارتفعت نسبة الأرثوذوكس إلى 6 بالمئة، وارتفعت نسبة المسلمين إلى 4 بالمئة بسبب الهجرات وتزايد المواليد، وأيضا بسبب نسبة مسلمي بلغاريا البالغة 13 بالمئة.
فرنسا زعيمة الإلحاد
فرنسا تقدم حالة نموذجية للتصاعد المثير للإلحاد، فعدد الملحدين بهذا البلد في هذه الفترة يمثل ضعف عددهم قبل عشر سنوات، ومعظم الفرنسيين يعرفون أنفسهم على أنهم ملحدون، أو غنوصيون لا أدريون.
ذكر فريديريك لونوار رئيس تحرير مجلة عالم الأديان -لوموند دي روليجيون- في تقديم ملف شهر شتنبر 2011 -هل أصبحت فرنسا ملحدة؟- أن من أسباب عودة الإلحاد بالغرب تطور العقلية النقدية، وأسلوب الحياة العصرية المدنية، وفقدان التوريث الديني أو غياب دور الأسرة.
وهذه أسباب لا ريب في أنها تقف وراء الإلحاد في الغرب، ولكن آفة الباحثين الغربيين أنهم ما يزالون مرضى بالنرجسية والتركز حول الذات، إذ لا عالم إلا عالمهم، ولا دين إلا دينهم، ولا تفسير إلا تفسيرهم، ومكانة الآخرين تأتي بعدهم.
للكنيسة تاريخ أسود في الحياة العامة والخاصة للغربيين، فلا مراء في أن العنف الديني المعاصر يضاعف من ظاهرة الإلحاد ويباعد بين الناس والدين-خاصة الإسلام- ولكن للتاريخ قانونا لا يحابي أحد وهو قانون الارتداد، فلكل فعل رد فعل يساويه في الحجم ويعاكسه في الوجهة. فقد كانت فرنسا تلقب إلى عهود قريبة بأنها البنت الكبرى للكنيسة، وها هي اليوم تصبح البنت الكبرى للإلحاد. وهذا ما يجعل رموز الدين وممثليه والمؤمنين به مسئولين عن الأفعال الصادرة عنهم وردود الأفعال الصادرة من خصومهم.
التنظيم العالمي للملحدين
أنصار الإلحاد وحرية المعتقد منظمون غاية التنظيم في جبهة عالمية تعقد مؤتمراتها بصفة دائمة للتشاور والتباحث والتباكي أيضا. ويمثل الفرنسيون 40 بالمئة من عضوية الملحدين والحداثيين دعاة حرية المعتقد والفكر الحر.
في فاتح غشت 2011 أصدرت الرابطة الدولية للفكر الحر مشروع بيان عرض في المؤتمر العالمي للفكر الحر في أسلو بيانا حول قضيتهم ذكروا فيه مطالبهم وجبهات نضالهم.
وعقد المؤتمر العالمي للفكر الحر في أوسلو، عقب المجزرة الإرهابية التي نفذها مهووس من اليمين الديني الإنجيلي وراح ضحيها 81 شخصا فضلا عن عشرات الجرحى. وشارك في المؤتمر 180 مندوبا جاؤوا من 18 بلدا من جميع القارات: ألمانيا والأرجنتين وأستراليا وبلجيكا وكندا والشيلي وإسبانيا وفنلندا وفرنسا وبريطانيا والهند وإيطاليا ولبنان والنرويج وبولونيا وروسيا وسويسرا والولايات المتحدة. وضعف التنظيم بسبب الحروب العالمية والحروب الأوروبية والسوفيتية والأمريكية ومواقف ممثلي الدول منها داخل التجمع العالمي للملحدين.
من أهم القضايا التي استأثرت بالنقاش بين المشاركين الكفاح من أجل فصل الأديان عن الدول، والدفاع عن نظرية التطور الداروينية ضد نظرية الخلق الدينية، وإنصاف ضحايا الاعتداءات الجنسية للكنيسة، وتنمية الإلحاد في المجتمعات العالمية.
ويأتي هذا المؤتمر امتدادا لمؤتمرات سابقة ابتدأت بمؤتمر التأسيس في بروكسيل سنة 1880، ثم المؤتمر الثاني في أمستردام عام 1883، ومؤتمرات أخرى في لندن وباريس وجنيف وروما وبوينيس إيريس وميونيخ وبراغ ولشبونة..
المعارك الدستورية
وفضلا عن تأييدهم لحرية تصرف المرأة في جسدها، رحب المؤتمرون "بعشرات الآلاف من الناس الذين يتظاهرون في شوارع بيروت في لبنان ليقولوا إن "العلمانية هي الحل". كما رحبوا "بالآلاف من المحتجين في تونس الذين جعلوا "العلمانية = حرية وتسامح"، " من أجل تونس علمانية" شعارات لهم".
يرى دعاة حرية المعتقد وفصل الدول عن الديانات أن التنصيص الدستوري والقانوني على حرية المعتقد أمر في غاية الأهمية، وقال بيانهم "مثل أي قانون، يجب أن تُسجل حرية المعتقد في النصوص، في البيانات، في الدساتير، في القوانين أو الملفات القانونية. في بعض البلدان ، هذه النصوص موجودة. كما هوالحال في التعديل الأول لدستور الولايات المتحدةعام (1791) : "لا يحق لمجلس الشيوخ أن يسن قانوناً يعطي الأفضلية لدين معين، أو يمنع ممارسته بحرية، أو يحد من حرية التعبير أو الصحافة، أو حق الناس بالتجمع السلمي أو مطالبة الحكومة برفع المظالم".
شكرا للإسلاميين
إنها إذن معركة عالمية تجلت بعض فصولها بالمغرب، وإقصاء الإسلاميين من عضوية المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد يكون فعلا انتقاميا صادرا من الحداثيين لشفاء غيظهم، ومكافأة لهم من جهة أخرى لتطييب خاطرهم.
وبالنظر إلى أداء الإسلاميين في هذه المعركة التي وصفها اليزمي بأنها جوهرية، فينبغي أن يشكروا كثيرا لما حققوه ولما أوقفوه. فشكرا لكم معشر الإسلاميين. شكرا لكم نيابة عن المتابعين وعن الغافلين.
الحسن سرات
الصورة: المقر المركزي لحركة التوحيد والإصلاح بالرباط






