سنكون مضطرين هذه المرة، وربما لأول مرة أن نجعل من تجربة الانتقال الديمقراطي التونسي محطة أساسية للاعتبار والاستفادة من الدروس التي تتيحها. فالمغرب ظل لمدة عقدين نموذجا متميزا في المنطقة العربية –وفي منطقة شمال إفريقيا – على مستوى تجربته السياسية على الرغم من هشاشة التجربة الديمقراطية ومحدوديتها. لكنه اليوم، ونتيجة لعدم استثماره للفرص التاريخية التي كانت متاحة أمامه لتطوير هذه التجربة والقطع مع مرحلة الحكم المطلق، أصبح مضطرا إلى أن يعيد النظر في تجربته السياسية، ويوجهها إلى المسار الديمقراطي الحقيقي. فقدان النموذج في المنطقة كان يبرر للمغرب أن يمضي بشكل متردد في المسار الديمقراطي ويلقى مع ذلك العدم الخارجي، لكن اليوم، وأمام النموذج التونسي الذي يشق طريقه باقتدار نحو ديمقراطية حقيقية، لن يكون للتجربة السياسية المغربية أي جاذبية، بل ستصبح محط نقد ونظر من قبل الموقف الدولي ما دامت هناك دول أخرى عربية تتجه بشكل حثيث إلى بناء تجربتها الديمقراطية والقطع مطلقا مع الاستبداد والحكم المطلق.
إن الانتصار الذي حققه حزب حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي ليضع المغرب أمام مسؤوليته التاريخية والسياسية لإعادة النظر في مسلكه المتردد والمتراجع في تحقيق الانتقال الديمقراطي وفي طبيعة التعامل مع الحركة الإسلامية.
وبشكل عام، ودون الخوض في التفاصيل، يمكن أن نسجل خمس دروس أساسية من تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس:
1- الدرس الأول: وهو أن هناك طريقا واحدا للانتقال الديمقراطي، وليس هناك طريق وسط أو منزلة بين المنزلتين، يتلخص هذا الطريق في إقامة انتخابات ديمقراطية نزيهة، بقوانين انتخابية ديمقراطية، وتقطيع انتخابي ديمقراطي خال من ألاعيب وزارة الداخلية المهووسة بهاجس التحكم في الخريطة الانتخابية، وإفراز حكومة قوية من نتائج الاقتراع، ورفع يد الإدارة الترابية عن الأحزاب وعن العمل السياسي، وفسح المجال لحرية التأطير والتعبير عن الآراء السياسية وحرية الصحافة.. ما عدا هذا الطريق، لن يكتب أبدا للمغرب أن يبني تجربته الديمقراطية ولو ظللنا العمر كله نردد مفردات التناوب والانتقال الديمقراطي والحكامة الجيدة. علينا أن نكون واضحين تماما مع أنفسنا، فالمغرب بعيد كل البعد عن الديمقراطية، والدستور الجديد- بكل التعديلات التي جاء بها – لا يشكل أساسا لدولة ديمقراطية – ما دام هناك على المستوى الدستوري تداخل بين صلاحيات المؤسسة الملكية والحكومة، وما دامت يد الإدارة الترابية على المستوى العملي طويلة ومؤثرة على الأحزاب السياسية التي صنعتها وتمكن لها في الانتخابات أو في صناعة التحالفات. الدرس التونسي أعطى البرهان على أن الديمقراطية يصنعها الشعب، ولا تفرض بمقاسات معينة على الأحزاب وتلزم بها بالترغيب أو الترهيب.
إن ارتفاع نسبة المشاركة في تونس والتي بلغت حوالي 90 في المائة لتعطي درسا بليغا إلى المغرب، مفاده أن كل الخطوات والقوانين والإجراءات لا قيمة لها ولن يكون بمقدورها الرفع من نسبة المشاركة ما لم تكن هناك ثقة حقيقية في المؤسسات وإرادة حقيقية لمواجهة الفساد.
2- الدرس الثاني:إن تجربة الانتقال الديمقراطي التونسي حسمت في النظرة إلى مكونات الطيف السياسي، واعتبرت أن مقياس التفاضل بينها ليس هو المعيار الإيديولوجي فتقرب بعض الأحزاب وتشيطن أحزاب أخرى، ولا معيار القرب من مربع النفوذ، فتكرم التي تبارك السياسات وتخدم المصالح، وتبنذ التي تعارض وتقاوم الفساد، وإنما مقياس التفاضل هو القرب من الجماهير وخدمتها والبرامج التي تحملها وقدرتها على إقناع الجماهير برؤيتها ومشروعها الإصلاحي والمجتمعي. الدرس التونسي، الذي أتاح لحزب حركة النهضة أن يحقق النصر التاريخي، يجعل صناع القرار السياسي في المغرب اليوم في حرج شديد، خاصة وأن حملات التشهير والاستهداف لم تتوقف ليس فقط ضد حزب العدالة والتنمية، ولكن ضد كل المعارضين الذين يحملون عناوين مقاومة الفساد ومواجهة الديمقراطية المغشوشة. الدرس التونسي اليوم، سيلزم المغرب بإعادة النظر في الطريقة المخزنية التقليدية التي كان يتعامل بها مع الزوايا ويقسمها إلى مؤيد ومعارض، وبناء رؤية جديدة في التعامل مع الأحزاب السياسية قوامها فتح الباب لمبادرة الأحزاب وتنافسها على قاعدة خدمة الجماهير وتحقيق التنمية بغض النظر عن إيديولوجيتها ما دام المستفيد الأكبر في البداية والنهاية هو الوطن. معنى هذا الدرس أن تتوقف تماما مقولات شيطنة الإسلاميين وفزاعة الإسلاميين، وأن تتوقف ألاعيب العزل والتحشييد وخلق الأحلاف الثمانية والتسعة ضد الإسلاميين، فهذه المقولات والألاعيب جربت في تونس وسقطت كلها وسقط معها الاستبداد وكان الثمن تأخر لتجربة الانتقال الديمقراطيأزيد من ثلاثين سنة.
3- الدرس الثالث: إن المضي في سياسة التمييع واللبرلة الثقافية المطلقة وسياسة المهرجانات وتفسيخ القيم وعلمنة السلوك والفكر لن يقضي على الإسلاميين، بل بالعكس من ذلك تماما، فإن ذلك يزيدهم رسوخا في الأرض ويزيد من قاعدتهم الشعبية، وإن الجمع بين المقاربة الأمنية والتفسيخ القيمي والثقافي لن يزيد الإسلاميين والتدين إلا رسوخا في جدور هذا الشعب، أثبت ذلك الدرس التركي واليوم يزيد الدرس التونسي إثباته بقوة، مما يعني أنه ليس أمام المغرب إلا أن يلفظ هذه المقاربات،ويلفظ الذين يدعون إليها من مربع الحكم، ويؤسس لمقاربة جديدة قوامها التصالح مع الهوية الإسلامية ومع القيم وترجمة ذلك في التعابير الفنية والثقافية والإعلامية، فذلك أفضل وسيلة لإبراز خصوصية المغرب وتميزه.
4- الدرس الرابع: إن الرهان على التنمية بدون ديمقراطية هو رهان خاسر، لاسيما في ظل منافسة شديدة ستبديها تونس في العديد من القطاعات الاستثمارية. ولن يستطيع المغرب – الذي لم يمض بجد إلى الديمقراطية خاصة في القطاعات الاقتصادية التي يسودها منطق الريع والاحتكار – أن ينافس دولة ديمقراطية ناشئة يدعمها الشعب ويدعمها الخارج بكل قوة. لا شك أننا من اليوم، ومع تقدم المسار الديمقراطي في تونس، سنشهد استقطابا كبيرا للاستثمارات، بل سنشهد هروبا لكثير من الاستثمارات من المغرب إلى تونس، وستستعيد تونس حيويتها السياحية، على حساب المغرب الذي وإن رفع تحديا كبيرا، إلا أنه سيجد نفسه غير قادر على منافسة جاذبية تونس الدولة الديمقراطية ما لم يتجه بشكل حقيقي إلى الديمقراطية.
5- الدرس الخامس: إنه لا بديل عن الديمقراطية، وأن مقولات الانتقال من حكم الفرد إلى حكم القلة، واللبرلة من فوق، و المضي بعملية قيصرية إلى التحديث بالفطام عن ثقافة الأم، وكل المقولات التي يبشر بها المفكر عبد الله العروي وتجد بعض التجاوب عند نخبة في مربع الحكم، تسقط اليوم تباعا، فلا بديل عن الديمقراطية الحقيقية التي لا تعرف استثناء الإسلاميين، ولا تتنكر للهوية وقيم الشعب وثوابته.
إنه لخليق ببعض الذين يفهمون الحداثة من خارجها أن يتأملوا جيدا الدرس التونسي الذي فرضت فيه الدولة الحداثة من اعلى ، وتحملت الدولة مهمة التحديث واللبرلة، واستأصلت الاسلاميين سياسيا، وجففت المنابع من برامج التعليم ومناهجه، ونصبت الحداثيين للتدريس حتى في شعب الدراسات الإسلامية، ثم لم تكن النتيجة في نهاية المطاف سوى فوز الإسلاميين وحلفائهم.
بلال التليدي
الصورة: انتخابات تاريخية في تونس- عن رويترز






