الأربعاء, 16 نونبر/تشرين ثان 2011 11:52

الإسلاميون المغاربة.. الآداب العامة والحريات الفردية-بلال التليدي

قييم هذا الموضوع
(1 صوت)


مع انطلاق الحملة الانتخابية، أو قبلها بأيام، حصل ما يشبه الاتفاق بين بعض المنابر الصحفية على تناول موضوع علاقة الإسلاميين بالحكم، وبشكل خاص منهجية تعاطيهم مع قضايا ألآداب العامة والحريات. بعض هذه المنابر تناول الأمر من زاوية التخويف من الإسلاميين، وبعضهم طرحه من منطق اكتشاف أسلوب الإسلاميين في الحكم، وبعضهم الآخر، اختار مقاطع من مواقف سابقة للإسلاميين انتزعت بانتقائية بقصد التشويه والتخويف.

وحتى لا نسقط في  السجال التي يتناول كل قضية على حدة، سنحاول في البداية الإشارة إلى قضية نظرية تؤطر الموضوع برمته ، إذ غالبا ما يتم إسناد أطروحة فزاعة الإسلاميين بالقضايا الأخلاقية والاختيارات الفردية والتعبيرات الثقافية والفنية، كما ولو كان الإشكال الحقيقي هو هذه القضايا، مع أن مستند هذه الأطروحة الأساسي ليس هو هذه القضايا التي تنتمي إلى البنية الفوقية بالتعبير الماركسي، وإنما هو   تهديد الديمقراطية للقاعدة المادية لمركب السلطة والنفوذ والثروة، إذ أن قواعد اللعبة في توزيع السلطة والثروة في البلد، وحظ المصالح الخارجية في هذه اللعبة، إنما كان يتأكد ويتوسع خارج نطاق الآليات الديمقراطية، بل خارج قواعد   الليبرالية الاقتصادية نفسها، إذ كان مركب النفوذ والسلطة والثروة يتوسع خارج  قواعد الشفافية ومبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ الشفافية والتنافس. ولذلك، فاللعب بالقيم، أو إشهار هذه القضايا التي تنتمي إلى  الاختيارات الفردية أو القضايا الأخلاقية هو ليس أكثر من محاولة إخفاء  حقيقة موقف مركب النفوذ والسلطة والثورة من الديمقراطية وعائداتها. ومن ثمة، فإن طرح هذه القضايا للتخويف من الإسلاميين، هو ليس أكثر من محاولة جعل هذا التيار في صراع وهمي مع الاختيارات الفردية والأخلاقية للأفراد، مع أن الصراع الحقيقي الذي ينبغي أن يخاض  هو  ضد  تحالف الهيمنة السياسية والتحكم والاحتكار الاقتصادي الذي يجرد الشعب من قدرته على العيش الكريم بل من قدرته على الاختيار الحر لحاكميه وللسياسات التي يريد أن يحكم بها.
ولذلك، لا عجب أن تثار مثل هذه القضايا بشكل كثيف على الواجهة الإعلامية باعتبارها المنفذ الذي يتصرف فيه الصراع الوهمي، ما دامت الساحة السياسية غير قادرة على أن تنتج نقاشا عموميا حول حقيقة الصراع وأبعاده بكل ما يتطلبه ذلك من كشف الملفات الاقتصادية الكبرى، وفضح  لوبيات المصالح التي تتآمر لتعطيل المسار الديمقراطي ليس خوفا فقط من الإسلاميين، ولكن خوفا من اي جهة تملك استقلالية قرارها السياسي.

لا يعني هذا أن القضايا القيمية والأخلاقية لا ينبغي أن تأخذ حظها من النقاش في رؤية الإسلاميين، لكن النقاش ينبغي أن يؤطر في سياقه الطبيعي، أي في سياق الوعي التاريخي والسياسي بطبيعة المرحلة وحقيقية الصراع فيها والآليات التي تعتمد في هذا الصراع، والواجهات التي تستعمل،  والملفات التي تفتعل، وغير ذلك  من القضايا الجوهرية التي ترفع منسوب الوعي  بالأطراف المتحكمة في السلطة والثورة وكيفية تدبيرها لهذا الصراع.

وفي سياق النقاش الفكري حول تعاطي الإسلاميين مع قضايا الآداب والحريات العامة لابد أن نضع أمام القارئ ثلاث مقدمات نظرية أساسية يصعب فهم العقل السياسي الإسلامي دون استحضارها:

-أولا: التمييز بين أدوات الدعوة وأدوات السياسة: فالحركة الإسلامية في المغرب، أو على الأقل مكونها المشارك، يميز بين أدوات اشتغال كل من السياسة والدعوة، بل إن تركيبته التنظيمية تعكس هذا التمايز، فعمل الحركة، ليس هو عمل الحزب، واختلاف الهيئات إنما يجد مبرره باختلاف الوظائف ووسائل الاشتغال، ومن ثمة، فليس من وظيفة الحزب تغيير قناعات الأفراد التربوية والفكرية بأدوات السلطة، أي بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فإن أي حزب لجأ إلى هذا الخيار سيكون مآله الفشل، لأن قضية القناعات والاختيارات القيمية والأخلاقية إنما تنشأ بفعل تراكم  في العملية التربوية والتنشئة الفكرية والثقافية،  والقرارات الحكومية في أحسن أحوالها لا تكون إلا عاملا مشجعا ومساعدا، فلو أخذنا مثلا قضية العري في الشواطئ، فإن أي حركة إسلامية اختارت أن تمنع ذلك بأدوات السلطة، فإنها ستجعل من نفسها خصيما للشعب حتى وهي تعتقد أنها على حق وأن العري في الشواطئ يتناقض مع مرجعيتها الإسلامية،  لأن دورها -  كحركة دعوية لا كحزب سياسي -هي أن تدفع هذا الشعب بنفس الأدوات التربوية والثقافية والقيمية إلى الالتزام بقيم الحشمة والحياء في تفاعله مع وسائل المتعة والاستجمام.  وضمن هذه الرؤية، تعتبر الحركة الإسلامية المشاركة في المغرب، أن الحزب ليس معنيا بهذه المهمة، وإنما هو معني بتوفير البيئة النظيفة للاستجام، والبنية التحتية اللازمة، والخدمات الضرورية وفي مقدمتها الصحية،  ليمارس الأفراد حقهم في الاستجمام في ظروف صحية ومريحة في إطار القانون المؤطر للفضاء العام. أما قضية   الإقناع بالامتناع عن العري في الشواطئ فمسألة تربوية ثقافية تتعلق بالقناعات، وللحركة الدعوية أن تقوم بكل ما تملك من حملات دعوية وأنشطة تربوية من أجل التقليل من هذه الظاهرة  في سياق التدافع الثقافي الذي يتيحه النقاش الديمقراطي. فليس من مهمة الحزب السياسي فرض الأحكام على الأفراد، وإنما الأمر يتعلق بدور تربوي دعوي يقوم به الدعاة والوعاظ والعلماء والخطباء والمفكرون في إطار ما يتيحه الحراك الفكري. ونفس الأمر يمكن أن يقال عن الحجاب، إذ هو حكم شرعي ليس من مهمة الحزب السياسي أن يفرضه على الأفراد، وإنما هو من صميم وظيفة الدعوة التي تستهدف تغيير القناعات والأفكار بوسائل المدافعة الفكرية السلمية.

-ثانيا: التمييز بين منطق السياسات العمومية، ومنطق الأحكام الشرعية: فالحركة الإسلامية التي تحمل قناعات  شرعية بشأن بعض القضايا مثل الربا والخمر، لا يعني هذا  ضرورة أن أول ما ستقوم به في حكمها أن تستأصل هذه الظواهر من المجتمع، إذ المطلوب منها التعاطي مع هذه القضايا من زاوية السياسات العمومية، أي أنها يمكن أن تعمل مثلا على فتح صيغ لاربوية تتمتع بنفس الامتيازات القانونية التي تتمتع بها الصيغ الربوية التقليدية، وتترك للشعب حرية ممارسة اختياره لهذه الصيغ، وتعمل على خلق منافسة بين الصيغتين، ويمكن أيضا أن تسن تشريعات مثلا تفرض ضرائب إضافية على الخمر خاصة منه المستورد، ويمكن  أن تفعل المقتضيات القانونية الخاصة بمنع بيع الخمر للمسلمين في بعض الأماكن،  فهذا التعاطي جار به العمل في كل البلدان بما في ذلك البلدان الأوربية،  وهو تعاط مقبول ما دام يتأطر بمنطق السياسات العمومية، وليس بمنطق تحريم هذه القضايا وفرض ذلك على المجتمع.
 
وفرق كبير بين المنطقين، فمنطق التحريم وفرض الأحكام على الجمهور يلغي الآليات الديمقراطية ويلغي قواعد التدافع السلمي ويلغي الآخر باعتباره مكونا يحتفظ بآرائه ورؤاه ونظرته إلى المشروع المجتمعي، بينما المنطق الثاني، يعتمد الآليات الديمقراطية ويستثمر ما تتيحه مساحة الحرية في التدافع الفكري والسياسي والتمكين بذلك للرؤية المجتمعية التي يحملها الحزب الذي استطاع أن يضمن أكبر قدر مكن المشروعية الاجتماعية بما لا يتعارض مع الأطر العليا المعبر عنها في الدستور.
ثالثا: التمييز بين الفضاء العام والفضاء الخاص: وهذا يصلح أن يستشهد به أكثر فيما يخص بالحريات الفردية، فالحريات التي تدور في دائرة الخاص، لا يمكن البحث عنها أو المطالبة بتطبيق القانون فيها، بخلاف الفضاء العام، فهو مؤطر أصلا بالقانون، ودور الحركة الإسلامية في أقصى حالاتها أن تسهر على احترام وتفعيل القانون في إطار من المرونة والتدرج. فالحركة الإسلامية المغربية واعية بأن  الظواهر القيمية المنتشرة في المجتمع إنما هي ثمرة فعل تربوي وثقافي دام عقودا من الزمن، ولا يمكن تغييره بقرار أو  تشريع قانون، فأقصى ما تملكه الحركة الإسلامية أن تحرص في سياق المرونة على تفعيل القانون في الفضاء العام وترك الفضاء الخاص لاختيارات الناس الحرة،  ومصاحبة ذلك بعمل دعوي نشط تضطلع به الحركة الدعوية وبرامج التربية والتكوين القائمة على المزاوجة بين ألبعاد الثلاثة في العملية التعليمية المعارف والمهارات والقيم.
و بناء على هذه الضوابط الثلاث التي نضجت في رؤية الإسلاميين خاصة منهم المغاربة،  فإن التقدير أن يكون تعاطي الإسلاميين مع هذه القضايا غير مختلف بشكل كبير  عن طريقة التعاطي الحالي، سوى أن الإسلاميين سيدفعون بقوة في أن تكون السياسات الحكومية في مجال التربية  والثقافة والإعلام  - أوعية تشكيل الوعي والذوق- منسجمة ومؤطرة بمقتضيات المرجعية،  ولا تنتج نماذج يتناقض سلوكها مع مبادئها التربوية.

وتنزيلا لهذه المقتضيات، فالتقدير أن يمضي موقف الإسلاميين من السينما في اتجاه تحريرها من منطق الريع والتحكم في الدعم وفرض توجهات وموضوعات سينمائية معينة على المخرجين  لإجبارهم على الانخراط في معارك سياسية ضد قوى سياسية معينة،  وإشاعة قيم الشفافية والنزاهة في تدبير القطاع. فهذه الرؤية  التدبيرية، ستكون  كافية لجعل السينما المغربية تتحرر من التعاطي الجنسي المفروض وترتاد بذلك آفاق أخرى تعكس حقيقة الموضوعات التي ستنهض بالسينما المغربية. فلا شك بعد هذه الخطوة، ستصبح التعابير الفنية كثيرة ومتنوعة، وسيتضاءل موضوع الجنس في السينما إلى الحدود التي لا تثير غضب الإسلاميين، وهذا هو المدخل للتعاطي مع هذا الملف. وبنفس المنطق يمكن تحديد موقف الإسلاميين مع المهرجانات، إذ لو تم التدبير الديمقراطي لها، من حيث  الجهة المشرفة، والأموال المرصودة، ومعايير اختيار الفنانين، وإعمال معيار المحاسبة والمساءلة، لكانت الحصيلة مهرجانات وطنية نظيفة ومتنوعة لا تثير غضب أحد، فأول من وقف ضد هذه المهرجانات ليس هو الإسلاميون كما يعتقد، بل هم الفنانون أنفسهم الذين أحسوا بالغربة في أوطانهم  وبأنه لا حق لهم في مقدرات وطنهم وأن خير وطنهم يأخذه غيرهم.

بلال التليدي-كاتب وصحافي

الصورة: إقبال كثيف على صلاة العيد بالدار البيضاء

1 تعليق

  • أضف تعليقك عبد العالي الأربعاء, 16 نونبر/تشرين ثان 2011 21:27 أرسلت بواسطة عبد العالي

    شكرا شكرا شكرا يا كاتب المقال لقد اصبت
    والله والموضوع حي وله صلة ما نشر في الصفحة الاولى من جريدة اسبوعية بالالوان لا اتذكرها .
    المهم هو ان الجريدة تجسد صورة الامين العام للعدالة والتنمية الاستاذ بنكيران
    وسؤال يتساءل عن موقفه من اشياء في حال وصوله للسلطة وكتبوا ( المايوه- الخمر- العلب الليلية... الخ) اليس هذا تخويف وتحرش وكيد ؟ نعم . فكان الله في عون بنكيران من حدة الشراسة التي يتعرض لها .

التعليقات