قال ميمون بريسول رئيس المجلس العلمي للناظور، إن المكفوفين يتجاوبون مع القرآن الكريم ويقبلون عليه منذ القديم ويستعملون حاسة السمع لهذا الغرض، كما ان هذه الأمر أصبح سهلا بتوفير وزارة الاوقاف لمصاحف مرقونة بطريقة برايل برواية ورش عن نافع، وأضاف في حوار مع "التجديد" إن آفاقا جديدة فتحت في وجه هذه الفئة بعد فتح المجال للتكوين في إطار برنامج تكوين الأئمة والمرشدين.. وفيما يلي نص الحوار:
س: كيف تقيم إقبال المكفوفين على حفظ وتعلم القرآن الكريم؟
ج: في البداية لابد من القول أن القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي أنزله وخاطب به عباده، ولذلك لابد أن يكون كلاما واضحا تفهمه كل المخلوقات المكلفة وتستوعب الأحكام التي تتضمنه وقد ورد قوله سبحانه وتعالى "كلام عربي مبين"، والقرآن الكريم انتقل إلينا محفوظا في الصدور والسطور ويقرأ ويفهم بكل اللغات ولا يستعصى حتى على ذوي الاحتياجات الخاصة من الصم والبكم وضعاف البصر وفاقديه.
وفي الجهة الشرقية نجد أن المكفوفين وإن كانوا قد فقدوا بصرهم فإنهم تبصروا بالقرآن الكريم منذ أن افتتحت كثير من المدارس القرآنية في مختلف جهات المغرب، ولا ننكر أن المكفوفين يتجاوبون مع القرآن الكريم ويقبلون عليه منذ القديم فكانوا يستعملون حاسة السمع كحاسة وحيدة وكانوا ينسجون علاقات مع إخوانهم المبصرين، وعندما انتشرت المدارس القرآنية في الجهة الشرقية منذ السبعينات إلى الآن أصبحت مأمورية حفظ القرآن الكريم لهذه الشريحة من الأمة أسهل مما كانت عليه من قبل وفتحت أمامهم آفاق واسعة خاصة مع ظهور طريقة برايل التي اكتشفها الفرنسي الأصل لويس برايل، ونجد أن كثيرا من المكفوفين اليوم يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب بل يتفوقون في الحفظ عن غيرهم من الذين أنعم الله عليهم بحاسة البصر.
س: هذه الفئة تواجهها تحديات في الحفظ، هل يمكن أن تعدد لنا أهم التحديات وكيف يتجاوزونها؟
ج: فقد البصر في حد ذاته تحدي كبير بالنسبة لمن ابتلاه الله تعالى به، ورغم ذلك فإننا نجد المكفوفين يتحدون هذه الصعوبة ويتجاوزونها خاصة الذين يفقدون هذه الحاسة منذ الصغر فيتمرنون على هذه الحالة ويتعايشون معها ويتجاوبون معنا ولذلك يحاولون ما أمكن أن يتغلبوا عليها.
من جهة أخرى هناك من أنعم الله عليه بحاسة البصر والعطف فيساعدون إخوانهم المكفوفين على حفظ القرآن، و بالاعتماد على طريقة برايل التي اكتشفت في الأربعينيات من القرن الماضي وانتقلت إلى المملكة المغربية عبر بعض المكفوفين المغاربة الذين درسوا في مصر، تمكنت المكفوفون من تجاوز هذا التحدي الكبير، وحاليا تتوفرمصاحف مرقونة بطريقة برايل وأشير هنا إلى أن المغرب قبل التسعينيات كان يتوفر على مصاحف مطتوبة بطريقة برايل برواية حفص ولكن الحسن الثاني رحمه الله أعطى تعليماته ليكون للمغرب مصحف مكتوب بطريقة برايل وبرواية ورش عن نافع ، وقد اطلعت لجنة بهذا العمل وهيأت مصحفا لكنه لم ير النور نظرا للإخطاء التي شابته ولتصحيحها تم تشكيل لجنة سنة 2002 اضطلعت بمهمة المراجعة وتمكنت من إخراج هذا المصف إلى النور في ستة أجزاء، وأصبح المغاربة المكفوفون اليوم يتوفرون على هذه النسخة ويرجعون إليها في حفظ القرآن الكريم، ويستعينون بالإضافة إلى السمع، بهذه المصاحف المتوفرة في المدارس القرآنية.
س: بالنسبة لهذه الفئة ما هي الآفاق التي يفتحها حفظ القرآن وتعلم العلوم الشرعية؟
ج: الآفاق التي تفتح في وجوه هؤلاء هي نفس الآفاق التي فتحت لغيرهم، فالمكفوف الذي يحفظ القرآن الكريم ينخرط في المدارس القرآنية لمتابعة دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية وفقا لنظام التعليم العتيق، ويستطيع أن يواصل دراسته الجامعية.
ومؤخرا تعاملت وزارة الأوقاف مع هذه الفئة معاملة جد حسنة حيث قبلت مجموعة من المكفوفين الذين حصلوا على الإجازات ووزعتهم على المدارس القرآنية في المغرب ليحفظوا القرآن الكريم في مدة سنتين بمنحة شهرية قدرها ألفين درهم وعندما يحفظون القرآن يصبح لهم الحق في المشاركة في مباراة تكوين الائمة والمرشدين فينخرطون في هذا التكوين لمدة 11 شهرا ويتخرجون من هذا التكوين ويصبحون مؤطري الائمة.
إذن فئة المكفوفين الذين يحفظون القرآن الكريم أمامهم آفاق مهمة جدا ولهم الحق في الانخراط في أسلاك الوظيفة العمومية كما أن مدارس المكفوفين في كل المدن المغربية كل أساتذتها من المكفوفين ومعظمهم يحفظ القرآن الكريم.
س: هذه النماذج الإيجابية لمكفوفين تحدوا وضعهم ونجحوا في الحياة. إلى أي حد غيرت نظرة المجتمع للمكفوف وغيرت نظرة المكفوف لذاته؟
ج: الإسلام شجع ذوي الاحتياجات الخاصة واعتبرهم مثل غيرهم من الأسوياء لهم حقوق وعليهم واجبات، والرسول كان يحثهم على الانخراط في المجتمع كما كان يكلفهم بالواجبات مثل غيرهم، وأذكر هنا قصة الاعمى الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله عن حضور صلاة الجماعة، فأوجبها عليه وقال بأنه إذا كان يسمع الأذان فعليه أن يجيب. وجاء في الأثر أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كلف أحد الصحابة وهو مكفوف بالآذان وكان ينيبه عنه عندما يخرج للغزوات وسار الصحابة من بعده على نفس النهج، وقد ظهر في التاريخ الإسلامي علماء ذوو كفاءات جد عالية من فئة المكفوفين ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، فالإسلام لا ينظر لهذه الفئة نظرة احتقار وإنما يشجعهم ويحفظ لهم حقوقهم وكرامتهم.
وفي المغرب لم تكن هذه النظرة سائدة لدى المغاربة بل كان الناس ينظرون إلى هذه الفئة على أنهم مثلهم ويعاملونهم معاملة حسنة لكن هذا لا ينفي وجود بعض التجاوزات في التعامل مع هذه الفئة. إذن مجتمعاتنا الاسلامية كانت دائما تنظر نظرة احترام وتقدير لهذه الفئة وتمكنهم من الانخراط في المجتمع مثل باقي الفئات.
عن التجديد






