الجمعة, 24 دجنبر/كانون أول 2010 10:54

أحمد المقري سفير الغرب الإسلامي الى المشرق

قييم هذا الموضوع
(1 صوت)

     يعتبر الشيخ أحمد بن محمد المقري من أبرز علماءمطلع القرن الحادي عشر الهجري شرقا وغربا, ورابط أساسي بين الفكرالمغربي والمشرقي، وأحد الأوجه المُعرفة بتراث هذه المنطقة التى بقيت أخبارها في معزل عن مسامع أهل المشرق, الذين ظلوا يرمقونها ويتطلعون إلى معرفة عطائها في جميع الفنون, وبالرغم من الرحلات المتبادلة واستقرار الكثير من علماء المغرب  في بلاد الحجاز والشام ومصر، إلاّ أنّ المشارقة عبر التاريخ ظلوا يجهلون أويتجاهلون التراث العلمي لهذه المنطقة, وقد أحسّ المقري كغيره من المغاربة بهذا الإهمال، ومردُّه كما أشار الدكتور إحسان عباس في مقدمة تحقيقه لنفح الطيب في القديم للاعتداد بالثقافة المشرقية، أمّا في عصر المقري فكان سببه ضعف الثقافة عامة ).

  لقد كان ذلك التعامي دافعا أساسيا للمقري أن يعيد التعريف بتاريخ وأدب ورجال الغرب الاسلامي  عموما، ويُخرج موسوعته التاريخية المعروفة " بنفح الطيب " ، التي استطاع أن يُظهر فيها مخزون الثقافة التى يتميز بها أهل هذه المنطقة، وفرض في كتابه مادة قوية ثرية مشحونة بأدب وتاريخ الأندلس   المغرب ،وتجنب أن يقع فيما وقع فيه صاحب العقد الفريد فقدم بضاعة أندلسية مغربية ليست بمزجاة ، بيّنت أن أهلها ليسوا من ذوي الرطانة أوالجفاء أو قلّة الذوق, فهم يملكون من اللسان أفصحه ومن الإحساس أرهفه، مما جعل علماء المغرب العربي يرددون - افتخارا - جملة مفادها ( ليس بأديب من لم يقرأ نفح الطيب).

لمحة تاريخية

  تعود أصول الشيخ أحمد بن محمد المقري إلى مدينة مقرة التابعة لولاية المسيلة, ولد بمدينة تلمسان بها نشأ وعن شيوخها أخذ, وتنقل بينها وبين مدينة فاس أثناء رحلته العلمية, واستقر بفاس مدّة فاستفاد من علمائها ودرّس في مساجدها أنواع العلوم، فكان محلّ رعاية من السلطة الحاكمة وإجلالا وإكبارا من عامّة الناس وخواصّهم .

   هاجر الى مصر سنة1027هـ ثمّ قصد مكة حاجا وجاور بالمدينة المنورة، ثمّ عاد للإستقرار بأرض الكنانة سنة 1029هـ وجعلها مرتكزه لرحلاته إلى الشام والحجاز والقدس، إلاّ أنه صادف فيها من الحيف والظلم مالم يكن ينتظره، ممّا جعله يفضل دمشق عليها. وقد أرجع البعض السبب الى فشل زواجه واضطراره الى تطليق زوجته المصرية الشريفة من السادة الوفائية، ممّا نغّص حياته بمصر وجعله عرضة لحملة من المقاطعة إنخرط فيها العامة والخاصة، والبعض ردّ الأمر الى الحسد الذي أظهره بعض العلماء كما ألمح إلى ذلك الخفاجي في كتابه "ريحانة الألبّا "حيث قال:( ..إنّه وجد بمصر الحسد والنفاق وتجارة الاداب ليس لها بسوقها نفاق، ولم يرض بالكساد، ومسابقة الحمير للجواد..). وقد أشار المرادي – أثناء ترجمته للمقري في كتابه خلاصة الأثر- إلى مرارة الإحساس الذي انتاب المقري ممّا لقيه في مصر، عندما سُئل عن حظّه بها فقال : قد دخلها قبلنا ابن الحاجب وأنشد فيها قوله:

يا أهـل مصر وجدت أيديكم ….. في بذلها بالسخاء منقبضه

                       لـما عدمت القرى بأرضكم….. أكلت كتبي كأنني أرضـه

ثمّ أنشد هو لنفسه أبياتا كان مطلعها :

                       تركت رسوم عزى في بلادي … وصرت بمصر منسي الرسوم

   لقد أعجب المقري بالشام وألقى في دمشق دروسا وأحس أن المُقَام هناك فعبر عن ذلك بقوله: (.. فهم الذين نوهوا بقدري الخامل وظنّوا – مع نقصي- أنّ بحر معرفتي وافر كامل..). فلم تكن شكواه من أهل مصر منبعها قلّة الجود والسخاء، كماحدث مع الفقيه ابن الحاجب صاحب كتاب جامع الأمهات، وإنما كان تضمره لترفعهم عن علومه ومعارفه. ومع هذا الجفاء الواقع بينه وبين علماء مصر إلاّ أن إنصافه ووفاءه لأرض الكنانةلم يجعله يهمل ما قيل فيها من قصائد إذ أثبت الكثير منها في كتابه نفح الطيب.

كتاب نفح الطيب…موسوعة تعريفية بتراث الغرب الاسلامي

   ترك المقري مايقرب الثلاثين تأليفا يغلب عليها الكتابة في الأدب والتاريخ والتصوف, كان من أشهرها كتابان ألفهما بالمغرب وثالث بالمشرق. أمّا الأول فكتابه ( روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيتهم من أعلام الحضرتين مراكش وفاس )، كتبه في النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري وسنه لاتزيد على الخامسة والعشرين أثتاء تردده على مدينة فاس، التى صادف فيها الكثير من العلماء، فجعل من هذه اللقاءات مادة كتابه، فجمع فيه أربعة وثلاثين اسما من أسماء الأعيان والعلماء والأدباء الذين لقيهم بالحضرتين، وضم فيه الكثير من شعرهم وأدبهم .ويبدو أنّه حاكى فيه كتاب لسان الدين الخطيب المسمى " الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة " الذي رمى من خلاله تعريف أهل المشرق بشعراء الأندلس على غرار ما فعله من قبله ابن دحية في كتابه المطرب، وابن سعيد في كتابه المغرب في حلى المغرب. أمّا كتابه الثاني فهو كتابه ( أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض, وما يناسبها مما يحصل به ارتياح وارتياض ). عرّف فيه بشخصية فقهية وهو القاضي عياض شيخ المالكية وحجتهم في الغرب الإسلامي, كما أورد فيه أخبارا عن الأندلس وعن لسان الدين الخطيب, وجمع فيه تراجم لشخصيات علمية واجتماعية هامّة.

    أمّا أهم مؤلفاته وأكثرها انتشارا فهو كتابه (نفح الطيب)، إذ يعدّ موسوعة أدبية وتاريخية لا نظير لها بين ما ألف في المغرب العربي عموما، وقد أشرنا الى دافعه لهذا العمل. وكان المقري ينوي أن يسميه " عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب " تعريفا بهذه الشخصية العلمية التى جمعت بن الوزارة والعلم والأدب, إلاّ أنه استطرد في الكتابة عن تاريخ الأندلس وعلمائها وأخبارها فعدل عن الاسم الأول وسماهُ " نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب ", نقل فيه الكثير من المعارف اعتمادا على ماتوفر بين يديه من مصادر قديمة ومعاصرة ،واحتفظ فيه بقصائد وموشحات نادرة ، وقد تميز كتابه بعدة مزايا منها :

- النقل الهائل عن الكتب القديمة والمعاصرة وبعضها يُعدّ من المراجع المفقودة ، وقف عليها المقري واستفاد منها ،ككتاب الطالع السعيد والروض الأريض والأزهار المنثورة وكُتب المقري الجد وغيرها من المراجع التى لم تصل إلينا .

  - جعل من كتابه مكتبة في حدّ ذاتها إذ أكثر من النقل، فكان ينقل من بعض الكتب فصولا كاملة، وأخبارا وأشعارا طويلة تبلغ الصفحات .

- احتواؤه على كثير من تراجم علماء المغرب العربي والأندلس، إذ حمله جهل الغير بنا أن يتوسع في هذا المجال، وهل من المعقول أنّ شخصية علمية وأدبية تركت ما يقرب الستين عملا مثل لسان الدين الخطيب بحاجة للتعريف به لو لم يجده مغمورا عند أهل المشرق ؟ وعموما فكتابه قسمه الى قسمين:

* القسم الاول: في تاريخ الأندلس، خصّ ثلاثة أبواب منه للحديث عن التمازج الفكري وأسباب التواصل والتلاقي، المتمثلة في الرحلات العلمية المتبادلة بين علماء الشرق والغرب الاسلامي. وأنّ المغرب بعمومه كان مقصدا للطبة والعلماء, فذكر بعض الوافدين على الأندلس وترجم لشخصيات علمية وصوفية ،كما أشار إلى رحلات علماء الأندلس نحو المشرق.

* القسم الثاني: في التعريف بشخصية لسان الدين الخطيب وهوكما قال:(..المثل المضروب في الكتابة والشعر والطب ومعرفة العلوم على اختلاف أنواعها ومصنفاته تخبر عن ذلك..). ألف الكثير من المصنفات الهامّة منها كتابه " الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالاندلس من شعراء المائة الثامنة ", وله كتاب آخر يكتسي أهمية بالغة في التعريف بتاريخ الأندلس، ألفه على فترات زمنية متقطعة وسماه " الإحاطة في تاريخ غرناطة " وقد ركز المقري في القسم الثاني على هذا الكتاب ونقل منه مقاطع طويلة وقام بعرض لمحتوياته، وخصّ الباب الثالث منه للحديث عن جده صاحب كتاب القواعد الفقهية، فتعرض للعلاقة التي تربطه بلسان الدين الخطيب، وساق جزء من حياته العلمية مع ترجمة لشيوخه وذكر لمؤلفاته، وحشد فيه اسماء كثيرة لعلماء المغرب العربي ومؤلفاتهم وأحوالهم ومُكاتبَاتهم، ممّا جعل كتابه "نفح الطيب " موسوعة معرفية ذات نزعة مغربية صِِرْفة.

 محمد بسكر

مراجع الموضوع :  

نفـح الطيب لأحمد المقري

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمرادي

روضة الآس العاطرة الأنفاس لأحمد المقري

المقري صاحب نفح الطيب لمحمد عبد الغني حسين

 

 

 

أخر تعديل في الجمعة, 24 دجنبر/كانون أول 2010 11:13

التعليقات