تكتسب قضية الحوار الحضاري بين الأمم أهمية قصوى في سياقنا التاريخي الراهن، إذ لا يمكن استعادة التوازن في الحياة الإنسانية اليوم إلا عن طريقه وعبره. يمكن على الأقل أن نذكّر بثلاث حقائق ترقى بالحوار الحضاري إلى مستوى الضرورة: الحقيقة الأولى هي أن القرن العشرين اتسم حقا بكونه (قرن الخوف والقلق) بتعبير ألبير كامو, فبالإضافة إلى حربين عالميتين دمويتين، فقد سجلت إحصائية مارشال وغور التي أنجزت سنة 2003 تحت عنوان «السلام والنزاع 2003» حوالي 70 حربا مسلحة ما بين سنتي 1956 و2002. كما أن ارتفاع واتساع قدرات الإنسان اليوم على التدمير الذاتي من خلال تطور الصناعة العسكرية الثقيلة (القنابل النووية والذَّرية والهيدروجينية وغيرها) يجعل من ترك المصير الإنساني في يد قلة محدودة وضعا محفوفا بالمخاطر. لذلك كان لزاما الانتقال من مجال القلة ونزعاتها إلى مجال الحضارة وآفاقها الكامنة، وتفعيل قيم الحضارات مجتمعة للانتقال بالإنسانية من حالة تتسم بـ «أزمة التدمير الذاتي» إلى حالة موسومة بـ «رحابة التخليق الذاتي». الحقيقة الثانية تتمثل في أننا نعيش فيما يمكن وصفه بـ «السفينة المشتركة» بفعل التطور التكنولوجي والصناعي وما أحدثه من قدرات في التفاعل والامتداد والانتشار.
ولذلك فإن المخاطر التي تتهدد الإنسان صارت أقدر على النفاذ للكونية، سواء تعلق الأمر بالمخاطر الأخلاقية أو البيئية أو الاقتصادية أو غيرها، فثقب الأوزون والاحتباس الحراري والتصحر وأزمات المياه وغيرها ليست قضايا غرب وشرق، إسلام ومسيحية، بل هي قضايا الإنسان، يكتوي بنارها حينما تحدث وسيكتوي إذا حدثت، وهي قضايا تستبطن سوء توزيع منافع كوكبنا المشترك. من هذا المنطلق، فإن تدبير التعددية والتنوع والاختلاف صار واجبا أخلاقيا بين شعوب الأرض. الحقيقة الثالثة هي أن قيم الصراع والقوة لا تزال تتحكم في العديد من الرؤى الفلسفية اليوم، وهي رؤى في الحقيقة أقل ما يقال عنها أنها تتحدى فطرة الإنسان، وهي أيضا رؤى تنازع الإنسان حقه في تدبير نظام وجوده الكوني انطلاقا من قيم الرحمة والحوار والتعاون. إن هذه الحقائق الثلاث تفرض علينا أن نصغي بتواضع لأحلام الناس ونصونها من الضياع والتدمير، وأن نرقي من إحساسنا العميق بالروح الإنسانية الكريمة.
ضمن هذه المساعي، فإننا نعتبر أن التأسيس المعرفي للحوار الحضاري ينبغي أن يكون ملازما للفعل المؤسساتي وهذا ما يقتضي أن يصير الاتفاق المبدئي حول مفهوم الحوار الحضاري ودلالته الأبستمولوجية من أولى الأولويات. هنا نطرح السؤال: هل الحوار بين الحضارات عملية تنظيمية اتفاقية، أم أنه نتاج صيرورة تاريخية تلقائية؟
إن الحوار بين الحضارات باعتباره (عملية وظيفية منظمة) بين مكونات حضارية في زمان ومكان محددين، قد يكون رد فعل على أحداث بعينها، وفي هذه الحالة ستكون المصالح في الحوار مقدمة عن إرادة الحوار. خاصة أن الحضارات لا تتحاور بطريقة ميكانيكية من خلال جلوس ممثليها إلى طاولة الحوار، بل يستفيد بعضها من بعض، ويقتبس بعضها من بعض من خلال تفاعل ثقافي ورغبة في الإنصات والاعتراف بالآخر.
أما الحوار بين الحضارات باعتباره (صيرورة تاريخية تلقائية، فهو ذلك الحوار الممتد عبر التاريخ بإبداعاته المختلفة وعطاءاته المتعددة. إن التصور الثاني للحوار الحضاري تجسيد لمبدأ إنساني أصيل، ولفطرة قائمة. وهو يأخذ أشكالا ووسائط مختلفة من رسم وعمارة وخط وغيرها، باعتبارها وسائط حاملة للمعنى العابر للزمن وللرمزية التي تخترق أفق الزمن المادي.
ما ينبغي التنبيه إليه في هذا السياق أن تغليب تصور مفهوم على الآخر، سيكون سببا في إفشال مسار الحوار وتأجيل نتائجه وفعاليته. فالتفكير في الحوار بين الحضارات بالمنطق الإجرائي التنظيمي الذي يجعل من تنظيم المبادرات هدفا في حد ذاته، سيدخل الحوار غالبا في (منطق المصالح) ويفقده عمقه المعياري الأساسي. وفي الوقت نفسه فإن الاكتفاء بالتصور المعياري دون الاجتهاد في تحديد المصلحة الإنسانية المشتركة سيفقد الحوار أصالته، ولذلك فإننا نرى ضرورة التلازم بين التصورين.
إن الحوار الحضاري بين الأمم ينبغي أن ينطلق من القيم الإنسانية المشتركة، التي تجسدها الفطرة الإنسانية التي تنزع لقيم الكرامة والرحمة والحرية، كما ينطلق من حقيقة أن الوجود الإنساني المشترك لا يمكن أن يقوم على أساس من التراحمية إلا إذا اندرجت الشعوب في استعادة الحكمة الإنسانية، ولا أقول الحكومات والمؤسسات فقط في هذا المقام.
إن الحوار بهذا المعنى يتعدى أن يكون من الكماليات التي تدعو لها النخب في الصالونات المكيفة، ولكنه أمل إنساني عميق في تجاوز الأزمة الإنسانية المعاصرة، وذلك أمل حقيقي وتاريخي يستلزم من أصحاب صالونات الحوار ومنتديات تقرير شؤون الإنسانية الانتباه إليه. إنه ذلك الحوار الإنساني الذي حمل -مثلا- مواطنين من دول مختلفة وانتماءات ثقافية ودينية وسياسية متنوعة للالتحاق بسكان غزة والتعاطف مع مأساتهم الإنسانية في شكل (قافلة عابرة للقارات). إنه حوار وجودي عابر للحدود والحواجز، إنه حوار بليغ لا شك يفرض ذاته على الساسة ومتخذي القرار من ذوي النوايا الحسنة بشكل أو بآخر، إن لم يكن اليوم فغدا.






