تكاد تكون بعض الأحاديث محفوظة عند الأمة كلها وذلك لعبارتها الوجيزة مع عمق معانيها. وهذا الذي يعرف بجوامع الكلم وهو مما أكرم الله نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي الحديث إن الله فضل نبيه بأمور وذكر منها جوامع الكلم.
بل نستطيع القول إن الله قد من بهذه النعمة على من يشاء من عباده بالجزء الذي يتناسب مع مقامهم عنده. وأعد من ذلك جواب عائشة رضي الله عنها حين سألها السائل عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن" ولك أن تفصل في شرح هذه العبارة ما شئت وستجد انها عبارة جامعة مستوعبة لأخلاقه صلى الله عليه وسلم .
وحين يكون الحديث طويلا شيئا ما وجدنا الأمة تختار من الحديث العبارة الجامعة فيه او الكلمة المفتاح مثل قول الناس:"إنما الأعمال بالنيات" دون استحضار لبقية الحديث :" وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " على أساس أن تتمة الحديث تتضمن مثالا وتقرر جزاء، أما القاعدة فمقررة في الجزء الأول منه.
لكن هذه الشهرة لا تكون مشروطة بالصحة دائما وهنا يأتي دور العلماء في التسديد والتجديد والتصحيح ومن أشهر الكتب في هذا الموضوع كتاب "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة 902 هـ.
ولعل من أشهر الأحاديث على الألسنة قوله صلى الله عليه وسلم :"من غشنا فليس منا" وقد ذكره السخاوي أيضا في أحاديثه المشتهرة برقم 1157 وهذا يدل على أن الشهرة قديمة تعود إلى ما قبل القرن العاشر.
وواضح في الحديث الاقتصار على التوجيه النبوي الكريم في النهي عن الغش دون استحضار السياق الذي قيل فيه الحديث فالعبرة بعموم لفظه وليست بخصوص سياقه . وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه بروايتين في الأولى" فليس منا" وفي رواية "فليس مني" وأخرج الحديث الترمذي وغيره عن أبي هريرة وتتمته " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة من طعام . فأدخل يده فيها ، فنالت أصابعه بللا . فقال : يا صاحب الطعام ما هذا ؟ قال : أصابته السماء ، يا رسول الله ! قال : أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ؟ ثم قال : من غش فليس منا"
وواضح ارتباط الحديث بالسوق وبالبيع والشراء وفيه بلا شك مساحة واسعة للغش ،لكن الأمر أوسع من السوق بل هو في كل الحياة أو قل في كل الأسواق: سوق الطعام، وسوق الأفكار،وسوق الوظيفة، وسوق القضاء، وسوق الإعلام ،وسوق التعليم... فكلها في نهاية الأمر أسواق فيها رابح وخاسر وفيها ناصح وغاش.
وقوله صلى الله عليه وسلم ردا على عذر المعتذر:" أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟" حث على المكاشفة والشفافية والوضوح عوض التدليس وإخفاء الحقائق والمعطيات. وهذا الأمر أيضا يشمل كل مجالات الحياة .
لكن الطريف هو الوعيد الذي يتوعد به النبي صلى الله عليه وسلم من يقع في الغش وهو قوله "ليس مني" وفي رواية " ليس منا" وقد قيل في معناه" ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا" وفي رواية " قيل يا رسول الله ما معنى قولك ليس منا فقال: ليس مثلنا" بمعنى ليس من الدين في شيء وأن أي محاولة لتبرير الغش فهي مردودة على صاحبها وعليه نقول إن الإسلام براء من كل غش ولو ألصق به بالتأويل كما قال ابن القيم في كلمته البليغة بأن الشريعة الإسلامية:" عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ; فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل "
ولكي لا يظن أحد ان الأمر متعلق بالأمة فقط كما يمكن ان توهمه عبارة "من غشنا" وإن كان هذا بلا شك مما ترد الأصول القطعية فقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ :" ليس منا من غش". فيصير الغش منهي عنه من غشنا او غش غيرنا، ولذلك آثرت هذه الصيغة لتكون هي العنوان.
السؤال الكبير الملح هو هل تكفي شهرة الحديث لمنع الناس من الغش ؟ لو سألت الناس عن لفظه لأكملوا الحديث بمجرد الشروع فيه، ولكن شتان بين حفظ لفظه وحفظ معناه وتلك هي القضية..






