تأبى النخب المغربية التي تدعي أنها حداثية وعلمانية إلا أن تغمض عينيها على الواقعين العربي والمغربي اللذان يتحولان بسرعة كبيرة يبدو أنها تتجاوز حدود تفكير هذه النخب التي تظل أسيرة أفكار ما قبل الربيع العربي مما يجعل فهمها لما حدث في المغرب منذ 20 فبراير إلى 09 مارس وليس انتهاء ب25 نونبر، فهما متأخرا يقرأ تحولات جذرية بآليات قديمة.
إن المتتبع للخطاب النقدي الذي ينتقد به الحداثيون والعلمانيون الأستاذ عبد الإله بنكيران كشخص وانتقاده بصفته رئيسا للحكومة وأمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، يقف بوضوح على العجز المزمن لدى هؤلاء عن فهم التحولات الجذرية في المغرب والتحديات الكبيرة التي يجب أن يعمل الجميع على كسب رهاناتها لإخراج المغرب من المصير المجهول وسط عواصف الربيع العربي التي تحولت في بعض الدول العربية إلى دماء تبقى قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي في أي لحظة حتى بعد انهيار النظام كما نتابع في ليبيا. لقد هيمن على خطاب هؤلاء البعد الإيديولوجي بشكله الحدي الذي يصور كل شيء مختلف حوله ويقلب ترتيب أولويات المغاربة وكأننا في العقود الأخيرة التي بنت فيها المعارضة اليسارية خطابها على الخلاف الإيديولوجي وطبيعة النظام قبل انخراطها في تحمل المسؤولية الحكومية في ظل الشروط نفسها التي كانت تعارضها.
1 نقد وجود امرأة واحدة في الحكومة، بمجرد الإعلان عن التشكيلة الحكومية الأولى في دستور الربيع العربي وجه الحداثيون والعلمانيون سهام نقدهم لما سموه حكم الإسلاميين الذي سجل على حد قولهم تراجعا خطيرا عن المكتسبات النسائية. وهم بهذا الخطاب يقفزون عن الحقيقة التي أصبحت المطلب الرئيس للشعب والتي يجب أن تصارح فيها هذه النخب ذاتها وخطابها. أولا إن حزب العدالة والتنمية الإسلامي هو جزء من الأغلبية التي تضم ثلاثة أحزاب واحد منها على رأس الأحزاب التقدمية وجميع المغاربة تابعوا الطريقة الديمقراطية الكبيرة التي اختار بها الحزب الإسلامي وزراءه مقابل الإشكالات الحقيقية التي واجهتها الأحزاب الثلاثة المكونة للأغلبية في اختيار وزرائها وتداعيات ذلك على انسجام هذه الأحزاب داخليا وخصوصا حزب الاستقلال.
مع العلم أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الأستاذ عبد الإله بنكران ليست له سلطة قانونية يفرضها على الأحزاب المعنية بالتحالف أثناء المشاورات في كيفية اختيار وزرائها. وان كل ما في استطاعته هو توجيهات وميثاق أخلاقي يلتمس من هذه الأحزاب مراعاة الكفاءة والنزاهة في الشخص وتمثيلية المرأة فلو قدم الحزب التقدمي امرأتين من منطلق المناصفة التي يزعم الحداثيون الدفاع عنها ولو على أساس الجنس ثم تقدم باقي الأحزاب امرأة واحدة بناءا على اتهامها بالمحافظة لكانت التمثيلية 5 نساء.
ثانيا ما تزال القوى الحداثية والعلمانية رهينة فكرة المساواة بمفهومها السطحي المرتكز على الأنوثة والذكورة انطلاقا من معيار جنسي صرف وليس بناء على الكفاءة والتخصص اللذين أصبحا مطلبا الشعب الرئيسين. ثالثا إننا نعيش تحولات عميقة أحدثت قطيعة معرفية مع عقليتين; عقلية النخب التي يمكن تصنيفها ضمن القوى المحافظة على اختلاف توجهاتها وعقلية الشباب الثائر المتحرر من عقد الماضي القريب، هذه التحولات التي أعادت للشعب سيادته وقراره الذي تجسد في صناديق الاقتراع التي أتت بالإسلاميين إلى السلطة.
ثم إن الأحزاب الإسلامية في تونس والمغرب ومصر هي التي قدمت اكبر عدد من النساء وفزن بثقة الناخب و ما على القوى الحداثية إلا احترام هذه الإرادة والكف عن استغباء الشعوب واتهامها بانعدام الوعي بل والسعي إلى تغيير هويتها وقيمها الإسلامية كشرط للقبول بالديمقراطية كآلية للتداول على السلطة وهذا ما يحاول العلمانيون أمثال احمد عصيد فعله من خلال نظريته الجديدة الغريبة لتفسير الديمقراطية يكون فيها الحق مع الأقلية على حساب قيم ومشاعر الأغلبية.
و كما ذهب إلى ذلك عضو لجنة صياغة الدستور محمد الطوزي عندما يقول بأن القوى الحداثية أدارت ظهرها للشعب المغربي. والحق أنها فعلا أدارته بسبب اختياراتها العلمانية المتطرفة التي جعلت الشعب ينفر منها ويحاسبها في الانتخابات في كل من تونس والمغرب ومصر.
وزراء السيادة: الفقاعة المنفوخ فيها ينتقد الحداثيون والعلمانيون رئيس الحكومة على اقتراحه وزراء غير منتمين للأحزاب في وزارات معينة ويضخمون من عددها بالمقارنة مع الحكومات السابقة ما بعد التناوب التوافقي سنة 1998 م مع العلم أن الأمر يتعلق بثلاث وزارات هي الفلاحة والأمانة العامة للحكومة والأوقاف وباقي الوزراء فهم منتدبون لدى وزراء سياسيين إما عند رئيس الحكومة أو عند وزيري الخارجية والداخلية والاهم من هذا أن لرئيس الحكومة دستوريا السلطة الكاملة على جميع الوزراء بما فيها سلطة الإقالة.
مع العلم أن حزب العدالة والتنمية وبالذات أمينه العام صرح غير ما مرة قبل الانتخابات وبعدها انه ينفتح على الشخصيات غير الحزبية لتولى حقائب وزارية كما صرح عشية بدء مفاوضات تشكيل الحكومة انه مستعد أن يمنح وزارة الفلاحة للوزير أخنوش شريطة خروجه من حزب التجمع الوطني للأحرار الذي اختار المعارضة مبكرا.
ثم إن الحداثيين والعلمانيين بخطابهم النقدي هذا غير الموضوعي يغمضون العين على واقع هم الطرف الكبير في صنعه وهو عملية خلق الشك والخوف وتوسيع الهوة بين الإسلاميين والملك ومحاولتهم شيطنة حزب العدالة والتنمية وترهيب الشعب منه عقب أحداث 16 ماي الأليمة وما تلاها من تراجعات خطيرة أعادت المغرب خطوات إلى الوراء.
وبدأ تنفيذ مخطط خبيث استهل بالهجوم على الحزب وفق قاعدة ما أسماه الأستاذ مصطفى الخلفي بثلاثية الإدماج والإضعاف والتهميش.
هذا المخطط الذي بدأت حلقته الثالثة باعتقال المناضل جامع المعتصم لولا قدر الله عندما هرب بنعلي مما ادخل رعبا في قلوب مهندسي المخطط باعتبار بنعلي القدوة التي أرادوا اتباعها. كل ذلك جرى بمساندة الحداثيين والعلمانيين إعلاميا أو بالصمت والتواطؤ ا الضمني وكلنا تابع كيف تحول ضجيج وخطابة القيادي الاشتراكي إدريس لشكر في البرلمان والبرامج التلفزية ضد مشروع حزب الأصالة والمعاصرة "البام" إلى صمت وخرس بعد تعيينه وزيرا في حكومة "عباس الفاسي".
فهل ينكر الحداثيون والعلمانيون وجزء كبير من اليساريين أنهم السبب وراء اقتراح الأستاذ بنكيران شخصيات غير حزبية للتغلب على أزمة الثقة بين الإسلاميين والمؤسسة الملكية التي صنعوها وعمقوها بحملة ممنهجة حملت حزب العدالة والتنمية المسؤولية المعنوية على أحداث دموية مأساوية جاءت لتفرمل عجلات المغرب بعدما شقه الطريق السيار للديمقراطية في انتخابات 2002 م لتأتي انتخابات 2007 م التي سجلت تراجعا كبيرا في الديمقراطية بتأسيس حزب اغلبي شكل ظاهرة غريبة في علم السياسة. هذه الأحداث التي لازال معتقلون أبرياء يؤدون ثمنها، تلتها محاولة تحويل المسؤولية المعنوية إلى مسؤولية مادية من خلال اعتقال المناضل العبادلة ماء العينين رفقة الخلية ا لإرهابية المزعومة.
3 وهم مسؤولية حزب العدالة والتنمية على برنامجه الانتخابي أمام المواطن: يصر الحداثيون والعلمانيون الذين ينتقدون التجربة الوليدة في مهدها على أن المغاربة إنما صوتوا على حزب العدالة والتنمية من اجل تطبيق برنامجه كاملا والوفاء بوعوده الانتخابية وبهذا يغمضون عيونهم على حقيقة أن البرنامج الانتخابي للحزب قدم للمواطن على أساس الحصول على أغلبية مريحة للحزب أي 51 % لكن الشعب لم يمنح الحزب سوى 27% من الأصوات وبالتالي فالمنطق يقول بأن المغاربة اختاروا حكومة تحالفات تتفق على برنامج حكومي مصدره برامج جميع الأحزاب المشاركة ما يعني تنازلات متبادلة للتوافق على برنامج موحد وهو ما يجب أن تحاسب عليه الحكومة وبالتالي الأحزاب المشكلة لها وليس حزب العدالة والتنمية وحده.
4 تعويم خطاب النخب وعدم نقد الذات وإغماض العين على أولويات الشعب: تنهج القوى الحداثية والعلمانية بخطابها النقدي هذا سياسة الهروب إلى الأمام والتهرب من نقد علمي واقعي للذات ومراجعة حقيقية للخطاب الحداثي العلماني الذي فشل في إقناع المواطنين سواء بالتصويت عليه أو حتى بالإقبال على صناديق الاقتراع ورفع نسبة المشاركة.
لقد آن الأوان لهذه القوى أن تراجع خطابها وأدوات اشتغالها التي أحدثت بينها وبين الشعب قطيعة وأصبحت معزولة تتحدث عن قضايا ليست من اهتمام فئات الشعب العريضة من قبيل المساواة المثلية والحريات الفردية والشذوذ وغيرها من القضايا التي لا تمت بصلة إلى هوية الشعب المغربي ومرجعيته الإسلامية. ويكفي آن تتابع جميع البرامج السياسية التي تقدمها القنوات الوطنية وخصوصا تلك التي تتفاعل مع المواطنين سواء عبر الريبورتاجات أو الشبكة الدولية للاتصالات أو الرسائل القصيرة لتقف على أولوية المواطنين المتمثلة في محاربة الفساد وتوفير فرص الشغل والتقليص من الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مؤسسات ديمقراطية تشعر الموطن بكرامته.
ولم يسجل أي إجماع لدى المواطنين على أن الأولوية لإشكالية تمثيلية المرأة في الحكومة أو لباس رئيس الحكومة وأناقته أو الحريات الفردية مما يشغل بال العلمانيين مثل العري و أكل رمضان أو شرب الخمر مع العلم أن احتجاجات المواطنين في إقليم سيدي قاسم هي التي أدت إلى إغلاق محل لبيع الخمور بأمر من الوكيل العام للملك.
فأولويات الشعب هي التي استجاب لها برنامج حزب العدالة والتنمية فتبوأ الرتبة الأولى وهي التي يجب أن تحضر قدر المستطاع في التصريح الحكومي والمتعلقة أساسا بالديمقراطية وبناء المؤسسات ومحاربة الفساد واقتصاد الريع وإصلاح الإعلام والقضاء والصحة والتعليم.
5 أخيرا وليس آخرا... إن هذا النقد غير الموضوعي والمتهافت الذي وصل حد انتقاد شخص رئيس الحكومة في لباسه وأناقته بل و مناداته باسم أمه يؤكد ما ذهبنا إليه من أن القوى الحداثية والعلمانية تعاني أزمة وعي حقيقية وتأخر خطير في فهم تحولات الواقع العربي والمغربي وتؤشر على نوع المعارضة التي ينتظرها الشعب. فالشعب المغربي لم يصوت على العدالة والتنمية فقط لأنه ذو خطاب واقعي يفهمه الشعب وليس شعبوي كما يحلوا للبعض تسميته, ولكن المغاربة صوتوا ـ وهذا هو الأهم ـ من اجل التغيير في ظل الاستقرار.
وعلى القوى الحداثية والعلمانية أن تدرك أن الأمر اليوم لا يتعلق بتمثيلية المرأة في الحكومة على أهميتها ولا بأكل رمضان في الشارع واستفزاز الأغلبية ولا بحق فردي في العري وشرب الخمر، وإنما بمستقبل المغرب واستقراره في ظل ما سماه "المفكر المقرئ الإدريسي أبو زيد" في حواره الأخير مع مجلة رهانات عدد 21 ب "المد العاتي".
فإما أن نلتف لإنجاح التجربة الجديدة التي جنبت لحد الآن المغرب خسائر تسونا مي الشباب وندخل نادي الدول الديمقراطية بتدرج وإما أن نفشل التجربة مع سبق الإصرار والترصد للشكليات وتعويم أولويات النخبة على أولويات الشعب فنذهب بالمغرب نحو المجهول.
هذا هو التحدي الذي يجب على القوى الحداثية والعلمانية فهمه..






