الأربعاء, 25 يناير/كانون ثان 2012 15:51

من رباط المغرب إلى نواكشوط المرابطين / منتصر الزيات

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

ذهبت الأسبوع الماضي إلى المغرب الشقيق ضمن وفد من المنتدى العالمي للوسطية ضم الإمام الصادق المهدي من السودان والإخوة مروان الفاعورى ومحمد الخطيب وأحمد نوفل من الأردن  لتقديم التباريك والتهاني إلى الإخوة فى العدالة والتنمية لفوز الحزب فى الانتخابات التشريعية الأخيرة وتكليف عبد الإله بنكيران  برئاسة الحكومة . استقبلني رئيس الحكومة بابتسامة عريضة  قائلا " نستقبلك الآن ونحن فى الحكم وكفيناك مئونة القدوم للدفاع عنا فى السجون والمعتقلات ..

كنت قد التقيته من قبل فى مناسبة علمية وأكاديمية فى العاصمة الأردنية عمان، توفرت لي قناعة وقتها أن الرجل يحمل هم الداعية الفقيه ، وكان قد جاء إلى قيادة حزب العدالة والتنمية خلفا للدكتور سعد الدين العثماني - الذي يشغل حاليا منصب وزير الخارجية – والأخير رجل سياسة ودبلوماسية حسبما وصفته دوائر إعلامية مؤخرا "فقيه الدبلوماسية "،

خشيت وقتها من تأثيرات زعامة "الداعية" لحزب سياسي ينطلق فى رؤاه السياسية من خلفية إسلامية وهو تحفظ كان فى محله إذ أخبرني بعض قيادات إسلامية أن كل المؤشرات كانت فى ذلك الوقت تشير إلى استمرار العثماني فى مكانه فى قيادة الحزب، لكن الانتخابات الداخلية آنذاك جاءت ببنكيران ليقود الحزب فى مرحلة حاسمة دقيقة من تاريخ المغرب وأيضا إثر ثورات الربيع العربي.

حقق بنكيران جماهيرية واسعة فى وقت وجيز بالمغرب يقف بسيارته فى الطريق العام ليصافح الشعب فى تلقائية،  يخرج مع أسرته ويتنقل فى تلقائية يبتاع ويشترى يحمل حفيدته ، عندما نزلت بعض القوى السياسية إلى الشارع احتجاجا ومطالبة بإصلاحات قد تقود إلى عنف وتخريب كان له موقف طالما أن الملك أجرى تعديلات دستورية كرست الملكية الدستورية وعززت فرص الحكومة وصلاحياتها فى الحكم ، نزل بنفسه إلى الشارع ليحاور المحتجين مما كان له فعل السحر فى نفوس الناس حتى المحتجين الذين تقلص عددهم كثيرا احترموه حتى لو اختلفوا معه، لأنه كان يتحدث بتلقائية وصدق بعيدا عن مناورات الساسة

يقول بعض إخوانه "وجدنا صعوبة كبيرة فى إقناعه بارتداء رابطة العنق!!"، يتمتع الرجل بكاريزما تسحر الجماهير التى سئمت نوعية الدبلوماسيين التقليديين وطريقتهم الرتيبة فى الكلام والتصرف وإمساك العصي من المنتصف.

كل ذلك كان مما رجح كفة بنكيران على العثماني لدى أعضاء الحزب فى انتخاباته الداخلية، لأنه يمثل مدرسة جديدة فى الدبلوماسية والحكم تحتاجها الشعوب الآن بدلا من تحسس الكلمات والمواقف

يعد سعد الدين العثماني دبلوماسيا حتى قبل أن يشغل وزارة الخارجية، صحيح أنه يؤسلم الدبلوماسية ويشرعن الديمقراطية، يتواصل معها ولا يتقاطع إلا فيما يتعارض مع الشريعة، يؤمن بالاجتهاد فى المسائل التى يجوز فيها .

لم يحزن العثماني من اختيارات أعضاء حزبه أو يتمرد – هكذا أخبرني رفاقه فى الحزب والحكم – قال الحمد لله أن أراحني إخواني!! ومضى يعمل على نفس الوتيرة فى خدمة الحزب والحركة والوطن حتى جاءت نتائج الانتخابات بفوز الحزب وترأس الدبلوماسية المغربية وزيرا للخارجية، وتجمع التجربة الآن بين الداعية بنكيران رئيسا للحكومة والدبلوماسي الفقيه العثماني وزيرا للخارجية ويشغل صديقي المحامي النابه مصطفى الرميد منصب وزير العدل أو السيادة كما يسمونها هناك.

كانت هذه زيارتي الثانية للمغرب كازابلانكا، لكن الرباط سحرتني ببهائها وجمالها ونظافتها وانضباط شعبها، ورغم أن القصد والنية فى توقفنا بالدار البيضاء لتقديم التهنئة للحكام الجدد أصدقاء الأمس ، إلا أننا التقينا دوائر شعبية أيضا عبر ندوة نظمها سريعا محمد طلابي رئيس المنتدى المغربي للوسطية، الذي انضم لوفدنا وحملنا متاعنا من الرباط إلى نواكشوط المرابطين فى موريتانيا، وصلناها بعد منتصف الليل فلما نزلنا من الطائرة لم نجد أتوبيسا أو راحلة تُقلنا ولكن ترجلنا على أقدامنا إلى صالة الوصول.

الحقيقة شعرت بمرارة وحزن وأسى كمواطن عربي مسلم وأنا أُطالع شوارع  مدينة نواكشوط تلك المدينة العريقة بلد الثوار والشعراء والعلماء، هو نفس الشعور الذي شعرته فى زيارتي الأولى للخرطوم قبل سنوات قليلة، لا أعرف على وجه التحديد أسباب انصراف العرب عن هذه البلدان العزيزة على قلوبنا ؟ أين أثرياؤنا العرب الذين يستثمرون أموالهم فى الغرب وأمريكا؟ أين أثرياءنا الذين يتبرعون بفائض أموالهم لفرق كرة قدم أوربية أو لتبنى رعاية حيوانات فى باريس أو غيرها من العواصم الغربية؟ لم نفرط فى بلادنا وأهلنا وشعبنا العربي الذي يعانى فى موريتانيا وغيرها

كانت مصر حاضرة أفريقيا، ويُذكر لجمال عبد الناصر دوره فى مساعدة حركات التحرر الأفريقية، لكن مصر غابت فى عهد مبارك وانسحبت أفريقيا، ودخلت اسرائيل وسيطرت فى الجنوب السودانى واثيوبيا وحاصرتنا فى مصب النيل، ولو استمر إهمالنا لموريتانيا لا ندرى ما الذى يمكن أن يحدث؟ رغم صمود أهلها وحبهم للإسلام .

فى موريتانيا عرب وأفارقة وسود، لم يزل الأمر هناك ينعقد لأهل الدين لكن التركيبة يمكن أن تنفجر لو لم يسارع العرب والمسلمين بالتقدم وتقديم الدعم للشعب الموريتاني المسلم  وهنا تفصيل نعود إليه حتما لاحقا

وجدنا شعبا طيبا كريما مضيافا ، محب لإسلامه وعروبته , صابر على الفقر، وجدنا شوارع تكاد تخلو من الناس ،  بيوت تقليدية لا يرتفع البناء فوق ثلاثة طوابق على أقصى تقدير،  بنية تحتية فقيرة حتى الطرق ترابية فى عمومها فقط الطرق الرئيسية هى التى تم تمهيدها رصفا

التقيت فى قاعة المؤتمرات الكبرى بسفير مصر هناك الدكتور يوسف أحمد الشرقاوي سألته ما الذى أحضرك هنا ؟ أجابنى برحابة صدر لا أترك محاضرة ولا مجلس علم وتجمع إلا ترددت عليه وأجتهد فى ترتيب زيارة لشيخ الأزهر  هالني ما رأيته من الرجل علما وثقافة ومعرفة وانخراط فى المجتمع الموريتاني كفاءات كان يقتلها نظام حسنى مبارك وينفيها بينما يقدم فى العواصم الكبرى أهل الثقة والواسطة.



التعليقات