الثلاثاء, 22 نونبر/تشرين ثان 2011 10:08

هل تحكم الإقتصاد بموقف الكنيسة السويسرية تجاه العنصرية؟

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

وِفقاً للتقرير الذي حمَـل عنوان "الكنيسة الكاثوليكية في سويسرا وموقفها تُـجاه نظام الفصل العُـنصري في جمهورية جنوب إفريقيا 1970 1990-، فقد ساد الكنيسة الكاثوليكية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، موقف حَذر و مُتَرَدِّد تُـجاه قضية "الميز العنصري في جنوب إفريقيا".

وجاء في التقرير أيضا، أن ردّة فعل سلطات الكنسية تُـجاه مُطالبتها بالتزام أشدّ حَيال نظام الفصل العنصري، غالبا ما اتسمت بالتحاشي والتلكُّـؤ. وقد صدرت هذه الدِّراسة بِتَكليف من اللجنة الوطنية السويسرية للعَدل والسلام، التابعة لمؤتمر الأساقفة السويسريين  (SBK).


وفي مقابلة مع سويس أنفو، قال المؤرِّخ برونو سوليفا، الذي شارك في إعداد هذه الدراسة: "لقد عكس موقِـف قيادة الكنيسة وَضع المجتمع السويسري في ذلك الوقت". وحينئِذٍ، كانت للكنيسة الكاثوليكية جُـذور راسخة في الأوساط المحافظة، وعلى الأخص قيادة الكنيسة التي كانت مُرتبِـطة بالطبقة الوسطى والتي قامت بِدَعْم مصالِـحها عن غيْـر قَصدٍ أحياناً.


بالإضافة إلى ذلك، وفي عام 1980، حدَث هناك توجّـه جديد في الكنيسة الكاثوليكية نحو المزيد من المحافظة، وهو ما كان "يعود أيضاً إلى البابا البولندي يوحنا بولس الثاني"، حَسب المؤرخ سوليفا، الذي أضاف أن "هذا التوجُّـه أدّى إلى تعزيز موقِـف الدوائر التي كانت تخشى حدوث انقلاب شيوعي في جمهورية جنوب إفريقيا".


وعند تقديم التقرير في شهر شتنبر 2011، أشار الأب مارتين فيرلين، مُتَحَدِّثاً باسم مؤتمر الأساقفة السويسريين، إلى أنه "من المؤسف اليوم أن نرى بأنَّ قيادة الكنيسة السويسرية لم تتصرّف بقوة وشجاعة أكثر تُـجاه نظام الفصل العنصري". كذلك، فقد تأثَّـرت الكنيسة الكاثوليكية السويسرية بنظيرتها في جنوب إفريقيا والتي لم تَتَّـخِذ بدَوْرها موقفاً واضحاً حِـيال استخدام العقوبات كأداة ضدّ نظام الفصل العنصري.

حَذَرٌ من جانب الحزب الديمقراطي المسيحي

في سياق متصل، كان للحزب الديمقراطي المسيحي دوْر كابح في موضوع الميْـز العنصري، حيث رفض اتخاذ تدابيرَ لِمقاطعة نظام جمهورية جنوب إفريقيا. ووِفقا لسولفيا، فإنَّه من الصعب إثبات فيما إذا كان للحزب تأثير على قيادة الكنيسة، حيث تَقِلّ المصادر المكتوبة حول هذا الموضوع عن إفادات الشهود الشفوية.

ونقلاً عن سولفيا، "كانت هناك اجتماعات بين الكنيسة والحزب الديمقراطي المسيحي، ولكن الحديث نادراً ما تطرَّق إلى موضوع جنوب إفريقيا. ولم تهتم أحزاب الوسط في سويسرا بمسألة الفصل العنصري، إلّا بشكلٍ هامشي. ولكن هذا الموضوع كان من جهة مَثار اهتمام الاشتراكيين الديمقراطيين المؤيِّـدين لِفَرض عقوبات على هذا النظام، كما كان من جهة أخرى، محل اهتمام الجناح اليميني للحزب الليبرالي الراديكالي، بالإضافة إلى حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي)، اللذان عارضا هذه العقوبات".


وكثيراً ما كان نواب من الحزب الديمقراطي المسيحي مُمَثَّـلين في مجالس إدارات المصارف الكبيرة أو المتوسطة الحجْـم. كما تواجد عددٌ من الساسة المُنتمين إلى هذا الحِزب في إدارات المصارف أيضاً، "وإن كان هناك في المقام الأول أعضاء من الحزب الليبرالي الراديكالي"، حسب المؤرخ سولفيا.

تأثير القطاع الاقتصادي

ويُبيِّـن سولفيا كذلك، بأنَّ اهتمام الأساقفة بالمسائل الاقتصادية، كان أمراً نادراً، ولكنهم كانوا من جهة أخرى، متأثرين بِمُمَثلي قطاع الاقتصاد والأعمال أو بالمسؤولين الحكوميين العاملين في مجال الاقتصاد. وكما يقول المؤرِّخ: "كان بإمكان مُمَثلي قطاع الاقتصاد، مُمارسة نفوذهم على الكنيسة الكاثوليكية بشكلٍ خاص، عندما كانوا يُحَذِّرون من قيام إنقلاب شيوعي في جنوب إفريقيا".

ولكن من المرجّـح أن تأثير البنوك ومُمَثلي قطاع الأعمال، كان أكثر على الكنيسة البروتستانتية منه على الكنيسة الكاثوليكية، وهذا مُرتبط، حَسب سوليفا، مع حقيقة "انتماء رجال الأعمال والمصرفيين في ذلك الوقت، إلى الكنيسة البروتستانتية".


واستناداً إلى عقيدتها الاجتماعية، كان على الكنيسة الكاثوليكية في الواقع أن ترَفُـض الليبرالية الجديدة. مع ذلك، كان هناك نوْع من عدم الثقة تُـجاه دوائر الأعمال في كِـلتا الكنيستيْـن، ولكنهما لم ترغَـبا بإفساد العلاقات معها بشكلٍ كلّي".


وبالمقارنة مع الجمعيات الكنسية الخيرية، مثل "حركة الصوم" (التابعة للكنيسة الكاثوليكية) وجمعية "الخبز للجميع" (التابعة للكنيسة البروتستانتية والمُسمّاة حينئِذٍ "الخبز للأشقاء")، فقد خضعت الكنيسة لضغوط أقلّ من جانب مُمَثلي الاقتصاد والدوائر اليمينية المحافِظة، وِفقاً لِسولفيا.

بيئة معادية للشيوعية

لا بد من التذكير بأن موضوع الميْـز العنصري في جنوب إفريقيا قد نوقش في بيئة دولية مُعادية للشيوعية. وفي نفس الوقت، كانت هناك مُعاداة "فلسفِـية" أقدم للشيوعية استمرّت الكنيسة الكاثوليكية بالمحافظة عليها. كما لم تثق قيادة الكنيسة بحركة "لاهوت التحرير"، التي ظهرت في صفوف الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية (والتي كانت تُـطالب بتطبيق الإيمان المسيحي من خلال مساعدة الفقراء والدفاع عن المظلومين، وتفسر تعاليم يَـسوع المسيح بالتحرّر من الظروف الاقتصادية والسياسية والإجتماعية الظالمة، حيث اشتبهت بِتَسَلُّلها من قِبَل الإشتراكية.

كما انحنت الكنيسة أيضاً إلى انتقادات جماعات اليمين المحافظ، وهو ما يعلَّق عليه سولفيا بالقول: "هنا كان ردّ فعل الكنيسة متناقِـضاً: ذلك أنها آمنت دائما بضرورة الدفاع عن حقوق الإنسان، ولكن عندما كان الأمر يصِـل الى اتخاذ خطوة علنِـية جريئة ودَعم قرار فرض عقوبات اقتصادية ضد نظام الميْـز العنصري مثلاً، فإنَّها كانت تخشى حدوث نزاعات".

دور حاسم للقاعدة الشعبية

وحَسب المؤرخ سولفيا، كانت قيادة الكنيسة الكاثوليكية مُثْـقلة بالأعباء. وكما يقول: "كانت الكنيسة راغبة بِتَجَنّب هذه الصراعات، ولذا، فإنَّها لم تفعل شيئاً في أغلب الأحيان أو أنها لم تفعل سوى القليل". وكان لجماعات ذات قاعدة كنسية، مثل "الشبيبة الطلابية المسيحية" (JEC) وفريق عمل القاهرة، التابع لحركة التضامن والتحرير اللاهوتية، دور حاسم في أن يُـصبح الميْـز العنصري مع ذلك، مسألة مهمة في الأوساط الكنسية".

ويؤكد المؤلف المشارك لتقرير اللجنة الوطنية السويسرية للعدل والسلام بأن المزيد من الالتزام والحَسْم من جانب قيادة الكنيسة الكاثوليكية السويسرية، في التزامها بكرامة الإنسان وحقوق جميع المواطنين في جنوب إفريقيا في الماضي، كان سَيخدم مِـصداقية قيادة الكنيسة الكاثوليكية في هذه القضايا.


وخلُـصَت الدراسة إلى نتائج، مفادُها أنه "كان من الأفضل لو أن قيادة الكنيسة أوْلَـت المزيد من الاهتمام لأصوات القاعدة الشعبية العاملة ولأعضاء الجمعيات التبشيرية من ذوي الخِـبرة في وقت سابق وبشكل أكثر جدية". كذلك، "فإن قضايا حقوق الإنسان تتجاوَز الانقسامات النمطية لليسار واليمين السياسي، كما تخاطر الإعتبارات الوقتية بِتجاوُزها من قِـبَل التاريخ".

جون ميشال بيرتو-  سويس أنفو

الصورة: متظاهرون يحتجّون في شوارع جوهانسبرغ بعد وقت قصير من مجزرة شاربفيل، التي حدثت يوم 21 مارس 1960م، والتي قَتَل فيها شرطة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا 69 شخصاً من الأفارقة السود .

أخر تعديل في الثلاثاء, 22 نونبر/تشرين ثان 2011 11:13

التعليقات