الثلاثاء, 22 نونبر/تشرين ثان 2011 11:11

كاثوليكيون وإنجيليون يحلمون باكتساح أفريقيا

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)


للمرة الثانية، منذ اختيار بنديكت السادس عشر على رأس الكنيسة الكاثوليكية، يقوم الرجل بزيارة للقارة الأفريقية. تلك علامة على أهمية القارة السمراء في أعين قائد الكاثوليكيين عبر العالم كله. إنها الرئة الروحية الضخمة التي تنعش الكاثوليكية التي تجد صعوبة في التنفس داخل قارتها العتيقة أوروبا، والأفارقة الذين يبلغ نصفهم أقل من 25 سنة يمثلون "الأمل الأكبر" للفاتيكان.

في الزيارة الاولى اطلع البابا على أحوال الكنيسة الكاثوليكية الأفريقية، ثم بدأ الإعداد لوثيقة ترسم خارطة الطريق للعمل الديني المسيحي الكاثوليكي بالقارة كلها يشمل البيت الداخلي والإشعاع الخارجي معا.

وعلاوة على الزيارات والاحتفالات الدينية التي ترأسها، واجتماعات العمل لحل المشاكل وإصلاح ذات البين بين النخب الدينية، كانت وثيقة "التزام أفريقيا"، أو الخطة الفاتيكانية لإحياء وتقوية الكنيسة الكاثوليكية بالقارة السمراء هي أهم شيء قدمه البابا لأساقفة أفريقيا.

وتتحرك القيادة الكاثوليكية العالمية بناء على تشخيصها للواقع الديني الأفريقي، خاصة التنافس الشديد بين الإنجيلية والكاثوليكية والإسلام. وكان الإنجيليون قد عقدوا مؤتمرهم العالمي حول وثيقة لوزان لأنجلة العالم بالقارة الأفريقية، في حين أن الإسلام يتقدم وحده دون تنظيم دولي يرعاه، إلا العناية الربانية، وأنعم بها من عناية.

خطة كاثوليكية

 "التزام أفريقيا" -حسب الموقع العربي لإذاعة الفاتيكان- هو المستند الجديد الذي صاغه البابا بندكتس السادس عشر مرتكزا إلى المقترحات النهائيّة السبعة والخمسين الصادرة عن السينودس الخاص بأفريقيا الذي انعقد في شهر تشرين الأوّل أكتوبر من العام 2009 وتمحور حول موضوع المصالحة والعدالة والسّلام.

ويتألّف المستند البابوي من قسمين: في القسم الأول، يتفحّص الهيكليّات الأساسيّة للرسالة الكنسيّة في القارّة الأفريقيّة، والهادفة لبلوغ المصالحة والعدالة والسّلام في ضوء البشارة بالإنجيل؛

في القسم الثاني، يتمّ تحديد حقول العمل الرسولي في الكنيسة، وبنوع خاص في قطاعات التربية، الصحّة ووسائل الاتصالات الاجتماعية.
 
وتركز وثيقة العمل قبل كلّ شيء على "التعليم المسيحي"، ليس بالتلقين فقط، إنّما بعيشه على المستوى الشخصي والعائلي والاجتماعي".
ومن أولويات العمل أيضا الاهتمام بالعائلة والنساء والأطفال والحياة.
ولم تغفل الوثيقة المجال السياسي، فشددت على "حاجة القارّة الأفريقيّة لحكم صالح للدول يُترجم باحترام الدساتير، والانتخابات الحرّة، واستقلاليّة الأنظمة القضائيّة، والشفافية الإداريّة البعيدة عن تجربة الفساد".
وتناولت الوثيقة مجال النشاط الديني فحرضت على توحيد المسيحية لتجنب الشك، ونبذ البدع والتقاليد "التي تجتذب المسؤولين السياسيّين ومؤمني الرعايا على السواء".
وحضر الإسلام بقوة في الوثيقة الكاثوليكية الرسمية، فدعت "إلى الحوار مع المسلمين  إذ يؤكّد البابا على أهميّة المثابرة في احترام المسلمين، الذين يعبدون الإله الواحد كالمسيحيّين، ويُشدّد على الاستعداد الدائم للحوار ضمن احترام الضمير والحريّة الدينيّة".
وحددت أيضا مجالات العمل لكل من الأساقفة والكهنة والإكليريكيين والعلمانيين والشمامسة والمكرّسين وأساتذة التعليم المسيحي والمدارس والجامعات والمؤسسات الكاثوليكية والمؤسسات الصحية الكاثوليكية ووسائل الإعلام، دون أن تنسى "أهمية الكرازة"، أي "حمل البشرى السارة للأشخاص الذين لم يعرفوها بعد، و كبشارة جديدة للذين لا يعيشون حياتهم المسيحية حتى خارج البلاد الأفريقية".
 وجميع تلك الأعمال والمجالات والمقترحات "لتكون الكنيسة الأفريقية "إحدى الرئتين الروحية للبشرية".

خطة الإنجيليين

وكان المسيحيون الإنجيليون قد عقدوا مؤتمرهم العالمي الكبير  في كاب تاون عاصمة جنوب أفريقيا بين 17 و24 أكتوبر 2010، وعبروا مخاوف وانشغالات عميقة حول دينهم ودعوتهم. وناقش 4200 مؤتمر مثلوا 198  بلدا عدة قضايا، وتنادوا أن يجعلوا من القرن الواحد والعشرين قرن الإنجيل دون منازع في العالم كله. 

واستعرض المؤتمر الإنجيلي العالمي العقبات التي تعوق انتشار كلمة المسيح في العالم. ومثلهم مثل الكاثوليكيين، أكدوا أن "العولمة والعلمنة" هما أبرز العقبات الخارجية أمام البشارة. وحسب أوس غينيس، أحد أبرز وجوه الإنجيلية الأميركية، فإن العولمة تهديد وفرصة في الوقت نفسه، إذ لم يسبق للأمة المسيحية أن وجدت نفسها في وضع كوضعها الحالي، فهي تدرك أن "الإنجيل كله، للعالم كله، بالكنيسة كلها" أمر قريب، ولكنه صعب في الوقت نفسه. وحدد غينيس حوالي عشرين عنصرا مرتبطا بتحولات العالم يجب دراستها، منها معنى الزمان والمكان، ومعنى الواقع، والعالم الافتراضي والعالم الخيالي، وقيمة العمل، والهجرات والسياحة الجنسية.
 
وتشهد القارة السمراء صعودا كبيرا للإنجيلية، خاصة بالبلدان الناطقة بالأنجليزية الواقعة في وسط وجنوب القارة. وقدم فرانسوا-جورج دريفوس، أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة باريس 6 -السوربون- والمدير السابق لمعهد الدراسات السياسية بستراسبورغ، خريطة للإنجيليين في البلدان الأفريقية بالمجلة المتخصصة "الجيوسراتيجيات" أكتوبر 2009. وحسب دراسته، فإن أتباع الكنائس الإنجيلية يصل إلى 30 بالمئة من السكان في غانا، و20 بالمئة في أنغولا وزامبيا.

حلم الاكتساح

 اكتساح أفريقيا ليس حلما خاصا بالإنجيليين، ولكن الكاثوليكيين لا يألون جهدا في ذلك أيضا. فيوم الأربعاء 20 أكتوبر، وأثناء انعقاد مؤتمر الإنجيليين، عين زعيم الكنيسة الكاثوليكية بنديكت السادس عشر أربعة كرادلة جدد يمثلون القارة السمراء، لينضافوا إلى ثمانية آخرين، وبذلك يصبح عدد الرهبان الأفارقة الناخبين بمجلس الكرادلة المخول له انتخاب خليفة البابا، هو 12 فردا. يذكر أن البابا عين 20 قسا جديدا في أعلى هيئة انتخابية بالفاتيكان، ليصبح مجموع الناخبين 121 ناخبا.

وفي كلمة التنصيب، أشار البابا إلى الطابع العالمي للكنيسة التي تسعى لتشريف قارة تصل نسبة الكاثوليك فيها إلى 14 بالمئة، معتبرا أن تعيين كرادلة أفارقة هو اعتراف بالحيوية الدينية للكاثوليكيين في هذه القارة.

وحسب الإحصائيات الأخيرة التي نشرها الفاتيكان في أبريل 2010، انتقل عدد الكاثوليك المعمدين في العالم من 1045 مليون عام 2000 إلى 1166 مليون عام 2008، أي بارتفاع بغلت نسبته 11.54 بالمئة. نسبة أفريقيا منها هي 33.02 بالمئة، أي 30 ضعفا لأوروبا، وثلاثة أضعاف أوقيانوسيا وأميركا، وضعفي آسيا.
أما عدد القساوسة فقد تضاعف عددهم أيضا بطريقة مدهشة، إذ وصلت النسبة في أفريقيا إلى 33.1 بالمئة، مقابل 1 بالمئة لمجموع العالم الكاثوليكي. لكن هذا الإنجاز لا يجد مكافأته المناسبة له، ويشعر الأفارقة بالغبن وهم ينظرون الأوروبيين، وخاصة الإيطاليين، يستحوذون على المناصب الناخبة، ويتكون المجلس الانتخابي الأعلى بالفاتيكان من 62 أوروبيا، منهم 25 إيطاليا.

تفرق وتشيع

وبناء على هذه المعطيات، فيبدو أن الحركات المسيحية المتهافتة على أفريقيا وآسيا، تحمل في طياتها بذور ضعفها، فهي ليست على أمر واحد في العقائد والممارسات، ويصل التناقض بين طوائفها ونحلها إلى أقصى درجة. ومن السنن الربانية الماضية في التدين أن "التفرق في الدين" و"التشيع فيه" منذر بالهزيمة والانحدار. ففي المؤتمر الأخير انتقد بعضهم بعضا، و"لعن" بعضهم بعضا، وقرعت أجراس النذر من تدين غوغائي سطحي لا عمق فيه، ومن رهبان يريدون أن يصبحوا أربابا، وأتباع ضاعت كرامتهم بسبب الفقر والمتربة، فصدقوا الأماني والأوهام، وربما تراجعوا بسرعة حين يمسكون بالسراب، كما أقبلوا بسرعة بغية الوصول إلى السحاب.

الحسن سرات

أخر تعديل في الثلاثاء, 22 نونبر/تشرين ثان 2011 11:14

التعليقات