تحول تاريخي دشنته الانتفاضات العربية بطرد أنظمة الفساد والاستبداد واختيار التيارات الدينية لقيادة العصر الجديد. في تونس وليبيا ومصر ثم المغرب اختارت الشعوب أن يكون الإسلاميون هم رجال المرحلة الجديدة، مع تميز خاص للمغرب حيث دشن الملك ثورة جديدة أشرك فيها الشعب المغربي الراغب في تغيير نموذجي خال من الدماء والفوضى. هي عناية ربانية وحكمة ملكية وحركة إسلامية صابرة متبصرة.وكم كان القدر حاضرا في التحولات الجارية، فالدين الإسلامي المبشر بعودته في الكتاب والسنة ليس وحده العائد إلى قلب التدافع السياسي، ولكن المسيحية أيضا عادت لتتربع على كراسي الحكم والتدبير شمال البحر المتوسط في استجابة تاريخية مذهلة.
حدث ذلك في إيطاليا ثم في إسبانيا.في إسبانيا عاد الحزب الشعبي المعروف بتحالفه الواضح مع الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية القوية عن طريق زعيمه الجديد ماريانو راخوي الذي لا يخفي علاقته بالدين المسيحي وملته الكاثوليكية. تصريحاته وسيرته تظهر ذلك. قال الرجل "أنا كاثوليكي إسباني ولدت في سانت جاك دي كومبوستيل منذ 56 عاما". راخوي الذي سيتسلم دفة الحكم يوم 22 دجنبر 2011 تلقى تربية دينية كاثوليكية تقليدية، ومعروف بمعارضته القوية لليبيرالية والإجهاض وزواج الشاذين جنسيا، وهو يدرك أن الكنيسة تدعمه وتقف إلى جانبه. وعشية الانتخابات الإسبانية الأخيرة التي أعادت الحزب الشعبي للحكم، وجهت اللجنة البابوية توجيها للناخبين لاختيار الجهة التي ستحافظ على حق الحياة، وذهب رئيس الكنيسة بالعاصمة مدريد إلى إعلان دعمه الواضح وتخصيص الصلوات والأدعية لانتصار راخوي والذين معه.الانتصار الانتخابي السياسي لليمين الديني الإسباني سبقه انتصار ديني واضح تجلى في نجاح الأيام العالمية للشباب المنظمة في مدريد شهر غشت الماضي، وكان الربيع العربي قد أعلن حضوره فيها وفي النظر الاستراتيجي للكنيسة الكاثوليكية، وربما كان عاملا حاسما في اختيار الناخبين الإسبان. لذلك لم يحصل الحزب الشعبي أبدا على اليد المبسوطة في الحكم مثل ما حدث اليوم، إذ له الأغلبية المطلقة في غرفتي البرلمان وسيطرة عريضة في البلديات والمجالس المحلية بتحكمه في 3811 مدينة إسبانية و11 جهة ذات حكم ذاتي.
وفي إيطاليا عادت الكاثوليكية من الباب الخلفي عقب سقوط برلسكوني في بلاد المافيات الخفية. فرئيس الحكومة الجديد ماريو مونتي له علاقة وثيقة جدا بالبابا زعيم الفاتيكان والكرسي الرسولي وما أن عين في منصبه الجديد حتى تلقى مكالمة هاتفية على هاتفه الشخصي، وقدم له سكرتير الفاتيكان البابا ليقدم التهنئة شخصيا مع بعض الوصايا والتوجيهات السياسية.وعشية 13 نونبر 2011 حرصت الكاميرات على تصوير الرئيس المقبل لمجلس الشيوخ الإيطالي وهو يلج باب كنيسة سانت إيف دو لاساجيس على بعد خطوتين من المجلس. ومعروف عن الرجل حرصه الشديد على الذهاب إلى الكنيسة كل أحد لحضور القداس الأسبوعي رفقة زوجته. التوجه الكاثوليكي واضح أيضا في معظم المسؤولين والوزراء الذين اختارهم الرئيس الجديد. من بين 18 وزيرا، يحظى أكثر من نصف الوزراء بالثقة الكاملة للفاتيكان. وزير التعاون ومؤسس منظمة سانت إيجيدو أندريه ريكاردي قريب جدا من البابا. وزير الثقافة لورينزو أورناغي عميد الجامعة الكاثوليكية ساكري كور بميلانو ونائب رئيس صحيفة الرهبان الإيطاليين. وزير العلاقات مع البرلمان بييرو جياردا بروفيسور بالجامعة نفسها. يمكن الحديث أيضا عن كورادو باسيرا وزير التنمية والنقل، وفرانسيسكو بروفومو وزير التربية وباولا سيفيرينو وزير العدل وريناتو بالدوزي وزير الصحة وبييرو غنودي وزير السياحة والرياضة. جميعهم يعلنون علاقاتهم بالكنيسة وضرورة تأثير قيمها.رئيس المجلس ماريو مونتي -الذي تلقبه الصحافة بالكاردينال- حرص في تقديم تصريحه الحكومي على الحديث عن قيمة الأسرة والدعوة إلى تكثير النسل وهي القضايا الأثيرة عند الكنيسة الكاثوليكية. بل إن مشروعا ضخما لمكافحة المافيا عبر "المدرسة العليا لمكافحة الجريمة" الذي تبناه وزيرة الداخلية آنا ماريا كانسيلييري سيتحول إلى معهد دولي يحظى بتمويل ضخم ومقره الدائم بالجامعة الكاثوليكية ساكري كور.أما "ماريو" الثاني فهو ماريو دراغي المحافظ السابق لبنك إيطاليا الذي سيعوض جان كلود تريشيه في رئاسة البنك المركزي الأوروبي. تابع الرجل دراسته الابتدائية والثانوية عند اليعاقبة وتزوج بالأرستقراطية ماريا سيرينيلا كابيلو المنتمية لأسرة كاثوليكية أعطت كثيرا من الأساقفة والضباط بالجيش الإيطالي.
فهل انتصرت الكنيسة على المافيا في إيطاليا. الجواب يوجد ضمن كتاب يفصل الحياة السياسية الإيطالية تفصيلا وخاصة علاقة السياسيين المركزيين مثل بيرلوسكوني أو المحليين، وهو كتاب "لماذا انتصرت المافيا" للمؤلف نيكولا ترانفاليا- أكتوبر 2010 ، فعلى المؤلف أن يكتب من جديد "لماذا انتصرت الكنيسة".
عودة الكنيسة للحكم المباشر أو غير المباشر له تجليات أخرى في مجموع التراب الأوروبي، بمساعدة رياح الأزمة المالية والاجتماعية والتخويف من الحضور الإسلامي بقلب القارة العتيقة التي تعتبر نفسها مهد النصرانية. فإلى أين تسير الأمور.. إلى تفاهم وتعايش أم إلى مواجهة ساخنة.. يبدو أن الأيام القادمة حبلى بالتقلبات.
الحسن سرات






