مرحلة المراهقة وتغير المعتقدات:
(إن مرحلة المراهقة هي فترة تحول ونمو في نواحي النفس والجسد والعقل والروح, وقد عرفنا أن علم النفس الحديث ينكر تمامًا أن تكون مرحلة المراهقة مرحلة مصحوبة بمظاهر سلوكية تدل على الانحراف أو سوء التوافق، بل يرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذه المظاهر ما هي إلا حالات عارضة، وكل عجز عن التكيف أو اضطراب في السلوك إنما يأتي نتيجة عوامل إحباط يتعرض لها الإنسان في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع، وعوامل الإحباط هذه قد تدعو المراهِقة إلى العناد والسلبية، وعدم الاستقرار، وما دامت هذه المرحلة هي مرحلة نمو طبيعية، لها خصائصها وطبيعتها، ولها سماتها المميزة، فإن التربية البناءة أمر ضروري تقع مسئوليته على الآباء والمربين عمومًا, وعلى المربين أن يساعدوا المراهق على إشباع حاجاته إلى الدين والعبادة...) [تربية المراهق في رحاب الإسلام, محمد حامد الناصر، خولة درويش، ص(77) باختصار].
أهمية التربية الدينية:
التربية الدينية هي الأساس الذي ينطلق منه المسلم، باعتبار أن المخلوق مكلف في أداء العبادة، ويتوجه إلى خالقه بالفطرة.
(فإن حاجة الإنسان إلى عبادة الله أمر فطري، وهو ما يحسه الإنسان على وجه الخصوص في حالة الشعور بالذنب أو في حالة الشدة والخطر، فيتوجه إلى طاعة خالقه لفك كربته وحل أزمته (وقد وصف الله حال الكفار عند الشدة بأنهم يتوجهون إليه وحده ويجأرون بالدعاء، قال تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63].
كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الطفل يولد على الفطرة، أي على عقيدة التوحيد والميل إليها، وتتوجه نفسه إلى بارئها وموجدها من العدم، لا تشرك به، ولا تعبد سواه, لكن البيئة التي يُربَّى فيها ـ أصل النفس ـ هي التي تصرف الوليد يمنة أو يسرة عن أصل الفطرة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)[متفق عليه]). [المراهقون، د/عبد العزيز النغيمشي، ص39 باختصار]
نفحات الخير:
واعلم أخي الشاب أن من علامات محبة الله لعباده ورحمته بهم، توالي مواسم الخيرات على المسلمين تترًا، يبدءون عامهم بيوم عاشوراء فيغفر الله لهم ذنوب العام المنصرم كما أخبر بذلك الحبيب صلى الله عليه وسلم: (... وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) [رواه مسلم].
ثم يأتي موسم الخيرات العظيم، شهر اليمن والبركات والرحمات، شهر رمضان، فتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب الجحيم، وتكتب أسماء المعتوقين عند رب العالمين، يقول الحبيب الأمين صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان؛ صُفدت الشياطين ومردة الجن، وغُلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشـر أقصـر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) [صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي].
وما إن ينتهي رمضان إلا ويبعث الله إلينا بنفحة أخرى من نفحات الخير، بصيام ستة أيام من شوال تكون مع رمضان كمن صام الدهر كله، يقول صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال؛ كان كصيام الدهر) [رواه مسلم].
وها نحن الآن على أعتاب نفحة جديدة جليلة، وهي أيام الخير والمغفرة، العشر الأوائل من ذي الحجة، والتي كان يقول فيها سعيد بن جبير رحمه الله: (لا تطفئوا سرجكم ليالي العشـر، ويقول: أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (4/326)].
فلنتعرض لنفحات الله تعالى، ولنعقد العزم على تنقية القلوب وتهذيب النفوس في تلك الأيام المباركات، كما كان يفعل الصالحون في كل زمان ومكان، اتباعًا لأمر حبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه الذي يقول: (افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده) [حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، (1890)].
قَسَمٌ من العزيز:
أقسم بفضلهن الغني عن القسم، وما أقسم الله إلا بعزيز، فقال سبحانه: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: ١-٢].
وتأمل أخي الشاب في تلك الإلماحة القرآنية الرقيقة التي تهز الوجدان وتلامس شغاف القلوب المؤمنة، لينساب فيها ذاك الغيث الإيماني الرقراق، فترى تلك الليالي (وكأنها خلائق حية معينة ذوات أرواح، تعاطفنا ونعاطفها من خلال التعبير القرآني الرفاف) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (8/33)].
وحينها ينشط القلب لاغتنامها، وتتأهب النفس لاستغلالها وتستعد الجوارح للتعب والنصب من أجل الفوز بثوابها.
أحب الأيام:
ولم تحظ الأعمال الصالحة في أيام من الدهر بمحبة من الرحمن قدر ما تناله خلال هذه النفحة العطرة، وبتلكم الحقيقة بعث إلينا حبيبنا وإمامنا صلى الله عليه وسلم بتوجيه إيماني عبر رسالة نبوية قال فيها: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشـيء) [صححه الألباني في صحيح سنن الألباني، (2130)].
فجنى المؤمنون ثمار هذه المحبة من الرحمن لتلك الأيام، حيث قضى الكريم جل في علاه بمضاعفة ثواب الأعمال، فها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم يزفُّ إلينا بالبشارة: (ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى) [حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، (1248)]، فيا لها من أيام مباركة جزيلة الخير، عظيمة النفع، جليلة القدر.
يوم العتق العظيم:
وفي نهايتها تكون الفرحة الكبرى بخير يوم من أيام الله إنه يوم عرفة حيث يقام سوق العتق من جديد، وتفتح الجنة أبوابها متهللة تستقبل أفواج العتقاء، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة ...) [رواه مسلم].
فهنيئًا لمن أحسن الظن بربه وفاز بالعتق في هذا اليوم، فما بينه وبين الجنان إلا أن تصعد روحه إلى بارئها، فأكثِر من الدعاء لله تعالى في ذلك اليوم العظيم، وناجه بقلب ذليل منكسر، وكن لحوحًا في دعائك، فهو السميع القريب.
ولعظمة ذلك اليوم كان سلفنا يعظمونه ويقدسونه ويقدمون فيه لله ما لا يقدمونه في غيره من الأيام، فعن مصعب بن ثابت قال: (بلغني والله أن حكيم بن حزام حضر يوم عرفة، ومعه مئة رقبة، ومئة بدنة، ومئة بقرة، ومئة شاة، فقال: الكل لله) [سير أعلام النبلاء، الذهبي، (3/50)].
وعن أبي هارون قال: (انطلقنا حجاجًا، فدخلنا المدينة، فدخلنا على الحسن، فحدثناه بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا، بعث إلى كل رجل منا بأربع مئة، فرجعنا، فأخبرناه بيسارنا، فقال: لا تردوا علي معروفي، فلو كنت على غير هذه الحال، كان هذا لكم يسيرًا، أما إني مزودكم: إن الله يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة) [سير أعلام النبلاء، الذهبي].
وقال عبد الله بن المبارك: (جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه، وعيناه تذرفان فالتفت إليَّ، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالًا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له) [لطائف المعارف، ابن الجوزي، ص(310)].
ونظر القاسم بن محمد إلى
رجل يسأل الناس يوم عرفة؛ فقال له: (ويحك يا سائل أتسأل في هذا اليوم غير الله عز وجل؟)[تاريخ دمشق، ابن عساكر، (49/181)].
انسف ذنوبك:
هل أثقلتك ذنوبك وأنَّ لحملها قلبك، أبشر بصفقة من الغفور الرحيم لن تبذل فيها كبير جهد ولا عظيم نصب أو تعب، تصوم يومًا واحدًا من تلك العشر فيغفر الله لك ذنوب العام الماضي والعام المقبل أيضًا.
نعم ... صدِّق ما قرأته ستغفر ذنوبك أيها التائب الأواب ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم، لمن صام يوم عرفة: (صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده) [رواه مسلم].
فيا له من إله رحيم تواب غفور، يعطي الأجر الكثير على العمل القليل، ويغفر عظيم الزلات بقليل الحسنات والقربات، ويعطينا الفرصة تلو الفرصة، ليطهرنا من الذنوب ويعافينا من العيوب.
قبل الرحيل:
ـ اجعل لك برنامجًا إيمانيًا في أيام العشر ذي الحجة ولتكن:
(الصيام- قراءة ربع من القرآن- الحفاظ على الصلوات في المسجد- وقراءة أذكار الصباح والمساء).
ـ المشاركة في عمل خيري وتطوعي كتوزيع اللحوم على الفقراء والمساكين.
المصادر:
ـ المراهقون، عبد العزيز النغيمشي.
ـ تربية المراهق في رحاب الإسلام, محمد حامد الناصر، خولة درويش.
ـ لطائف المعارف، ابن الجوزي.
ـ سير أعلام النبلاء، الذهبي.
ـ في ظلال القرآن، سيد قطب.
محمد السيد عبد الرازق






