الإثنين, 13 فبراير/شباط 2012 11:10

أطفالنا ...والرعاية النفسية

قييم هذا الموضوع
(1 صوت)

 

إذا كان انتظار مولود حدثا تُجمع الإنسانية على روعته،  فإن مراسيم استقباله تعكس إلى حد بعيد طبيعة الوعي الذي يحكم بيئته التربوية ونوعية السلوكو الاتجاهات التي ستحدد شخصيته !

ولعل ما يميز الأسرة العربية هو العناية المفرطة بالترتيبات المادية من تغذية و تطبيب مع تقصير ملحوظ في الترتيبات المعنوية التي تحقق للطفل تكيفا نفسيا سليما مع محيطه.

فالحاجة إلى الحب  والأمن والشعور بالانتماء للدين ثم للجماعة هي حاجات فطرية لدى الطفل والاستجابة لها من لدن الأسرة والمدرسة ضرورة حيوية لاكتمال شخصيته والوصول بها إلى حالة من الثبات الانفعالي والسلوكي. غير أن شيوع المفاهيم الخاطئة حول الصحة النفسية وغياب استراتيجية واضحة لإدماج مباديء الرعاية النفسية في خطط التنمية الاجتماعية أسهم بشكل واضح في ازدياد الاضطرابات النفسية، وتراجع أدوار الأسرة و المدرسة في تحقيق تنشئة سليمة .

ينص إعلان " ألما آتا" الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية سنة 1978 على أن الصحة النفسية هي "حالة من العافية تسمح للفرد باستخدام كافة طاقاته وقدراته، والتكيف مع ضغوط الحياة والعمل المنتج والمثمر، والمساهمة البناءة في مجتمعه "وهذا التعريف ينطوي على تصور مغاير يتجاوز المقاربة العلاجية صوب الاهتمام باللياقة النفسية للفرد وتحسين نوعية الحياة. كما يُثبت أن المبرر الذي تسوقه السلطات التربوية والصحية في بلداننا حول قلة عدد الأخصائيين النفسيين، وانصراف جهودهم للعناية بالحالات النفسية الحادة هو مبرر يُمكن تجاوزه باعتماد مقاربة تشاركية فاعلة تؤهل كلا من الأسرة والمدرسة والمؤسسة الإعلامية للإسهام الجاد في توفير بيئة تربوية سليمة.

يُهيمن داخل الأسرة العربية نمط التربية التقليدية الذي يُنظر من خلاله للطفل على أنه "رجل صغير" يتوجب عليه أن يستوعب تعاليم الكبار وتوجيهاتهم ويتقيد بها دون الالتفات إلى الحاجات النفسية التي ينبغي توفيرها له .

فالطفل قبل أن يتشرب القيم والعادات السلوكية والاجتماعية، لا بد أن يشعر بالأمن العاطفي أي بكونه محبوبا ومرغوبا فيه داخل الأسرة. كما يحتاج إلى الإحساس بالثقة والاطمئنان و الانتماء للأسرة والمجتمع. فطبيعة التفاعلات الأسرية يكون لها دور كبير في تشكيل حياته، أما المباديء التي يجري تلقينها له، فيُلاحظ أنها في الغالب مزيج من القيم الأخلاقية والدينية والعادات السلوكية تتخللها رواسب من التفكيرالخرافي الذي يزعزع ثقة الطفل بنفسه ويُربك تفكيره مثل تخويفه بالأشباح والعفاريت حتى ينام أو يُقلع عن سلوك غير مهذب ! فينشأ الطفل داخل إطار حياتي يتسم بالإذعان والأوهام المقيدة للإبداع والتساؤل الحر.

لذا فتوفير شروط الرعاية النفسية السليمة يقتضي أولا تغيير الثقافة السائدة داخل الأسرة، و حملها على التعامل مع الطفل باعتباره "كائنا منطقيا يستجيب إذا لقي الاحترام وعومل على مستوى إنسانيته " (1)

وهذا ما تضطلع "التربية الوالدية" بتحقيقه في الآونة الأخيرة من خلال اعتماد برامج تكوين للوالدين وترسيخ علاقة أسرية أكثر انضباطا واحتكاما للمرجعية السيكولوجية والتربوية .

ومع انتقال الطفل من الأسرة إلى فضاء المدرسة تبدأ علاقاته الاجتماعية بالتوسع من خلال تفاعله اليومي مع زملائه و مدرسيه. وتنضاف خبرات وقيم جديدة إلى رصيده الفكري و الوجداني. وبالتالي فالمناخ المدرسي العام له دور كبير في تحقيق التوازن النفسي للطفل، وتحرير طاقته للإبداع والتطوير شريطة أن يحكم هذا المناخ تصور تربوي متكامل يعزز الاتجاهات والقيم التي بذرتها الأسرة  ويُخلصها من رواسب الأوهام والمعيش الخرافي.

وحتى يكون للفضاء المدرسي دوره الفاعل في التربية النفسية فإنه مدعو لتأهيل مكوناته  وتجديد منطلقاته وتصوراته بما يتلاءم وما توصلت إليه الدراسات النفسية والتربوية من حقائق ومعطيات هامة. ونقصد هنا بالمكونات : المناهج الدراسية، ونمط الإدارة المدرسية، وطبيعة العلاقات المهنية والإنسانية في البيئة المدرسية، وشخصية المدرس ومؤهلاته التربوية.

ومن المؤلم حقا أن واقعنا التعليمي لا زال يرواح مكانه رغم الحراك التربوي الهائل الذي شهده المجتمع المعاصر منذ مطلع القرن الماضي. ولازال الطفل مجرد "آنية فارغة يصب فيه المعلم كلماته، وكلما كان المعلم قادرا على القيام بهذه المهمة كان ذلك دليلا على كفاءته، وكلما كانت الأواني قادرة على الامتلاء كان ذلك دليلا على امتياز الطلاب "(2) .

وفي ظل هيمنة المفهوم "البنكي" للتعليم والذي تحكمه رؤية سلبية لدور الطفل لا يمكننا بالتأكيد أن نتوقع من المدرسة ميلا لتوفير شروط التربية النفسية ! إذ يستلزم الأمر " ثورة " تربوية تحرر المدرسة من أبوية النظام التعليمي، وتمكن المدرس من إعداد مهني متكامل يؤهله لإجادة التعامل التربوي مع الطفل، كما تُحدث تطويرا نوعيا للمنهاج الدراسي يُنمي خبرات الطفل و حسه النقدي، ويمنحه الإحساس بالأمن و تقدير الذات.

هل يُمكن الحديث عن دور للإعلام في الرعاية النفسية للطفل في غياب استراتيجية واضحة لدى الوزارة الوصية ؟

إن ما كشفت عنه المذكرة التي وجهتها منظمة الصحة العالمية إلى وسائل الإعلام في السابع من أكتوبر 2011 يُسلط الضوء على فشل السياسة الصحية في توفير أدنى متطلبات الرعاية النفسية للأفراد. فمن مجموع موارد القطاع الصحي لا يُخصص لخدمات الصحة النفسية سوى %2  أما متوسط الإنفاق فلا يتجاوز 0.25 دولار لفرد سنويا ! (3)

بالرغم من ذلك فإن الرهان على دور وسائل الإعلام في تكوين مواقف وسلوكيات اجتماعية إيجابية وترسيخ القناعة بضرورة العناية بالصحة النفسية للطفل يظل قائما  خصوصا في ظل الثورة المعلوماتية التي تشهدها المجتمعات المعاصرة،  والانتشار الواسع لوسائل الاتصال .

وإذ نُثمن الاهتمام الذي تحظى به قضايا الأسرة والطفولة، و تخصيص حيز من البث الإعلامي لتدارس سبل مواجهة الاضطرابات النفسية الشائعة، إلا أن الضغوط التي تواجهها الأسرة العربية في الوقت الراهن جراء تآكل البنى الاجتماعية والشعور بالقلق المتزايد حيال المستقبل يفرض مزيدا من العناية بضرورة رفع مستوى الوعي النفسي، وتثبيت القيم و المعايير الدينية والاجتماعية التي يستمد منها المجتمع مُثله العليا. وذلك من خلال الاهتمام بالإرشاد النفسي وتنظيم حملات إعلامية لإحداث تغيير في العوامل الاقتصادية والاجتماعية المولدة لأشكال الانحراف النفسي.

وبالنظر لتزايد أعداد مستخدمي الانترنيت فإن توفير المعلومات الخاصة بالصحة النفسية، وتيسير الحصول على الاستشارات البسيطة سيؤدي حتما إلى تغيير المواقف والاعتقادات الخاطئة بشأن الرعاية النفسية .

إن السنوات الأولى من حياة الطفل تتسم بقابلية شديدة للتأثر بالخبرات المؤلمة والتجارب الصادمة. وفي عالم تعصف متغيراته بالتوازن النفسي للفرد فإن بلورة برنامج تكاملي لزيادة الموارد البشرية والمعرفية العربية حول الصحة النفسية أصبح مطلبا أساسيا لتمكين أجيال المستقبل من التكيف الإيجابي مع ضغوط الحياة  وكسب رهان العيش فوق ..صفيح ساخن !

ذ.حميد بن خيبش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) : كلير فهمي . الحب و الصحة النفسية لأبنائنا .دارالمعارف /القاهرة 1975. ص: 151

(2) : سعيد اسماعيل علي .فلسفات تربوية معاصرة .سلسلة عالم المعرفة .عدد 198. ص: 174

(3) : موقع منظمة الصحة العالمية.مذكرة إلى وسائل الإعلام بتاريخ 2011/10/07

أخر تعديل في الإثنين, 13 فبراير/شباط 2012 11:59

التعليقات