الجمعة, 11 مارس/آذار 2011 11:38

الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي

قييم هذا الموضوع
(1 صوت)

الاحتجاجات لصيقة بمختلف النظم السياسية، فهي موجودة في النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية، لكنها في الأولى عادة ما تؤدي إلى تطوير النظام، أما في الثانية فإنها تكرس الأزمات، لأن النظام يعجز عادة عن الاستجابة لمطالب المحتجين، وكثيرا ما يعمل على التحايل عليها .

يقترب الكتاب من خبرات ونماذج مختلفة من الصعب وجودها في مكان آخر خارج الوطن العربي، وقد بدا واضحا للمؤلف أن الحركات

- الكتاب: الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مصر، المغرب، لبنان، البحرين)

- المؤلف: مجموعة باحثين

- عدد الصفحات: 304

- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت

- الطبعة: الأولى 2011

الاحتجاجية التي رصدها الكتاب ( مصر، المغرب، لبنان، البحرين ) تبين أنها حركات احتجاج اجتماعي لم تقترب في معظمها من المجال السياسي.

الحركات الاحتجاجية في مصر

عاشت مصر منذ قيام ثورة يوليو/تموز 1952 حالة من الخوف من انتفاضة سياسية يقودها تنظيم سري أو حزب سياسي، وظل هذا الخوف قائما في عهد عبد الناصر، وتزايد في عهد السادات، إلى أن اختفى تقريبا في عهد مبارك، بعد تراجع تأثير القوى والتنظيمات السياسية لصالح صور جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية غير المنظمة.

ورغم الحراك السياسي المعقول الذي تشهده البلاد، فإنه لم يؤدِّ إلى فرض أي إصلاحات سياسية، وباتت السياسة -بحسب مؤلفي الكتاب- مرادفا لأحزاب غائبة، وحركات احتجاجية متعثرة، وتيار إسلامي يعاني حظرا قانونيا وأمنيا جعله غير مؤهل لقيادة البلاد.

وقد عرفت مصر ثلاث مراحل من الحركات الاحتجاجية:

- مرحلة الحراك السياسي، مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 التي أشعلت استنفارا وحراكا غير مسبوق لدى قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع المصري، ثم شهدت مصر بعد عامين من ذلك مظاهرات مليونية تنديدا بالحصار الإسرائيلي لرام الله وجنين. وترافقت هذه المظاهرات مع وعي شعبي جديد يستنكر نهج التفاوض الذي يتبناه النظام الحاكم المصري مع العدو، وجاء هذا الوعي مع نجاح المقاومة اللبنانية في تحرير الجنوب بقوة السلاح.

- مرحلة الاحتجاج السياسي (كفاية وأخواتها)، التي بدأت في أعقاب الحرب الأميركية على العراق، وتحت تأثير الضغوط الأميركية على النظام المصري، من أجل الإصلاح وتوسيع هامش الديمقراطية.

ونشأت في هذه المرحلة عدة حركات احتجاجية تطالب بالتغيير، مثل حركة 20 مارس، والحركة الشعبية من أجل التغيير. لكن الحركة التي استطاعت إحداث تأثير فعلي في الساحة المصرية، كانت الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية).

قامت كفاية خلال فترة نشاطها بعدة مظاهرات، أبرزها مظاهرة كفاية عام 2004، تلتها مظاهرة عام 2005 للتنديد بالفساد والاستبداد والمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية نزيهة. كما تمكنت كفاية في العام ذاته من تسيير مظاهرات عدة خارج القاهرة.

ويرى الكتاب أن مساحة التسامح التي منحها النظام في تلك الفترة أدت إلى عودة بعض التيارات إلى الساحة السياسية كجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب التجمع والوفد التي سرعان ما انتشرت وانخرطت في العمل أو بالتوازي مع الحركات المنتشرة على الساحة.

- مرحلة الاحتجاجات الاجتماعية، التي بدأت بعد الانتخابات الرئاسية عام 2006 حيث تم التجديد للرئيس مبارك، وهو ما اعتبره الكثيرون فشلا

في عام 2009 بلغت نسبة الاحتجاجات في مصر 28% من مجمل الحالات التي تم رصدها، تلاها الاعتصام بنسبة 26% ثم الإضراب عن العمل بنسبة 20%

للحركات التي نشأت لمقاومة ذلك.

وفي هذه المرحلة نجحت كفاية في خلق ما أطلق عليه المحللين ثقافة الاحتجاج، تمثلت في ارتفاع غير مسبوق للاحتجاجات والإضرابات العمالية/المهنية في كافة أرجاء البلاد.

وكانت الاحتجاجات في مجملها مطلبية أو فئوية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية بعيدة عن المطالب السياسية المباشرة التي سبق لحركات مثل كفاية طرحها، ولهذا كان حجم التضييق الأمني عليها أخف من تلك التي كانت على كفاية، وهو ما أدى إلى انتشار حالات التظاهر والاحتجاج، ففي عام 2009 بلغت نسبة الاحتجاجات 28% من مجمل الحالات التي تم رصدها، تلاها الاعتصام بنسبة 26% ثم الإضراب عن العمل بنسبة 20%.

الحركات الاحتجاجية في البحرين

تقوم معادلة الاحتجاجات الاجتماعية في البحرين على ثنائية الصراع بين أقلية مذهبية مسيطرة على مقاليد الحكم والسلطة، وأغلبية مستبعدة من الحكم والسلطة.

صحيح أن المعادلة ليست صفرية، فكثير من الشيعة يمكن اعتبارهم جزءا من المنظومة الحاكمة بالمعنى السياسي والاقتصادي، كما أن كثيرا من السنة يمكن اعتبارهم معارضين للنظام القائم.

في عام 2002 أدخلت تعديلات دستورية أرست سلطات مطلقة في يد الملك من الطائفة السنية التي ينتمي إليها 30% من شعب البحرين، والبقية من الطائفة الشيعية.

تعاني البحرين مشكلتين أساسيتين كلتاهما ناتجة من طبيعة النظام السياسي الذي يمثل أقلية، ويسعى إلى تعزيز قوته الاقتصادية، وتغيير التركيبة الديمغرافية. والمشكلتان هما: الدفان (الردم) والتجنيس.

ليس الدفان مشكلة بيئية فقط، ولا مسألة تخص الصيادين الذين يمتد احتجاجهم لعقود فحسب، ولا هو مسألة سعي الأسرة الحاكمة إلى السيطرة على مزيد من الثروة والاستئثار ومراكمة رأس المال، بل هو يعكس اقتران عقلية الاستبداد بطبائع الاستملاك، فخلق مساحات واسعة للثروة العقارية وأرض للنخبة من خلال دفن مساحة واسعة من الشواطئ من دون مراعاة حق السكن والوصول إلى الشاطئ لسكان المناطق الساحلية، لا سيما قرى الشمال الفقيرة ذات الأغلبية الشيعية التي تعتمد على حرفة الصيد.

لا يتعلق الأمر فقط بالأسماك التي هبطت من 400 نوع إلى 50 نوعا فحسب، بل يتعلق الأمر بتحويل ملكيات أراضي الدفان بدون وثائق، وتخصيص الأراضي بدون تسجيل، وهذا يعني -وفق الكتاب- محاولة من السلطة البحرينية لتطويق أمكنة الفقراء الشيعة وتهميش مساحاتهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

الردفان والتجنيس في البحرين أديا إلى ظهور العديد من حركات الاحتجاج التي اتخذت أشكالا ووسائل مختلفة، لكنها عكست في ثناياها الثنائية المذهبية، وربطت بشكل واضح بين الاجتماعي والمذهبي والسياسي في تداخل فريد

أما التجنيس فهو السعي إلى إعطاء الجنسية لوافدين من دول أخرى روعي أن يكونوا سنة، وإعطائهم مزايا عديدة مثل سهولة الحصول على السكن، وفرصة عمل، وتخصيص بعض من أراضي الدفان لهم.

كل هذه الأمور أدت إلى ظهور العديد من حركات الاحتجاج التي اتخذت أشكالا ووسائل مختلفة، كتقديم عرائض وشكاوى إلى السلطة، أو القيام ببعض المظاهرات وأعمال الشغب، وتأسيس العديد من الحركات، كحركة حق التي انشقت عن جمعية الوفاق الوطني التي قبلت خوض الانتخابات التشريعية عام 2006، وحركة حقوق الإنسان، وحركة الصيادين، وحركة لقمة العيش، وهي حركات ذات مظهر اجتماعي، لكنها عكست في ثناياها تلك الثنائية المذهبية، وربطت بشكل واضح بين الاجتماعي والمذهبي والسياسي في تداخل فريد.

الحركات الاحتجاجية في لبنان

هناك حدثان سياسيان كبيران مثلا مرحلة جديدة في تطور الحركات الاحتجاجية اللبنانية: انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000، واغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية عام 2005 والذي أدى إلى تغيير موازين القوى السياسية في البلاد، وانعكس على الحركات الاحتجاجية سواء السياسية أو المطلبية.

شكلت انتفاضة الاستقلال التي جاءت كرد فعل على اغتيال الحريري، بداية الإعلان عن انقسام أو مواجهة بين فريقين رئيسيين هما فريق 8 آذار و14 آذار، وكان لهذا الانقسام أثر مباشر على الحركات الاحتجاجية بصورة جعلت من الصعب فصلها ليس فقط عن الواقع السياسي، بل أيضا عن القوى المذهبية.

ويمكن تقسيم الاحتجاجات الاجتماعية بين حركات شرعية دعت إليها مؤسسات منظمة قانونيا، وغير شرعية حيث تحرك الاتحاد العمالي يوم 7 مايو/أيار 2007 للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور. وفي تلك الأثناء قامت الحكومة بمجموعة من الإجراءات ضد قوى 8 آذار، تمثلت في إلغاء شبكة اتصالات حزب الله، ونقل مدير مطار بيروت التابع للحزب، فقامت قوى 8 آذار بالرد باحتلال بعض المواقع التابعة لتيار المستقبل، الأمر الذي جعل هذه الأحداث المطلبية تخرج عن أهدافها الاجتماعية وتدخل بقوة في مجال الصراع السياسي المباشر.

والأمر نفسه يمكن سحبه على تحرك اتحادات ونقابات النقل البري والزراعي عام 2008 احتجاجا على الأوضاع المعيشية، فجاءت منضوية تحت قوى 8 آذار.

وحتى الاحتجاجات الوطنية أو التي انطلقت من أهداف لمصلحة العامة لم تسلم من التسييس الطائفي، فحركة حرمان أولاد المرأة اللبنانية من جنسيتها لم تحقق نجاحا يذكر بسبب تخوف القوى المسيحية من أن يغير تعديل القانون من التركيبة الديمغرافية للبلاد لصالح المسلمين.

كما قامت حركات احتجاج لخفض سن الاقتراع، وقد واجهت معارضة مسيحية ومن القوى المسيطرة على السلطة، الأولى تتخوف من ازدياد الكتلة التصويتية للمسلمين لارتفاع نسبة المواليد بينهم على المسيحيين، والثانية خوفا من تطلعات تلك الفئات العمرية الجديدة الراغبة في التغيير.

لم تنفصل الاحتجاجات الاجتماعية في لبنان عن الصراع السياسي القائم، ولم تنفصل أيضا عن الأبعاد المذهبية والصراعات الإقليمية

ووفقا لذلك لم تنفصل الاحتجاجات الاجتماعية في لبنان عن الصراع السياسي القائم، ولم تنفصل أيضا عن الأبعاد المذهبية والصراعات الإقليمية.

ويرى الكتاب أن تنوع لبنان السياسي والمذهبي جعل الانقسام في بعض الأحيان أكثر تعقيدا من الحالة البحرينية التي اتسمت بالتبسيط، من زاوية أنها في معظم الأحيان تعبر عن سلطة سنية مسيطرة ومعارضة شيعية مهمشة، في حين أن الحالة اللبنانية كثيرا ما تكون فيها الحركات الاحتجاجية انعكاسا لصراع سياسي بين 8 آذار و14 آذار، ولكن في أحيان أخرى تخرج حساسيات دينية عابرة للتيارين المسلم والمسيحي، أو بين السنة والشيعة والدروز، حتى لو كانا منضويين تحت تحالف سياسي واحد.

الحركات الاحتجاجية في المغرب

شهد المغرب في سبعينيات القرن المنصرم احتجاجات عنيفة سميت باحتجاجات الرصاص، لكن مع عقد التسعينيات بدأت حقبة جديدة من الاحتجاجات وصفت بالسلمية.

والسبب المحوري لهذا التحول -بحسب الكتاب- هو التغيير الذي طرأ على بنية النظام السياسي في المغرب، وتحوله من نظام مغلق إلى نظام منفتح نسبيا، نتيجة مجموعة من الأسباب، بعضها خارجي كانهيار الاتحاد السوفياتي، وزيادة الانتقادات الغربية للمغرب حول حقوق الإنسان، والآخر داخلي يتعلق بإدراك الأحزاب والنقابات أنها قادرة على الدعوة إلى الاحتجاجات والإضرابات.

وهناك عامل مهم في تزايد الحركات الاحتجاجية في المغرب، وهو تجربة حكومة التناوب (1998-2000) بانتقال الأحزاب التي ظلت تعارض لمدة 40 عاما إلى رئاسة الحكومة.

أعاد الملك المغربي تصميم بعض الأماكن في الدار البيضاء، بحيث يقلل الكثافة السكانية ويوفر طرقا عريضة تسهل متابعة وملاحقة الاحتجاجات

ويأتي العام 2000 ليدشن نوعية جديدة من الحركات الاحتجاجية وهي الإسلامية والأمازيغية، وقد حاول النظام المغربي أن يحد من قوة الاحتجاجات الاجتماعية عبر التدخل في جغرافية الأماكن العمومية، فأعاد الملك تصميم بعض الأماكن في الدار البيضاء، بحيث يقلل الكثافة السكانية ويوفر طرقا عريضة تسهل متابعة وملاحقة الاحتجاجات.

ويرى الكتاب أن الحالة المغربية أكثر تسييسا من الحالة المصرية رغم اشتراكهما في بعض المظاهر، مثل أن الجيل الجديد من الحركات الاحتجاجية اتسم بالعفوية وببعده عن التنظيمات الرسمية، وفي ذلك دلالة على غياب المؤسسات الوسيطة التي تعمل كحلقة وصل بين تلك الحركات والنظام السياسي.

وهناك نماذج عدة للاحتجاجات في المغرب، منها: الاحتجاج على البطالة (حالة حركة حملة الشهادات العليا)، والاحتجاج ضد الغلاء والأسعار (لجان تنسيقية للأسعار)، والاحتجاج على التقسيم الإداري المحلي والتمثيلية المحلية (حالتا سيدي إيفني وعين الشعير)، والاحتجاج على العصبية التكنقراطية (حالة احتجاج سائقي الشاحنات وسيارات الأجرة).

عرض:حسين عبد العزيز

الجزيرة نت

وقل اعملوا..!

العمل، هذه هي وظيفة الإنسان في هذه الحياة الدنيا من عرشها إلى فرشها، ومن طولها إلى عرضها، وهي مسؤوليته فيما عمل، وفيما سيعمل، وبين هذا وذاك تنهض شهادة الشهود على الجودة والرداءة من الأعمال.

فالعمل هو الحركة الدائبة لهذا الإنسان الذي خلقه الحق تبارك وتعالى فأحسن خلقه، وأبدع صورته، وزوّده بكل وسائل العمل والإبداع، وسخر له المادة التي يظهر فيها عمله، ويتجلى فيها إبداعه، وأقام الرقابة عليه، فمهما أظهر وأسر فسيعلم عمله، وسيراه الناس ويشهدون له أو عليه، فقد روي: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوَّة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان". رواه أحمد.

وقد قيل: ومهما تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ      وإنْ خالَها تخفَى على الناسِ تُعلم.

لاسيما في هذه الأزمان التي انكشفت فيها الأسرار وزالت عنها الأستار. وتكفي شهادة الحق عز وجل، فهو على كل شيء شهيد، وهو أقرب إلى الناس من حبل الوريد، ورسله الكرام يكتبون القليل والكثير، والصغير والكبير، قال تعالى: (أم يحسبون أنا لا نسمع نجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون). الزخرف:80.

فالعمل هو الحركة الدائبة التي لا ينفك الإنسان عن تبنيها والقيام بها، لكن شتان بين عمل وعمل، فهناك العمل الصالح، وأيضاً هناك العمل الطالح، قال صلى الله عليه وسلم: "كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه، فمعتقها، أو موبقها". رواه مسلم.

قال العلماء: كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى، فيوبقها، أي يهلكها. لكن المهم أن يفهم الإنسان وظيفته التي كلفه الله تعالى بها، وهي العمل الصالح الذي يبني معالم الحياة السعيدة، ويبدع في صناعة الحضارة الرشيدة، فإن الله تعالى لا يحب الفساد.

فهذا الإنسان جعله الله خليفة في هذه الأرض، وعلمه كيف يبني الحياة ويصنع الحضارة، قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة). البقرة:30، وقال: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض). الأنعام:165. وقد علّم الحقُّ تبارك وتعالى الخليفة الأول وهو آدم عليه السلام كل ما يحتاجه من الفنون والعلوم ليحسن هذه العمارة ويقوم بحق تلك الخلافة، قال تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها). البقرة:31.

قال العلماء: علمه أسماء الأشياء وخصائصها ومنافعها، وهي الأدوات التي من خلالها يقوم بدور الخلافة في الأرض، ويصنع على ضوئها العلاقات الحسنة بين أبنائه، وما يكون من ذريته، ولما لم يكن من وظائف الملائكة العمارة لهذه الأرض لم يكونوا مزودين بمعرفة أدواتها ووسائلها. قال تعالى: (وهو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). هود:61. أي جعلكم عمارها وسكانها، وأمركم بالإصلاح فيها، ونهاكم عن الإفساد عليها.

لقد علّم الحق تبارك وتعالى هذا الإنسان طرق الإصلاح في هذه الأرض، وحسن العمارة فيها، وذلك عن طريق رسله وشرائعه، وقال لهم قولته الشهيرة: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى). طه:123. وقال: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم). الأعراف:3.

وكان من مفردات هذا المنهاج الكريم المتمثل بكتب الله تعالى، وعلى لسان رسله: أن أمرهم بمعرفته عز وجل، والوقوف على أسمائه وصفاته، وقصّ عليهم أمثلة كماله، وأشكال إبداعاته، كما أمرهم بحسن عبادته وعلّمهم طرائق هذه العبادة وأنواعها، ورغّبهم بمكارم الأخلاق وحثهم عليها، وشرع الأحكام لسائر تصرفاتهم القولية والفعلية، وأمرهم بعمارة هذه الأرض، وتفجير طاقاتها، والاستفادة مما أودع الله تعالى فيها من مخزون النعم، وصنوف القوى والطاقات، وأمرهم أن يسيروا في استخدام معطياتها وفق المصالح التي شرعها لهم لتظل مسيرتهم محروسة برعاية الله تعالى وكلاءته، وخوّفهم من مغبة الخروج عليه، ومن عواقب العصيان له.

ثم إنه سبحانه وتعالى أقام لهم في النهاية يوماً يعرضون عليه فيه، فينبئهم بما علموا، ويجزيهم بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). الزلزلة:7-8.

لقد علّم الدين هذا الإنسان فنون التعامل مع الحياة والأحياء، وأرشده إلى الطريقة التي يبدع بها أساليب العمران، ووضع له الهدف، ودلّه على الغاية القصوى التي يجب أن يتوخّاها من وراء كل مهاراته وإبداعاته في جنبات هذه المعمورة.

لقد من الله تعالى على هذا الإنسان بقوله الكريم: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض). لقمان:20. وقال: (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار). إبراهيم:32-33.

فكل ما في هذه الدنيا من أولها إلى آخرها، ومن أصغر ذراتها إلى أكبر مجراتها مذلل لخدمة هذا الإنسان، ومسخر لمنافعه، فقد ملكه الله تعالى نواصيها، وأمره بحسن التعامل مع هذه الخلائق وتسخيرها بما يملك من مهارات وإبداعات في مصالحه، ومنافعه العاجلة والآجلة، لكن وفق الخطة التي رسمها له الحق تبارك وتعالى، وهي المتمثلة بقوله عز من قائل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). النحل:9. وقوله: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). الأعراف:56.

لكن الكثير من الناس –وللأسف– تجنبوا هدي الله عز وجل في تعاملهم مع الحياة والأحياء في هذه الدنيا، وقطعوا صلتهم بالله عز وجل في تعاملهم مع معطيات ما خلق الله تعالى من أجلهم في البر والبحر، وسخروا علومهم وإبداعاتهم ومهاراتهم في صراعات قاتلة بين أبناء البشر، فما كان من وراء ذلك إلا المصائب والشقاء لبني الإنسان، والذي رسم على وجه الحياة علامات السوء والكدر، وطالت هذه الحقبة الجافة من معالم الروح، وازداد تأثيرها في كل مكان، حتى عمت البلوى وكثرت الشكوى، وأصبح لابد من دور فاعل يقوم به الأخيار والأتقياء لإعادة القافلة إلى دربها، والسير بها إلى ربها، لتعود النعمة إلى الأرض، ويسعد الجميع بفضل الحق وإحسانه، والله عز وجل يستصرخ ضمائر الناس، ويقول لهم: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم). المائدة:74. وقال: (وأن استغفروا بكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً). هود:3.

إن باب إصلاح الحال والعودة بالأمور إلى مواطن الخير والفلاح ما زال مفتوحاً لم يغلق، وما زال الطريق واضح المعالم لم يندثر ولم يختفِ، وإنما يحتاج إلى عزيمة الرشد، واستعادة الغاية العظمى لوجود هذا الإنسان، وتحقيق الهدف المنشود من وجوده، ألا وهو عبادة الرب سبحانه وتعالى، والسعي في مرضاته، وهذا يحتم على الإنسان أن يرجع ليضع الأمور في دروبها الصحيحة، ويسير بها وفق خطتها المرسومة على لسان الشرع الحنيف. قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). الذاريات:56-58.

فينبغي ونحن نسعى لعمارة هذه الأرض والإبداع فيها بما يمكن أن نبدع فيه من معطياتها، ونستخرج من كنوزها ومكنوناتها أن تكون عبادة الله عز وجل هي طريقنا وسبيلنا إلى مرضاته، فإن تحصيل رضاه هو الغاية القصوى، والهدف المنشود، وكل ما شرع لنا من أوجه العبادة وضروب المعاملة إنما يصب في تحقيق هذه الغاية، وتوخي هذا الهدف، وينبغي أن نعلم أن كل ضرب في الدنيا وكل عمل فيها مادياً كان أو معنوياً إنما هو عبادة لله تعالى إذا اقترن بالنية الصالحة.

فالعبادة: هي الطاعة لله تعالى، وإذا أطعنا الله تعالى في أعمالنا ومكاسبنا وسائر وجوه تصرفاتنا، مادية كانت أو معنوية، دنيوية أو دينية، فقد عبدناه، ونلنا رضاه.

طارق السويدان

موقع عالم الإبداع

1 تعليق

  • أضف تعليقك يونس العلمي السبت, 11 يونيو/حزيران 2011 10:16 أرسلت بواسطة يونس العلمي

    السلام عليكم أرجوكم أين أجد هذا الكتاب أريد اقتناءه من فضلكم, و جزاكم الله خيرا.

التعليقات