"حرب الآلهة.. الجغرافيا السياسية للأديان" كتاب جديد حول عودة الأديان إلى ساحات التدافع السياسي المحلي والعالمي. كتبه أمير- أسلاني المحامي بمحكمة باريس، والمستشار لعدد من الشركات الفرنسية والأجنبية. كما أنه يمثل عددا من الدول في العالم في مجال الحق العام الدولي. سبق له أن نشر كتابا عام 2009 بعنوان "إيران.. عودة الفرس".
العامل الديني
يستعرض الكتاب العودة المتصاعدة للعامل الديني في السياسات الوطنية والدولية عرفتها أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. الأمر الذي حدا بكثير من الدول إلى إدخال هذا المعطى في سياساتها الخارجية، بعد أن ظل مهملا بحكم علمانيتها، كما هو الحال مع فرنسا. ففي يوليو 2009، أحدثت وزارة الخارجية الفرنسية قسما جديدا مختصا في الشأن الديني، وانطلق برنار كوشنير - وزير الخارجية آنذاك - من تشخيص ميداني، تأكد له فيه، أن العامل الديني له أهمية كبيرة في العلاقات بين الشعوب والدول، فيترتب على ذلك مراقبة أداء وتطور الاتجاهات والحركات الدينية الكبرى في الكرة الأرضية، مثل انتشار البروتستانتية الإنجيلية، ووزن الأرثوذوكسية الروسية، والإسلام والإسلامية، ومناقشات المجلس الشيعي الأعلى حول ولاية الفقيه، والهندوسية وتأثيرها على القومية الهندية.
واختارت الحكومة الفرنسية لهذه المهمة، اللبناني الأصل جوزيف مايلا، الخبير في الإسلام، والمدير السابق للمعهد الكاثوليكي في باريس، ومدير مركز الأبحاث حول السلام.
قضايا معروفة وظاهرة يتناولها المؤلف، ولكن في الكتاب قضايا جديدة لا يعرفها الرأي العام، خاصة الرأي العام العربي والإسلامي. وإذا كانت الصحوة الإسلامية وحركاتها وأحزابها، ودولة الاحتلال الصهيوني وما تعرفه من تمزق بين العلمانيين والمتشددين الدينيين، من القضايا المعروفة، فإن "عودة روسيا المقدسة"، و"الدبلوماسية الدينية الكاثوليكية" من القضايا التي لم يسلط عليها الضوء، أو لم تنتبه إليها العين الناظرة.
فمع تفجيرات 11 سبتمبر 2001م، أعاد الدبلوماسيون اكتشاف أهمية الحركات الخارجة من عباءة الأديان وأهمية البعد الديني في حياة بعض الدول.. وفي " قارة" الصين الواسعة برز الانتماء الديني معبرا عن نفسه بأشكال مختلفة في الإيغور المسلمة والتيبت البوذية والكنائس المسيحية كاثوليكية وإنجيلية.
ويرى الكاتب أن الثورات العربية الحالية أنتجت مناخا سياسيا جديدا متحررا، فالانتخابات لا تقود إلى هيمنة الإسلاميين المتطرفين، بل على العكس تلزم الجميع بالتوافق على مسألة الديمقراطية والتناوب وشعار الدولة الإسلامية لم يعد مرفوعا.
وضرب الكاتب أمثلة كثيرة بالرؤساء والدول التي حضر البعد الديني بجلاء في سياساتها. ففي البرازيل أسمع الرئيس السابق النقابي "لولا" صوته في الكنيسة الكاثوليكية، وكانت سندا له في طريقه نحو الرئاسة.
وفي أزمة ساحل العاج كانت سيمون زوجة الرئيس المطاح به بالقوة "لوران اغباغبو" هي المتحكمة في الأمور بدوافع دينية ظاهرة، إذ غيرت انتماءها المسيحي من الكاثوليكية إلى الإنجيلية البروتستانية بتأثير من القس "موريس كوريه"، وظلت تقول دائما إن الرب هو الذي يلهمها وزوجها كل الأعمال التي صدرت عنها.
صعود الإخوان المسلمين
يتساءل المؤلف عن المستقبل السياسي لمصر، والطريق الطويل - في تقديره - لتحقيق الديمقراطية بعد سقوط نظام حسني مبارك، وانتقال السلطة للمجلس العسكري والمشير طنطاوي.
ولكنه يركز على جماعة الإخوان المسلمين بأسئلة متتالية: هل سيتسلم الإخوان الحكم في القاهرة قريبا، بعد محنة طويلة قاربت قرنا من الزمان؟ ماذا سيفعل الفلسطينيون في الأردن وغزة، حيث يتمتع الإسلاميون الإخوانيون بتأثير قوي؟ وبدل أن يسأل هل ستتحرر فلسطين من الاحتلال الصهيوني؟ يعكس القول بالتساؤل عن عزلة "إسرائيل" ومستقبلها، وهل ستسعى إيران إلى المحافظة على تأثيرها الإقليمي بمساندة النظام السوري الذي يواجه ثورة شعبه؟ هل سيبقى المسيحيون مستقرين في مصر والشرق الأوسط؟ وما هي تحولات العالم العربي الإفريقي بعد تقسيم السودان، وظهور معسكرين يتواجه فيه المسيحيون والمسلمون؟
ويتنبأ الكاتب بأن صعود الإخوان المسلمين في مصر، سينعكس لا محالة على الأوضاع في المنطقة كلها ابتداء من فلسطين، وقد بدأت الطلائع الأولى لتأثيرهم في فك الحصار المضروب على غزة، خاصة أن حركة حماس الناشطة في فلسطين هي فرع للإخوان المسلمين. التحولات الجديدة سيقابلها صعود اليمين الديني بإسرائيل حسب الكاتب، وهذا ما سيزيد من قوة حماس ومضيها في أسلمة المجتمع الذي بدأته منذ عقود ونجحت فيه. ولا يغفل الكاتب الدور الإقليمي المتصاعد لتركيا بفضل الثورات العربية وعودة الحياة للشارع العربي، وذلك ما سيكون له تأثير واسع على الخريطة الدينية في المشرق العربي وفي الحزام العربي شمال الصحراء الإفريقية.
روسيا المقدسة
من القضايا التي كشف عنها هذا الكتاب، البعد الديني في روسيا الجديدة بقيادة الثنائي فلاديمير بوتين وديميتري ميدفيديف. فبوتين- بحسب المؤلف - وحده يجسد روسيا، إذ يقدم نفسه على أنه مسيحي أرثوذوكسي، دون التنكر للميراث السوفييتي والإمبراطوري.
عودة روسيا المقدسة ليست مقترنة ببوتين وصاحبه ميدفيديف، ولكنها برزت مع بوريس يلتسين الرئيس الروسي السابق وفق شهادة سيرج فيلاتوف الجامعي والسياسي الذي كان مدير مصالح الإدارة الرئاسية للكريملين بين 1993 و1997، وهو الذي كان يتابع التقارير حول العلاقات مع الكنيسة الأرثوذوكسية.
ومن تجليات هيمنة الكنيسة على الحياة وعلى المجتمع، علاقتها بالفن والفنانين. ففي روسيا لا تغمض الكنيسة عينها الرقيبة عن الفن، إذ إن كثيرا من المعارض الفنية تعرضت للنهب والتخريب بدعوتها إلى الكراهية الدينية والحط من الكرامة الإنسانية، تهمة قد تصل عقوبتها إلى خمس سنوات سجنا.
من القصص الدالة على ذلك ما تعرض له معرض "فن ممنوع 2006" المنظم عام 2007م بمتحف ساخاروف في موسكو. معرض ضم إبداعات فنية لمتاحف ومعارض مختلفة خوفا من الكنيسة والسلطة، فنظمت هذه مظاهرات واحتجاجات بتواطؤ مع السلطات وقوى الأمن وأجبر مدير المعرض على الإقامة الجبرية في منزله مع منعه من مغادرة روسيا، وأصبحت حياته وحياة أسرته في خطر ، وفي 12 يوليو 2010 قضت المحكمة في حقه بدفع غرامة مالية قدرها 150 ألف روبل.
دبلوماسية قوية للفاتيكان
علاقات دبلوماسية كثيفة تربط الفاتيكان بباقي دول العالم. علاقات طبيعية مع 177 دولة، وعلاقات دبلوماسية خاصة مع فلسطين وروسيا. للفاتيكان تمثيلية في عاصمة الاتحاد الأوروبي في بروكسيل. ودولة الفاتيكان حاضرة في 16 منظمة دولية بصفة مؤقتة أو صفة دائمة، وصفة مراقب بالاتحاد الإفريقي ومنظمة الدول الأمريكية واليونيسكو والمنظمة العالمية للشغل. الفاتيكان عضو أيضا في منظمة الأمم المتحدة منذ يوليو 2004، بعد أن ظل عضوا مراقبا دائما منذ 6 أبريل 1964، ليس له الحق في التصويت، لكن له الحق في التعبير وحق الرد في الاجتماعات العامة. وهو عضو كامل العضوية في المنظمات الأممية التابعة مثل المفوضية العليا للاجئين، وفي المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي بصفة العضو الملاحظ.
القارة العتيقة ليست هي العالم، بل يمتد الحضور والأثر خارج بروكسيل... إذ تولي الولايات المتحدة الأمريكية أهمية قصوى لمواقف الفاتيكان بقضايا متعددة عبر العالم، مثل موقفها من عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي والقضية العراقية والشرق الأوسط وفي قضايا أخلاقية واجتماعية مثل المواد المعدلة جينيا والأبحاث في الخلايا الجذعية والتغير المناخي.
العودة القوية للدبلوماسية الفاتيكانية تجسدها مشاركة الكنيسة الكاثوليكية في اتفاقيات هيلسنكي عام 1975. تناولت تلك الاتفاقيات أمورا عدة، منها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحق تقرير المصير للشعوب واختيارها النظام السياسي اللائق بها، وعدم اختراق الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية، وضمان الدفاع عن حقوق الإنسان، حرية التنقل وحرية الصحافة. هذه القضايا الأخيرة هي التي اختارت الكنيسة أن تكثف أنشطتها حولها. في تلك الفترة كان بريجنييف هو ممثل الاتحاد السوفييتي السابق.
وكانت الاتفاقيات منعطفا حاسما في دورة تاريخية جديدة. ففي عام 1977 أطلق مثقفون ومفكرون تشيكيون وثيقة 1977، ثم تطورت الحركة المطالبة بالحريات في أوروبا الشرقية رغم القمع الذي سلطته عليها الأنظمة الشيوعية الموالية للسوفييت آنذاك. بعض الأنشطة الدبلوماسية الكنسية كانت تمر في الظل. في هايتي مثلا تدخل الفاتيكان كان هو السبب في تخلي جان كلود دوفالييه عن الحكم، قبل مغادرة القوات الأمريكية، ثم حصوله على اللجوء السياسي في فرنسا، إلى أن عاد إلى العاصمة بورت أوبرانس في يناير 2011. وكانت وساطة الفاتيكان أيضا هي التي وضعت حلا للنزاع بين الأرجنتين والشيلي.
ومن المشهور ما قام به البابا البولوني الأصل السابق يوحنا بولس الثاني من نصرة لحركة التضامن التي أدت إلى تفكك الإمبراطورية السوفييتية والمعسكر الشرقي كله. اشتهر يوحنا بولس الثاني بأسفاره المكوكية إلى بلدان مختلفة في القارات الخمس، منها توسطه لدى فيديل كاسترو حاكم كوبا الشيوعية لإطلاق سراح 52 معارضا سياسيا حكم عليهم بالسجن 28 سنة، فخرجوا من البلاد في 2003.
وهذه العملية شبيهة بعملية إطلاق سراح 299 سجينا سياسيا في فبراير 1998 إثر زيارة قام بها يوحنا بولس الثاني إلى كوبا، في بلاد حكمت بقبضة من حديد، ومحيت فيها من الوجود المنظمات غير الحكومية كلها، وبقيت الكنيسة الكاثوليكية وحدها تتحرك بحرية. فقام الكاردينال أورتيغا بعمل ناجح أدى إلى تحرير مئات من المعارضين السياسيين لفيديل كاسترو. واليوم يشهد المعارضون السياسيون الكوبيون على أن "الكنيسة هي العامل الرئيس للتغيير في كوبا".
حاليا يمتلك الفاتيكان أدوات مختلفة للتدخل في الحراك العالمي. منظمة سانت إيجيديو واحدة من تلك الوسائل الفعالة. وينبغي أن يعلم أن من أهم نقاط القوة في الدبلوماسية الكاثوليكية شبكة الاستعلامات التي تتوفر عليها، وهي لا تقل فعالية وسرعة عن باقي الأجهزة الاستعلاماتية للبلدان الأخرى، وفي بعض الأحيان تتفوق عليها.
العمل البارع الذي تقوم به منظمة سانت إيجيديو اعترفت به كتابة الدولة في الخارجية الأمريكية، حتى صارت في نظرها عاملا لا مندوحة عنه، وخاصة في التراب الأفريقي.
هاجس الإسلاميين
يتساءل الكاتب في الفصل الأول عن فكرة صدام الحضارات، وهل ما تزال قائمة، من دون أن يقدم جوابا على السؤال، وهو يستعرض كيف ولدت، ومواقف الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة أوباما.
لكن الحراك العربي وثوراته تلح على المؤلف بقوة، فلا يستطيع إخفاء تخوفاته من صعود الإسلاميين من صناديق الاقتراع الديمقراطية إذا أجريت الانتخابات، ويقدم الوصفة المناسبة لإيقاف الخطر الإسلامي غدا، وصفة تجمع بين الاقتصاد والديمقراطية خاصة وأن الحركات الثائرة في معظمها بلا قائد ولا إيديولوجيا ولا مثال. إنها مجتمعات تبحث عن ذاتها، وهي في حاجة إلى الوقت كي تجد المطلوب كما يقول جوزيف مايلا. لكنه في الفصل الأخير يعود إلى فكرة الصدام.
ويخلص إلى أن عودة العامل الديني بقوة، ليست خاصة بالعالم الإسلامي وحركاته، بل إن العالم الغربي نفسه، رغم تواري الالتزام الديني لطغيان الفردانية والتعددية معا، إلا أن الاعتصام بالدين في أوقات الأزمات الكبرى اتخذ طابع الشعبوية اليمينية.
وفي آخر فقرة يستشهد الكاتب بتشخيص الرئيس الأمريكي أوباما حول الربيع العربي "دمقرطة العالم العربي مسلسل طويل وعشوائي.. ويمكن أن يشهد صداما بين الإسلام والغرب، لكن المعركة الحقيقية ضد التطرف تمضي وسيتحقق النصر فيها داخل العالم العربي".
هناك أمر صارخ لا يخفيه معظم الكتاب والمفكرين الغربيين الذين يتناولون عودة الأديان إلى الفضاء العام والخاص، والتأثير في القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها. ذلك أنهم لا يعترضون كثيرا على عودة المسيحية بكل مللها ونحلها، ويعتبرون الحال طبيعيا ومقبولا، لكن عندما يتحدثون عن الصحوة الإسلامية وعودة الإسلام عن طريقها إلى الحياة، يعتبرون الأمر خطيرا وجليلا. منهم من يكتفي بذلك ومنهم من يحرض. وأعتقد أنهم يفضلون مسيحية لا تزاحم الساسة وتقتسم معهم السلطة خير من إسلام ينشر العدل ويحرر المظلومين.
الحسن سرات
حرب الآلهة.. الجغرافيا السياسية للأديان
المؤلف أردافان أمير- أسلاني
دار النشر: عالم جديد- باريس- فرنسا
عدد الصفحات 320
الطبعة الأولى نوفمبر 2011






