ربما القيمة المعرفية التي يحملها كتاب (الإسلام في دولة جنوب السودان.. الجذور والواقع والمستقبل)، هي الاستثنائية العلمية في جزئية (حركية الإسلام السياسي والتقليدي والصوفي)، ومستقبلها في ظل الدولة الجديدة التي أصبحت في التاسع من يوليو الحالي آخر الدول اعترافاً من المجتمع الدولي، مفارقة بذلك (جمهورية السودان) الأم في الشمال - التي أصبحت جارتها - خاصة في ظل امتداد وثني يصل إلى 65% من التكوين الديني لجنوب السودان، وتكشف مضامين الكتاب عن عنصر مغيب في الخطاب الإعلامي والسياسي لدولة "جنوب السودان" وهو وجود حركات إسلامية ذات توجه سلفي نشيطة في جنوب السودان ولها امتداد تاريخي.
- الكتاب: الإسلام في دولة جنوب السودان (الجذور– الواقع– المستقبل) يأتي في 342 صفحة، ألفه مجموعة من الباحثين السودانيين، وقام بنشره مركز المسبار للدراسات والبحوث بالسعودية في طبعته الأولى سنة 2011.
يشير الناشر إلى أنه على امتداد عقود طويلة ظل الإسلام رقماً محسوباً على الشمال لدى الجنوبيين، واتسمت كل المعلومات حول وجوده في الجنوب بالضبابية حيناً وبالندرة حيناً آخر، وتكاد تنعدم في غالب الأحيان، لذلك أخذنا على أن نُسابق ميلاد الدولة الجديدة بالحديث عن الإسلام في دولة جنوب السودان، تأريخه وتراثه، رموزه وشخصياته، تصوفه وسلفيته، حركيته وخلافاته، حتى مخاطر التطرف والإرهاب، وحتى الأصوات المسيسة له (الإسلام الحركي).
كما يمكن القول إن الكتاب حمل «طابعا تعريفياً، ومعلوماتياً وتحليلياً» لمكونات الدين والعرق والهوية.
والراصد لتفاصيل الدراسات المقدمة في الكتاب يلاحظ اعتمادها على «المقابلات الحيوية»، مع مصادر رسمت بالفعل خريطة التوزيعات الإسلامية في ساحات «ظلت معزولة إعلامياً» عن القارئ العربي.
التيار السلفي الجنوبي
ربما تكون تفاصيل ما قدمه الباحث والصحفي محمد خليفة صديق أكثر الموضوعات الدارجة في الكتاب أهمية، الذي تناول بالتفصيل وجود التيار السلفي في جنوب السودان، حيث يشير إلى نشأة التيار السلفي الذي لم يوجد رسمياً إلا بعد أن صادق عليه رئيس الوزراء الأسبق السيد الصادق المهدي في ثمانينيات القرن الماضي.
ويظن الكثير من المتابعين «خلو جنوب السودان» من الفكرة السلفية، ويعود ذلك إلى «الظن الخاطىء» لدى الناس من أن الجنوب تغلب فيه الطوائف النصرانية منذ القِدم، وهو ما يُخَطِّئه علمياً صاحب الدراسة بالقول «إنه حتى عام 1898 لم تكن هناك ديانات إلا الإسلام والوثنية، فالجنوب لم يشهد حركة تبشيرية منظمة قبل الاحتلال الإنجليزي، وكذلك لم يشهد حركة دعوية نشطة قبل أو بعد الاحتلال، رغم أنه كان هناك أفراد من بعض القبائل الرئيسية الجنوبية اعتنقت الإسلام خاصة أثناء الحركة المهدية». واعتمد الباحث لتأكيد (فرضياته) على الإحصاءات الكنسية التي تقول إن 17% من السكان نصارى، و18% مسلمون، و65% لايزالون وثنيين.
انتشار وارتباط سلفيي الجنوب
وتشير المعلومات البحثية إلى أن سلفيي الجنوب يرتبطون فكرياً بجماعة أنصار السنة المحمدية السودانية، وأن لها «انتشاراً في جنوب السودان في أعالي النيل بملكال وفي الاستوائية في جوبا بصورة خاصة». وحول استقبال المجتمع القبائلي للتيار السلفي، يقول القيادي الجنوبي البارز في (أنصار السنة) الدكتور يوناس بول دي مانيال «تميز استقبال الجنوبيين للدعوة السلفية بشيء غريب، وهو أن الدعوة وجدت حماية من الناس ولو لم ينتموا لها».
كما أن نشأة التيار السلفي الجنوبي كانت مع وصول الشيخ علي التوم وكير إلى الجنوب عام 1971، ويعد هو أول من قرع جرس (دعوة التوحيد) في مسجد ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل، حيث كان الشيخ يعمل معلماً بمعهد تدريب المعلمين، وصهره محمد الجابر من كبار رجال المال بملكال مما كان سبباً في بسط الحماية له من المتصوفة الذين كانوا يسيطرون على النشاط الإسلامي في المدينة.
كما أن أولى القبائل الجنوبية التي دخلت في التيار السلفي هي قبيلة (الشلك)، وكان منهم قيادات فيما بعد، مثل الدكتور يوناس بول دي مانيال، والشيوخ عبدالله أديانق وعلي حسن علي وعبدالله أكواج، كما يعتقد البعض أن الشيخ علي الجاك هو أول من أدخل الدعوة السلفية للجنوب سنة 1960، ومن قبيلة الدينكا بحر الغزال.
ويوضح الباحث - الذي اعتمد في بحثه على لقاءات خاصة بقيادات السلفيين بالجنوب - أن خصوصيات التيار السلفي الجنوبي عن وصيفه الشمالي تتمحور في بعض القضايا، مثل العلاقة مع غير المسلمين، حيث إن البيت الجنوبي الواحد توجد فيه عدة ديانات، فكانت فلسفة (أنصار السنة) من الجنوبيين استعمال ثقافة التسامح في التعامل مع ذلك، إلى جانب أمور فقهية مثل عدم اللجوء لتغيير الأسماء بعد الدخول في الإسلام، وعدم الانقطاع عن الأسرة والعشيرة بعد الدخول في المنهج السلفي.
كما يمتاز السلفيون بالجنوب بالتواصل مع غير المسلمين في مناسباتهم، ويراعي الجنوبيون خصوصية التزام السلفيين، فيهيئون لهم المكان المناسب للجلوس والصلاة وتناول الطعام وغيرها، كما أصبح لهم بذلك تعامل خاص يحترم خصوصية الآخر.
ويستشهد الصدِّيق بمقابلة خاصة مع الشيخ علي حسن علي أمين أمانة الجنوب بجماعة أنصار السنة، حول خصوصية التيار السلفي الجنوبي عن الشمالي في القضايا الفكرية والشرعية، فيقول «هنالك مسائل بسيطة يظهر فيها الاختلاف، مثل أن الزواج من الأقارب محرم في المجتمع الجنوبي، ونحن نتعامل مع الأمر بما لايؤثر على دعوتنا، وتربطنا علاقة تنظيمية وروحية بالسلفية الشمالية، ممثَّلة بجماعة أنصار السنة المحمدية، لكن هنالك بعض الاختلافات في النواحي الشكلية مثلاً، فقد أنشأنا الرابطة الإسلامية لجنوب السودان، فأصبحت هي الواجهة في الجنوب نسبة لانكماش البعض من اسم « جماعة أنصار السنة ».
التفكير والعمل السياسي لسلفيي الجنوب
كما يؤكد المؤلف أن التفكير السياسي لسلفيي الجنوب كان متقدماً على الجماعة الأم في الخرطوم، حيث مارسوا العمل السياسي العلني في وقت كانت رؤى الجماعة في التعامل مع حكومة الإنقاذ (المؤسسة الحاكمة) تراوح مكانها. وتبين الدراسة أن «الخط الاستراتيجي للسلفيين الجنوبيين يقوم على أن كل شخص التزم بدعوتهم، يذهب لمنطقته لدعوة أهله و»الأقربون أولى بالمعروف».
وأوضحت الدراسة مجموعة تحديات أمام «سلفية الجنوب»، أهمها «قلة الدعاة المؤهلين علمياً والمتميزين بمخاطبة المواطن الجنوبي بلغاته المحلية، وقوة نشاط الكنيسة في مقابل الإسلام. وتصف الكنيسة الدعوة السلفية أحياناً بالإرهاب والتطرف، إلى جانب قلة التنسيق بين السلفيين والتيارات الإسلامية الأخرى، والوضع السياسي المضطرب والمتقلب، حيث لايوجد الجسم القوي الذي ينظم شؤون المسلمين بعد الانفصال».
أما عن مستقبلها في الجنوب بعد الانفصال فيتوقع الباحث مستقبلاً واعداً لها مقارنة بالتيارات الإسلامية الأخرى، باعتبار «قوتها الذاتية»، لكن يظل تحديَها الأكبر هو في توحيد العمل السلفي بالجنوب، بعدما بادرت إحدى فصائل العمل السلفي بالجنوب إلى إعلان فك ارتباطها بالجماعة الأم بالخرطوم، وتسجيل تنظيم رسمي للسلفيين تحت اسم (جماعة أنصار السنة المحمدية)، حيث صادقت حكومة الجنوب الجديدة على قيام هذا الكيان الدعوي، الذي عقد مؤتمره العام وانتخب عبدالله أكوج أميناً عاماً للجماعة بدولة الجنوب الجديدة، مع احتفاظه بالعلاقة مع الأصل في الخرطوم، على أن يعمل الجسد الجديد كياناً منفصلاً.
بينما تناول الباحث السوداني محمد أحمد إسماعيل (المجلس الإسلامي لجنوب السودان) في ظل وجود اتفاقية جديدة وضعت المسلمين في دولة علمانية، واحتمالية كونهم أقلية إذا استندوا على التقسيم الديني.
وتناولت الدراسة المؤسسات التي تعنى بتمثيل المسلمين في الجنوب، سواء الهيئة الإسلامية لجنوب السودان أو غيرها مما ترعاه الخرطوم، أو تلك التي أقرها الراحل الدكتور "جون قرنق دي ما بيور" منذ عام 1992، والمتمثلة في المجلس الإسلامي للسودان الجديد الذي استمر إلى أن أقر الدستور الجديد في بدايته تحويل كل المؤسسات الدينية إلى منظمات المجتمع المدني ورفع الدولة يدها عنها، استمر الحال إلى أن دعت الضرورة إلى إعادة تشكيل المجلس عام 2008 برعاية الحركة الشعبية وحكومة الجنوب.
وسجلت الورقة الصراعات الداخلية التي رافقت هذا القرار وتداعياته المتمثلة في المنازعة على القيادة بين الطاهر بيور والمهندس محمود الحاج يوسف، ثم تناول المسلمين داخل الحركة الشعبية، والمؤتمر التأسيسي لمسلمي جنوب السودان، والتحديات التي أفرزها وناقشها.
نقلا عن النبأ نت بتصرف






