لم يكتف الإمام بالتأخر عن إقام صلاة العيد وهو يدخل علينا متهاديا مزهوا من مقصورة المسجد، ولكنه ضاعف التأخر والتلكؤ وهو يخطب -علينا وليس فينا- خطبة العيد من صفحات رمق ولدي طولها وسمكها فأدرك أن عقوبة الانتظار ستطول.
وزاد الإمام الطين بلة عندما أساء اختيار الرسائل التي ينبغي توجيهها لنا ونحن بين يديه، وكم كان شاردا وهو يخاطب الحجاج، وبينه وبينهم أمد بعيد، أن يتقوا الله في المال الذي ينفقون منه على رحلتهم، فما لهم من الحج إلا التعب والنصب، وغلافهم المالي قادم من عالم المخدرات والمحرمات.
قالت نفسي لنفسي ترى من بقصد هذا الإمام ونحن جميعا لسنا في عرفة ولا في منى، بل في حي من أحياء العاصمة المغربية الرباط، ونحن ننتظر منه أن يهنئنا بالعيد ويرشدنا لفضائله وأفراحه في بضع كلمات لننصرف إلى نحر أضاحينا.
ويا ليت الأمر توقف عند هذا. بل إن هذا الخطيب، وكم له من أشباه ونظائر، نقل جزءا كبيرا مما قرأه علينا متلعثما، من خطب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله. تلك خطب لا تخفى على من أدمن على كتب الشيخ ومقالاته اللاذعة الرائعة. وتلك خطبة قيلت منذ عشرين عاما، ونحن اليوم قد أشرق علينا الربيع العربي بنسمات الحرية والكرامة.
كانت خاتمة المضحكات المبكيات في خطبة الإمام، تلك القصة الغريبة التي نقلها أيضا ليبين حرارة الشوق والمحبة التي تستبد بمسلم ولو كان في الصين فتجعله بقطع الفيافي والقفار، والبحار والأنهار، والليل والنهار، ليزور البيت العتيق ويلبي النداء الخالد. قصة الحاج الصيني عرفت عندما وجده عالم من علماء القرون الماضية يطوف منشدا أبياتا من الشعر العربي حول الزيارة الشاقة والبعاد الطويل. وليس هذا فحسب، بل إن هذا الحاج الصيني قد اشتعل رأسه ووجهه شيبا عندما وصل إلى الديار المكرمة، ولكنه لما خرج من بلده كان لا يزال في ريعان شبابه.
قال ولدي منتقدا، من أين جاء هذا الخطيب بهذه القصة، كيف يعقل أن يمضي هذا الرجل عمره كله مسافرا إلى مكة من الفتوة والشباب إلى الشيخوخة والبياض. والأدهى أنه جعله يتكلم العربية، بل ينشد شعرا عربيا فصيحا. وعلى فرض أن الخبر صحيح، لماذا يغرق الخطيب في الكتب والقصص القديمة ليبرهن لنا على هذا الحال والقصص اليومية والسنوية التي نحياها ونتبادلها أبلغ في البيان وقد جاء إلى البيت المحرم ملايين من الناس من كل فج عميق، وتنقل لنا وقائع حجهم على الهواء مباشرة.
وشبيه بخطيب العيد، خطيب الجمعة الموالية الذي أثار سؤالا فات أوانه ولا فائدة منه وقد انقضى العيد الصغير والعيد الكبير معا. وأدرك الخطيب، الذي يخلط في خطبته بين العربية والفرنسية، فيشرح في بعض الأحيان كلمات عربية بالفرنسية، أن وقت البيان قد مضى، ولكنه مع ذلك تناول موضوع المصلين الذين يكتفون بالحضور لصلاة العيد ولا يحضرون الخطبة.
قلت في نفسي لا داعي للبيان، فإن اعتلاء خطباء من هذا الصنف منابر الجمعة والأعياد يكفي لصرف الناس عن الخطب والصلوات كلها. وهؤلاء الأئمة والخطباء هم المعنيون بحديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عن الذين لا تقبل صلاتهم، منهم "رجل أم قوما وهم له كارهون".
وهاجم الإمام أولئك الذين يغادرون المكان دون الاستماع لخطبة العيد ووصفهم بأنهم خالفوا السنة وأنهم جهال، مع أن في الأمر سعة.
كان على الإمام أن ينتقد أولئك الذين يسمحون لبعض المساجد بصلاة العيد من دون خطبة، وللبعض الآخر بصلاة وخطبة.. لماذا تجاهل الإمام هذا الأمر وهاجم أولئك الكارهين للصلاة وراءه ولسماع كلماته المكرورة.
كان على الإمام أن يهاجم الذين ينفرون الناس من صلاة العيد بحرمانهم من جمالها وجلالها وجماعتها الكبرى، فإذا تعلق الأمر بمهرجان من المهرجانات الصغرى أو الكبرى تقام الدنيا ولا تقعد حتى يتأكد الراعون والمنظمون من الترتيبات كلها ومن الوسائل كلها ومن بلوغ الأهداف كلها، وإذا احتج عليهم المحتجون ضد تبذير الأموال والأوقات والعقول العامة والخاصة أطلقت عليهم كتائب الأمن لتلقنهم دروسا لا تنسى..
لمثل هذا يموت القلب من كمد.. لكن صلوات الجمعة والأعياد "لا موازين لها".
الحسن سرات
الصورة: صلاة العيد بالناضور شمال شرقي المغرب- عن موقع الناضور سيتي






