تصادفت صلاة الجمعة مع ذكرى عيد الاستقلال، فصليناها بمسجد الشهداء، المجاور لمقبرة الشهداء -شهداء مقاومة الاستعمار الفرنسي بطبيعة الحال- والمجاور أيضا للمجلس الدستوري والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.. يا لها من مصادفة رمزية بليغة.
كنا متأكدين من موضوع الخطبة ولو لم تتصادف الجمعة مع الذكرى. فلا مناص لخطيب مغربي معين أو غير معين، من التطرق للمناسبة. لم نكن في حالة تشوف وانتظار وتخيلنا الخطبة الرسمية التي سيتولى الخطيب قراءتها علينا. وذلك ما كان. وكانت القراءة سريعة وباردة كأنك تستمع لناطق رسمي حكومي أو لنشرة إذاعية أو تلفزية بالمناسبة. لم يكن فيها شيء جديد لأننا نسمعها كل عام إن كنا مأمومين ونقرؤها كل عام إن كنا أئمة... بل حتى الأطفال في المدارس يعرفون تفاصيل القصة.
بعض الخطباء ينفخون في الخطبة المرسلة شيئا من الروح فتحيا وتشع وتنتفض وتنفض. وبعضهم ليس لديه الروح التي ينفخها فيها، فلا حياة ولا انتفاضة ولا إشعاع.. ولله في خلقه شؤون. لذلك غلبت علينا السآمة والملل، وبقي الجميع ينتظر الصلاة.
وكأنما شعر الخطيب بنا فحاول ردنا إليه بعد شرودنا، فاستدرك في الخطبة الثانية متناولا حال الأمة الإسلامية وكيف كان جيشها قويا آتاه الله من كل شيء سببا، فبلغ الشمس مطلعا ومغربا، ووصل إلى ما بين السدين، كأنه جيش ذي القرنين الذي قص الله لرسوله منه ذكرا. لكن الأمة اليوم تغير حالها وأحاط بها الأعداء من يهود ونصارى ومشركين. وهاجم الخطيب أولئك الكفار والمشركين من المغضوب عليهم والضالين. وكان عادلا فهاجم المسلمين الغافلين النائمين، محرضا إياهم على استعادة الماضي التليد، مع أن الأمة، كما يشاهدها الإنس والجن ومن في السموات ومن في الأرض، في انتفاضات متتالية وربيع متحرك فاجأ الجميع وأربك حسابات الجميع، فأسقطت طغاة صغارا ينوبون عن الطغاة الكبار، وهي في طريقها لإسقاط ما تبقى منهم.
أليس هذا هو الاستقلال الحقيقي الذي تسعى الأمة إلى استكماله بعد أن نالته ناقصا مزيفا؟ أليست هذه الانتفاضات والثورات موجهة ضد السياسات التي أعقبت ذلك الاستقلال؟ أليست تحررا من قبضة اليهود والنصارى المحليين والعالميين المستبدين والظالمين؟
ألم يدرك أولئك الذين كتبوا تلك الخطبة أن الأجيال الجديدة المنتفضة اليوم سئمت الحكايات التي ترويها العجائز -من جدات ودادات- للأطفال حتى تأخذهم سنة أو نوم؟
كم كان جديرا بأولئك الكتبة أن يكونوا مثل الملك -وهو أمير المؤمين- إذ خاطب منتدى التعاون العربي التركي المجتمع في الرباط- أن العالم العربي في منعطف حاسم لا يتحمل منطق الانتظارية والجمود. أليس الخطباء نوابا لأمير المؤمنين كما تصفهم الأدبيات الدينية الرسمية؟
ثم ما حكاية الجيش الإسلامي الذي لا يقهر والذي لم يكن له من شغل سوى الغزوات تلو الغزوات لنشر الإسلام في كل مكان؟ هذا كلام لا أصل له أولا. وهو ثانيا يعكس الصورة الخيالية لدى العوام وأشباه المثقفين عن تاريخ الأمة الإسلامية. وهو ثالثا يعزز الصورة السيئة الخاطئة لدى المغرضين والجاهلين من المستشرقين القدامى والجدد ومروجي أوهامهم من الساسة والعسكريين والإعلاميين الذين يقولون إن الإسلام دين دموي انتشر بالسيف، مثل أولئك المتفيقهين منا الذين يقولون إن آية السيف نسخت 120 آية في الدعوة بالتي هي أحسن.
بعض من الخطباء والوعاظ والمرشدين ينبغي لهم أن ينزلوا من المنابر والكراسي ويتركوها لأهلها، أو عليهم أن يعيدوا الدراسة والتكوين حتى يحيطوا علما بالجمعة وخطبتها، والمنبر وخطورته، والدين وحقيقته، والواقع وتحولاته، والتاريخ وتقلباته وأكاذيبه.
وبعض آخر من الخطباء، ساكتون عن الحق، أئمة في صفوف المأمومين، جالسون على كراسي الاحتياط ومنصات المتفرجين، لهم علم راسخ، وكفاءة عالية، عرضت عليهم أمانة المنبر ومسؤولية المسجد، فأبوا أن يحملوها -إشفاقا وتواضعا- فحملها الفارغون وأشباه الخطباء.
ولا ننسى أيضا أن ضحالة الخطباء وفقرهم المادي والعلمي والمعنوي أمر مرغوب ومقصود عند بعض القوم، عملا بالحكمة القائلة: "الباب الذي تأتيك منه الريح.. أغلقه لتستريح". ولكنهم لا يعلمون من أين تأتي الريح.. وها قد أتت الريح من حيث لا يشعرون.. فمن ذا الذي بوسعه أن يوقفها..
الحسن سرات
الصورة: من صلاة عيد الأضحى لهذا العام بالدار البيضاء






