خطبة الجمعة ليست بالأمر الهين.. إنها أمر عسير. هي مولود يولد بعد حمل يمتد أسبوعا كاملا بعد آلام ومخاض وطلق. وصرخة المولود وهو يخرج من الرحم، وصرخة والدته وهي تضعه هي التعبير الأوفى عن الشحنة الهائلة للروح والحياة. كذلك ينبغي أن تكون الخطبة. فإذا شهدت صلاة يوم الجمعة بخطبة باردة أو تائهة أو مشتتة فاعلم أن الخطيب هو البارد والتائه والمشتت. فالولد يدل على الوالد والخطبة تدل على خطيبها.
ذلك ما كان يجول بخاطري وأنا أشهد خطبة الجمعة وصلاتها بمسجد من مساجد "ديور الجامع" بالعاصمة المغربية الرباط يوم الجمعة 6 محرم 1433 للهجرة الموافق ل2 دجنبر 2011 ميلادية.
ما أن افتتح الخطيب كلامه حتى شعرت أنه لم يستجمع النفس بالمعاناة لتكون الولادة مشرقة بعد احتراق، فالاستهلال دليل على الإقبال والانفعال، فمن كان استهلاله عامرا بالتعبئة الإيمانية والروحية أقبل عليه المستعمعون وانفعلوا، ومن كان استهلاله فارغا من الروح وبلا تعبئة أدار المأمومون له ظهورهم وأعرضوا عنه ولو كانوا متوجهين إليه بوجوههم.
المناسبة كانت جيدة، فذكرى عاشوراء على الأبواب، لكنها باب ومناسبة لتناول عدة قضايا بتركيز شديد، من عاشوراء يمكن الانطلاق إلى ما يتعلق بها. لكن الخطيب بقي يدور حولها من البداية إلى النهاية حتى سئمنا، خاصة وأن دورانه حولها كان فقهيا يستعرض البدع والضلالات السنية والشيعية ويحذر الناس منها.
وشدد الخطيب على صيام عاشوراء مع تاسوعاء إحياء لسنة الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام، واستغرق منه هذا الأمر الخطبة الأولى كلها. واحتلت البدع الاجتماعية الخطبة الثانية كلها.
فهمت أن الخطيب كان منشغلا طيلة الأسبوع في عمله الوظيفي والمدني، وترك إعداد الخطبة إلى آخر يوم فجمع لها بعض الأحاديث المتعلقة بعاشوراء مع تعليقات عليها.
ومع أنه ذكر أن صيام عاشوراء له علاقة بقصة موسى عليه السلام إذ أنجاه الله من فرعون، فإنه ترك الفرصة تفلت من يده، فضاعت منه. إنها فرصة الاستبداد والفرعونية ونهايتها الحتمية عندما يتحداها الوحي بالرسالة والإيمان بالحرية رغم قلة العدد والعتاد. وذلك ما أبرزته الأمة العربية منذ بداية الربيع العربي بطرق مختلفة. ربما كان الخطيب يعاني من الرقابة الذاتية الطويلة التي ترسخت في الأنفس بالاستخفاف النازل من الأعلى والاستجابة الصاعدة من الأدنى، فلم يستطع منها تخلصا.
أليست قصص الأنبياء والمرسلين جميعا قصصا للحرية والكرامة من فراعنة وأكاسرة وقياصرة قد يلبسون لباسا سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو دينيا أو فنيا. أليست إعادة للناس إلى فطرتهم وإلى مولاهم الملك الحق؟ أليست تحريرا لهم وهداية ليختاروا بين الحرية والعبودية؟ إن الذين نصوم لذكراهم في عاشوراء عاشوا محنة رهيبة في ظل فرعون حتى اعتادوا على الذل والهوان، ولما جاءهم البطل المحرر من أنفسهم ومن قلب المؤسسة السياسية المستبدة، ترددوا وتزعزعوا وخرجوا في النهاية مترقبين، ولما طلب منهم تقديم التضحية والثمن لنيل حريتهم كادوا يعودون لسابق عهدهم، رغم نهاية الطاغية ومشاهدتهم لهلاكه بأعينهم مباشرة وبقاء بدن الطاغية ليكون آية لهم ولغيرهم.
وكان بإمكان الخطيب أن يتوسع في مفهوم مخالفة اليهود والنصارى من العبادات المحضة نحو السياسات والممارسات الحضارية لكنه لم يلتفت لهذا. ثم ما قيمة الصيام عن المطعم والمشرب والصائمون يضيعون حاجات الناس وحقوقهم في الإدارات والمؤسسات التربوية والاجتماعية والرسمية والمدنية. فالصيام لا يكتمل إلا بالإحجام عن حقوق الآخرين وأداء الأمانات وعدم أكل أموال الناس بالباطل.
وكما بدأت أول كلام أعيده: الخطبة بصلاتها لحظة ذهبية للتعبئة الروحية والنفسية والاجتماعية، يفرغ فيها الخطيب شحنة تدوم أسبوعا كاملا. أقول بصلاتها لأن الخطبة ولو كانت عصماء، تذهب أدراج الرياح أو يذبل بعضها إذا كان الخطيب لا يتقن قراءة القرآن ولا يدفع الناس للخشوع والتدبر بالالتزام بقواعد الترتيل، وذلك ما فعله خطيبنا لهذا الأسبوع. ورب خطيب بضاعته مزجاة في الخطبة ولكن قراءته الخاشعة تعوض النقائص.
الحسن سرات






