يقول الحق جل جلاله: { وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون 50]
ويقول في آية أخرى:{ وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ} [الأنبياء:91]
أولاً: اصطفاء الله لمريم أم عيسى عليهما السلام
إن الله سبحانه وتعالى اصطفى مريم أم عيسى عليها السلام، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين} ([1]).
كما ذكر المولى في كتابه العزيز ما أنعم به على مريم من نعم، ومن ذلك ما كان من شأنها في ولادتها، وحين كفالتها، حيث يقول سبحانه: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([2]). وتتمثل عناية الله سبحانه وتعالى بمريم في هذه الآيات، بعدة أمور على النحو التالي:
1- قبول الله سبحانه وتعالى لها، استجابة لدعوة أمها بقولها {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فقال المولى سبحانه وتعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ}.
2- أن الله سبحانه وتعالى أنبتها نباتاً حسناً، والنبات الحسن يشمل الصفات الخُلقية والخَلقية، فنشأت نشأة دينية كريمة،وقد جعل الله لها شكلاً مليحاً ومنظراً بهيجاً.([3]) وكانت من الصالحات القانتات العابدات كما قال الحق جل جلاله: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران : 43]
3- أن الله سبحانه وتعالى جعل كفالتها بيد نبي من أنبيائه وهو زكريا (عليه السلام)، فكان ذلك من أسباب النشأة الصالحة لها.
4- أن الله أعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم بدعاء أمها لها، وفي هذا يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها) ثم يقول أبو هريرة واقرءوا إن شئتم {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}([4]).
5- أنها كانت من المحصنات المؤمنات العفيفات،كما قال الحق جل جلاله: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم : 12] {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 91]
6- عاشت مريم في محرابها تعبد الله وتسبحه وتقدِّسه، وذات يوم دخل عليها مجموعة من الملائكة على هيئة البشر، وأبلغوها ثناء الله -عز وجل- عليها، وحثوها على مزيد من الطاعة والعبادة والصلاة، فقالوا لها: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران/42-44] }
ثانياً: كل من مريم وعيسى آية من آيات الله
فمريم "عليها السلام" ولدت عيسى دون أن يمسها بشر، وولد عيسى "عليه السلام" بغير أب، وفي هذا يقول الحق جل جلاله: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:45-46] فتعجبت مريم وقَالَتْ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران: 47] فتعجبت أكثر وتعوذت ممن يخاطبها:ف{قَالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً }[مريم : 20] ثم خاطبت من بشرها ف{قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً}[مريم: 18] فقال لك الملك المرسل من الله:{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} [مريم : 21] فاستسلمت لأمر الله وصدقت بكلمات ربها، فلم ولدته { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً [مريم :27- 29]
فكان المولد" عيسى عليه السلام" مصدر اطمأنان لها وهو جنين عندما اشتد الأمر عليها وتحسرت ممن يمكن أن يقول الناس لها و{ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً [مريم : 23 26]
وكان مصدر اطمأنان لقومها عندما تعجبوا مما لم يكن فو وسعهم فهمه رغم اطمأنانهم لعفتها وصلاحها ومنبتها{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً [مريم : 29- 33]
ثالثاً: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
الْإِيوَاءُ: جَعْلُ الْغَيْرِ آوِيًا، أَيْ سَاكِنًا. ومنه قوله تعالى: { أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ }[فِي سُورَةِ هُودٍ 80] وقوله اعالى: {سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ}[ فِي سُورَةِ هُودٍ43] .
وَالرُّبْوَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ: الْمُرْتَفَعُ مِنَ الْأَرْضِ. وَيَجُوزُ فِي الرَّاءِ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ. وَمنه قوله تعالى: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ}[ فِي الْبَقَرَةِ 265] .
وَالْقَرَارُ: الْمُكْثُ فِي الْمَكَانِ، أَيْ هِيَ صَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ قَرَارًا، فَأُضِيفَتِ الرَّبْوَةُ إِلَى الْمَعْنَى الْحَاصِلِ فِيهَا لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَذَلِكَ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّخِيلِ الْمُثْمِرِ فَتَكُونُ فِي ظِلِّهِ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ قُوَّتِهَا.
وَالْمَعِينُ: الْمَاءُ الظَّاهِرُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهُوَ وَصْفٌ جَرَى عَلَى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ مَاءٌ مَعِينٌ، لِدَلَالَةِ الْوَصْفِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [الحاقة: 11] . وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [24- 26] قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً.
وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْإِيوَاءِ وَحْيُ اللَّهِ لِمَرْيَمَ أَنْ تَنْفَرِدَ بِرَبْوَةٍ حِينَ اقْتَرَبَ مَخَاضُهَا لِتَلِدَ عِيسَى فِي مُنْعَزَلٍ مِنَ النَّاسِ حِفْظًا لِعِيسَى مِنْ أَذَاهُمْ.
وَآوَيْناهُما أي: جعلنا مأويهما ومنزلهما إِلى أرض مرتفعة، وهو بيت المقدس فإنها كبد الأرض، وأقرب الأرض إلى السماء، بمعنى أنه يزيد علوها على علو الأرض، ذاتِ قَرارٍ مستقر من الأرض، مستوية، منبسطة، سهلة، أو ذات ثمار، يستقر لأجل ثمارها، ساكنوها فيها، وَمَعِينٍ أي: ماء معين، ظاهر، جارٍ.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
أحمد مارسو-خطيب مسجد النور-فرنسا






