الجمعة, 30 دجنبر/كانون أول 2011 10:02

خطبة الجمعة:وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

قييم هذا الموضوع
(1 صوت)

يقول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5] فالزمن هو أكثر أمور الحياة تعقيداً؛ فهو علاقة بين حركة الشمس أو القمر مع الأرض مع الإنسان.

فالوقت أغلى من الذهب، وأغلى من كل جوهر.. لأنه هو الحياة، وليس النجاح متوقفا على الخطة الدقيقة، والظروف المواتية فحسب، ولكنه متوقف على اللحظة المناسبة كذلك،:{وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} (المزمل:20).

ولهذا كان أعظم الناس تعرضاً للخسارة والإخفاق أولئك الغافلون:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (لأعراف:179) .

ولقد كان من دعاء الصديق رضي الله عنه: (اللهم لا تَدَعْنا في غَمْرَة، ولا تَأْخُذْنا على غِرَّة، ولا تجعلْنا من الغافلين)، وقد كان عمر رضي الله عنه يدعو بان يرزقه الله البركة في الأوقات وإصلاح الساعات، ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأله الله عن عمره فيما أفناه؟ وعن ماله مم اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟

ومن أروع الصور التي عرض فيها الحسن البصري رحمه الله قيمة الوقت الكريم إذ يقول: (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة أبدا).

ليس أغلى في الوجود إذاً من الوقت، وإن الأوقات لتتفاوت في يمنها وبركتها وحسن حظها وسعادة جدها، فساعة أعظم بركة من ساعة، ويوم أفضل عند الله من يوم، وشهر أكرم من شهر.

وتلك فرصة أتاحها الله لنا نحن المؤمنين ولنطرد فيها شبح الغفلة، ولنعود فيها إلى التذكرة واليقظة، ولنغنم منها نفحات الفضل حين تهب نسمات القبول، فإن الحسنة تتضاعف في هذه الأوقات المباركة، فيرفع الله فيها من درجات عباده الصالحين، كما يفتح باب المتاب على مصراعيه ليدخل من أراد الله به الخير من التائبين المنيبين.

ولقد جاءت الآيات الكريمة تشير إلى هذه الأوقات اليومية والأسبوعية والسنوية، كما أكدت ذلك التوجيهات النبوية، فالله تبارك وتعالى يقول: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (الروم:17). ويقول: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) (لأعراف:205) . ويقول: (وَالْفَجْروَلَيَالٍ عَشْرٍ) (الفجر:1-2). ويقول:(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) (الحج:28) .

ولقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيمة الوقت وطريق الانتفاع به، فيما ورد عنه في كثير من الأحاديث، مشيرا إلى أن المؤمن بين مخافتين، بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الموت.

أخي عبد الله: أمامك كل يوم لحظة بالغداة ولحظة بالعشي, ولحظة في السحَر, تستطيع أن تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ، فنظفر بخير الدنيا والآخرة، وأمامك يوم الجمعة وليلتها، تستطيع أن تملأ فيها يديك وقلبك وروحك بالفيض الهاطل من رحمة الله على عباده، وأمامك مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القربات، التي وجهك إليها كتابك الكرم ورسولك العظيم, فاحرص على أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين, ومن العاملين لا من الخاملين، واغتنم الوقت فالوقت كالسيف، فالمقت في عسى ولعل.. فهي أكبر علة.

عباد الله: جددوا المتاب إلى ربكم، واستغفروه من ذنوبكم، فإن التوبة تطفئ الخطيئة، والاستغفار يذهب بالسيئة، وإن الله ليفرح بتوبة عبده المؤمن، ويبدل سيئاته حسنات، كما قال تبارك وتعالى: "وأقم الصلاة طرفى النهار زلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين" ( هود: 114 ). واجعلوا أول هذا العام ميثاقاً فيما بينكم وبين الله، وأن تكونوا فيه من الطائعين" وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" (النور : 31 ).

واعلموا أن الليل والنهار من رحمة الله {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73] {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} [الإسراء : 12]

فلا بد للمؤمن من حسن الاستثماروتسخير ما أنعم الله عليه في أفضل الأعمال  وأحسن الأقوال {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم : 33] {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل : 12]

فالزمن هو أنفس وأثمن ما يملك الإنسان، فهو الوعاء الحقيقي لكل عمل وإنتاج، وبقدر إفادة الإنسان من هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه، بقدر ما يعود ذلك عليه وعلى مجتمعه بالنفع والخير، سواء أكان ذلك في الدنيا أم في الآخرة ؛ ولذلك ينبغي على الإنسان أن يعرف شرف زمنه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة وطاعة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. وما عمر الإنسان في حقيقته إلا مجموعة من الأيام، وكل يوم يمضي من هذه الأيام، وكل لحظة تمر لا يمكن استعادتها أو تعويضها.

يقول ابن القيم في الحديث عن منزلة الغيرة: "ومنها [أي من درجات] الغيرة على وقت فات، فإن الوقت أبي الجانب، بطيء الرجوع، فالوقت أعز شيء على العابد، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك [أي بدون عبداة]، فإذا فاته الوقت لا يمكن استدراكه البتة؛ لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص... فالوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع، فطلب الرجعى، فحيل بينه وبن الاسترجاع، وطلب تناول الفائت، وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد[1].{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة : 12]

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم


[1] ابن القيم: مدارج السالكين، ج 2، ص 840، 841 .

التعليقات