في البدء قال الله عز و جل في سورة المائدة "فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ " .
تناول المفسرون هذه الآية وشرحوا معناها بكون قابيل كان جاهلا بكيفية التعامل مع جثة أخيه بعد أن قتله و بعد أن بدأ جسمه في التشوه وبدأت رائحته في الانتشار، فأرسل الله إليه الغراب ليبين له كيفية الدفن حتى لا يتأذى منه بل أن بعض المفسرين أكثر من و صف التفاصيل- التي يكمن فيها الشيطان - حتى اختلفوا في كم من الوقت بقيت الجثة بدون دفن فمنهم من قال أن قابيل حمل جثة أخيه فوق ظهره لمدة سنة منهم من قال مدة سنتين . كل ما سبق من أقوال المفسرين جيد ولا اعتراض عليه لكنه يبقى في مقام وصف الحدث و في مقام فهم ما وقع لكنه لم يصل مقام التدبر والتفكر كما رغب في ذلك القرءان الكريم، وبالتالي فسأعتمد عليه ولن أقف عنده في هذه المقالة.
فالسوأة حسب ما وجدت في معاجم اللغة هي ما يسوء المرء رؤيته من الشيء وهنا تعني تغير رائحة الجثة و تقطع الجسم، أي أن القاتل وجد نفسه أمام مشكلة بيئية تسوؤه وتقلق راحته و لم يجد لذلك حلا حتى لاحظ كيف يتعامل الغراب مع الأمر والغريب أن ابن آدم الأول تعجب كيف يمكن لغراب أن يكون أكثر منه علما ،وهذا يوحي أن الانسان بطبيعته متحد للطبيعة متطلع لإخضاعها للسيطرة، إذا نحن أمام اول اكتشاف لأول منهج في التعلم و اكتساب المهارات وهو ملاحظة الظواهر الطبيعية ومحاكاتها لحل الإشكالات التي تؤرق بال الإنسانية.
وباستعمال هذا المنهج استطاع الانسان الأول أن يرتقي في مدارج الحضارة رويدا رويدا . به استطاع أن يقي نفسه من البرد باستعمال أوبار الحيوانات و به استطاع أن يتعلم كيف يشعل النار ... و الأمثلة في ذلك كثيرة يصعب حصرها في هذا المقام, هكذا كان منذ البدء التفكر في آيات الافاق و الانفس أفضل و أرقى منهج للمعرفة و للعلم و للتعلم و للارتقاء في مدارج الحضارة الإنسانية .
حـــــــالـــيــــــــا و هذا المنهج لم يكن منهج ابن آدم الأول في التعلم و اكتساب المهارات بل يحتل اليوم مركز الصدارة في أرقى ما وصل إليه العقل البشري بل أسس لذلك علما خاصا سمي علم محاكاة الطبيعة ( ( Biomimétique الذي قيل أن مؤسسه هو المبتكر الإيطالي صاحب الموناليزا ليوراند دا فيتشي باعتباره أول من قام بدراسة قواعد الطيران من خلال دراسة حركة طيران الطيور رغم أن عباس بن فرناس سبقه لذلك بمدة طويلة.
و من الأمثلة الواضحة في هذا مـا قامت به شركت مرسيدس لتقليص شدة مقاومة الهواء لحركة السيارة و ذلك بمحاكاة تقنية إحدى أنواع الاسماك في تقليص شدة مقاومة الماء اثناء السباحة. ولن أقتصر على أمثلة من بدايات الثورة الصناعية بل سأوضح الامر بأمثلة من أحدث ما وصلت إليه التكنلوجيا الحديثة ؛ففي تكنولوجيا المعلوميات، نجد أن العديد من التطبيقات استفادت مما قدمه علم الاحياء من تفسير للظواهر الطبيعية و مما قدمه علم الاجتماع من تفسير للظواهر الاجتماعية : خواريزميات النمل les Algorithmes de fourmis هي خوارزميات مقتبسة من تفسير علم الأحياء لسلوك النمل أثناء بحثه عن الطعام وكيفية إيجاد اقصر الطرق بين مصدر الطعام و بين المسكن، تم اقتراحها أول مرة سنة 1990 كحل للإشكال الرياضي المعروف بمشكلة التاجر المتجولprobleme de voyageur de commerce الذي يجب أن يزور عدد معين من المدن ليبيع بضاعته وبالتالي يطرح مشكل إيجاد أقرب الطرق إذا اراد ان يزور كل المدن دون أن يمر من نفس المدينة مرتين ؛ لحد الان لا يوجد حل علمي دقيق لحساب اقصر الطرق التي تربط بين كل المدن ، فمثلا إذا افترضنا ان عدد المدن التي يرغب في زيارتها هي 20 هذا يعني أن عدد الطرق الممكنة هو 60*1015 و بالتالي فإننا نحتاج إلى 1928 سنة للحساب الرياضي لأقصر الطرق باستعمال حاسوب من احدث الحواسيب المتوفرة حاليا .
بالاعتماد علي خواريزمية النمل يمكن للحاسوب أن يجد حلا تقريبيا مقبولا في وقت مقبول . و لا يقف استعمال هذه الخواريزمية هنا بل هي قابلة للاستعمال اليوم في الكثير من المجالات كحل مشكل استعمال الزمن و كتسريع و الرفع من جودة التواصل بين الحواسيب و الهواتف النقالة. و هناك الكثير من الامثلة المشابهة كخوارزمية النحل les Algorithmes d’abeille التي لا زالت موضوع العديد من الابحاث الاكاديمية .
وأحدث ما و صلت إليه تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي intelligence artificiel تعتمد بالأساس علي تقنيات الشبكات العصبونية الاصطناعية Les réseaux de neurones artificiels التي تحاكي ما تمكن العلم من تفسيره حول طريقة اشتغال الدماغ البشري في معالجة المعلومات و في التعلم من التجارب، وبها –الشبكات العصبونية – وصلت التكنولوجيا إلي الرفع من ذكاء الحواسيب كإمكانية التواصل الصوتي مع الحاسوب و مع الانسان الآلي وكإمكانية التعرف علي الاشكال إلى غير ذلك .
وفك أسرار علم الطبيعة لم يكن لوحده صاحب الأثر على التقدم التكنولوجي بل حتى علم الاجتماع ثم استثماره ، إذ يعتمد عليه اليوم في تطوير ذكاء التكنولوجيا، و تستعمل بعض نظريات علم الاجتماع في البحث في موضوع الأنظمة متعددة العملاء les systèmes multi agents التي ترمي إلي جعل النظام المعلوماتي له هدف عام يرمي إلى تحقيقه في حين يتكون هو نفسه من مجموعة من العملاء Les agents كل عميل له هدفه الخاص وله تصوره عن محيطه و عن باقي العملاء و له قابلية للتواصل مع العملاء الاخرين ، و لهم قابلية التأثير في بعضهم حتي يتحقق الهدف العام للنظام المعلوماتي، و يعتبر هذا هو عصب الذكاء الاصطناعي الجماعي intelligence artificiel collectif الذي يتنبأ له الباحثون بإحداث ثورة في علم المعلومة .
إنطباعات على ضوء ما سبق، كم كان مالك بن نبي صادقا حين قال انه لا يمكن ان تقوم الحضارة إلا بعد ان يرتقي المجتمع إلي مستوى عالم الافكارأي أنه لا يكفي أن تتوفر العناصر الأساسية للحضارة التي هي الانسان + المادة + الوقت، حتى تبني الحضارة بل لابد من و جود محفز أو مركب catalyseur الذي هو الافكار حتى تتفاعل العناصر الثلاث و تنتج الحضارة، و مأساتنا نحن المسلمين كانت في التعامل مع القرءان انطلاقا من عالم الاشياء و لم نرقى في التعامل معه انطلاقا من عالم الافكار فاختلفنا في كم حسنة حمل ابن ادم الاول اخاه و إختلفنا في أي مكان قتله لم يلتفت أحدنا إلي منهجه في التعلم و لم يقل احدنا يوما لنفسه يا ويلتى أعجزت ان اكون مثل السحاب فأنتج الضوء حتي فعل ذلك غيرنا و لم يقل أحدنا يوما لنفسه يا ويلتى أعجزت ان أكون مثل السمكة فأغوص في أعماق البحار و أكتشف أصرارها حتي فعل ذلك غيرنا .....
يوسف حنيف






