جذور المفهوم:
نشأ مفهوم التنازل مع نشأة الإنسان الأول وذلك عندما وسوس الشيطان لآدم عليه السلام فعصى آدم أمر ربه وأكل من الشجرة فأخرجه من الجنة وأنزله الأرض.(قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25).سورة الأعراف.
ثم عندما احتدم الجدال بين ابني آدم فتنازل أحدهما للآخر ولم يبد رغبة في الدفاع عن نفسه ليصد عنه بلاء أخيه لكن أخاه أصر على موقفه فقتله فكانت أول عملية قتل للنفس البشرية (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) سورة المائدة.
وهذه القصة القرآنية هي التي شكلت مرجعا لبناء نظريات في التغيير الحضاري لدى الكثير من المفكرين. فمنهم من اعتبر التنازل من قبل الابن "هابيل " وعدم إظهاره قدرا من الحزم والمقاومة سببا شجع أخاه "قابيل" على ارتكاب جريمة القتل ومن هنا يدعون إلى الثورة المسلحة دفاعا عن النفس وتغييرا للظلم. ومن المفكرين وعلى رأسهم المفكر السوري "جودت سعيد" الذين يعتبرون موقف "هابيل" طريقا يجب اتباعه في مواجهة العنف مهما اشتد وذلك بالسلم حتى يتحقق التغيير الحضاري.
ولعل النظريتين تحققتا، الأولى في ليبيا والثانية في تونس ومصر. ومع الربيع العربي الذي أطاح بالكثير من النظريات في تحليل المجتمع العربي وتغيرت معه الكثير من المفاهيم مثل الخوف والجمود والتدجين ... يمكن القول إن مفهوم التنازل تحول من مدلول سلبي ارتبط بالتنازل لصالح القوى الخارجية إلى مفهوم ايجابي مضمونه تنازل القوى الفاعلة داخل المجتمع لبعضها البعض ولصالح الشعوب لتتقوى الجبهة الداخلية مما ينعكس إيجابا على مواقف هذه الدول من القضايا الخارجية التي تمس المجال الحيوي والأمن القومي والقوة الناعمة التي فقدتها الدول العربية وجل الدول الإسلامية.
ما قبل الربيع العربي:
التنازل بمعنى الخضوع والانبطاح. لقد ارتبط مفهوم التنازل في العقود الماضية التي تلت مرحلة استقلال الدول العربية والإسلامية عن الاستعمار المباشر بمعنى الانبطاح والخضوع وعم التنازل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية لدرجة أصبحت فيها هذه الدول غير قادرة على ممارسة أدنى حدود السيادة الوطنية بخصوص القضايا الإقليمية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وكان هذا التنازل على حساب حرية الشعوب وكرامتها وتطلعاتها إلى الديمقراطية والعدالة. وقد شكلت القضية الفلسطينية أبرز مثال للتنازل بمفهومه السلبي الذي بدأ بقبول الدول العربية إنشاء الكيان الصهيوني العنصري على أرض فلسطين وموافقتهم على تقسيمها إلى دولتين، واستمر مسلسل التنازلات في مفاوضات غير متكافئة أدت إلى القبول باتفاق أسلو و بدولة مقطعة الأوصال ليبلغ التنازل مداه بالتخلي عن حق عودة اللاجئين والقدس جوهر القضية والصراع والفضائح التي نشرها موقع وكليكس قبيل اندلاع الثورة التونسية والمتعلقة بتنازلات السلطة الفلسطينية مع المفاوض الصهيوني. وهي التنازلات التي لم تكن لتحدث لولا مباركة ودعم النظام الرسمي العربي البائد لسياسة السلطة الفلسطينية.
والمدلول السلبي نفسه للتنازل هو الذي لازم النظام المصري المنهار والذي تجسد في اتفاقية السلام المذلة التي وقعها الرئيس المغتال أنور السادات مع الكيان الصهيوني عام 1979 م والتي تضمنت بنودا تنازلت فيها مصر عن حقوقها المشروعة في ممارسة سيادتها الوطنية على كامل أراضيها المحررة في حرب رمضان 1973 م . ليأتي الرئيس المخلوع "محمد حسني مبارك" ويواصل مسلسل التنازلات السياسية والاقتصادية المميتة التي جعلت مصر تصدر الغاز للكيان الصهيوني بثمن تفضيلي مقابل تجويع غزة وإغراقها في الظلام.
هذه التنازلات القاتلة هي التي أدت إلى فقدان مصر لقوتها الناعمة ودورها الريادي الذي يفترض أن تقوم به في العالم العربي وإفريقيا وهذا ما جعلها تعاني مشاكل حقيقية وصلت حد التهديد بالحرب من قبل دول افريقية ضعيفة بسبب نهر النيل مع العلم أن الكيان الصهيوني هو الذي يحرك هذه الدول من وراء الستار تحت غطاء العلاقات الدولية.
إن مدلول التنازل السلبي ارتبط بجل الدول العربية والإسلامية التي تنازلت أنظمتها عن سيادة الدولة الوطنية وحقوقها السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية لصالح السياسات الأمريكية والأوربية في الشرق الأوسط التي عملت وتعمل بكل جهد لإعادة صياغة شرق أوسط جديد تابع لمصالحهما المرتبطة ارتباطا وثيقا بمصالح الكيان الصهيوني. فقد انتهكت السيادة الوطنية لدول عربية وإسلامية وشكلت أراضيها منطلقات لاحتلال دول كما حدث في العراق ولبنان كما شكلت سجونا لمعتقلي "غوانتنانو" وتخلت هذه الدول عن حقوقها الاقتصادية وسخرت أموال الخليج لإخراج الولايات المتحدة الأمريكية من أزمتها الخانقة. بينما نفذت دول أخرى سياسيات اقتصادية لصندوق النقد الدولي كما تخلت عن واجبها في حماية المواطنين فنشطت حركة التنصير ودعم الانحرافات السلوكية كالشذوذ والإفطار علنا في رمضان وتفكيك الأسرة تحت مسمى الحريات الفردية وحقوق الإنسان.
كل هذه التنازلات كانت على حساب الجبهة الداخلية لهذه الدول وعلى حساب شعوبها التي ذاقت مرارة السجن والتعذيب والقتل والنفي والقمع في سبيل البقاء في الكراسي مدى الحياة مقابل حماية المصالح الغربية غير المشروعة والارتهان بالمنظمات الدولية الحقوقية والثقافية والاقتصادية والعسكرية وما جرته على الدول العربية والإسلامية من خراب في المناهج التعليمية والبرامج الثقافية والاقتصادية وتحولت هذه التبعية العمياء إلى وقود مباشر وغير مباشر أشعل الربيع العربي الذي وصل تأثيره إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا وأصبح الاحتجاج ليس على النظام الحاكم في الدول الغربية لأنه في الظاهر ديمقراطي لكن على النظام الرأسمالي اللبرالي المتوحش.
المدلول الجديد للتنازل في ظل الربيع العربي:
في عز الربيع العربي وسقوط الكثير من المفاهيم والنظريات التي شكلت أدوات تحليل لوضعية الشعوب العربية وأفاق التغيير لدى العديد من المفكرين، سقط مدلول التنازل السلبي وتحول إلى مدلول ايجابي يرتبط بالتنازلات الداخلية بين القوى الفاعلة في المجتمع التي تقوي الدولة داخليا لتتعاطى مع القضايا الخارجية بقوة وجرأة تأخذ فيها المبادرة، مما يمكنها من ممارسة سيادتها الوطنية وحماية أمنها القومي بمفهومه الواسع الذي يعني بناء أسس الحرية والعدالة والكرامة والتنمية الاقتصادية للمواطن لسد الباب في وجه التدخلات الدولية تحت مسمى حماية حقوق الإنسان والحريات والأقليات والمساعدات الإنسانية.
تلك الأسس التي ارتكزت عليها التجربة التركية الحديثة مع حزب العدالة والتنمية الذي نقل تركيا من دولة مهمشة إلى قوة إقليمية قوية بل دولية تنافس الدول الكبرى. لقد أخذ التنازل مدلوله الايجابي الجديد من واقع الثورات العربية التي تؤرخ لمرحلة استقلال جديدة بانهيار أنظمة ارتبط حكمها بتنفيذ سياسة القوى الغربية. وأصبح التنازل يعني التوافق والعمل بين القوى الفاعلة داخل المجتمع على المشترك وتدبير المختلف حوله بآلية الديمقراطية كما يعني التنازل تقليص المسافة بين الحاكم والشعب .
إن أولى تجليات التنازل الايجابي ظهرت في نسيان القوى الفاعلة في الربيع العربي لخلافتها الإيديولوجية الضيقة والتنازل عنها لصالح تكريس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية تماما كما تجسد تجسد ذلك في ميدان التحرير بالقاهرة طيلة أيام الثورة. وكانت أولى ثمرات هذا التنازل هو انهيار ثلاث أنظمة ديكتاتورية لم يكن أحد يحلم بانهيارها بل لم يصدق كما حدث للمحامي التونسي صاحب العبارة الخالدة " بن علي هرب!!".
وقد تكرس المدلول الايجابي للتنازل بالتوافق بين حزب المؤتمر من اجل الجمهورية وحركة النهضة لبناء تحالف يقود الجمهورية التونسية الثانية وهو التحالف الذي ما كان لينجح لولا التنازل المتبادل عن الأيديولوجيات للعمل فيما هو مشترك. وهذا ما جعل الجبهة الداخلية قوية فانعكست على المواقف الخارجية التي تجلت في التصريحات القوية والجريئة التي هاجم فيها الرئيس التونسي المنتخب المنصف المرزوقي تصريحات وزير خارجية فرنسا السابق "هوبير فدرين" واصفا إياها بـ "التصريحات الثقافية التمييزية، لئلا أقول عنصرية". واعتبر الفرنسيين سجناء أفكار مسبقة حيال الإسلام، "معتبرا أن المخاوف الغربية حيال إسلاميي حزب النهضة غير ذات معنى".
وأكد أن "روحية الاستعمار انتهت. إن ثورة كانون الثاني 2011 منحتنا الديمقراطية والجمهورية وأخير الاستقلال". إنه خطاب يعكس القوة النفسية والداخلية التي يشعر بها الرئيس التونسي بفضل مدلول التنازل الايجابي. وبعدها رأينا كيف تنازل رئيس الوزراء المصري المؤقت "كمال الجنزوري" عن راتبه الشهري لصالح المراكز التي تقدم الخدمات المجانية للأطفال ـ مستقبل الأمة ـ ومراكز القلب. ثم تلاه تنازل الرئيس التونسي ، المولود من رحم الثورة، عن القصور الرئاسية وعن راتب 30 ألف دولار ليبقى راتبه 2000 دولار وهو ما يعادل راتب موظف مغربي في آخر رتبة في السلم 11 أو خارج السلم وتخصيص تلك الأموال للتشغيل ومحاربة البطالة.
وبعد مصر وتونس يأتي تنازل نواب حزب العدالة والتنمية عن راتب 5000 درهم لكل نائب وتنازل وزراء الحزب نفسه عن 20 %بالمائة من رواتبهم في انتظار التنازل على الكثير من الامتيازات المخصصة للوزراء لصالح التشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية وهو التنازل الذي يجب أن يبقى متجها في المنحي الايجابي مقابل الحذر من أي تنازل مهما كان ضئيلا في محاربة الفساد والاستبداد وإحالة المفسدين إلى العدالة وذلك ما ينتظره المواطن المغربي من حكومة ذ: "عبد الإله بنكيران". ودون ذلك سيتجه الشعب إلى خيار الشارع الذي تجنبه المغرب لحد الآن بفضل جرأة الملك في وضع دستور متقدم وفعالية التيار الإسلامي المشارك الذي يؤمن بالتغيير التدريجي في ظل الاستقرار.
خلاصة:
إن الربيع العربي والحراك المغربي أعاد للفظ التنازل مدلوله الصحيح بما هو تراحم بين جميع القوى الفاعلة في المجتمع على اختلاف توجهاتها من أجل مواجهة التحديات الحقيقية الداخلية والخارجية. كما جاء في الآية (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) الفتح الآية 29. فبقدر ما كان التنازل توافقا على تحقيق الديمقراطية والحرية والعدالة بقدر ما انعكس إيجابا على المواطن وقويت الجبهة الداخلية وأهلت الدولة لكسب رهانات التنمية داخل الوطن ومواجهة التحديات الخارجية وممارسة السيادة الوطنية في المجال الحيوي للدولة والحفاظ على الأمن القومي بمفهومه الواسع ويتحول مثلوا الشعب من الرئيس إلى آخر منتخب أدوات تنفيذية فقط للإرادة الشعبية.
ذ: مصطفى هطي






