فجأة يكتشف بعض إخواننا المغاربة سؤالا وجوديا كبيرا اسمه "سؤال الهوية المغربية ؟ ".
فجأة يكتشفون أن المغاربة – بعد هذه القرون المتطاولة من التفاعل والتعايش – لا يعرفون من هم؟ أو أنهم عاشوا كل هذه المدة بهوية محرفة غير هويتهم الحقيقية !!!
هل يمكن لشعب من شعوب الأرض أن يعيش قرونا ممتدة من الزمان بهوية لا يعرفها؟ هل يمكن لجماعة بشرية أن تعيش بهوية مزورة فرضت عليها بالسيف؟ هل يمكن لهوية شعب ما أن تتعرض لمؤامرة تاريخية لتحريفها وإفراغها من محتواها وطمس معالمها دون أن يبدي ذلك الشعب أي مقاومة؟.
الحقيقة والتجربة، والتاريخ والواقع، وطبيعة الأشياء، ومعايير التفكير الموضوعي تقول أن مثل هذا غير ممكن، وغير واقع من أي شعب، في أي مكان من الأرض، ولا في أي مرحلة من التاريخ.
المغاربة يعرفون جيدا من هم، ويدركون تمام الإدراك هويتهم، ولا يرتابون في ذلك ولا يشكون، ولا مشكلة هوية عندهم تحتاج إلى سؤال أو حل.
الهوية المغربية معروفة كل المعرفة، ظاهرة كل الظهور، واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
الهوية المغربية مثلث من ثلاثة أضلاع، هي الإسلام، والعروبة، والأمازيغية، حصل بينها من التفاعل والانصهار ما جعل منها خليطا متجانسا، ومزيجا منسجما، ولونا ثقافيا وحضاريا واحدا، لا يمكن فصل ضلع من أضلاعه، ولا عزل مكون من مكوناته.
المجتمع المغربي، والإنسان المغربي، تنطبق عليه ثلاثة ألوان ثقافية منسجمة ومتكاملة: ينطبق عليه أنه مسلم، وأنه عربي، وأنه أمازيغي، في آن واحد، دون أن يكون بين هذه الأوصاف أدنى تعارض أو تناقض، أليس يحمل في ذاته من كل ذلك ما يحمل؟ أليس تسري في عروقه الدماء العربية الأمازيغية المختلطة؟ أليس يمتلئ وجدانه وضميره من مفاهيم الإسلام العظيم ومن مفردات الثقافة العربية والأمازيغية إلى حد الثمالة؟ أليس يجري على لسانه من الألفاظ الإسلامية والعربية والأمازيغية ما يجري؟ أليست الدارجة المغربية مزيجا لغويا وسطا بين العربية والأمازيغية؟.
إن الإسلام، والعربية، والأمازيغية، باعتبارها مكونات ووجوها وروافد للهوية المغربية، لا يلغي بعضها بعضا، ولا يتنافى بعضها مع بعض، وإلا لما تسنى للمغاربة العيش بها كل هذه القرون، في أمن روحي، وانسجام فكري، وتوازن نفسي، ووحدة ثقافية واجتماعية وسياسية، كل ما في الأمر أنها عناوين لنفس المضمون، وتعبيرات عن نفس الحقيقة، وأسماء متعددة لمسمى واحد.
ولذلك، فإن وصف المغرب أو المغاربة بوصف من هذه الأوصاف، هو من باب التعبير عن الهوية المغربية بوجه من وجوهها، أو رافد من روافدها، أو مكون من مكوناتها، وهو أمر جائز ومقبول، ما لم يكن صادرا عن خلفية اختزالية تجزيئية للهوية المغربية.
تلك هي هوية المغاربة التي عاشوا بها تاريخهم، ويحيون بها واقعهم، ويحملونها في ضمائرهم، وتجري على ألسنتهم، وتنطق بها يوميات حياتهم الفردية والجماعية، ولذلك لم يكونوا يوما بحاجة إلى السؤال أو التساؤل حولها، فضلا عن اعتبارها "مشكلة" تحتاج إلى حل، أو " أزمة" تحتاج إلى مخرج.
أما ما يذهب إليه بعض إخواننا في الهوية والوطن من أن المغاربة يعيشون " أزمة هوية"، فهو راجع – في رأينا – إلى نوع من التعامل الانتقائي والنظرة التجزيئية، التي تفصل بين مكونات الهوية المغربية، وتصطفي منها ما تريد وتسقط ما تريد، وتختزلها في بعد واحد من أبعادها، وتأبى أن تنظر إليها في شمولها وكليتها، باعتبارها كلا لا يتجزأ ووحدة لا تنفصم.
أن يشعر بعض هؤلاء ويعتز بانتماء لغوي أو ثقافي جزئي، في إطار الانتماء الكلي إلى الوطن والهوية الوطنية، فهذا أمر فطري طبيعي لا غبار عليه ولا مشكلة فيه. أما أن يعتصم هذا البعض ببعد واحد من أبعاد الهوية، ويتنكر لبقية الأبعاد و يناصبها العداء، فهذا ينم عن أزمة خانقة ومشكلة هوية كبيرة لدى هؤلاء خاصة، وليس عند عموم المغاربة.
الذي يحمل من البشر أزمة في ذاته يظهر له أن الجميع يحملها، ومن يعاني منهم مشكلة يرى أن الكل يعانيها، ولذلك يسقط أصحاب "سؤال الهوية" أو "مشكلة الهوية" سؤالهم ومشكلتهم على عموم المغاربة، والمغاربة من ذلك السؤال وتلك المشكلة أبرياء.
هي – إذا – مشكلة خاصة بأصحابها، وهي حصاد نفسيات غير متوازنة، وقناعات فطيرة، وتجارب من التيه والضياع بين تيارات وفلسفات ومذاهب وافدة أقل ما يقال عنها أنها تجارب بشرية، تحمل بصمات أصحابها، وتعبر عن سياقها التاريخي، ولا تستطيع أن تتجاوز إطارها الزماني والمكاني.
ولا غرو فإن من تربى وترعرع بين أحضان الثقافة المغربية الإسلامية بتعبيراتها العربية والأمازيغية، ثم ارتمى فجأة ودون حصانة فكرية في حضن الثقافة الفرنكفونية، ثم عب من المقولات الماركسية اللادينية ما عب، لا غرو أن يقع في أزمة هوية خانقة، وأن يتوهم أن الأمر يتعلق بأزمة مجتمعية شاملة لا ينجو منها ولا يستثنى منها أحد.
التعامل الانتقائي والنظرة الاختزالية للهوية المغربية، والتعصب لمكون من مكوناتها، والعداء لباقي المكونات، خطأ مفتعل قاتل جعل من أصحابه زمرة معزولة تغرد خارج سرب المغاربة، وصنع منهم نخبة بلا عمق شعبي ولا امتداد جماهيري، ولا تمثل إلا نفسها ولا تمثل أحدا.
وبكلمة، فإن من يعادي الإسلام لا يمكن أن يكون مغربيا، ومن يعادي العربية لا يمكن أن يكون مغربيا، ومن يعادي الأمازيغية لا يمكن أن يكون مغربيا، لأن الهوية المغربية كل لا يتجزأ ووحدة لا تنفصم، ولأن إجماع المغاربة التاريخي قد انعقد على هذه الأضلاع الثلاثة، ولم يفرق بينها، ولم يتعصب لواحد منها.






