الاستشارة:
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته، لدي سؤال شرعي أرجو الإجابةعليه. ماهو التأصيل الشرعي للاجتماعات المختلطة التي نعقدها في حركة التوحيد والإصلاح؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب:
المقصود بالاختلاط وجود الرجال والنساء في مكان واحد يجمعهم لقضاء حاجاتهم التي من خلالها وقع اجتماعهم.
والاختلاط في الاجتماعات وغيرها من الأعمال من الأمور التي الأصل فيها الجواز. ومن أراد أن يحرم على الناس عملا من الأعمال فإنه هو المطالب بإخراج الدليل المحرم وليس العكس.
هذا من جهة. وأما من جهة ثانية فإن الأدلة على الاختلاط زمن النبوة لا تعد ولا تحصى، نذكر منها:
1. أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يدخلون الأسواق ويعمرونها، وهي مختلطة بين الرجال والنساء، ولم يعرف عنهم وهم الذين لا يتنازلون عن الأعراض وهي عندهم مقدسة في الجاهلية إلى درجة أن الدم هو الذي يغسل عار التسور عليها. بل إننا وجدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد جعل الشفاء بنت قيس حسيبة على الأسواق، وهي أماكن يرتادها النساء والرجال يتبايعون ويتشاحون في الأثمنة وغيرها.
2. ما ورد صحيحا ثابتا أنهم كانوا يصلون في المسجد الواحد يضمهم، ولم تكن تم حواجز بين الرجال والنساء، وصفوف النساء قريبة من الصف الأخير الذي هو الصف الأول للنساء. وثبت أن من الصحابة من كان يصلي في آخر الصف للنظر إلى امرأة جميلة، وكان آخرون يلجمون أنفسهم بالتقدم، فنزل قوله الله تعالى: " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين".
وفي هذا دلالة على اختلاطهم في المسجد وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مسوسا ككثير من الناس، حيث تم تصحيح السلوك الاجتماعي وتعديله، ولم يلجأ إلى الفصل كما هي أمنية هؤلاء.
3. أنهم كانوا جميعا يحضرون إلى دروس العلم التي كان صلى الله عليه وسلم يعقدها لهم، وكان يعلمهم جميعا، وربما سألهم فأجاب الرجال، وربما سألهم فأجابت النساء، كل ذلك واقع بحضوره صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك حديثه صلى الله عليه وسلم وسط المسجد حيث:"..أقبل على الرجال فقال : هل منكم الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره واسْتَتَر بِسِتْر الله . قالوا : نعم . قال : ثم يجلس بعد ذلك فيقول : فعلت كذا، فعلت كذا ؟ فَسَكَتُوا . فأقبل على النساء فقال : هل منكن مَن تُحَدِّث ؟ فَسَكَتْن ، فَجَثَتْ فتاة كِعاب على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليراها ويسمع كلامها، فقالت : يا رسول الله إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثنه . فقال : هل تدرون ما مثل ذلك ؟ فقال : إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانا في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه . رواه أبو داود ، ورواه الإمام أحمد مِن حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها . وصححه الألباني بِمجموع طُرُقه .
ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على اختلاط الرجال بالنساء في المسجد، وسؤالهم جميعا في موضوع يتعلق بالعلاقة الزوجية، وأن الرجال لم يتكلموا وتكلمت امرأة من وسطهن، فبين لهم عليه الصلاة والسلام ما ينبغي فعله وما ينبغي تركه.
4. أنهم كانوا يعرضون حاجاتهم عليه صلى الله عليه وسلم بمحضر الصحابة رجالا ونساء، ومن هذا قول المرأة للنبي صلى الله عليه وسلم كما هو في الصحيحين عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم (وهو في المسجد) فقالت: يارسول الله جئت أهب لك نفسي. قال : فنظر إليها رسول الله فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رسول الله رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست. فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها...(رواه البخاري ومسلم).
وفي هذا الحديث دلالة على اختلاط الرجال بالنساء في المسجد، وكان الموضوع هو عرض المرأة نفسها عليه عليه الصلاة والسلام، وفيه دلالة على تصعيد النظر وتصويبه، أي أنه نظر إليها من أسفلها إلى أعلاها. ..الخ. والمقصود دلالة هو وجود الاختلاط بين الجنسين من غير نكير.
5. ومنه أيضا ما ورد من شكاية النساء من غلبة الرجال عليهن، فعن أب سعيد الخدري قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه .."الحديث(كتاب العلم: باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم).
وهذه الشكاية لم تكن لولا ما كان من اختلاطهم واجتماعهم حوله صلى الله عليه وسلم، حتى وجدوا تضايقا منهن فيما يردن قوله من غير حضورهم، وأنه استجاب لرغبتهن بتخصيص يوم خاص بهن وأنهن مستفيدات مما يكون أيضا عند اختلاطهم جميعا.
ففي الاختلاط الوارد في مثل هذه الأحاديث من المقاصد ما يلي:
- التعلم وسط الجماعة، فالجماعة حارسة للفضيلة، وأن ما يخاف منه هو الخلوة والانفراد.
- تحقيق الحاجات من مثل تيسير الزواج وغيره.
- تصحيح الغلطات، إذ لو لم يكن تم اختلاط ما عرفت الهنات وما صححت.
ففي هذا القدر من الأدلة كفاية لمن سطعت عليه أنوار الهداية.
نعم، إن الذي يحرمه العلماء عند الاختلاط هو التصاق الأجسام أو ما يسمونه باختلاط الأنفاس، فهذا هو الذي يقولون إنه حرام. ونحن نقول بقولهم ونذهب مذهبهم: إن الالتصاق واختلاط الأنفاس حرام ومنكر وكبيرة من الكبائر يجب أن تجتنب. وما عدا هذا من الاختلاط من أجل التعليم أو الدعوة أو لقضاء الحاجات الانسانية في إطار الجد وباحترام ما تدعو الشريعة إليه، فليس به من بأس إن لم يكن واجب إذا تعلق بواجبات.
وأما من لم يعتقد ما بسطناه فليتجنب الاختلاط ولا يسرع في الزجر على من يرى غير رأيه، ولكل وجهة هو موليها، والسلام.
الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الاسلامية/ البيضاء






