الإثنين, 13 فبراير/شباط 2012 12:13

استشارة: هل أشرب دواء يحتوي على نسبة من الكحول؟؟

قييم هذا الموضوع
(1 صوت)

الاستشارة:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد: اشتريت أحد الأدوية لعلاج كحة ألمت بي، وعندما راجعت مكونات الدواء وجدت أن به نسبة من الكحول. ما حكم الشرع في تناول هذا الدواء؟ جزاكم الله خيرا.

الجواب:

تدخل هذه القضية عند الفقهاء في مسألة النجاسات في الأطعمة والأشربة، هل تحرمها أو لاتحرمها؟ وما هو المقدار المعفو عنه منها؟

 

وعموما فإن النجاسات عندهم إن كانت قليلة فإن وجودها كعدمها لا يلتفت إليه نظرا لقلتها. ومعيار القلة عندهم متعدد، أهمه: أن لا تغير اختلاط النجاسات بالمطاعم والمشارب طعمه أو لونه أو رائحته، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، ما لم يتغير ريحه أو طعمه "(سنن الترمذي: أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث: ‏65‏).

وبالنسبة لقضية وجود الكحول في الأدوية المسؤول عنها، لا بد من تقييد ملاحظة تساعد في الفهم، وتساعد في إعطاء الحكم. هذه الملاحظة تتمثل في كون هذه المطعومات دواء أو مأكولات لا تلقى فيها الخمر الصرفة وتخلط بهذه الأدوية، فهذا لا يوجد حسب علمنا ومن خلال بحوث المختصين في مجال الصناعة، ولكن الحاصل أن مكونات الأدوية عند اختلاطها تفرز مادة كحولية بنسبة محددة.

ولا يعني وجود نسبة من الكحول أنهم صبوا الخمور في الدواء، ولكنه وقع بفعل التفاعل الكيميائي عند اجتماع هذه المواد.

ووجود هذه النسبة من الكحول في الدواء لا يؤثر في جواز تناول مثل هذه الأدوية. فإن وجود نسبة من الخمر في مجموعة من الطعام ينشأ بشكل تفاعل كيماوي بين المواد لا يزال غير منكور عند العلماء إلى اليوم ، فالخمائر التي تصنع منها الخبز والعجائن والمشروبات الغازية وغيرها مما يتناوله الناس من غير تحريم عند أهل العلم. ويذكر المتخصصون أن الغسول والعطور وغيرهما من المواد تحتوي على نسبة من الكحول مؤكدة علميا ومخبريا.

والذي حرمه أهل العلم هو التداوي بالخمور الصرفة، وهي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: إنها داء وليست بدواء.

ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللهَ لم يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّم عَلَيْكُمْ"(رواه البخاري في صحيحه).

ولقوله:" إنَّ اللهَ أنزَل الدَّاءَ، وجعَل لِكُلِّ داءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، ولا تَتَدَاوَوْا بحَرَامٍ"(رواه أبو داود في السنن).

وقال لطارق بن سويد - لما سأله عن الخمر يُجعَلُ في الدواء:" إنَّ ذلك لَيْسَ بِشِفَاءٍ ، ولَكِنَّه دَاءٌ"(رواه ابن ماجه في سننه).

وتجدر الإشارة أن قوله صلى الله عليه وسلم:" ما أسكر كثيره فقليله حرام"، يؤكد جواز استعمال ما ذكرتموه من الأدوية، على اعتبار أن أي مستعمل لهذه الأدوية بكثرة لن يقع في السكر قطعا. مما يدل على أن هذه النسبة مستهلكة ذائبة في الطعام أو الدواء المستعملين. وهذه قاعدة نافعة.

ومن جهة ثانية فإن نسبة من النجاسة كالخمر أو غيره إذا كانت قليلة واختلطت بالكثير من الحلال، يبقيها حلالا وإن دخلت في مكونات هذا الحلال، لأنها تستحيل وتختلط وتتغير، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:" إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"( صحيح ابن خزيمة: كتاب الوضوء: جماع أبواب ذكر الماء الذي لا ينجس: باب ذكر الخبر المفسر للفظة المجملة التي ذكرتها، حديث:‏91‏).

فجعل صلى الله عليه وسلم المشروبات التي تحمل نجاسة وحراما إذا كانت قليلة فإنها لا تؤثر في بقاء الحلية، وهي قاعدة الفقهاء: الحكم للغالب الشائع، لا للقليل النادر. ولهذه القاعدة الفقهية فروع فقهية كثيرة منتشرة عند الفقهاء، هذه المسألة المستفسر عنها واحدة منها.

وقد صدر الجواز عن المجامع الفقهية ومراكز البحوث الشرعية باستعمال الأدوية المشتملة على نسبة من الكحول تقتضيها الصناعة الدوائية، كالكحول المطهرة للجروح الخارجية، أو القاتلة للجراثيم...وغيرها.

وعليه فإننا نقول: ما دامت هذه الأدوية قد وصفها طبيب مسلم، فإن الأصل هو جوازها وإن احتوت على نسبة ضئيلة من الكحول لما سبق ذكره من المسوغات والأدلة الشرعية. والله أعلم.

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية بالدار البيضاء

أخر تعديل في الإثنين, 13 فبراير/شباط 2012 12:30

التعليقات