Thursday, 09 March 2017 18:14

البراهمي يكشف كل شيء عن الحملة الوطنية لترشيد الاستهلاك (حوار)

في إطار إطلاق الحملة الوطنية لترشيد الاستهلاك "ترشيد الاستهلاك من ترشيد التدين"، ينشر موقع "الإصلاح"، حوارا مع الدكتور محمد البراهمي؛ مسؤول قسم الدعوة لحركة التوحيد والإصلاح.

ويبرز البراهمي من خلال هذا الحوار العلاقة بين قضية الاستهلاك والفعل الدعوي، والداعي لاختيار قسم الدعوة للحركة هذا الموضوع، كما يوضح الفرق بين الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك الذي يهدف إلى حماية الإنسان الذي تعتمده الحركة، والدعوة إلى مقاطعة الاستهلاك الذي يتنافى مع أهداف الحملة التي يستعرضها البراهمي في الشق الثالث من هذا الحوار الخاص، ليكشف في الشق الرابع والأخير من الحوار عن الوسائل والآليات التي ستعتمدها الحركة في هذه الحملة، والشركاء المساهمون في تنزيل هذه الحملة، وإليكم نص الحوار كاملا:

تقبل حركة التوحيد والإصلاح على تنظيم حملة وطنية حول ترشيد الاستهلاك، ما علاقة قضية الاستهلاك بالفعل الدعوي؟ وما الدعي لاختيار هذا الموضوع؟

الحملة هي تعبير حقيقي عن الفعل الدعوي الذي هو ترشيد للسلوك في مختلف مظاهر الحياة، فالله خلقنا ليَبْلونا أيُّنَا أحسن عملا، ليس فقط في العبادات المفروضة، والتشريعات المنصوصة، بل في مختلف مظاهر الحياة، وفي مختلف التصرفات والعلاقات، قال تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" الأنعام الآية 162.

وهي تجسيد لتوجه حركة التوحيد والإصلاح في التعاون على ترشيد التدين والتشارك في ترسيخ قيم الصلاح والإصلاح، فهي مساهمة منها في حماية المجتمع من مظهر من مظاهر الغلو في التصرف والعلاقات.. حيث تسعى إلى ترسيخ قيمة من قيم الإسلام، وهي قيمة الوسطية والاعتدال، والتي تعتبر خاصية هذه الأمة، وسبب تفضيلها وشهادتها على الناس قال الله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" البقرة 143.

وتزداد أهمية هذه الحملة دعويا في كونها تستجيب لتحدي كبير من تحديات الواقع المعاصر، والمتمثل في البعد عن حد التوازن والاعتدال في الاستهلاك، والذي انعكس سلبا على الأفراد والأسر والبيئة والمجتمعات، إذ تؤكد العديد من التقارير الإسراف الكبير في الإنفاق، الذي آل كما جاء في تقرير للمندوبية السامية للتخطيط ب 45،1 %  من الأسر المغربية إلى رمي بين 60 درهم إلى 600 درهم في الشهر من الطعام في القمامة، و حوالي 42 %  من المواد الغذائية التي تدخل إلى البيوت تعود إلى النفايات، وترتفع هذه النسبة في شهر رمضان لتصل إلى  84،8 % ، بل أصبحت هذه الظاهرة حالة مرضية لدى الكثير من الناس الذين أدمنوا على التسوق، واحترفوا تتبع المنتجات والتخفيضات وآخر الصيحات في مختلف المنتجات، وأصبح الاستهلاك وسيلة لنسج وبناء العلاقات حتى بين أفراد الأسر، فتحولت من علاقات تراحمية إلى علاقات تعاقدية يحدد الاستهلاك طبيعتها ونجاحها أو فشلها.

فقد استحكمت نزعة الاستهلاك لدى الأفراد والأسر، وأثرت على القيم الأخلاقية، والوضعية الصحية، فمعظم الاختلالات الصحية والأمراض كما قال الدكتور أحمد الريسوني مردها إمّا إلى نقص في الطعام أو إلى عدم التوازن في الطعام، وأكثرها يرجع إلى الإفراط في الطعام والشراب، والقرآنُ ـــ كما ورد عن الدكتور أحمد الريسوني في قولةٍ لعلي بن الحسين ـــ جمع الطب كله في نصف آية وهي قوله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا".فالصحة كلها مدارها حول ترشيد الأكل والشرب بلا إفراط ولا تفريط.

وينتج عن الإفراط في الاستهلاك تفريط في الحقوق والواجبات، وتطاول على حقوق الضعفاء، فالتبذير اعتداء وظلم في حق القريب والفقير والمسكين، والله تعالى يقول " وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا" الإسراء الآية 26

وعَن جَابِرٍ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا ، بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَعَنْ يَمِينِكَ ، وَعَنْ شِمَالِك". رواه مسلم

ومن النماذج الواضحة في مجتمعنا التي تحتاج إلى ترشيد وتوجيه في استعمالها: استهلاك الماء والكهرباء والملابس والتجهيزات المنزلية، والمأكولات والمشروبات خاصة في المناسبات.. فكثير من المشاكل الأسرية والاجتماعية التي تنشأ بين الأزواج، وبين الآباء وأبنائهم، وبين الإخوة أنفسهم، وبين الجيران وغيرهم من فئات المجتمع، مردها لعدم ترشيد الاستهلاك، أو إلى استحكام هذه الظاهرة في طبيعة العلاقات، بحيث أصبحت الموجه والمؤطر للنظرة إلى الحياة كلها. ففي الوقت الذي ينبغي الاحتكام فيه لقيم الإسلام ومعاييره في العلاقة الإنسانية القائمة والممثلة في قيم التراحم والتعاون والتسامح والإحسان والزهد... نجد مع تضخم ثقافة الاستهلاك استحكام قيم أخرى غريبة عن ثقافتنا ومرجعيتنا ومُثُلِنَا، وهي قيم المادة وما ينعكس عنها من إتباع للشهوات، وانسياق وراء النزوات المشروعة وغير المشروعة، والتي تؤثر على البيئة والمجتمع والأسرة والفرد، وتشوه العلاقات الاجتماعية، وتفسد الفطرة البشرية، وينتج عنها آثار تتعدى العلاقات الإنسانية للبيئة.

فقد استحكمت الظاهرة في المجتمعات عامة بشكل أصبحت فيه تهدد العلاقات الاجتماعية، وتؤثر على استقرار البشرية ومآلاتها، فما المخاطر والظواهر البيئية التي تهدد الوجود إلا نتيجة طبيعية للإفراط في استهلاك موارد الطبيعة وخيراتها، ما جعل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله يقول أننا في حاجة إلى خمس كرات أرضية مصدرا للمواد الطبيعية، ونحتاج لاثنين لإلقاء النفايات .."

فالحركة من خلال هذه الحملة تُقَارِبُ ظاهرة معقدة لها أبعاد فكرية وسلوكية، وآثار تربوية واجتماعية واقتصادية تطال مختلف الفئات، كما تطال البيئة والمجتمع. والتحسيس بها من شأنه  أن يخلق وعيا بامتداداتها وآثارها، ويشكل مناعة من مخاطرها وتهديداتها، مما سيعود بالنفع والخير على الفرد والأسرة والمجتمع والبيئة.

ألا ترون أن بحملتكم هذه تشجعون على مقاطعة الاستهلاك الذي يعتبر محركا للاقتصاد الوطني وخلق فرص الشغل؟

أكيد أن الدورة الاقتصادية تقوم على الاستهلاك، فهو سبب من أسباب التطور والتنمية، وهو الغاية من النشاط الإنتاجي في كل مجتمع... بل يمكن الإضافة أنه فطرة بشرية، ويمكن اعتباره طاعة يتقرب بها العبد إلى خالقه، فالله تعالى خلق لنا نعمه لنتنعم بها أكلا وشربا وملبسا وسكنا،.. وحثنا على التمتع بنعمه في آيات عدة منها قوله تعالى " كلوا مما في الأرض حلالا طيبا" البقرة الآية 168، وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون" البقرة الآية 172، وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" رواه الترمذي، لكن الحث على التنعم يقابله شكر للنعمة، والاقتصاد فيها بدليل القيد الوارد في قوله تعالى " واشكروا له" ومن تمام الشكر عدم الإسراف لتعلق الحب بالاقتصاد والاعتدال في النفقة، حيث قال تعالى " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"والحب من الله توجيه لتمثل ما يحبه سبحانه وتعالى، أي أن الله يحب المقتصدين في النفقة والاستهلاك، ثم من تمام الشكر عدم التبذير ومراعاة حق الفقراء فيما أنعم الله به علينا، ويُثبت هذا قوله تعالى " " وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا" الإسراء الآية 26

 فالذي تدعو إليه الحركة هو الاقتصاد والاعتدال في النفقة وليس الإعراض عن الاستهلاك، فهذا لا يقول به عاقل لمخالفته نصوص الشرع، وسنة الحياة والوجود، والذي تدعو إليه الحركة هو التمتع بنعم الله من غير إسراف، والعدل في الاستهلاك ومراعاة حقوق المحتاجين والفقراء، وضمان هذا الحق لهم في أرزاقنا وأموالنا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول " "كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في غير إسرافٍ ولا مخيلةٍ" رواه البخاري.

والذي تدعو إليه الحركة هو الاقتصاد في النفقة تجنبا لحسرة وملامة الإسراف في العاجل والآجل، وتفاديا للآثار السيئة التي تنعكس في أخلاق الإنسان وعلاقاته العائلية والاجتماعية، والله تعالى يقول " وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا" الإسراء: 29.

والذي تحذر منه الحركة هو الانسياق وراء شهوات النفس، وما يترتب عن ذلك من مهالك مادية ونفسية، وضبط هذه الشهوات بتوجيه الكسب والإنفاق للضروري في الحياة، والحاجات الملحة، حذرا من أثر الإفراط في الاستهلاك، ولنا في توجيهات العمرين نموذج رائع في ضبط ميول النفس ورغباتها في الاستهلاك، حيث قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه " أوكلما اشتهيتم اشتريتم؟!" وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه " ما غلا علي شيء إلا استرخصته بتركه"

والذي تدعو إليه الحركة هو الحفاظ على مواردنا وأرزاقنا وعدم تبذيرها والإسراف في إنفاقها، واستحضار التوجيهات القرآنية السابقة،  والحث على القناعة باعتبارها رأس الغنى، ومصدر الكفاف والعفاف والغنى عن الناس، ووسيلة الوقاية من التبذير والإسراف والإفراط في استغلال النعم والثروات التي منَّ الله بها على الإنسان، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم " طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية "رواه البخاري، ويقول أبو بكر رضي الله تعالى عنه  " إني لأبغض أهل بيتٍ ينفقون رزق أيام في يوم واحد"

ففي الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك شكرٌ للنعم، وترسيخٌ لقيم الاعتدال والقناعة، وإحياءٌ لقيم التراحم، وحمايةٌ للعلاقات الأسرية، واستقرارٌ المجتمع، وتصحيحٌ لنظرتنا للمال ووظيفته في الحياة، وحفاظٌ على الموارد الطبيعية، وضمانٌ لسلامة البيئة، وإرساءٌ صحيحٌ لأسس اقتصاد إنساني صديق للإنسان والبيئة، انطلاقا من مرجعية رحيمة بالبيئة وليست مدمرة لها، كما فيه ضمان لحياة كريمة لنا وللأجيال القادمة.

ما هي أهم الأهداف التي تسعون إلى تحقيقها من وراء هذه الحملة؟

يمكن إجمالها في تسليط الضوء على هذه الظاهرة التي أضحت ثقافة مجتمعية تطال مختلف الفئات على اختلاف وضعياتهم الاجتماعية،  وأصبحت مرضا يواصل الزحف والانتشار في المجتمع دون أن يجد أي خطوة رادعة له وتُوقِفُ أثره، ثم الإسهام في تشخيص أسباب وعوامل تضخم ثقافة الاستهلاك، والاجتهاد مع مختلف الفاعليين للحد منها ومحاصرة أسبابها وعواملها، والتشجيع على ثقافة الاقتصاد والتوسط والاعتدال في الإنفاق الفردي والأسري للحد من التبذير والإسراف في المجتمع، وما ينتج عنه من مخاطر تسيئ لعلاقة الإنسان بخالقه، وتؤثر في علاقاته الاجتماعية، وتهضم حقوق الفئات الفقيرة والضعيفة، وتجهز على الثروات الطبيعية والبيئية.

فالهدف الكبير من وراء الحملة هو المساهمة في إرساء نظام معتدل في الاستهلاك يعود أثره بالسعادة التي يرجوها المستهلك من استهلاكه دون الوقوع ضحية وعبدا للاستهلاك، وهذا لن يتحقق بعيدا عن نظرة الإسلام وتوجيهاته في الكسب والنفقة، وفلسفته في العيش، ورؤيته للحياة، وقد أكدت بعض الدراسات النفسية أن المقومات الرئيسية للسعادة في الحياة لا ترتبط بالاستهلاك كما يتوهم الكثير من الناس، بل في الرضا بالحياة الأسرية، وما يتعلق بها من قيم اجتماعية تراحمية، وفي الإسلام علاج متكامل هو عبارة عن قيم وأخلاق موجهة لسلوك الإنسان وأفكاره بما يضمن لها الرؤية السليمة للحياة، والمنهج القويم في العيش.

ما الوسائل والآليات التي ستعتمدونها في حملتكم، وهل هناك شركاء لكم في تنزيل هذه الحملة؟

ستوظف الحركة وطنيا العديد من الوسائط التواصلية التي تستهدف أعضاءها ومتعاطفيها وعموم الناس، تخاطب فيهم عقولهم وضمائرهم، وتوقظ عزيمتهم وهممهم للتخفيف من هذه الظاهرة، انطلاقا من قيم الإسلام وتعاليمه، واعتمادا على معطيات الواقع ومؤشراته، وسائط متنوعة بين ملصقات إشهارية وبطائق ووصلات وأقراص مدمجة.. فضلا عن التواصل المباشر مع عموم الناس من خلال الندوات والحملات التواصلية، كما تركت الحركة لفروعها حرية الإبداع في الوسائط والوسائل والآليات التواصلية والتأطيرية وفق خصوصية المنطقة وتحدياتها، وتجليات الظاهرة فيها، وبالنسبة للشركاء فالحركة تمد يدها لكل الفاعلين في مجال التربية والاقتصاد والمجتمع المدني والإعلام للمساهمة في الحد من هذه الظاهرة، وقد تواصلت مع مجموعة من الهيئات والمؤسسات المدنية والإعلامية، وتتوقع تعاون هذه الهيئات، كل في مجال اشتغاله وتماسه وتواصله مع المجتمع، وأملنا أن تتحول الحملة إلى قضية مجتمعية يساهم كل من جانبه في التوعية بها للحد من آثارها وانعكاساتها.