الثلاثاء, 03 تشرين2/نوفمبر 2015 11:56

توجيه تربوي بمناسبة انعقاد مجلس الشورى الجهوي لجهة الشمال الغربي

توجيه تربوي بمناسبة انعقاد مجلس الشورى الجهوي

الدورة العادية الثانية ـ الموسم الدعوي 2015 ـ 2016.

الحمد لله، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما يهدي للتي هي أقوم، وفرقانا بين الحق والباطل، ونورا مبينا يبدد ظلمات الجهل ويكشف زيف الجاهلية.        

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مدح عباده المؤمنين لما تحلوا به من صفات ترضيه فقال: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الشورى: 38] و أشار إلى حكمة الراشدين في تدبير الأمور مجسدة في قول ملكة سبأ : " ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون" ونبه على سلوك الضالين المضلين متمثلا في قول فرعون: " ما أريكم إلا ما أرى"

وأصلي وأسلم على من تخلق بأخلاق القرآن الكريم وجعله الله تعالى أسوة حسنة للمؤمنين محمد رسول الله وخاتم النبيئين صلى الله عليه وسلم، جعل من أصحابه رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، أهل مشورته، في السلم كما في الحرب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

الإخوة الكرام، الأخوات الكريمات أعضاء مجلس الشورى الجهوي  

سلام من الله تعالى عليكم أيتها الوجوه المسفرة، الضاحكة المستبشرة، سلام عليكم يوم ولدتم ويوم تموتون ويوم تبعثون أحياء، سلام عليكم يوم تتوافكم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، سلام عليكم حين تدخل عليكم الْمَلَائِكَةُ مِنْ كُلِّ بَابٍ يقولون سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.

نحمد الله تعالى على بلوغكم سالمين، صَحِبَكُم الله تعالى في سفركم، وخلفكم سبحانه في أهليكم وأبنائكم، واستودعتموه دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم فاستبشروا بحفظ الوديعة { فَاللَّهُ خَيْرٌ حِفظا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64]، وغدوتم من أهليكم تتبوِأون مقاعد للدعوة فاستبشروا بعتق من النار، وعجلتم إلى مرضاة ربكم فاستبشروا برضاه.

أيها الإخوة الكرام، أيتها الأخوات الكريمات، كم نحن ـ أعضاء المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح بجهة الشمال الغربي كم نحن سعداء أن نلتقي بكم اليوم بمناسبة انعقاد مجلس الشورى الجهوي في دورته الثانية العادية، وأعظم بها مناسبة يلتقي خلالها الأحبة في الله عز وجل، وتتجدد بها رابطة الأخوة الإسلامية، وتتوثق عرى الإيمان ونستكمل شعبة من شعبه، هي شعبة التشاور، ونجدد العهد مع الله تعالى وفيما بيننا على مواصلة الإصلاح ـ إصلاح النفس وإصلاح ذات البين، وإصلاح المجتمع، والوقوف إلى جانب شعبنا وطننا ضد المفسدين في الداخل وأعداء الخارج، ومساندة أمتنا في وجه الحملات الاستعمارية المقيتة بشتى أصنافها رغم طول المشوار وعوائق الطريق متأسين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناشد ربه قائلا: أن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ومتأسين كذلك بصحبه الكرام وبركب الصالحين من عهد آدم عليه الصلاة والسلام وإلى اليوم، ومستبشرين بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين. وقبل أن نبدأ في مشاورتكم ننوه إلى أننا قد بدأنا بما بدأ الله تعالى به في قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] فسألنا الله تعالى لنا ولكم العفو، واستغفرناه سبحانه لذنوبنا وذنوبكم.

أيها الإخوة الكرام، أيتها الأخوات الكريمات، إنه من هداية الله تعالى وتوفيقه أن نغتنم هذه الفرصة لنتحدث بنعم الله ونذكرها، وإن من أعظم تلك النعم أنه سبحانه انتدبنا لمهمة الدعوة إليه والتعريف به وبهديه، وإيضاح سبيله، لعلنا نكون سببا في الهداية والنجاة لمن قدر له الله تعالى ذلك. وإنها لحقا مهمة شريفة بين سبحانه قدرها فقال: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]

ومهمة بهذا الفضل لا يجوز أن تكون ضربا في عماية، بل إنها تحتاج إلى أعلى درجات التبصر والتفقه حتى تؤدى بإحسان قال الله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} [يوسف: 108] ومعنى البصيرة التفقه في الدين لمعرفة سنن الله تعالى في خلقه ومقاصده من أحكامه وتشريعاته، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى التفقه في الواقع قصد تقدير الصلاح والفساد الموجودين فيه تقديرا معتدلا ومتوازنا ثم ترتيب أولويات إصلاحه بما يتوافق مع أحكام الدين وتعاليمه.

ولعل من المستجدات التي شهدها عصرنا الحالي أن صار الواقع البشري يشهد تحولات سريعة ومؤثرات متعددة، الأمر الذي جعل من الصعب بل من المستحيل على الفرد الواحد مهما أوتي من الملكات والقدرات أن يستقل بفهمه ناهيك عن محاولة إصلاحه. ولما كان هذا هو واقع الحال فإننا نعود طائعين مستسلمين إلى هديه تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]. إن التعاون على البر يجب أن ينصب على تحديده أولاً قبل أن ينصب على فعله، فالمصالح الخالصة عزيزة الوجود وليس هناك خير محض، كما أنه ليس هناك شر محض، فما من مصلحة إلا وفيها مفسدة وإن قلت على البعد، وما من مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلت على البعد، وإزاء هذا الاختلاط والتشابك قد يضل الإنسان الطريق ويسيء العمل وهو يحسب أنه يحسن صنعا فلا عاصم لنا إلا بالتشاور بيننا واستخارة الله عز وجل.

لقد كشف الله تعالى عن طبيعة الإنسان فقال: {وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } [النساء: 28]، وقال {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]، وقال: { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا } [المعارج: 19 - 21]، فمقابل هذا الضعف وخاصة ضعف الرأي يحتاج الإنسان إلى تقوية، ومقابل العجلة في النتائج واتخاذ القرارت يحتاج الإنسان إلى التروي والتأني، ومقابل الجزع من المكاره يحتاج الإنسان إلى الصبر والتحمل، ومن أراد أن يتحقق له ذلك فملاذه في الشورى مع العمل الجماعي المنظم في ظلال الأخوة الإسلامية الصادقة.

إن مشروعنا الإصلاحي بقدر ما يحقق من النجاحات ويرسخ من المكاسب بتوفيق من الله تعالى وفضله، بقدر ما تشتد ضراوة المؤامرات التي تحاك ضده كما تزداد الضربات الغادرة الموجهة إليه قساوة. وليس ذلك بغريب أوجديد، بل هو سنة من سنن الله تعالى التي لم تتخلف عن أنبيائه والمصلحين من عبادهإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ  [آل عمران: 120] ولا حاجة بنا إلى التمثيل على تلك الضربات والمؤامرات، بل نحن في حاجة إلى أن نتبصر بسبل المجرمين ونزداد منها حذرا، كما أوصى بذلك الله تعالى نبيه عليه السلام فقال: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ  [الأنعام: 55]، وحاجتنا أن ندفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وحاجتنا أن يلزم كل واحد منا موقعه الذي وضعه الله تعالى فيه ويحصنه ولا يتركه فيأتيه العدو من قبله.

أيها الإخوة الكرام أيتها الأخوات الكريمات، سنعرض عليكم اليوم البرنامج السنوي الذي سنشتغل وفقه بعد أن تصادقوا عليه، كما سنعرض عليكم مجمل الأعمال التي أنجزناها خلال الموسم الدعوي المنصرم، وفي هذا المقام يجدر بنا أن نذكر بشيء من رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء وكتبها لعباده المتقين المتبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ» قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] قَالَ: «ذَلِكِ العَرْضُ» أما كيف يكون هذا العرض فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ المَازِنِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي، مَعَ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا آخِذٌ بِيَدِهِ، إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] " أسأل الله تعالى لنا ولكم دوام الستر من العيوب في الدنيا والآخرة و المغفرة الواسعة يوم الحساب والتوفيق للطاعات وصالح الأعمال والحمد لله رب العالمين.

مصطفى قرطاح