الجمعة, 02 أبريل 2010 11:42

من جواهر الكلام / محمد شهبون

شذرات الذهب من كلام إبراهيم بن أدهم
تقديم:

لقد حفلت كتب السير والتراجم ومصنفات الوعظ والرقائقببساتين غناء ورياض فيحاء من كلام السلف الصالح...والمتنقل بين هذه الأسفار –متأملاما ألقته ألسنة هؤلاء الأعلام- يحس بمتعة خاصة لعمق المعاني وبلاغةالألفاظ.

وإن من نعمة الله تعالى على كثير من هؤلاء الأخيار الكبار أن جعلهميوظفون غزارة علومهم وذكاء عقولهم وفصاحة كلامهم لنصح الناس وتبصرتهم بطرق الهدايةوالرشاد، الموصلة إلى رضى رب العباد، في المبدإ والمعاد..فكانت كلماتهم بذلك صوىمضيئة ومعالم هادية نفع الله بها كثيرا من الخلق على مدى العصور المتعاقبة والأزمانالمتلاحقة.
وحتى لاأطيل في هذا التقديم، هاكم معشر الإخوة والأخوات شذرات منهذه الجواهر- لست فيها أكثر من جامعٍ منتقٍ- ونبدأها بكلمات قليلة في التعريفبصاحبها رحمه الله تعالى.

بطاقة تعريف:

إنه أبو إسحاق إبراهيم بنأدهم، البلخي الخراساني ولد حوالي 100 هـ بمكة لأسرة غنية جدا تتقلب في كل ألوانالنعيم الدنيوي، غير أن الله تعالى قذف في قلب إبراهيم حب الزهد والتقلل من متاعالدنيا، فرغب عن مال أبيه وعاش متكسبا بيديه يأكل من سعيه الشخصي، مجتهدا في الطاعةوالعبادة وتحصيل العلم والعطف على الفقراء حتى وافاه أجله سنة 162 هـ.

نماذج من جواهر كلامه:

1-
مالنا لا يُستجاب لنا؟؟ نموذج في الوعظالجماعي:
بينما إبراهيم بن أدهم رحمه الله مقيم في البصرة، إذ جاءه أهلهايسألونه: يا إبراهيم، إن الله تعالى يقول في كتابه: {ادعوني أستجب لكم} (غافر: 60) ونحن ندعو الله منذ أمد غير قصير فلا يستجيب لنا؟! فأجابهم رحمه الله قائلا: "ياأهل البصرة، ماتت قلوبكم بعشرة أشياء:
أولها: عرفتم الله، ولم تؤدوا حقه .
الثاني: قرأتم كتاب الله، ولم تعملوا به .
الثالث: ادعيتم حب رسول الله صلىالله عليه وسلم، وتركتم سنته.
الرابع: ادعيتم عداوة الشيطان، ووافقتموه .
الخامس: قلتم : نحب الجنة، ولم تعملوا لها .
السادس: قلتم : نخاف النار،ورهنتم أنفسكم بها.
السابع: قلتم: إن الموت حق، ولم تستعدوا له .
الثامن: اشتغلتم بعيوب إخوانكم، ونبذتم عيوبكم.
التاسع: أكلتم نعمة ربكم، ولم تشكروها .
العاشر: دفنتم موتاكم، ولم تعتبروا بهم."

2-
كيف تعصي الله؟؟ نموذجللوعظ الفردي:

وعلى الوزان نفسه، أتى رجل إبراهيم بن أدهم فقال : يا أباإسحاق إني مسرف على نفسي ، فاعرض علىّ ما يكون لها زاجراً ومستنقذاً.
فقالإبراهيم: إن قبلت خمس خصال ، وقدرت عليها لم تضرك المعصية.
قال: هات يا أباإسحاق.
قال: أما الأولى: فإذا أردت أن تعصي الله تعالى ، فلا تأكل من رزقه.
قال: فمن أين آكل وكل ما في الأرض رزقه؟
قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكلرزقه وتعصيه؟
قال: لا… هات الثانية.
قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكنشيئاً من بلاده.
قال: هذه أعظم ، فأين أسكن؟
قال: يا هذا! أفيحسن بك أنتأكل رزقه ، وتسكن بلاده ، وتعصية؟!
قال: لا… هات الثالثة!
قال: وإذا أردتأن تعصيه ، وأنت تأكل رزقه ، وتسكن بلاده ، فانظر موضعاً لا يراك فيه فاعصه فيه؟!
قال: يا إبراهيم! وكيف ذلك وهو يطلع على ما في السرائر؟
قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكل رزقه ، وتسكن بلاده ، وتعصيه وهو يراك ويعلم ما تجاهر به وماتخفيه؟!
قال: لا.. هات الرابعة.
قال: فإذا جاءك الموت ليقبض روحك ، فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحاً ، وأعمل لله صالحاً!
قال: يرحمك الله يا أبا إسحاق،ملك الموت لا يقبل مني؟
قال: يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب، وتعلم أنه إذا جاءك لم يكن له تأخير ، فكيف ترجو وجه الخلاص؟
قال: هاتالخامسة!
قال: إذا جاءك الزبانية يوم القيامة ، ليأخذوك إلى النار، فلا تذهبمعهم؟
قال: إنهم لا يدعونني ، ولا يقبلون مني ..
قال: فكيف ترجو النجاةإذن؟
قال: يا إبراهيم ، حسبى ، حسبي ، أنا أستغفر الله وأتوب إليه..
فعاشالرجل طائعا لمولاه حتى جاءه أجله.

3-
مقام ومقال:

وهذه طائفة منمواقف هذا الإمام مع أناس سألوه عن حاله، أو استفهموه عن حالهم:
-*
خرج إبراهيمبن أدهم إلى الحج ماشيا فرآه رجل راكب على ناقته ,فقال له:
إلى أين يا إبراهيم؟قال :أريد الحج. قال:أين الراحلة فإن الطريق طويلة؟
فقال : لي مراكب كثيرة لاتراها قال : ماهي؟
قال: إذا نزلت بي مصيبة ركبت مركب الصبر.
وإذا نزلت بينعمة ركبت مركب الشكر.
وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضا.
فقال له الرجل: سر على بركة الله، فأنت الراكب وأنا الماشي.
-*
ومر إبراهيم بن أدهم على رجل حزينمهموم فقال له :إني سأسألك عن ثلاثة فأجبني.
فقال الرجل الحزين: نعم.
فقالابراهيم :أيقع في هذا الكون شيء لا يريده الله ؟
فقال الرجل :لا.
قالابراهيم:أفينقص من رزقك شيء قدره الله.
فقال الرجل : لا.
قال ابراهيم: أفينقصمن أجلك لحظة كتبها الله ؟
فقال الرجل :لا.
قال ابراهيم : فعلامالحزن؟؟
4-
رسائل سريعة:
وإليكم أيها الأحبة رسائل سريعة من درر هذا الإمامالعلم رحمه الله تعالى، يقول:
ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه منربنا.
وقال: كل سلطان لا يكون عادلاً فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيًّافهو والذئب سواء، وكل من ذلَّ لغير الله، فهو والكلب سواء.
على القلب ثلاثةأغطية: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص، الحريص محروم. وإذاحزنت على المفقود فأنت ساخط، والساخط معذب. وإذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجبيحبط العمل.
قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثرالهم والجزع.
يقول إبراهيم بن أدهم رحمه الله : " إذا كنت بالليل نائماوبالنهار هائماً وفي المعاصي دائماً فكيف تُرضى من هو بأمورك قائماً ؟!
وقالرحمه الله : إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك،وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع فيقلبك واقطع الطمع إلا من ربك.
قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن التوبةبالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني.
ما ألهم الله عبداً الاستغفار وهويريد أن يعذبه.
من لم يواسِ الناس بماله وطعامه، وشرابه، فليواسهم ببسطالوجه، والخلق الحسن.
الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الذهب والفضة؛ لأنكتبذلهما في تحصيلها.
عجباً للرجل اللئيم! يبخل بالدنيا على أصدقائه، ويسخوبالجنة لأعدائه.
شكا رجل إلى إبراهيم كثرة عياله، قال إبراهيم: ابعث إلي منهممن ليس رزقـه على الله، فسكت الرجل.
لا يَقِـلُّ مع الحق فريد، ولا يقوى معالباطل عديد.
من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومنأطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.


خاتمة:

هذه شذراتمن كلام الإمام الزاهد والعلم العابد إبراهيم بن أدهم رحمه الله ، تقدم صورة واضحةعن معادن أولئك الرجال وما حباهم الله تعالى به من نقاء في الجنان، وبلاغة فياللسان.
أسأل الله أن يثيبه عليها، وأن ينفعنا بها.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

2013 جميع حقوق النشر محفوظة لموقع حركة التوحيد والاصلاح. Développé par NOOV