ما من يوم أو حتى ساعة تمضي إلا ويخسر فيها الفلسطينيون المزيد من الأرض، سواء من خلال التمدد الاستيطاني أو إفساد الأراضي الزراعية، فالتراب أيضاً تعرض للتجريف، شأن السياسة ذاتها التي سعت بدورها إلى تجريف الذاكرة، وإعادة رسم التضاريس من خلال شبكة مواصلات جديدة، عزلت القرى والمدن عن بعضها، بل حوّلتها إلى ما يشبه الثآليل المحاصرة التي راهن الاحتلال على عزلها عن الدورة الدموية للبلاد، بحيث تجفّ بالتدريج وتذبل وتموت .
إن هذا ما سمي مراراً كسب الوقت وليس شراءه، كما قال بعض الذين لا يرون من المشهد إلا السطح، أو من جبل الجليد إلا الجزء الناتئ منه .
والاحتلال يحصل على الوقت بالمجان، ونادراً ما يكلفه ذلك غير ما يمارسه من تضليل إعلامي وحجب الحقائق بما تبثه آلته الإعلامية من غبار ودخان، وما تبقى من الضفة الغربية الآن خارج السطو الاستيطاني هو نسيج مُتقطع، وكيان لا يمتلك من العناصر الأساسية ما يكفي لنشوء دولة قابلة للحياة، ومنذ احتلال الضفة عام 1967 سعت الدولة العبرية بمختلف الوسائل إلى العمل على تكريس الاحتلال وفق منهجين، أحدهما من صميم الاستراتيجية الصهيونية، تمارسه الحركة لا الدولة، والآخر، مجرد تكتيك يجري تسويقه عبر الميديا لذر الرماد في العيون، وما قيل عن لجوء دولة الاستيطان إلى المراوغة في السلام، وافتعال العقبات كي لا يستكمل أي شرط من شروطه لم يكن في حقيقته سوى التعبير الدقيق عن استراتيجية كسب الوقت وتحويل ما هو عابر إلى أمر واقع، ومن ثم مطالبة العالم بالاعتراف بأن ما سلب بالاحتلال العسكري تحول إلى استحقاق سياسي .
وما كان لنظرية النمو الطبيعي التي أضيفت إلى فلسفة الاستيطان أن تظهر على هذا النحو، وتجد من يصدقها لولا ما تم من كسب الوقت، فالمقصود بالنمو الطبيعي أو الديمغرافي للاستيطان هو تكاثر عدد المستوطنين عبر جيلين على الأقل، لهذا تقترن هذه النظرية بكسب الوقت، والسّعي الدؤوب إلى مضاعفة هذا الكسب .
لقد كان عنصر الزمن ولا يزال أساسياً في هذا الصراع، وثمة من وصفوا المشهد الراهن لهذا الصراع على أنه نمط غريب من الحوار الذي يدور بين طرفين، أحدهما يجلس داخل البيت المدجج بالسّلاح، والمحروس من كل الجهات، والآخر يقف بجانب النافذة تحت سماء ممطرة وعاصفة، لهذا فإن من يتدفأ داخل البيت ليس في عجلة من أمره بخلاف من يقف في العراء، وقد يكون هذا الوصف الدراماتيكي لصراع فقد التكافؤ بعد حذف المقاومة، به قدر من المبالغة، لكنه لا يخلو من الدلالات الواقعية والتي نراها ونسمعها يومياً .
أما المتوالية النفسية التي كانت في الصميم من البرنامج الصهيوني فهي احتلال المزيد من الأرض كي تنحصر المطالبة في ما استجد على حساب ما طويت ملفاته، وبهذا المقياس فإن احتلال الضفة الغربية وغزة بالتحديد كان النموذج الأوضح لهذه المتوالية، بحيث كرس احتلال عام 1967 ما احتل عام ،1948 وأصبح أعلى سقف للمطالبة بالحقوق هو العودة إلى حدود الرابع من يونيو/ حزيران عام 1967 .
وقد فهمت بعض الأطراف مسألة كسب الوقت على نحو بالغ السلبية، وتوهمت أن القبول بالمتاح هو أفضل من العدم، لكن هذا الحاسوب الأخرق والغبي تحول إلى سلاح آخر في يد الاحتلال .
خيري منصور
المصدر: دار الخليج

